كانت خطوتهم الأولى خارج السوبرماركت أشبه بالسقوط في هاوية. شوارع مصر الجديدة التي كانت يوماً تضج بالحياة، أصبحت الآن لوحة سريالية مرعبة؛ سيارات متفحمة اصطدمت ببعضها البعض لتصنع حواجز من حديد ونار خامدة، واجهات المحلات الزجاجية محطمة، وبقايا ملابس وأوراق تتطاير مع الهواء البارد. الرائحة في الجو كانت خانقة، مزيج من حريق قديم ورائحة الموت الكامن في الأزقة.
تمسكت فريدة بحزام حقيبتها بقوة، وكانت عيناها تدوران في كل اتجاه. بجانبها، كان آدم يتحرك بخطوات ثابتة، رأسه المرفوع يلتفت ببطء يميناً ويساراً، وكأنه يستشعر الخطر بحواس لم تعد بشرية. النظارة الشمسية السوداء والـ (هودي) الكحلي جعلاه يبدو كظل غامض يحميها.
فجأة، اهتز هاتف فريدة في جيبها. اهتزازه صدم جسدها كصعقة كهربائية. سحبته بسرعة لترى شريط الشبكة يرتفع لشرطة واحدة ضعيفة وتختفي. "فيه شبكة! ثانية واحدة بس!" همست بلهفة وصوت يرتجف.
وصل إشعار برسالة صوتية من ياسمين. ضغطت فريدة على زر التشغيل بوعي غائب، وقربت الهاتف من أذنها.
جاء صوت ياسمين باهتًا، متقطعاً، ومصحوباً بنشيج بكاء مرير وصوت خبط عنيف على أبواب خشبية في الخلفية: تفريدة.. لو سمعتي الرسالة دي.. متجيش المعادي.. المنطقة وقعت.. الشباب عملوا لجان بس اللجان اتمسكت.. اللجان ماتت يا فريدة! دخلوا العمارة.. أنا قفلت على نفسي الأوضة بس هما بره.. هما كتير أوي.. أنا خايفة.. خايفة أوي يا فريدة.. سامحيني لو..."
انقطع الصوت. وتوقف معه كل شيء في عالم فريدة.
تصلب جسدها، وسقط الهاتف من يدها على الأسفلت ليتحطم زجاجه. شعرت بالدوار، الأرض تميد بها، وصوت ياسمين الباكي يتردد في أذنها كأنه ناقوس يعلن نهاية كل أمل. صديقة عمرها، الشخص الوحيد المتبقي لها في هذا الكون، تواجه الموت في هذه اللحظة، أو ربما واجهته بالفعل.
"ياسمين..." همست فريدة، وانفجرت دموعها الحبيسة منذ أيام. لم تعد تهتم بالزومبي، ولا بالبقاء، سقطت على ركبتيها في منتصف الشارع، ودفنت وجهها بين يديها، وجسدها ينتفض بنحيب يمزق الصدر. كانت لحظة انهيار كامل، لحظة واجهت فيها حقيقة أنها قد تكون وحيدة تماماً في عالم ميت.
دموع فريدة وصوت نحيبها، رغم خفوته، كان كافياً لخرق الصمت المطبق للشارع.
من وراء سيارة ميكروباص مقلوبة على بعد أمتار، ظهرت ثلاثة أجساد. لم يكونوا من الزومبي البطيء؛ كانوا من الفئة الأكثر رعباً، أولئك الذين تحولوا حديثاً وما زالت عضلاتهم تملك مرونة شرسة. بمجرد أن لمحوا فريدة، أطلقوا صرخة حادة ومزقوا الصمت باندفاع مرعب نحوها.
"فريدة!" لم ينطق آدم الكلمة، لكن حركته كانت أسرع من أي صوت.
قبل أن تستوعب فريدة الخطر، اندفع آدم وجثا أمامها بالكامل، جاعلاً من جسده العريض درعاً بشرياً. وفي أقل من ثانية، اصطدم به أول الزومبي المهاجمين بقوة هائلة أطاحت بهما أرضاً.
استيقظت فريدة من صدمتها على مشهد مرعب. آدم يتصارع على الأسفلت مع زومبي هائج يحاول عضه في رقبته، بينما الزومبي الثاني والثالث يقتربان بسرعة لتمزيقهما معاً. الخوف على آدم في تلك اللحظة طغى على خوفها على نفسها. هذه لم تعد أنانية بقاء؛ هذا كائن يموت (أو يفقد ما تبقى من وجوده) لحمايتها.
أمسكت فريدة بالطاسة التيفال الثقيلة من الأرض، وبكل ما تملك من غضب وحزن متبقٍ في جسدها، اندفعت نحو الزومبي الثاني الذي كان يهم بالقفز فوق آدم. ضربته بكل قوتها على جانب وجهه، لتسمع صوت كسر واضح، سقط على أثره أرضاً يتلوى.
لكن الثالث كان أسرع، التف وقام بدفع فريدة لتسقط على حافة رصيف إسمنتي، لتشعر بألم حاد يمزق كتفها. صرخت ألما، وعندما رفع الزومبي يده ليمسك بها، حدث شيء غير مجرى المعركة.
آدم، الذي كان يحاول إبعاد الأول عن رقبته، رأى فريدة تسقط وتصرخ. في تلك اللحظة، صدر منه زئير مرعب، زئير لم يكن زئير زومبي يبحث عن طعام، بل كان زئير غضب خالص وحماية مستميتة. بقوة خارقة، دفع الزومبي الذي فوقه بقدمه ليطير أمتاراً، واندفع كالسهم نحو الزومبي الذي يهدد فريدة.
أمسكه من الخلف، ورفعه بالكامل ثم هبط به على الأرض بقوة زلزلت المكان. سقطت النظارة الشمسية عن عيني آدم، لتظهر عيناه الرماديتان اللتان كانتا في هذه اللحظة تشعان ببريق مرعب، ملامحه الشاحبة كانت تنبض بغضب بائس. لم يتوقف؛ ظل يضرب الزومبي ليضمن أنه لن يتحرك مجدداً، للتأكد من أن الخطر عن فريدة قد زال تماماً.
أصبح الشارع هادئاً مجدداً، باستثناء صوت أنفاس فريدة المتلاحقة والباكية.
التفت آدم إليها ببطء. صدره يعلو ويهبط برغم عدم حاجته للأكسجين، قميصه الكاروهات والـ (هودي) تمزقا تماماً من جهة الكتف والصدر، ليظهر جرح عميق أحدثته مخالب الزومبي الأول أثناء الصراع؛ جرح ينزف ذلك السائل الرمادي الداكن.
زحفت فريدة نحوه وهي تتأوه من ألم كتفها، ودموعها تجري بلا انقطاع، لكن هذه المرة خوفاً عليه. "آدم... أنت اتمزقت خالص..." رفعت يدها المرتعشة ولمست حافة الجرح على كتفه. "أنا آسفة.. أنا السبب.. صراخي هو اللي جابهم."
نظر آدم إليها. غضبه المرعب تبخر في ثانية ليحل محله ذلك الهدوء الغريب والعميق. انحنى والتقط نظارته الشمسية المحطمة، ونظر إليها بحزن، كأنه يعتذر لها لأنه لم يعد يستطيع إخفاء حقيقته المرعبة عنها.
"مش مهم النظارة.. مش مهم أي حاجة"، قالت فريدة وصوتها يتهدج، وهي تسحب من حقيبتها زجاجة مياه وقطعة قماش نظيفة. بدأت تطهر جرحه ببطء، وكانت يداها ترتجفان وهي ترى كيف يضحي هذا الكائن بنفسه من أجلها. "أنت حمتني.. للمرة الثانية بتنقذ حياتي وأنت مش مجبر على ده."
آدم لم يتحرك، تركها تضمد جرحه، وكانت عيناه الرماديتان مثبتتين على عينيها الباكيتين بتركيز شديد. رفع يده الشاحبة ببطء شديد، ووضع إصبعه على وجنتها، ليمسح دمعة ساخنة سقطت من عينها. برودة إصبعه تلاقت مع سخونة دموعها، في مشهد تختلط فيه مشاعر الرعب بأقصى درجات الإنسانية والنبل.
لم تبتعد فريدة، بل أسندت وجهها بخفة على يده الباردة، وأغلقت عينيها. في وسط هذا الدمار، وتحت سماء القاهرة الكئيبة ورسالة ياسمين المرعبة، نبتت بينهما رابطة أقوى من الصداقة، رابطة التزام مطلق بالبقاء معاً.. أو الموت معاً.
امتدت يد آدم الأخرى، وأشار ببطء نحو الجنوب.. نحو طريق المعادي. لم يتراجع عن الخطة، وكأنه يقول لها: سنذهب لإنقاذ صديقتكِ، مهما كلفنا الأمر.
مسحت فريدة دموعها، ونظرت في عينيه مباشرة وقالت بنبرة مشحونة بالإصرار: "هنروح يا آدم.. مش هنسيب ياسمين. ولو متنا.. هنموت وإحنا بنحاول."
💛🧡Esraa💛🧡