حصار المعادي

حصار المعادي

108 0

خرج الاثنان من فتحة تهوية قديمة لخط المترو، ليجدا نفسيهما في أحد الشوارع الجانبية الهادئة بالمعادي. كانت خطوط الأشجار الكثيفة التي تميز الحي تشكل ظلالاً طويلة ومخيفة تحت ضوء القمر الشاحب. بدت المنطقة وكأنها هجرت على عجل؛ حقائب سفر ملقاة في الشوارع، بوابات الفيلات مشرعة، والهدوء هنا كان أشد رعباً من ضوضاء صلاح سالم، لأنه كان هدوءاً يسبق العاصفة.

كان جسد فريدة يشتعل من الحمى، وعيناها نصف مغلقتين، بينما كانت تتمسك برقبة آدم التي تنضح بالبرودة. آدم كان يتحرك بخطوات ثقيلة ومتقطعة، الرصاصة المستقرة في فخذه والخرطوش في ظهره جعلا كل خطوة بمثابة عذاب صامت، لكنه لم يتوقف، ولم يصدر أي شكوى. كان دافعه الوحيد هو الأنفاس الدافئة التي تلامس عنقه، والعهد الصامت الذي قطعه لها: *لن تموتي ما دمتُ موجوداً "

"آدم..." همست فريدة بصوت مبحوح، وهي تشير بوهن نحو نهاية الشارع. "العمارة اللي هناك دي.. اللي واجهتها زجاج مكسور.. دي عمارة ياسمين.. إحنا وصلنا."

نظر آدم إلى المبنى المقصود. كان يضم خمسة طوابق، مدخله الرخامي الفخم كان ملطخاً بآثار دماء جافة، وبابه الزجاجي الضخم محطم تماماً بالرصاص. ولكن الأسوأ من ذلك، كان هناك حشد من المتحولين، حوالي عشرين جسداً، يتحركون ببطء حول مدخل العمارة كذئاب تحاصر وكرًا.

أدرك آدم أنه بجسده المنهك وجراحه المفتوحة لن يستطيع خوض معركة مباشرة لحماية فريدة. وضعها برفق خلف حاجز شجيرات كثيفة، ونظر في عينيها. كانت حدقتاه الرماديتان تشعان بنوع من الوداع، كأنه يعرف أن هذه قد تكون حركته الأخيرة.

"آدم.. هتعمل إيه؟" سألته والخوف يمزق ما تبقى من وعيها.

لم يجب. انحنى وقبّلها على جبهتها الساخنة بشفاه باردة كالثلج، في حركة بشرية يائسة، ثم التفت واندفع نحو الشارع الرئيسي بعيداً عن العمارة.

بدأ آدم يضرب على هياكل السيارات المحطمة، وأطلق زئيراً مدوياً شق صمت المعادي، زئير متحدٍ ومستفز. التفتت الرؤوس العشرين نحو مصدر الصوت فوراً. رأوا أمامهم متحولاً مصاباً يتطاول عليهم، وبفعل الغريزة الجماعية الشرسة، اندفع القطيع بالكامل نحو آدم، تاركين مدخل العمارة خالياً.

تراجع آدم راكضاً بصعوبة، يجر قدمه المصابة، ليقودهم بعيداً في الأزقة المظلمة، مانحاً فريدة الفرصة التي تحتاجها.

دمعت عينا فريدة، وزحفت بكل ما تملك من إصرار، مستندة على الجدران حتى دخلت مبنى ياسمين. المصعد كان معطلاً ومفتوحاً على بئر مظلم. بدأت تصعد السلالم خطوة بخطوة. كل درجة كانت كجبل. جسدها يرتجف، وركبتها تنزف، وحمى الالتهاب تجعل الرؤية أمامها مزدوجة.

"الدور الثالث.. شقة 7..." كانت تردد في سرها كتعويذة بقاء.

وصلت أخيراً إلى الطابق الثالث. كان الممر غارقاً في الظلام، ورائحة الموت هنا كانت نفاذة. تقدمت نحو الشقة رقم 7، وانقبض قلبها برعب أوقف دقاته؛ باب الشقة الخشبي الفخم كان مخلوعاً من مفصلاته، وبه آثار فأس وضباب دموي متناثر على الجدران.

"ياسمين..." همست فريدة وهي تدخل بخطوات مرتجفة.

الشقة كانت مقلوبة رأساً على عقب. أثاث محطم، شاشة التلفزيون ملقاة على الأرض، وصور ذكرياتهما معاً في الجامعة منثورة في كل مكان ومغطاة بالتراب والدم. سارت نحو غرفة النوم، الباب كان مغلقاً من الداخل لكنه مخترق بضربات عنيفة.

دفعت الباب ببطء، وهي تصلي في سرها ألا ترى ما تخشاه.

