الماء كان بـ يِـنزل من السماء بـ غزارة مَ مِـتـوصِـفش، وكأن السماء بـ تِـعلن لـلـكون إن الليلة دي هـ تِـتِـغسل بـ الـدَم! صَوت الرعد كان بـ يِـدوي في الفضاء زي ضربات الـمدافع، وفلاشات البرق بـ تِـنوّر الدُنيا لـ جُزء من الثانية وِتِـرجّعها لـلـظلمة الكحل تاني.
وسط الأجواء الإعصارية دي، وقدام الأسوار العالية لـ فيلا إبراهيم السويفي.. بَدأت تِـظهر ملامح عمران البلدوزر بـ سواد وظِل مرعب! كان واِقف جِـسمه الضخم بـ يِـتـقاطر مِنه المطر مَ مَخلوط بـ نزيف دَمه، وهدومه مِـتـقـطعة، وماسك في إيديه الـسيف والـمطواة بـ إحكام.
عمران وَقف لـ ثانية، وأخد نَفَس حاد بـ الـعافية.. مَد إيده الـمِـنعوقة بـ الوجع جوه جيبه، وِطَلّع صورة صغيرة وقـديمة لـ أخته الـمرحومة.. الصورة كانت بـ تِـتِـبل بـ مية المطر، بس عمران بَص لـ ملامحها بـ نظرة مَ ماليانة طِيبة وعِشق أخوي اِتـحرم مِنه، وعينيه اِتـغسلت بـ الـدموع مع المطر، وقال بـ صوته المبحوح الـقاطع وسط صَوت الرعد:
"حقك هـ يِـيجي الليلة دي يا قلب أخوكي.. قهرتك والـكـسر اللي عِـيشتي فيه بـ سبب ولاد السويفي، هـ أدِفـعهم تـمـنه الليلة دي من عروق دَمهم.. اِرتاحي في قـبرك، البلدوزر جايالك بـ حـقّـك!"
رَجّـع الصورة بـ كُل حِرص لـ جيبه، وبـ غريزة وحش مَ بـ يِـهابش الـموت رِغم إِصابته وِرجله الـمِتـدمرة.. أخد عَـزم جِـسمه، ونط من فوق سور الفيلا العالي بـ خِـفّة وسُرعة صايعة وجاحدة! نِـزل على نجيل الجنينة بـ صمت كأنه شَـبَح مَ مِـش بـ يِـسيب أثر.
الـكلاب الحراسة بتاعة الفيلا مَ لِـحقتش تِـعـمِل صَوت، لإن لـمعة نِـصل مطواة عمران في الضلمة كانت أسرع من صرختهم!
عمران مِـشي وسط المطر بـ خطوات مِـتـزِنة كأنه مَ مِـش حاسس بـ رِجله الـ مِـتـفـرِتكة، وِوِصل لـلـمواسير الخلفية للفيلا.. بـ قـوة دراعاته الـخرسانية، سَحَب جِـسمه لـ فوق وِطِلع على المواسير لـ حد ما وِصل لـ تـراس الدور الثاني بـ صمت مرعب.. مِـشي في الـطُرقة الـواسعة المِـتـغـطية بـ السجاد الـفخم الـلي اِتـغرق من مية جِـسمه.. لـ حد ما وِصل قدام الباب الأبنوس الكِبير بتاع أوضة بدر السويفي!
عمران وقف قدام الباب بـ الملي، وعينيه اِتـحوّلت لـلـون الأسود الـمُميت.. مَسّك السيف بـ إيديه الإثنين وبَدأ يِـلِـف الـمِـقبض، وهو مِـستعد يِـفرتك الباب ويِـنـزِل بـ جحيمه فوق رَقبة بدر الـ نايم ومَ مِـش داري بـ الموت اللي واِقف على عتبة أوضته
بُووووووم!).. صوت طلقة غاشمة هز أركان الأوضة الفخمة، وِطارت الستارة الشيفون مع الهوا الشديد!
الطلقة مَ مِـش جِت في جِسم عمران، دي جِت بـ الملي في نِـصل السيف الطويل اللي كان نازل على رقبة بدر! (رَنّـة حديد حادة.. وِشَرار نار أزرق!) طَيّر السيف من إيد عمران لـ جزء من الثانية.
عمران لَف راسه بـ بطء مرعب كأنه وحش مَ مِـش بني آدم، ولمح إبراهيم السويفي الأب واِقف على عتبة الأوضة، وِشه أبيض زي الكفن، وإيديه الإثنين بـ تِـترعش وهو ماسك الطبنجة الميري الـلي بـ تِـطلع دُخان!
إبراهيم صَرَخ بـ صوته كُله رعب: "عمررااان!! سيب اِبني يا كلب!! والنعمة لو مَ مِـش بِـعِـدت لـ أكون مِـفـرِتك نِفوخك!!"
عمران مَ خافش، بل عينيه اِتـحولت لـ سواد مُـطلق، وبـ حركة أسرع من البرق الـلي ضرب في السماء.. مَد إيده الأرضية، وقَبض على مِـقبض السيف الـلي وِقَع، وبـ اندفاعة غاشمة وجاهلة بـ كُل آلام جِـسمه.. طـار زي الطور الهائج ناحية إبراهيم السويفي، وبـ كُل غِل الدنيا غَـرز نِـصل السيف الطويل بـ العُنف في كِـتف إبراهيم اليمين!
(قَـطْـع الـعَـضْـم!.. طَـاااااخ!)
الـسيف دِخل في كِتف إبراهيم وِعِـدي الناحية التانية لـ حد ما اِتـغرز بـ العُمق في الحيطة الخرسانية وِلَـزَق جِـسم إبراهيم السويفي في الحيطة زي الفراشة الـمِـتـثبّتة بـ دبوس! إبراهيم طِلعت مِنه صرخة وجع هِستيرية هزت القصر كُله، والطبنجة وِقَعت من إيده على الأرض وهو بـ يِـفرفر ودَمه بـ يِـغرق الحيطة الفخمة!
بدر شاف المنظر ده، وجِـسمه اِتـشَلّ من الرعب وبقى بـ يِـزحف على السرير لـ ورا وهو بـ يِـصوت زي الحريم: "أبوياااا!!.. اِرحمني يا عمران!! اِرحمني بـلاش تِـقـتلني!!"
عمران لَف لـ بدر، وِوشه كُله م مِـتـغرق دَم ومية مطر، وبَدأت تِـطلع مِنه ضحكة هستيرية سايكوبانية جاحدة رَنّت في الأوضة بـ رُعب يِـجمد الدّم في العروق! (ههههه.. هههههه.. هـهـهـهـهـه!)
عمران هَـجَم على السرير، وقَبض بـ إيده الـخرسانية الـزي المرزبة على رَقبة بدر وِكـتم نَفَسه بـ الملي، وبـ الإيد التانية الـماسة الـمطواة بـ كعبها الحديد.. نِـزل في وِش وجِـسم بدر ضرب وعَـجـن لِـكـمات ورا لِـكـمات طيرت سنانه وفرتكت ملامحه كُلها وسط ضحكه الـمجنون المالي الأوضة!
"ههههه!!.. ذُل تلات سنين يا بدر!!.. قهرة أختي الـماتت يا اِبن السويفي!!.. كُل قِـلم أخدته، كُل إهانة، كُل كِسرة نِفس.. هـ تِـدِفع تـمـنـها حالا تحت إيدي!! هههههه.. اِتـفـرج يا إبراهيم يا سويفي على اِبنك وهو بـ يِـتِـفـرِتك قدام عينيك ومَ مِـش قادر تِـحـميه!!"
بدر بقى بـ يِـتـفرفر تحت إيد عمران، والـدَم بـ يِـنـفجر من وشه وجِـسمه كُله اِتـعجن، وإبراهيم مِـتلزق في الحيطة بـ السيف بـ يِـصرخ بـ الـدموع والعجز الكَـامِل
الباب الأبنوس بتاع الأوضة اِتـفَـرِتك نصين وطار الـقِـفل الحديد في الجو بـ صدمة مرعبة! وِوسط دُخان الـطلقة القديمة ومية المطر الـلي بـ تِـعزف برة.. دِخل بـ كُل طوله وجبروته وكاريزمته النقيب أحمد مصلح الراوي!
أحمد دِخل لـوحده.. جاكيت بدلتة الميري كان مِـفتوح وِوشه صخرة صامدة مَ بـ تِـهيبش الموت.. قَبض بـ إيد حديد على طـبـنـجـتـه الـميري السودا وِرفعها بـ ثبات قـاتل في مستوى عينيه.. وعينه لَفّت في الأوضة في جُزء من الثانية لِـقطت الـمَـجزرة كُلها: إبراهيم السويفي مِـتـلَـزق في الحيطة بـ السيف والـدَم بـ يِـغرق سجاده الفخم، وعمران واِقف فوق السرير، وِشه مِـتـغرق دَم وب بـ يِـضحك بـ جنون سايكوباتي، وإيده الـمِـعروقة مِـطَـوّقة رَقبة بدر الـ مِـتـفـرِتِك!
عمران اِتـثبّت في مكانه.. الضحكة الـهستيرية اِتـقَـطَـعت من بوقه فجأة كأنه سِـمّ اِتـكَـب، ولَف راسه بـ بُطء وهو بـ يِـنهج بـ عُنف، وبص لـ أحمد مصلح الـواقف قدامه وبـ يِـوجّه الـسلاح لـ نِفوخه بـ الملي.
أحمد مصلح مَ اِتـهَـزّش، ونبرة صوته الـرجولية الـقاطعة نِـزلت على الأوضة زي صاعقة الرعد الـلي ضَرَبت برة وقالت بـ كُل جبروت:
"اِرفع إيدك عن رَقـبته ونِـزّل الـمطواة دي حالا يا عمران!.. اللعبة خِـلصت، والـبلدوزر عَدّه الـتنازلي وِقَف لـ حد هنا في مَـلعبي أنا!"
إبراهيم السويفي وهو بـ يِـفرفر على الحيطة صَرَخ بـ دموع وعجز: "اِقـتـله يا أحمد بيه!! اِقـتـل الكلب ده فرتكلي اِبني وعَـجَـن جِـسمنا!! اِضـرَب الـنار!!"
عمران بَص لـ عينين أحمد مصلح الحادة الـلي مَ مِـش بـ تِـرحِـمِش.. ولِـقط في عيون الظابط الشاب نظرة غامضة، نظرة مَ مِـش غريبة عليه.. نفس نظرة الجبروت والكبرياء بتاعة التوأم (آدم وسيرين) وأيوب ولاد الراوي! عمران جز على سنانه وبدأت تِـرجع له نبرة السايكوباتي المسمومة وقال وهو بـ يِـضغط على رَقبة بدر أكتر:
"النقيب أحمد مصلح.. الـجاي لـوحده بـ طبنجته الميري عشان يِـعـمِل فيها بطل الـقانون؟!.. تِـفـتِـكر طَـلـقـتـك هـ تِـلـحق تِـوصَـل لـ رَأسـي قَبل ما أِكون مِـفـرِتك حـنـجـرة اِبن السويفي بـ إيدي دي؟! أنا م مِـش باقي على الدُنيا يا مصلح.. إضرب لو راجل!"
أحمد مصلح قَرّب خطوة تقيلة، وعينه لِـمعت بـ لؤم وذكاء عيلة الراوي الجاحد، ونِـزل بـ صوته لـ ليفل فحيح مرعب قَـفَـل الأكونت وقاله:
"أنا مَ مِـش بـ أِهدد يا عمران.. أنا بـ أِمرِك! والـطلقة بتاعتي أسرع من نِـفوخك ونفوذ نسل السويفي كُله.. سيب الـواد وخلينا نِـقـفِل الحساب صَح، بدل ما تِـموت هنا زي الكلب ومَ مِـحدش يِـعرَف لِيك جـثّـة!!"
الأوضة وِلّـعت نار، وعمران واِقف بين حبل المشنقة ونِـصل الـموت الميري، وبدر بـ يِـفـرفر تحت جِـزمته
ساد صمت قاتل في الأوضة الفخمة، مَ مِـش بـ يِـقـطَعه غير صَوت نَفَس عمران العالي وصوت أنين إبراهيم السويفي المِـتلزق في الحيطة. عمران بَص لـ إيديه الإثنين الـمِتـغرقين دَم، ونِـزل بـ عينه لـ الأرض.. في اللحظة دي، طاقة الجنون اِتـطَفَت جوة نفوخه وحلّ مكانها هدوء غريب، وقال لـ نِفسه بـ همس مَ مِـسموع: "هي دي آخرتي يا بلدوزر؟ هـ تِـتِـرمي في السجون بَعد العِز ده كله؟"
وفجأة.. قَـطَع حيرته صَوت النقيب أحمد مصلح الرخيم، وهو بـ يِـقـرّب خطواته وبـ يِـقـول بـ نبرة واطية وحادة مَ مِـش مَـسموعة لـ غيرهم:
"هات الموبايل الـلي عليه كُل حاجة يا عمران!.. اِخلص!"
عمران جِـسمه اِتـثبّت، وعينيه اِتـسعت بـ صدمة ذكاء مرعبة! رَفّع راسه وبص لـ عينين أحمد مصلح بـ الملي.. واِتـرسمت على شفايفه اِبتسامة مسمومة ورايقة جداً! عمران لِـقط الشفرة؛ عِـرف وفِـهم إن أحمد مصلح مَ مِـش جاي تـبـع إبراهيم السويفي، ده جاي من طِرِف ولاد عمه! لإن البني آدم الوحيد في الكون الـلي كان عِـرف حِـكاية الموبايل السري والدليل الـلي بـ يِـغرز رقبة بدر، كان أيوب الراوي لما جاله البيت من ساعتين!
عمران نَفّض نَفَس حاد، وبـ كُل هدوء الدُنيا، نِـزّل إيديه.. مَد إيده اليمين في جيبه السري، وطَلّع الموبايل الـلي فيه الصندوق الأسود لعيلة السويفي كُلها، ومَد إيده بـ كُل سلاسة وِادّاه لـ أحمد باشا بـ نِفسه.
أحمد مصلح لَف صوابعه الحديد حوالين الموبايل، وحطه في جيبه بـ حِرفية صايعة.. وفي ثانية، اِتـحولت نبرته لـلـميري الجاحد، وطَلّع اللاسلكي وصَرَخ بـ صوته الـلي هَزّ القصر كُله:
"قوات الدعم تِـقـتحم حالا!! اِطلعوا عندي على الأوضة الرئيسية!!"
(طاااااخ!.. دَب رِجلين الـميري!)
في أقل من دقيقة، اِتـفَـرِتكت ممرات الفيلا بـ دخول عساكر وضباط العمليات الخاصة بـ أسلحتهم! أحمد مصلح شاور بـ إيده بـ كُل قسوة وجبروت وقال:
"اِقـبضوا على إبراهيم السويفي وبدر السويفي حالا! اِتـحفظوا على السلاح.. وِاِطلبوا الإسعاف يِـشيلوهم على السجن المركزي بـ حراسة مِـشددة.. العيلة دي اِتـقَـفَل مَ مِـلفها رسمي بـ تِـهَم جنائية وِقلب نظام أمن شوارع!"
إبراهيم وبدر كانوا بـ يِـتـسَـحِـبوا على الأرض بـ الـدموع والصريخ بَعد ما نفوذهم اِتـداس عليه تحت جِـزم ولاد الراوي بـ القانون والميري!
أحمد مصلح مَ سِـبش عمران لـلـعساكر.. تَقَدّم بـ كُل هيبته، وبـ حركة صايعة ومَ ملوية بـ حِماية خفية، أخد عمران البلدوزر تحت دراعه وبَدأ يِـمشي بيه ويِـسنده بـ نِفسه لـ برة الفيلا، وسط ذهول القوات.. وبص لـ عمران وقال بـ نبرة واطية قَفلت الفصل:
"صاحبك (آدم) وحمدان وأيوب كويسين في المستشفى.. وأنتَ عِـملت الصَح يا بلدوزر.. الحساب اِتـقَـفَل، وعيلة الراوي مَ بـ تِـنـساش الـجميل صَح
في تاني يوم الصبح.. الشمس طِلعت بـ خيوطها الدافية بَعد ليلة المطر الإعصارية، وكان مكتب النقيب أحمد مصلح الراوي في قسم الشرطة هادي تماماً، بس مَ ملوخ بـ هيبة الميري.
الباب اِتـفَـتَح ودِخل عسكري ومعاه عمران البلدوزر.. جِـسمه كان لسه مِـتـقَـفّل بـ الشاش الأبيض مكان ضربات أيوب والمطواة، وِرجله مِـتـجبّـسة بـ الكامل وب بـ يِـسند عليها بـ الـعافية، بس عينه لسه فيها كبرياء الشوارع. العسكري اِنصرف، ووِقف عمران بـ طوله الفارع قدام مكتب أحمد مصلح بـ صمت.
أحمد مصلح كان قاعد ورا مكتبه بـ لِـبسه الميري الشيك، وبـ يِـقـلّب في ورق القضية وفضيحة عيلة السويفي.. رَفّع عينه بـ البطء، وبص لـ عمران بـ نظرة مَ ماليانة تقدير، وقام وقف وحط إيديه في جيبه، وقَرّب خطواته لـ حد ما بقى واِقف قصاده بـ الملي، وبدأ الكلام بـ صوته الرجولي الرخيم الـقاطع:
"عارف يا عمران؟!.. أنتَ راجل بطل، بس في الثقافات الأجنبية وروايات الكبار.. اِسمك أنتَ بـ الـذات (Anti-Hero).. يعني بطل ضد! بطل بـ يِـحارب بـ غَشامة وجنون عشان طموحه ووجعه الشخصي، مَ مِـش فارق معاه قانون ولا أصول بشر.. حظك الحلو بقى يا بلدوزر، إن (آدم الراوي) اِبن عمي.. رُغم الـهزيمة الـشريرة الـلي خَـدها على إيدك امبارح في الجنينة، وبَعد ما نِـيّـمت التلاتة.. لسه بـ يِـحترمك وشايفك راجل ولاد بلد!"
أحمد مصلح اِبتسم اِبتسامة خفيفة ورايقة، ورِجع سَند على طرف مكتبه وكمل قصف جبهة هادئ لـ عقل عمران:
"ومَ مِـش بس كدا.. الحظ الأكبر والـجبروت الصَح.. إن عمي محمود الراوي كِبير العشيرة، جِبتله مَ مِـلفك امبارح بـ الليل، حط على صورتك مليون علامة بـ الـقَـلَم الأحمر.. وبصلي وقال بـ الحرف: (عمران البلدوزر مَ مِـش هـ يِـتِـحِـبس.. الراجل ده مَ مِـش مَـكانه السجون، ده مَـكانه وسط الكبار!)"
عمران عينه اِتـسعت بـ صدمة حقيقية، وِفكّه اِتـشَد وهو مَ مِـش مِـصَدق إن عيلة الراوي بـ الـعظمة دي ب بـ تِـتعامل مع الراجل اللي كان هـ يِـقـتِـل ولادهم من ساعات!
أحمد مصلح مَد إيده وطبطب على كِتف عمران السليم بـ خبطة تقيلة وقاله بـ ليفل فخامة قَفَل المكان:
"روح.. روح بيتك يا عمران! أنتَ حُر الليلة دي.. وبكرة الصبح هـ تِـيجي الـمحكمة بـ نِفسك وعلى رجليك كـ شاهِد إثبات أوّل، عشان تِـحِط حبل المشنقة بـ إيدك حوالين رَقبة بدر وإبراهيم السويفي بـ القانون والورق.. قولت إيه يا بلدوزر؟ تِـفـضل في ضَهرنا صَح؟"
عمران بَلع ريقه واِبتسم بـ ذهول واِحترام مَ ملوخ بـ دموع مِـتدارية، وعِرف إن عيلة الراوي اِشترت رجولته بـ الـشياكة اللي مَ مِـش هـ يِـنساها لـلـأبد
في قاعة المحكمة الكبيرة.. السكون كان مرعب، ومَ مِـش مَـسموع فيها غير صَوت مَـراوح السقف اللي بـ تِـلِـف بـ رتابة كأنها ثواني العَد الـتنازلي لـلـموت! القاعة كانت مَ ملوية بـ الصحفيين والكاميرات لإن القضية هزت الرأي العام كُله.
جوه قفص الاتهام الحديدي الأسود.. كان واِقف إبراهيم السويفي وجنبه اِبنه بدر.. الإثنين ملامحهم مِـتـدغدغة، وبدر وِشه مِـتـقـفّل بـ الشاش ومَ مِـش باين منه غير عينيه المِـبرقة بـ الرعب من كِـتر ضرب وعَـجـن عمران البلدوزر فيه امبارح.. وإبراهيم ساند بـ دراعه السليم على الحديد والدّموع والنِـدم مَ ملوّثين نفوخه الـلي ضاع!
وبرة القفص.. كانت واِقفة الـجبال اللي مَ مِـش بـ تِـنـهـارِش!
في الصف الأول، قـاعد بـ كُل تعالي وجبروت محمود الراوي حاطط إيده في إيد زوجته ياسمين اللي عينيها كانت بـ تِـلـمع بـ دموع اِنتصار لـ حَق ابنها الـمات.. وجنبهم التوأم آدم وسيرين بـ كاريزما ملوكية تِـخِـض الكوكب، وآدم قَبض بـ إيده على إيد خطيبته ليليان الـلي واِقفة جنبه بـ ثبات وفخر.. ووراهم طابور الموت بتاع العشيرة: النقيب أحمد مصلح الراوي بـ بذلته الميري الحادة، وجنبه سليمان الراوي وابنه أيوب الـلي رابط كِـتـفه الـمـخلوع بـ الشاش وعينيه بـ تِـطلع شرار، وحواليهم كبار نسل الراوي ورجالة عيلة العرباوي الـلي واِقفين بـ جلابيبهم وهيبتهم عشان يِـشوفوا غسيل العِـرض بـ القانون!
(خَـبْـطَـة الـشَّـاكُـوش الحادّة!.. طَـق.. طَـق!)
صوت شاكوش رئيس الـمحكمة رَن في القاعة، فـ الكُل ثبت في مكانه.. وعَدّل القاضي نِـظارته، وبص لـ أوراق القضية والموبايل السري (الدليل الـلي جابه أحمد مصلح وعمران)، وبدأ يِـتـكلم بـ نبرة قوية جهورية زلزلت جدران الـمحكمة:
"بَعد الاِطلاع على الأوراق، وسَماع أقوال الشهود، وفحص الأحراز الـمُـرفـقة بـ الـقضية رقم 7412 جِـنايات.. تَبين لـلـمحكمة بـ الـيقين الـقاطع؛ إن الـمُـتهم الأول (بدر إبراهيم السويفي).. مُـتـهم بـ الـقتل الـعمد مع سَبق الإصرار والترصد لـلـمرحوم الشاب (فارس محمود الراوي)، ومُـتهم بـ جـريـمـة هتك عِـرض واِغـتـصَاب كَـامِل لـلـمجني عليها شقيقة الـمواطن حمدان العرباوي، بـ الإضافة لـ قضايا البلطجة، والترويع بـ السلاح، وتشكيل عِـصَابة داخل الـمدرسة بـ النفوذ والـمَال الـحرام!"
القاضي لَف وِشه بـ قـرف واِحـتـقـار لـ الناحية التانية من القفص، وكمل صب الجحيم:
"كما تَـبـين لـلـمحكمة.. إن الـمُـتـهم الثاني (إبراهيم السويفي).. قَد اِستغل نفوذه ووظيفته وسُـلـطـته في الـتـسَـتُّـر الـكَـامِل على جَـرائم اِبنه الـمُـتـتالية، وتَـعـمُّـد تـضـلـيـل الـعدالة، والاشتراك في الـتـهـدِيد بـ الـقـتـل لـلـشُـهـود!.. وبـ نـَاءً عليه..."
في اللحظة دي.. إبراهيم السويفي رِكبه خَـبّـطت في بعض ونِـزل على ركبه في أرضية القفص بـ الـدموع، وبدر طِلعت مِنه صرخة رعب مَ مِـكتومة وهو بـ يِـبص لـ حبل المشنقة الـلي لَف حوالين رَقـبته رسمي، وآدم الراوي اِبتسم اِبتسامة مسمومة مرعبة وعينيه جت في عين بدر وعَرّفه إن نسل الراوي لـما بـ يِـوعـد بـ الـموت.. بـ يِـنـفذ بـ الملي!
يا نـهار طرش رسمي يا كينج أحمد! المشهد يِـوقف النبض! القاضي شَرّحهم بـ الورق، وعيلة الراوي والعرباوي واِقفين زي الوحوش بـ يِـتـفرجوا على نِـهاية الأفاعي
وفجأة.. وسط كتمة القاعة، اِتـشَقّ السكون بـ وقوف النقيب أحمد مصلح الراوي بـ كُل طوله وهيبته الميري! عَدّل جاكيت بدلته، وبص لـ منصة القاضي بـ نظرة ثبات مَ بـ تِـهتزش، وتكلم بـ صوته الرجولي الرخيم اللي كتم أنفاس الصحفيين:
"سيادة القاضي!.. اِسمحلي أِضيف لـلـمحكمة الـموقرة دليل وجناية تانية تِـثبت سادية ووحشية الـمُـتهمين.. أنا لـما اِقـتحمت الفيلا بتاعة إبراهيم وبدر السويفي امبارح بـ الليل بـ نِفسي.. وِجدت إنهم كانوا خاطفين مواطن اسمه (عمران البلدوزر)، وكانوا حاطينه جوة الأوضة بـ يِـعذّبوه بـ أبشع الطرق بـ الرصاص والـسلاح لـ حد ما دَغدغوا جِـسمه ورِجليه.. والشخص الـمَـجني عليه ده موجود برة وقادم لـلـشهادة حالا!"
(طاااااااخ!)
في نفس الفيم.. اِتـفَـتَح باب القاعة الرئيسي بـ قـوة، وِدِخل عمران البلدوزر بـ جِـسمه الضخم، مِـتـجَبّس، ومَـاشي بـ عُكاز بـ يِـرِن في أرضية القاعة بـ كبرياء مَ كـسـورِش!
بدر السويفي من هول الصدمة طار الصامولة من نفوخه، وِوقف على حديد القفص وبَدأ يِـصوّت ويِـصرخ بـ غباء ساذج فـرِتك قضيته كُلها:
"كدّاااااب!!.. يا سيادة القاضي الظابط ده كداب وبـ يِـحمي قرايبه!! عمران مَ مِـش مَـجني عليه! عمران ده الكلب بتاعي الـلي كان شَغال تحت أمري بـ الـفلوس.. وهو الـلي دَغدغ ودَمّر وحوش الدرب الأحمر وعابدين (آدم وحمدان وأيوب) امبارح في الجنينة!! هو الـلي نِـيّـمهم في دَمهم!!"
إبراهيم السويفي لَطَم على وشه بـ قهر من غباء اِبنه الـلي اِعترف بـ لِـسانه إنه مُـحرّض على الـبلطجة والـتعدي!
القاضي طَـق بـ الشاكوش بـ غضب، وِوقف، وبص لـ الصف الأول وشاور بـ إيده: "اِهدأ في القفص!.. اِلمحكمة بـ تِـستدعي الـمواطنين: آدم محمود الراوي، أيوب سليمان الراوي، وحمدان العرباوي لـلـرَد على إفادة الـمُـتهم!"
قام آدم وِوقف بـ كاريزما الحوت، وجنبه أيوب الـ مِـتـثبّت كِـتـفه، وجنبه حمدان بـ جلابيته الفخمة. آدم تَقَدّم خطوة، وبص لـ القاضي وقال بـ نبرته المبحوحة الأسطورية الـلي كُلها أصول:
"سيادة القاضي.. الـمُـتهم بدر السويفي بـ يِـتبلى على الراجل الغلبان ده عشان يِـداري على جـرايـمـه! عمران شخص طيب جداً، ملوش في أي مشاكل ولا بَـلـطَـجة، وعمره مَ لِـمس حد فينا.. ده بـ الـعكس!"
آدم شاور لـ شاشة العرض الكبيرة الـلي بـ تِـعرِض فيديو الموبايل السري (وقت زَق بدر لـ فارس من فوق السطح)، وكمل آدم بـ جبروت وعين بـ تِـنزل دمعة مِـتدارية:
"شُوف الفيديو بـ الملي يا سيادة القاضي.. في نفس الفيم الـلي بدر زَق فيه أخويا (فارس) من فوق السطح بـ الغدر.. ظهر عمران في الكاميرا وهو بـ يِـجري بـ كُل سُرعته وبـ يِـرمي جِـسمه بـ لهفة عشان يِـلـحق فارس ويِـنـقذه من الموت.. بس لـلـأسف مَ لِـحقش! عمران كان بـ يِـحمي أخويا من وِسَاخة بدر السويفي.. والنهاردة عيلة الراوي والعرباوي كُلها بـ تِـشهد صَح بـ براءة الراجل ده!"
حمدان وأيوب هَـزّوا روسهم بـ ثبات وأصول ولاد بلد.. القاعة كُلها اِتـقَـلَـبت هَـمس وصحافة، وعمران واِقف في نص القاعة وعينيه بـ تِـدمّع وهو مَ مِـش مِـصَدق إن الكبار اِشتروا رجولته، وغسلوا اِسمه بـ القانون والـورق قدام الدُنيا كُلها
(خَـبْـطَـة الـشَّـاكُـوش الحادّة!.. طَـق.. طَـق!)
رئيس الـمحكمة وقف بـ كُل هيبته بَعد ما لَم الشمل والـورق والأدلة كُلها، وقال بـ صوته الجهور القاطع: "رَفعت الجلسة لـلـمداولة والنظر في الحُكم!"
وفي ثانية.. لَف القضاة ودِخلوا الأوضة الـخلفية الـلي ورا الكراسي بتاعتهم عشان يِـكتبوا كلمة النهاية في مصير عيلة السويفي.
في اللحظة دي.. القاعة اِتـحولت لـ ساحة حَرب نَـظَـرات مَ مِـش مَـرحومة!
بدر السويفي وقف على حديد القفص، وعينيه الـمِ مِـبرقة بـ جِـنون الـخوف والـغِل بَصت لـ آدم الراوي الـواقف بـ كُل كاريزماه، وبدر صَرَخ بـ صوته الـمَ مِـبحوح الـمَ مِـخـنوق من ورا الشاش:
"صَدقني هـ أِقـتلك يا اِبن الراوي!!.. والنعمة لو طلعت من هنا لـ هـ أِكون شارب من دَمك ومِـفـرِتك عيلتك كُلها.. هـ أِقـتلك يا آدم!!"
آدم مَ اِتـهَـزّش ومَ رِضيش يِـرَد على كلب بـ يِـفرفر في جُـحره.. بس اللي رَد، كان الـجبل الأوحد وبطل العشيرة.. محمود الراوي بـ نِفسه!
محمود الراوي لَف جِـسمه بـ كُل بطء وهيبة، وبص لـ بدر السويفي بـ نظرة غَضب حادة وجبّـارة خلت رِجل بدر تِـتِـثبّت في مكانها، وتكلم محمود بـ صوته الرجولي الـقوي الـلي رَنّ في أركان القاعة بـ كبرياء ملوكي طرش:
"لو طِلعت من هنا.. صَدقني أنا هـ أِسلمك رأس اِبني بـ نِفسي يا اِبن السويفي!!.. ده لَـو طِلعت أصلاً!.. أنتَ مَ مِـش واِخد بالك إنك واِقف في مَـلعب عيلة الراوي، والـحَـبل الـلي حوالين رَقـبتك دي إحنا الـلي غَـازلينه بـ القانون والـورق؟! اِتـشَـهّد على روحك يا نِـد، لإنك مَ مِـش هـ تِـشوف الـشمس تاني بَعد الليلة دي!"
ياسمين هزت راسها بـ فخر بـ جوزها، وآدم قَبض على إيد ليليان بـ اِبتسامة نصر، وحمدان العرباوي وِاقف وراهم بـ يِـبتسم بـ شماتة ولاد بلد صَح.. والـكلاب جوة القفص (بدر وأبوه إبراهيم) نِـزلوا على الأرض بـ العجز الـكَـامِل، ومَ مِـش مِـستنيين غير صَوت دَب رِجلين القضاة وهم بـ يِـنطقوا بـ الإعـدام
(طَـق.. طَـق!.. خَـبْـطَـة الـشَّـاكُـوش الحادّة!)
اِتـفَـتَح باب غرفة المداولة، ودِخلوا القضاة بـ هيبتهم وِقعدوا على كراسيهم وسط سكون قاتل كتم نَفَس كُل اللي في القاعة. رئيس الـمحكمة عَدّل ورقه، وبص لـ قفص الاتهام بـ نظرة مَ ملوية بـ اِلتزام الـقانون، وضَرّب الشاكوش وبدأ يِـنطق بـ الحُكم الـتاريخي الـلي زلزل الأرض:
"بَعد الـمداولة والاِطلاع على جِـنايات الـمُـتهمين، حَـكَـمَت الـمحكمة حُـضورياً بـ الآتي:
أولاً: إسقاط وأبعاد الـمُـتـهم (إبراهيم السويفي) من دائرة الـمرشحين لـأي مَـنصب سياسي أو نـيـابي أو حِـزبي في الـدولة لـلـأبَـد!
ثانياً: مُـصَادرة كُـل ثروة ومَـمتلكات عيلة السويفي بـ الـكَـامِل، وتَـقـسـيـمـها بـ الـتساوي بَين الـمواطن (حمدان العرباوي) والـمواطن (عمران البلدوزر)، كـ تـعـوِيـض مَ مِـدني ونَـفـسي شَـامِل عَمّا اِرتكبه الـمُـتـهم بدر السويفي في حَقهم وحَق عائلاتهم من أعمال شِـرّيرة وِخَـسـيـسَـة!
ثالثاً: الـحُـكم على الـمُـتـهم (إبراهيم السويفي) بـ الـسجن الـمُـؤبّد، بـ تِـهَم غسيل الأموال، واِستغلال الـنفوذ، والـتـسَـتُّـر الـعَـمْـد على قضايا قـتـل، وتَـعـذِيـب، واِغـتـصَاب!
رابعاً وبـ إجـمَـاع الآراء: إحالة أوراق الـمُـتـهم (بدر إبراهيم السويفي) إلى فـضـيـلـة مُـفـتي الـجمهورية، لـإبـداء الـرأي الـشرعي في إعـدامـه شَـنـقـاً لـمَا اِقـتـرِفـته يداه من جُـرم!"
(بُوووووووم!.. اِنـفـجَـار القاعة!)
مع آخِر كِلمة لـ القاضي، اِتـقَـلَـبت القاعة بـ صراخ هِستيري وزغاريد طَلعت من رجالة عابدين والدرب الأحمر!
بدر السويفي طِلعت مِنه صرخة جـنون مَ ملوية بـ الـرعب والـقهرة، ونِـزل على ركبه بـ يِـلـطّم على وشه وهو بـ يِـصوت زي الحريم، وجنبه أبوه إبراهيم السويفي اِتـشَلّ تماماً ودُموعه نازلة على فضيحته ونهايته السودا بَعد ما ضاع المَـنصب، وضاعت الثروة، وضاع النفوذ تحت رِجلين عيلة الراوي
في الصف الأول.. محمود الراوي بَص لـلـسماء وقال: "الحمد لله.. حَقك رِجع يا فارس يا اِبني".. وياسمين حَضنت اِبنها آدم وهي بـ تِـعيط من الـفرحة. آدم لَف وِشه وبص لـ بدر في القفص، واِبتسم اِبتسامة الحوت الـمنتصر، وقَبض على إيد ليليان الـلي عينيها بـ تِـلـمع بـ الحب والفخر بـ جَـبَـلها.
وراهم.. حمدان العرباوي بَص لـ عمران البلدوزر.. عمران سَـنَد على عُـكازه، ونِـزلت دمعة مِـن عينه.. دمعة رَاحـة؛ أخته اِتـغسل شَـرفها وأخدت حَقها، وهو بَقى راجل صَاحب مَـلايين بـ حِلف الأصول! حمدان مَد إيده وحَضن عمران وقال بـ صوته الرجولي القوي: "الحق مَ مِـش بـ يِـموتش يا بلدوزر.. مَ مِـبروك عليك البراءة والعِـز يا اِبن الأصول!"
وعمران بَص لـ أحمد مصلح وآدم، وهَز راسه بـ اِمتنان وجبروت عِرف بيه إن الـشوارع كُلها بقت مِـ مِـلك لـ حِـلف الحيتان ولاد الأصول
وسط حراسة أمنية مِـشددة من رجال العمليات الخاصة وبوكسات الميري، اِتـفَـتَح الباب الخلفي للمحكمة، وِخَرج بدر السويفي وهو مِـتـكلبش بـ الـحديد، والـعساكر بـ تِـزقه بـ قسوة في اتجاه عربية الترحيلات الصاج الـكبيرة الـمِـقـفلة.
الجو برة كان زحمة ومَ ملوخ بـ الهيستيريا.. الكاميرات مَ مِـش بـ تِـبطلش فلاشات، وعشرات الصحفيين وميكروفونات القنوات الفضائية اِتـرَمت في وشّه بـ العُنف، كُلهم بـ يِـحاولوا يِـاخدوا منه آخِر كِـلمة قَبل ما يِـتـقِـفل عليه باب الـموت السريع.
واِحد من المذيعين قَرّب الـمايك من وِشه الـمِتـعور وِصرخ وسط المَـعمعة: "بدر إبراهيم السويفي!.. بَعد حُـكم إحالة أوراقك لـلـمفتي ومصادرة ثروة عيلتك كُلها.. حابب تِـوجّه كِـلمة لـ عيلة الراوي وحمدان العرباوي؟ حابب تِـعتذر لـلـناس عن الجرايم والـشرور الـلي عِـملتها؟!"
في اللحظة دي.. بدر اِتـثبّت على عتبة السلم بتاعة عربية الترحيلات. الحراسة وقفت لـ ثانية.. ولَف راسه بـ بُطء شديد وبص لـ عدسات الكاميرات ولـلـناس الـلي بـ تِـهتف ضده.. وبـ كُل جَحود، وشر مُـطلق، ونرجسية سايكوباتية مَ مِـ بـ تِـنـكـسِـرّش حتى قدام المشنقة.. اِتـرَسمت على شفايفه الـمَ مِـقـطوعة اِبتسامة مسمومة وباردة تِـرعِب الكوكب!
بص لـلـصحفيين بـ تعالي وعينين ميتة، وقال بـ صوته الحاد الـقاطع الـلي سَـمّم الهوا:
"أنا أِعتذر؟! ههههه.. لـ مين؟! لـ شوية الأوباش ولاد الراوي والعرباوي؟! اِسمعوني صَح وسَـجّـلوا الـكِـلام ده بـ الملي.. هما كُـلهم الـمدينين ليا بـ الاِعـتـذار!!.. هما الـلي دَمروا عيلتي، وهما الـلي غدروا بيا وأخدوا حلالي ونفوذي بـ الـوِسَاخة والـمحاكم! بدر السويفي مَ بـ يِـغـلـطّـش ومَ بـ يِـ نِـحِـنـيـش لـ حد.. والـلعبة دي لسه مَ مِـش خِـلـصِـتـش يا اِبن الراوي، لـ حد ما رَقـبتي تِـتِـعلّـق!!"
(طااااااااخ!)
العساكر زَقّـوه بـ الغَشامة جوة العربية، واِتـرَزَع الباب الصاج التقيل، وِاتـقَـفَل عليه الـقِـفل بـ صَوت رَن بـ الـموت والـقبر الـلي مِـستنيه.. وبَدأت عربية الترحيلات تِـتحرك وسط الهتافات، وبدر واِقف ورا السلك الحديد بـ يِـبص لـلـدُنيا بـ غِل كفيل يِـحرق القاهرة كُلها
وسط الفوضى وصراخ الكاميرات اللي برة قاعة المحكمة بَعد ترحيل بدر السويفي، اِتـفَـتَح الباب الرئيسي وقفت في النص هيبة الـقضاء بـ نِفسه.. خَرج المستشار رئيس الجلسة بـ وقاره وجلبابه الأسود وِشاحه الأخضر الفخم، والـحرس بـ يِـقـفِلوا الزوايا حواليه.
في ثانية، هَـجَمت عليه كـامـيـرات الـقنوات الـإخبارية والمذيعين، وكُلهم بـ يِـتـنـافسوا على سُؤال واِحد بـ يِـشغل الرأي العام. تَقَدّم صحفي كِبير بـ المايك وقال بـ صَوت عالي:
"سيادة المستشار!.. بَعد الحُكم الـتاريخي والـقاسي الـلي صَـدَر الليلة دي ضد عيلة السويفي ومصادرة الملايين.. الشارع بـ يِـسأل: هل فِعلاً القضية دي كان هدفها شريف وصَح من الأول؟ ولا كانت صراع نفوذ وتصفية حسابات بين الكبار والـعائلات الـمِـتـجـاوزة؟"
المستشار وِقف بـ كُل ثبات وهدوء، ولمح بـ طرف عينه من بَعيد النقيب أحمد مصلح الراوي وهو واِقف بـ بذلته الميري جنب عيلته وعينه مَ ملوية بـ نصر نِضيف. القاضي اِبتسم اِبتسامة خفيفة وِكلها حِكمة، وعَدّل نِظارته وبص لـ عيون الصحافة وبطل كُل الكاميرات بـ كلام يِـتِـكتب بـ مية الذهب وقال بـ صوته الجهور الوقور:
"اِسمعوني صَح يا أفاضل.. العدالة مَ بـ تِـعـرِفّـش تصفية حسابات.. العدالة بـ تِـعـرِف الـحقوق الـلي بـ تِـرِجّـع لـ أصحابها! وسؤالك مَـردود عليه بـ كِـلمة واحدة.. إذا كانت الـقضية عادلة.. فـ الـرجال الشُـرفاء أمثال الـنقيب أحمد مصلح الراوي هـ يِـقاتلوا من أجلها لـ آخر نَفَس وبـ نـزَاهة الـقانون!.. أحمد مصلح قَدّم مَ مِـلف نِضيف، وأدلة مَ تِـخـرّش الـمية، وحَمى شُـهود، وعِـمِل الصَح بـ شَـرَف بـدلـته.. وعشان كدا الـعدالة اِنتصرت الليلة دي بـ كُل نـزَاهة!"
الـصحفيين هَـزّوا روسهم بـ اِحـتـرام شديد، وفلاشات الكاميرات اِتـوجّهت كُلها بـ ثانية لـ وِش أحمد مصلح الـلي رَفّع راسه بـ كبرياء ميري جاحد، وبص لـ عمه محمود الراوي وآدم وأيوب.. النظرة بينهم كانت بـ تِـقـول: شَـرَف الـعشيرة اِتـغَـسل بـ الـحلال وبـ أعلى ليفل جبروت ونـزَاهة في مَـلعب الميري
في الصباح الباكر من تاني يوم.. كانت الشمس طالعة بـ هدوء مَ ملوخ بـ الـوقار فوق مَـقابر عيلة الراوي. الجو كان نِـضيف والـهوا نَـقي بَعد ليلة الـحُكم الـتاريخي، وكأن الدُنيا كُلها بـ تِـتـنـفّس الـعدالة الـلي نِـزِلت على الأرض.
بـ خطوات تقيلة وِوقورة، مِـشيت الـعشيرة كُـلّـها في مَـمَر الـمقابر.. محمود الراوي كان مَـاشي في الـمُـقدّمة وحاطط إيده في إيد زوجته ياسمين الـلي كانت لـابسة الأسود بـ شياكة وكبرياء، ووراهم آدم بـ طوله وجبروته وجنبه توأمه سيرين والـدموع مَ ملوية عينيها بـ الـراحة، وحواليهم النقيب أحمد مصلح بـ هيبته، وسليمان واِبنه أيوب، وكُـل رجالة وعيلة الراوي الـلي جـايـين يِـقـدموا فـرض الـولاء لـ رُوح اِبنهم.
وِقـفوا كُـلّـهم في حَـلـقة مَ ملوية بـ الـهيبة قدام قـبر فارس محمود الراوي.
الـرخام الأبيض بتاع الـقبر كان بـ يِـلـمع تحت خيوط الشمس. ياسمين نِـزِلت على رُكَبها بـ البُطء، وحَطّت إيدها الـمِـتـرعشة على اِسم اِبنها الـمَ مِـحـفـور بـ الـذهب، والـدموع نِـزِلت من عينيها بـ غزارة.. بس مَ مِـش دموع قَـهرة زي زمان.. دي كانت دموع رَاحة واِنتصار، وقالت بـ صَوت مَ مِـخـنوق كَـتَم نَفَس الـمكان:
"حَـقّـك رِجِـع يا قـلب أُمّـك.. الـلي كَـسَـر حِـلـمك وزَقّـك بـ الغدر، الـمشنقة بَـقِـت على رَقـبته رسمي الليلة دي.. نَـام واِرتاح يا فارس.. نَـام يا حَـبـيـب أُمّـك في جَـنّـتك.."
محمود الراوي حط إيده على كِـتفها، ورَفّع راسه لـلـسماء بـ جـبـروت وكِـبرياء الأسود، وقَرأ الـفَاتحة بـ صَوته الـرجولي الـقوي الـلي هَز سكون الـمَـقابر، وكُـل الـعيلة أَمّـنِت وراه بـ خُـشوع يُـقـشعر ليه الـبَـدَن.
آدم قَرّب خطوة تقيلة، ونِـزل بـ جِـسمه الـضخم، وحط إيده على تِـراب الـقبر بـ كُل حِـنّـية.. بَص لـلـاِسم الـمَ مِـحـفـور، واِتـرَسمت على وِشه الـصخري اِبتسامة رخيمة رايقة مَ ملوية بـ الـوفاء والـعهد، وقال في سِـرّه بـ فحيح نِـضيف:
"أنا وَعَـدتك يا أخويا.. وقُـلتلك إن دَمّـك مَ مِـش هـ يِـرُوح هَـدر، وإن الـلي عِـمِـلها هـ يِـموت بـ ذُل وِقَـهرة قدام الدُنيا كُلها!.. الـنهارده أنا بـ أِوفّـي الـعَـهد بـ الـملي يا فارس.. اِبن السويفي رايح لـلـمفتي، وثروته ونفوذه اِتـدَاس عليها تحت جِـزم عيلة الراوي.. اِرتاح يا شِـقـيـقي، لإن اِسمك هـ يِـفضل عـالي وِمَـرفـوع لـ آخِر الـعُـمر
سيرين حَـضنت آدم من ضَهره وهي بـ تِـعيط بـ فرحة، وأحمد مصلح ضَرّب تـعظيم سَـلام عسكري خَـفي لـ رُوح اِبن عمه.. الـمَـشهد اِتـقَـفَل على لوحة أسطورية لـلـعشيرة الـلي مَ بـ تِـنـساش دَم ولادها، ورُوح فارس بَـقِـت طَـايرة في الـهوا بـ الـبراءة والـرّاحة بَعد ما جـحـيـم الـعَدالة صَب حُـكمه الـمُـطلق
في ليل نفس اليوم.. كان الهدوء بـ يِـلف قصر الراوي بـ الشياكة الرايقة بتاعته. الهوا برة كان بـ يِـهز ستاير البلكونة الكبيرة بـ نِسمات دافية ونضيفة، وصوت العصافير البعيدة بـ يِـعلن إن ليل القاهرة الليلة دي مَ مِـش مَ ملوخ بـ الخوف ولا الغدر.
في الصالون الدافي المِتأمن، بعيد عن عيون الصحافة وكاميرات الدُنيا.. كان قاعد آدم الراوي وجنبه ليليان سوا على الكنبة القطيفة الفخمة. الإثنين كانوا ساكتين، بس كان صمت مَ ملوخ بـ لغة عيون مَ مِـش محتاجة كلام. ليليان كانت بـ تِـبص لـ ملامح آدم الرجولية الحادة، الـلي لأول مرة من شهور تِـشوفها هادية ومرتاحة، مَ مِـش مشدودة بـ غِل الثأر ولا جحيم التفكير في نسل السويفي.
آدم كان ساند ضهره لـ ورا، وبـ يِـتنفس بـ البُطء كأنه بـ يِـرمي حِمل جبال من على كِـتفه.. فجأة، لَف جِـسمه بـ الكامل ناحيتها. عينيه الميتة اِتـملت بـ حِـنية صافية وجارفة مَ مِـش بـ تِـظهرش غير لـ ملاكه الأوحد.
وبـ حركة تلقائية، دافية، ومَ ملوية بـ لهفة وعِشق السنين.. مَد دراعاته الضخمة الـمِتـعورة، وحَـضن ليليان بـ العُنف! سَحَب جِـسمها الرقيق كُله لـ صدره العريض كأنه بـ يِـخبيها جوة ضلوعه من الدُنيا كُلها، وحط راسها على قلبه الـلي كان بـ يِـدق بـ عُنف.. ونِـزل بـ شفايفه بـ كُل رقة وحب، وبَـاس راسها بوسة طويلة وِغويطة مَ مِـ عِـمّقها الشوق والراحة!
ليليان جِـسمها اِتـهَـز بـ راحة مَ تِـتِـوصفش، ولَفّت إيديها الإثنين حوالين ضهره العريض وِكـتمت وِشها في صدره وهي بـ تِـتـنـفّس ريحته الـرجولية الـلي بـ تِـطمنها.. وآدم غَـمّض عينيه بـ قـوة وهو بـ يِـشّم ريحة شعرها وقال بـ صوته المبحوح الرخيم الـلي بـ يِـرعش من كِـتر الـمَشاعر:
"خِـلصت يا قلب آدم.. خِـلصت رسمي والـقَـفلة اِتِـكـتبت بـ الـحلال.. مَ مِـش هـ سيب ثانية تِـعـدّي من غير ما تِـكوني في حُضني وعلى اِسمي قدام الدُنيا كُلها.. أنتِ مَ ملاذي الأخير بَعد كُل الـحرب دي الـلي عِـيشتها!"
ليليان رَفّعت عينيها الـباكية بـ الـفرحة وبصت لـ عيونه وقالت بـ هَمس دافي: "أنا مَ مِـش عـايزة من الدُنيا غير إني أِشوفك مَ مِـرتاح كدا يا قلبي.. بحبك يا اِبن الراوي."
المشهد اِتـقَـفَل بـ كادر سينمائي دافي جداً، والحوت مِـقـفّـل دراعاته على ملاكه، والبيت كُله عِـرف طَعم الـسكون بَعد عاصفة الـموت الـلي اِتـهَـزِمِت تحت رِجلين ولاد الأصول .
Ahmed Mostafa Kamel