داخل الغرفة، تحت ضوء القمر الخافت القادم من النافذة المفتوحة، كان هناك جسد يجلس على الأرض، ظهره مستند إلى السرير، ورأسه ساقط على صدره. كان يرتدي نفس البيجامة الوردية التي كانت ياسمين ترتديها في آخر صورة أرسلتها.

"ياسمين؟" نادت فريدة، وسقطت على ركبتيها بجوارها.

ارتفع رأس الجسد ببطء. لم تكن ياسمين التي تعرفها. كانت عيناها بيضاوين تماماً، وبشرتها الجميلة تحولت إلى لون رمادي كالح، وشفتيها ملطختين بدماء جافة. بمجرد أن رأت فريدة، أصدرت حشرجة جوع شرسة، وحاولت الاندفاع نحوها، لكن قدمها كانت محشورة ومسحوقة تحت خزانة الملابس الثقيلة التي سقطت عليها أثناء الهجوم، مما منعها من الحركة.

صديقة عمرها.. الشخص الوحيد الذي جازفت بحياتها وعبرت جحيم القاهرة من أجله.. تحولت إلى مسخ يبحث عن لحمها.

انهارت فريدة تماماً. لم تتراجع للخلف خوفاً. بل تقدمت وارتمت في أحضان ياسمين المتحولة، ممسكة بكتفيها وهي تبكي بنحيب يمزق الحجر. "ياسمين! أنا فريدة! أنا جيت يا حبيبتي.. متعمليش فيا كده.. كلميني! أنا جيت وجبت آدم معايا عشان ننقذك.. متسبنيش لوحدي!"

كانت ياسمين المتحولة تحاول جاهدة عض كتف فريدة، وأسنانها تصطك بقوة على بعد سنتيمترات من رقبتها، مدفوعة بالفيروس، غافلة تماماً عن دموع صديقتها التي تبلل وجهها الشاحب.

وفي وسط هذا الانهيار الباكي، ظهر ظل ضخم عند باب الغرفة.

كان آدم. كان قميصه قد تمزق بالكامل، وجسده مغطى بجراح جديدة وعميقة من أثر المعركة التي خاضها بالخارج ليتخلص من القطيع ويعود إليها. كان يتنفس بصعوبة (حشرجة فيروسية تائهة)، وعيناه الرماديتان ينبعث منهما حزن لا ينتهي وهو يرى المشهد.

التفتت فريدة إليه، ووجهها مغطى بالدموع والدم الملوث، وقالت بصوت ميت، صوت شخص فقد كل رغبة في الحياة: "آدم.. ياسمين راحت.. أنا معنديش حد تاني في الدنيا دي."

نظرت إلى ياسمين التي كانت ما زالت تحاول قضم الهواء لتصل إلى عنقها، ثم نظرت إلى آدم، ومدت رقبتها نحو ياسمين بوعي غائب مستسلمة: "خليها تاكلني يا آدم.. خليني أتحول معاها.. أو أموت.. أنا مش عايزة أعيش في العالم ده تاني."

خطا آدم خطوة نحو الداخل. نظر إلى فريدة المستسلمة للموت، ثم إلى ياسمين المتحولة.

وفجأة، وبحركة لم تتوقعها فريدة، امتدت يد آدم القوية لتبعد فريدة برفق ولكن بحسم عن ياسمين. جثا آدم أمام ياسمين، ونظر في عينيها البيضاوين. صدرت من آدم همهمة خافتة، نغمة صوتية خاصة بالزومبي، كأنه يتحدث معها، كأنه يواسيها أو يستأذنها.

ثم التفت إلى فريدة، ونظر إليها بنظرة تفيض بالأمل الزائف والحنان الطاغي، ونطق بكلمات متقطعة ولكنها واضحة هذه المرة: "فـ.. ريدة.. لـأ.. أنا.. هـ.. نا."

أشار بيد نحو ياسمين، ثم وضع يده الأخرى على قلبه الميت، وكأنه يقول لها: *أنا بديل عن كل من فقدتِ.. أنا عائلتكِ الآن.*

ثم التقط آدم مسدساً كان ملقى على الأرض (ربما سقط من أحد المهاجمين)، ووضعه في يد فريدة المرتعشة، ووجه فوهة المسدس نحو جبهة ياسمين مباشرة. كان يعلم غريزياً أن بقاء ياسمين هكذا هو عذاب لها، وأن منحها "الراحة الأبدية" هو خيار الرحمة الوحيد.

كانت يد فريدة ترتجف بعنف، وإصبعها على الزناد. ياسمين تزمجر أمامها، وآدم يسند يدها بيده الباردة ليمنحها القوة. كانت لحظة مشحونة بأقصى درجات الوجع الإنساني؛ حيث يتعين على فتاة مصابة بالحمى أن تقتل صديقتها الوحيدة، بمساعدة زومبي يحبها أكثر من حياته.

"سامحيني يا ياسمين..." همست فريدة، وأغلقت عينيها.. ودوى صوت الطلقة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبيبي المتحول

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/05/22 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة