الفصل السادس " دموع الشيطان "

الفصل السادس " دموع الشيطان "

23 0

الهدوء المرعب بتاع المقابر اِتكسر فجأة بصوت شهقات باكية ومكتومة. ليليان كانت واقفة، إيديها بـ تِترعش على كبوت العربية، ودموعها نازلة زي المطر على وشها اللي اِتخطف لونه تماماً. عينيها كانت بـ تِتنقل بـ رعب وزهول بين الشاهد الرخام الأسود اللي مكتوب عليه (فارس محمود الراوي)، وبين البني آدم اللي واقف قدامها بـ كُل طوله وجبروته وهيبته.

​عقلها كان بـ يِغلي.. صدمة.. ولخبطة شديدة لأول مرة تِعيشها في حياتها. البني آدم اللي دافعت عنه، وحضنته الصبح، وخافت عليه من بدر.. مَطلعش فارس! طلع شخص تاني خالص، بـ اسم تاني، وجاي من عالم تاني.

​آدم اِتحرك بـ خطوات هادية جداً ورزينة، وِوقف قدامها بـ الظبط. ملامحه الحادة كانت هادية، وعينيه اللي لسه لمعة الدموع فيها بـ تِبص لـ عينيها بـ كُل الصدق اللي في الدُنيا. مَد إيده بـ بطء شديد وحطها على كتفها بـ حماية، وقال بـ صوته المبحوح والعميق:

"ليليان.. اِهدّي. أنتِ مَش بـ تِحلَمي.. دي حقيقة، وده واقع أنا بـ عيشه كُل ثانية من وقت ما دخلت المكان ده. أنا مَش بـ أكدب عليكي.. من وقت ما شفتك بـ الفعل وأنا اِتشديتلك، وقلبي اِتحرك ناحيتك بـجد كـ (آدم)، وعمري.. عمري في يوم ما فكّرت إني أستغلك أو أستخدمك كارت في وسط الحرب والدمار اللي أنا داخل فيه مع بدر وشلته. أنتِ الحتة النضيفة الوحيدة في الليلة دي كلها."

​ليليان رفعت وشها بـ عافية، وبصت في عينيه والدموع مغرقة رموشها. اِسم "فارس" وقف في زورها ومَ قدرتش تِنطقه، وبصت لـ ملامحه بـ تشتت وضياع وهزت راسها بـ رفض تام لـ كُل اللي بـ يِحصل حواليها، وقالت بـ صوت مبحوح وخارج بـ الـعافية مليان قهر:

"آدم... ممكن بعد إذنك تِروّحني دلوقتي؟.. أنا.. أنا مَش قادرة أفكر، ودماغي بـ تِلف.. أنا مِتشتتة جداً ومَش فاهمة أي حاجة.. أرجوك روّحني."

​آدم بَص لـ ملامحها المكسورة بـ نظرة حزينة أوي، وفهم إن الصدمة فوق طاقة اِستيعابها دلوقتي، وإنها محتاجة وقت تقعد فيه مع نفسها عشان تِستوعب إن "فارس" مات، وإن اللي واقف قدامها وبـ يِحميها ده.. هو آدم.

​آدم مَ نطقش بـ حرف زيادة.. اِتنهد بـ ثقل، ولف وفتح لها باب العربية بـ كُل احترام وهدوء، وِركب مكانه وِدور الموتور، وِتحرك بـ العربية في صمت تام، راجع بيها لـ بيتها، والجو بينهم بقى مشحون بـ كابوس الحقيقة اللي اِتكشفت بـ الكامل

​طول طريق الرجوع لحد فيلا ليليان، مفيش كلمة واحدة اِتنطقت بين آدم وليليان. الصمت كان مبهم وتقيل، وكل واحد فيهم كان سارح في ملكوت تاني لحد ما نزلت ودخلت فيلتها من غير ما تبص وراه.

​آدم رجع قصر الراوي، ملامحه كانت جامدة بـ برود وشرود. طلع السلالم بـ هدوء، ومَ دخلش أوضته.. راح خبط على أوضة أخته سيرين ودخل. سيرين كانت قاعدة، وبمجرد ما شافت ملامح آدم المتغيرة والضايعة، مَظهرتش بـ شخصيتها الشديدة أو المرعبة بتاعت كُل يوم.. بل عينيها حنت وبصت له بـ اِهتمام.

​آدم قعد جنبها، ولأول مرة يِفضفض ويِطلع اللي جواه؛ حكى لها بـ نبرة مخنوقة ومبحوحة عن كُل اللي حصل بينه وبين ليليان في المقابر، وعن صدمتها وبكاها لما عرفت الحقيقة.

​سيرين اِتنهدت بـ دفا، وبـ حركة أخت حنينة طبطبت على كتف آدم وحضنته بـ كُل قوة، وقالت له بـ صوت واطي بـ يِطمن قلبه: "اِتطمن يا آدم.. البنت دي بـ تِحبك بـجد، ومَش هـ تِبعد. هي بس مصدومة من المفاجأة، وتلاقيها مِتلخبطة ومَش مستوعبة الفكرة دلوقتي.. بس هـ تِرجعلك تاني، وهـ تِحبك كـ (آدم) زي ما حبتك وأنت لابس قناع فارس، ويمكن أكتر."

​آدم سَند راسه وِسمعها بـ هدوء، فـ سيرين بَعدت عنه شوية وبصت في عينيه وقالت بـ شجن ونبرة مليانة ذكريات قديمة: "عارف يا آدم... بابا من خمس سنين لما اِتخلى عني وعنك، وِبعتك لـ خالتك في الدرب الأحمر عشان تِعيش في الحارة، وِشحنّي أنا على لندن.. أنا من وقتها، ورغم البُعد، كنت دايماً بـ أحس إنك أنت اللي أقرب لـ قلبي من فارس.. وعارف، رغم اِشتياقي لـ فارس وِوجعي عليه، بس أنت هـ تِفضل دايماً أخويا المفضل والسنَد الحقيقي ليا."

​آدم بَص لـ سيرين، واِبتسم اِبتسامة مكسورة مليانة وجع مِتداري من سنين، وقال بـ صوته المبحوح: "عارفة يا سيري... يمكن لو كان أبونا حد تاني غير محمود الراوي... كانت حياتنا كُلها هـ تِكون أحسن بـ كتير من الـقرف والوجع اللي إحنا عايشين فيه ده."

​قفل آدم كلامه وهو بـ يِقوم واِتنهد بـ ثقل، وساب أوضة سيرين ودخل أوضته، وهو شايل على كتافه ذنب أخوه الميت، وِخوفه من خسارة ليليان، وحسابه القديم مع أبوه اللي شقّق العيلة دي من خمس سنين

آدم دخل أوضته، قفل الباب وراه بـ هدوء وسند ضهره عليه في الضلمة. أخد نَفَس طويل وغمض عينيه.. وفي ثانية، هدوء الأوضة سحبه لـ ورا.. لـ ست سنين فاتوا.

​(( فلاش باك - من 6 سنين ))

​الجو كان كئيب جوه القصر. آدم كان يدوب عيل عنده حوالي حداشر أو اتناشر سنة، كان مريض جداً وجسمه دافي، ونايم في سريره جوه أوضته والضلمة مغطية المكان.

​فجأة.. باب الأوضة اِتفتح بـ بطء شديد وبـدون ما يِطلع أي صوت. خيال صغير دخل من الباب بـ حذر.. كان فارس.

​فارس كان بـ يِتحرك بـ خطوات مِترددة، وجسمه كُله بـ يِترعش، وفي إيديه الصغيرة كان ماسك سكينة مطبخ حادة بـ تِلمع تحت ضوء القمر اللي داخل من الشباك! فارس قَرّب من سرير أخوه التوأم آدم، ورَفَع إيده بـ السكينة وهو بـ يِنهج بـ رعب، وكأنه بـ يِحاول يِتخلص من الكابوس اللي مالي حياته.

​ولسه بـ يِقرب عشان يِطعنه... فجأة، النور الصغير بتاع الأباجورة اللي في ركن الأوضة نَوّر!

​فارس اِتخض واِلتفت بـ سرعة.. وِوقعت عينيه على محمود الراوي! أبوه كان قاعد على كرسي جلد في الضلمة، حاطط رجل على رجل بـ كُل هدوء، وبـ يِبص لـ فارس بـ نظرة غضب واحتقار باردة تِجمد الدم.

​السكينة وِقعت من إيد فارس الصغير على الأرض ورنت رنة عالية. عيون فارس اِتملت بـ الدموع وانفجر بـ البكا بـ وجع وقهر طفولي، وبص لـ أبوه وقال بـ نبرة صوت مكسورة تِقطع القلب:

"أنا.. أنا مَش بـ أكره أخويا يا بابا!.. أنا بـ حبه والله!.. بس أنت.. أنت اللي دايماً بـ تِحسسني إني أقل بكتير من آدم! أنت اللي بـ تِقارني بيه في كُل حاجة وتِقولي إني فاشل.. أنت اللي حسستني إني ضعيف ومليش قيمة جمبه، وِخلتني أكره نفسي!"

​محمود الراوي مَ اِتحركش من مكانُه، ولا ملامحه اِتأثرت بـ دموع ابنه الطفيلية، وفضل بـ يِبص له بـ نفس الجمود والنرجسية اللي زرعت الغل بين الأخوات من صغرهم.

​(( عودة للواقع ))

​آدم فتح عينيه في ضلمة الأوضة بـ صعوبة، ونَفَسه كان عالي. مَسح جبهته اللي عِرقت من اِفتكار الذكرى دي، وعِرف إن الحساب مع أبوه محمود الراوي لسه مَ بـدأش، وإن ورا موت فارس حكايات وقهر كتير أوي لسه مَ اِتكشفتش

​تاني يوم الصبح في المدرسة.. الجو كان مشحون. ليليان دخلت الكافتيريا بـ ملامح باهتة وعيون باين عليها قلة النوم والتفكير طول الليل. لَمحت عمار قاعد لوحده على طرابيزة، وحواليه كام طالب من الأغنية بـ يِتنمر عليهم بـ طريقته المعتادة ويِضحك بـ تريقة.

​ليليان مَ مِشيتش ولا اِتودكت؛ دي قربت بـ خطوات ثابتة، ووقفت قدامه بـ الظبط وقالت بـ نبرة جادة وقاطعة: "عمار.. محتاجة أتكلم معاك حالا."

​عمار رفع عينه بـ استغراب، ولما شاف جدية وِشها، قام معاها من غير ولا كلمة وِبعدوا عن الزحمة في ركن هادي. أول ما وقفوا، ليليان بصت في عينيه وقالت بـدون مقدمات: "آدم فين؟"

​الكلمة نزلت على عمار كأنها صاعقة! الصدمة لجمت لسانه، وعينيه وسعت بـ دهشة حقيقية، بس حاول يِلم الدور بـ سرعة وقال بـ لجلجة: "آدم؟! آدم مين يا بنتي؟ أنتِ قصدك فارس طبعاً.. شكلك مَ نِمتيش كويس."

​ليليان بَصت له بـ ثبات ونظرة حادة وقالت: "أنتَ عارف أنا بـ أتكلم عن مين كويس جداً يا عمار.. مَ تِمثلش عليا."

​عمار أخد نَفَس طويل، وملامحه الهزار اِختفت تماماً، ولأول مرة يِبان الوش التاني لـ عمار.. الوش الجاد والذكي. حط إيديه في جيبه وقال بـ نبرة هادية: "واضح إن مشاعرك مِتلخبطة بـ زيادة يا ليليان.."

​أول ما عمار قال الجملة دي.. عقبل ليليان سافر بـ كُل سرعة لـ ورا، والذكريات هجمت على دماغها زي السيل..

اِفتكرت منظر آدم بعد خناقته المرعبة مع جمال في الجيم لما وشه كان مليان غل وقالها "أنا هـ أقتل بدر"، واِفتكرت إزاي هي بـدون وعي راحت حضنته من ظهره عشان تِهدّي البركان اللي جواه..

واِفتكرت لما بدر كان واِقف قدامه بـ عصبية وِغل، وآدم بـ كُل ثقة بـ يِحميها وِحط إيده على كتفها كأنه بـ يِقول لـ الدُنيا كلها دي تخصني..

واِفتكرت خروجتهم سوا وبوكيه الورد اللي خطف قلبها..

واِفتكرت اللقطة الأقوى لما وقف كـ السد المنيع قدام تارا وهي رافعة إيدها عشان تِضربها القلم الثاني، ومسك إيد تارا وِكسر عينها!

​ليليان كانت سارحة وعينيها بـ تِلمع بـ الدموع وسط الذكريات، فـ عمار قَطَع حبل أفكارها وقال بـ صوته الرزين: "شكلك سِرحتي..."

​ليليان بصت له، فـ عمار قَرّب خطوة وبص في عينيها بـ أعلى ليفل من الجدية لـ أول مرة من وقت ما دخل المدرسة، وسألها السؤال الصادم:

"المهم في ده كله يا ليليان... أنتِ حبيتي فارس عشان ضعفه وقِلة حيلته اللي كنتِ بـ تِشفقي عليها؟ ولا حبيتي آدم عشان حسيتي إنه البني آدم الحقيقي اللي هـ يِكون سندك وِدرعك في الدنيا دي؟"

​ليليان اِتسمرت مكانها، والسؤال رن في عقلها كأنه جرس إنذار.. ومَبقتش عارفة تِرد بـ إيه، لإن الإجابة كانت بـ تِرعبها من كتر حقيقتها

على بعد مسافة من الكافتيريا، كان واقف بدر السيوفي، وعينه وعروقه بـ تغلي وهو بـ يراقب من بعيد وقفة ليليان مع عمار والكلام الجد اللي كان بينهم.

​عمران البلدوزر كان واقف جنبه، مربع إيديه وضخامته مغطية المكان، وبص لـ بدر بـ نظرة هادية ورزينة، وقال بـ صوته الخشن والعميق: "ليه مَ تريحش دماغك يا بدر.. وتِشيل البنت دي من حساباتك خالص؟ كدا أحسن لك وأحسن للكل."

​بدر لف راسه بـ سرعة، وبص لـ عمران بـ نظرة كلها غل وتكبر ونرجسية، وقال بـ حِدة وعصبية: "أنا مَ أخدتش رأيك في حاجة يا عمران!.. أنتَ هنا موجود عشان تِسمع الأوامر وتِنفذ وبس.. فاهم؟"

​عمران مَ نطقش، بس ملامحه جِمدت، ونظرة عينه اِتحولت لـ برود مرعب يِخبي وراه بركان، وعِرف إن حسابه مع بدر بـ يِقرب.

​في نفس الوقت.. كانت ليليان بـ تِمشي في طرقة المدرسة بـ خطوات بطيئة وتايهة. ملامحها كانت باهتة، وعقلها مَش بـ يِوقف تفكير.. كانت حاسة إنها ضايعة، ومفيش أي هدف قدامها في المكان ده بعد كُل اللي عرفته عن موت فارس وحقيقة آدم

آدم دخل من بوابة المدرسة الكبيرة متأخر شوية عن الميعاد.. كان ماشي بـ خطواته الرزينة التقيلة، عينيه الحادة بـ تِمسح المكان بـ حذر، وإيديه في جيوب بنطلونه، والكل بـ يِوسع له في الممرات وهو بـ هيبته دي.

​في نفس اللحظة.. كانت تارا طالعة من الكافتيريا، وماشية وسط شلتها. أول ما عينها وقعت عليه، وقفت مكانها، وِملامحها اِتبدلت لـ اِبتسامة خبيثة كأنها بـ تِخطط لـ حاجة في دماغها. سابت شلتها وقربت منه بـ دلال وثقة، ولما وقفت قدامه بـ الظبط، مَدت إيدها اليمين ليه بـ هدوء عشان تِسلم.

​آدم وقف، ونزل عينه بـ استغراب واستهزاء لـ إيدها الممدودة في الهواء، وبعدين رفع عينه الحادة لـ وشها، وقال بـ صوته المبحوح والبارد:

"خير يا تارا؟.. عايزة إيه؟"

​تارا رجعت شعرها لـ ورا بـ خباثة، وبصت له وعينيها بـ تِلمع مَكر، وقالت بـ نبرة صوت ناعمة ومسمومة:

"الصراحة يا فارس.. لما وقفت قدام ليليان من كام يوم لما جيت أضربها، وبوظت الليلة.. أنت كبِرت في نظري أوي وزدت إعجاب بيك.. حبيت رجولتك ووقفتك الصراحة."

​آدم بَص لـ ملامحها بـ قرف شديد، وملامحه مَ اِتأثرتش بـ كلامها المَزيف، وقَرّب منها خطوة ونزل بـ راسه لـ مستواها وقال بـ كُل برود وجفاف:

"وأنتِ اِتوسختِ في نظري أكتر يا تارا.. لإنك مهما كان مَ بـ تِطقينيش، ده مَش مبرر أبداً إنك تِخسري صاحبتك وتِبيعيها بـ الرخيص كدا، لـ مجرد بس إنها عرفاني أو بـ تِكلمني.. ده نقص."

​وش تارا اِتخطف، واِتحرجت قدام الشلة اللي واقفة من بعيد، بس حاولت تِتماسك وتِحفظ ماء وشها، فـ بَصت لـ إيدها اللي لسه ممدودة في الهوا وقالت له بـ عِند ولؤم:

"طب إيه يا فارس؟.. إيدي لسه ممدودة أهو ومَ نزلّتهاش.. مَش هـ تِسلم برضه وتِنسى اللي فات؟"

​آدم بَص لـ إيدها بـ سخرية، واِبتسم اِبتسامة باردة مِخيفة رِعبت تارا، وقال بـ فحيح صوت يِهز الجدران:

"والله أنا مَش بـ أسلم على أشكال برخصك.. بس ممكن أخلي سيرين توأمي هي اللي تِيجى تِسلم عليكي بـنفسها.. جوه الحمام! زي ما سلّمت عليكي كدا بـ الظبط قبل كدا وعلمت عليكي لما خبطتي كتفها.. إيه رأيك؟"

​أول ما آدم نطق جملة "الحمام" وخبطة الكتف، تارا جسمها كُله اِتنفض، والرعب سكن في عينيها واِفتكرت العلقة اللي اِتفرتكت فيها جوه.

​وفي جزء من الثانية.. سحبت إيدها بـ رعب، ولفت ضهرها وهربت من قدامه بـ أقصى سرعة وهي بـ تِترعش، واِختفت من الممر كله في ثواني!

​آدم وقف يِتابع اِختفاءها بـ نظرة احتقار، وبعدين أخد نَفَس طويل وِكمل طريقه في الطرقة، وعينه بـ تِدور على ليليان عشان يِشوف آخرة الحكاية دي إيه.

ليليان كانت ماشية في طرقة المدرسة بـ خطوات ميتة، وعينيها في الأرض، مش حاسة بـ أي حاجة حواليها ومفيش أي هدف في دماغها. فجأة.. خطوتها وقفت لما ظهر قدامها بدر السيوفي زي القضاء المستعجل. وقف بـ طوله، وبص لها بـ نظرته المعهودة.. نظرة الشيطان اللي لابس وش ملاك بريء عشان يخدعها بـ الحب.

​بدر قرب منها خطوة، وقال بـ صوت ناعم مليان لوم وعشق مريض:

"برضه يا ليليان؟.. من أيام إعدادي وإحنا بـ نكبر سوا، وأنتِ برضه مش ناوية تحسي بيا وتكوني معايا؟ أنا بـموت فيكي وأنتِ مَش شايفة غير الضعف."

​ولسه ليليان هـ تِرد وهي مخنوقة وتايهة... فجأة، ومن غير ما حد يِحس، ظهر آدم! وبـ كُل تلقائية وجبروت حط جسمه بـ الظبط في النص، فـ فصل بين بدر وليليان وبقى ضهره لـ ليليان وِوشه في وش بدر بـ التحديد.

​بدر عروق وشه برزت، والغل عمى عينيه، وبص له وزعق بـ غضب:

"فارس!!.. أنتَ إيه اللي جابك هنا؟"

​آدم مَ اِتأثرش، وفضل بـ كُل بروده اللي بـ يِفرس، وحط إيديه في جيوبه، وقال بـ نبرة هادية ومبحوحة نزلت كـ السكينة على رقبة بدر:

"أتمنى أختك الصغيرة (نور) تكون كلت الشوكلاتة كُلها اللي جبتها لها وهي في الحضانة يا بدوري.. أصل السكر بتاعها كان قليل، وخفت تِزعل."

​الكلمة دي شقلبت كيان بدر! اِفتكر الرعب اللي عاشه لما جاتله المكالمة وِجرى على الحضانة وِلقى آدم قاعد بـ يِلعب مع نور الصغيره بـ كُل برود. بدر عقله طار من التهديد، ومَد إيده بـ غل وسَحب آدم من لياقة قميصه بـ عصبية وِوعيد، وعينيه بـ تِطلع شرار:

"فارس!!.. اِلزم حدودك ومَ تِدخلش أهلي في قرفك!"

​آدم نزل عينه بـ برود قاتل لـ إيد بدر اللي ماسكة لياقته، وِرفع عينه تاني لـ وش بدر، وقال بـ صوت واطي كأنه فحيح أفعى، بس هز كيان بدر:

"عيب عليك يا بدوري.. أنا قلت لك قبل كدا أختك نور طفلة ملهاش ذنب، واستحالة في يوم أدخل طفلة في حاجة بـينا.. دلوقتي.. سيب قميصي بـ الهدوء كدا، بدل ما أكسر هيبتك قدام المدرسة كلها هنا.. خليك عاقل، أنتَ بدر السيوفي بـنفسه، عيب منظرك يِبوظ قدام الناس."

​وبـ مَكر.. اِبتسم آدم اِبتسامة خفيفة وباردة. بدر نَفَسه كان عالي بـ غل، بس كلام آدم جمد الدم في عروقه وعرف إنه لو اِتغابى، آدم هـ يِفرتكه قدام الكل، فـ ساب لياقة قميصه بـ عافية وِرجع خطوة لـ ورا.

​آدم مَداش لـ بدر ثانية واحدة يِستوعب، ولَف بـ كُل هدوء وجبروت لـ ليليان. وبـ كُل تلقائية ورجولة، مَد إيده الطويلة ليها عشان تِمشي معاه وتِسيب المكان.

​ليليان بصت لـ إيده الممدودة.. وفي لحظة، رغم كُل الغضب واللخبطة والوجع اللي في قلبها بعد ما عرفت حقيقته في المقابر وإنه مَش فارس.. لقت نفسها، وبـ كُل تلقائية، وبـ دافع مَش فاهماه، مَدت إيدها ومسكت إيد آدم بـ كُل قوة! لأنها مهما دارت الدُنيا، ومهما كدب عليها.. هو البني آدم الوحيد اللي قلبها شافه سند وأمان في الغابة دي كلها

آدم أخد ليليان ومِشيوا بـ خطى سريعة لحد ما بَعَدوا تماماً عن عيون بدر وعن زحمة المدرسة كُلها، وِوقفوا في ركن معزول وهادي. آدم ساب إيدها بـ راحة، ولَف وشّه ليها. ملامحه الحادة اللي كانت من ثانية كـ الصخر قدام بدر، اِتحولت دلوقتي لـ ملامح هادية، حزينة، وفيها كسر خفي لأول مرة يِبان عليه.

​بَص في عينيها المِتلخبطة بـ نظرة عميقة ومبحوحة، وبدأ يتكلم بـ صوته الرزين اللي بـ يِتألم بـ كُل صدق:

"أنا مَ يِهمنيش لو مُت النهاردة بـجد يا ليليان.. يمكن أكون بـ الفعل قتلتك وقتلت مشاعرك بـ سبب الكدبة السودة اللي كدبتها عليكي، لما فهمتك وفضلّت مِعشمك إني فارس.. أنا كدبت عليكي وجيت على قلبك."

​آدم نزل عينه في الأرض بـ أسف حقيقي وِخزي لأول مرة يِعيشه، واِتنهد بـ وجع وِكمل:

"أنا آسف.. عارف إن مصيري في النهاية هـ يكون جحيم بـ كُل المقاييس، بس.. بس كنت أتمنى من كُل قلبي إنك تكوني أنتِ الجنة الوحيدة في وسط جحيم حياتي ده كُله.. بس صدقيني يا ليليان، حتى لو أنتِ كنتِ سبيلي الأول والأخير للجنة دي.. أنا هـ أقتل بدر السيوفي وهـ أقتل عمران، ومَفيش حاجة في الدُنيا هـ تِوقفني عن دَمهم!"

​ليليان كانت واِقفة بـ تِسمعه، وجسمها كُله بـ يِترعش من كمية الصدق والغل المِخلوطين في كلامه. دموعها اِتحبست في عينيها، وبصت لـ ملامحه الصلبة، وحست بـ صراع مرعب جوه قلبها؛ البني آدم ده بـ يِعترف بـ كدبه وبـ يِعتذر، وفي نفس الوقت بـ يِعلن إنه داخل محرقة مَش هـ يِرجع منها.

​قَرّبت منه خطوة، ورَفعت راسها بـ كبرياء وعيون دامعة بس حادة، وقالت بـ صوت مِهزوز بس قاطع:

"عارف يا آدم.. الصدمة والوجع اللي عيشتهم بـ سبب كدبتك هما أكتر حاجة كَسرتني، لإنك خلتني أحس إني كنت عايشة في وهم.. بس اللي أنتَ مَش فاهمه، إنك مَ قتلتش مشاعري.. أنتَ لغبطتها! لغبطتني لـ درجة إني لسه مَاسكة إيدك وضد بدر لحد دلوقتي.. بس لو فاكر إن الجحيم اللي أنتَ داخل فيه بـ إيدك هـ يِمنعني أقف في وشك، تبقى غلطان.. أنا مَش هـ أسمحلك تِضيع نفسك وتِقتل وتِدخل السجن يا آدم.. لو عايزني أكون الجنة بتاعتك بـجد، اِبعد عن الدم، لإن الجنة مَ بـ تِتدخلش بـ إيد مليانة دبح!"

​بصت له بـ نظرة أخيرة كلها رجاء وعتاب حامي، ولَفّت ضهرها ومِشيت بـ سرعة، وسابته واِقف مكانه والكلمات بـ تِلف في دماغه كأنها طلقات رصاص

في نفس اليوم بليل.. جوه مركز الدروس الخصوصية الكبير والفاخر التابع لعيلة السيوفي. الأجواء كانت مشحونة وضلمة، وبدر السيوفي كان مجتمع بكل شلته ورجالته في القاعة الكبيرة.

​عمران البلدوزر كان قاعد جمبه، حاطط رجل على رجل، ماسك سيجارته والدخان بـ يِلف حوالين وشه وهو سرحان كعادته بـ برود، بس جواه غليان من معاملة بدر ليه الصبح قدام المدرسة.

​بدر كان رايح جاي في القاعة وعينيه بـ تِطلع شرار، وِلف بص لـ رجالة فريق البيسبول بتاع المدرسة اللي واقفين بـ مضاربهم، وقال بـ غل وزعيق:

"أنا عايزكم تِفرتكوا العيال دي.. عايزكم تِندّموا فارس الراوي، وسيرين الراوي، وعمار صاحب فارس، على اليوم اللي فكروا يِرفعوا عينهم فينا فيه!.. مش عايز حد فيهم يِمشي على رجله تاني!"

​في اللحظة دي.. عمران اِتنهد بـ قرف، وقام وقف بـ كُل طوله وضخامته من غير ولا كلمة، ومَداش لـ بدر أو لـ كلامه أي اِهتمام. مشي بـ خطوات تقيلة، وفتح باب القاعة وطِلع برا وسط نظرات الاستغراب من الشلة.

​وهو خارج في الطرقة الفاضية، عينيه لَمحت الأوضة الخاصة اللي بـ يِقعد فيها بدر علطول وفيها حاجته ومكتبه. عمران لَف بـ سرعة ودخل الأوضة وقفل الباب وراه بـ هدوء. قَرّب من مكتب بدر، ومد إيده فتح الدرج بـ تِلقائية بـ يِدور على أي حاجة.. وفجأة، لقى موبايل مِرمي.

​مسكه ونَوّر الشاشة.. وِلقى الموبيل من غير باسورد! عمران فتح الجهاز وبدأ يِقلب فيه بـ صوابعه الضخمة بـ سرعة وذكاء.. وفجأة عينيه وسعت لـ ثواني؛ الموبيل كان عليه كُل الحسابات البنكية السرية التابعة لـ عيلة السيوفي، وكان عليه فيديوهات كتير لـ تنمر شلة بدر على الطلاب الغلابة في المدرسة.. بس الصدمة الكبيرة، إن عمران لقى الفيديو الحقيقي لـ واقعة قتل فارس محمود الراوي بـ الكامل ومِتسجل بـ وضوح!

​عمران بَص لـ شاشة الموبيل، واِبتسم اِبتسامة حادة وباردة كـ السكينة، وحط الموبيل في جيبه، وقال لـ نفسه بـ صوته الخشن والعميق:

"كويس أوي يا بدر.. أنا بـ الفعل كنت حاضر اليوم ده وشايف كُل حاجة بـ عيني، بس أنا مش هـ أكون محتاج أقف شاهد يوم نهايتك وضياع عيلتك.. لإن دليلك اللي هـ يِوديك المشنقة، أنتَ مِصوره بـ إيدك بـنفسك

بليل.. في بيت عمران البلدوزر.

الأوضة كانت هادية وضلمة، مفيش فيها غير النور الصغير اللي طالع من شاشة الموبيل اللي سرقه من مكتب بدر. عمران كان قاعد على طرف سريره، وعينيه مثبتة على شاشة الموبيل بـ جمود.. صابعه داس على زرار التشغيل، وفي ثانية، شريط الذكريات المرعب رجع بيه لـ ورا.. لـ نفس اليوم الأسود اللي مات فيه فارس!

​(( فلاش باك - يوم مقتل فارس ))

​الجو كان مغيم فوق سطح المدرسة المهجور. شلة بدر السيوفي كانوا متجمعين كلهم حوالين فارس محمود الراوي، اللي كان واقع على الأرض بـ قلة حيلة وخوف، ورجليه مِتربطة بـ غشومية بـ حبل غسيل تقيل.

​عمران كان واقف بعيد تماماً، ساند ضهره على سور السطح، ملامحه كانت متضايقة وعينيه بـ تِلمع بـ رفض وقرف من منظر التكتل والـهمجية دي، ومَكنش عاجبه اللي بـ يِحصل لـ عيل ضعيف ملوش ذنب.

​بدر قَرّب من فارس بـ خطوات بطيئة وفي عينيه نظرة شر مريضة، ونزل لـ مستواه وقال بـ فحيح كُله غل:

"ها يا فارس؟.. برضه لسه بـ تِعاند وبـ تِقول إنك بـ تِحب ليليان؟.. ليليان دي بتاعتي أنا وبس! وأنا الوحيد اللي ليا حق فيها في الدنيا دي.. وبعد ما أندّمك أنتَ يا فارس، هـ أروح أفرتك مروان وأندّمه هو كمان عشان فكر مجرد تفكير إنه يِقرب منها أو يِرتبط بيها!"

​فارس الدموع كانت مغرقة وشه، وجسمه كُله بـ يِتنفض من الرعب. بَص لـ بدر بـ رجاء وقعد يِعيط بـ قهر ويِترجاه بـ صوت مكسور:

"حاضر يا بدر!.. حاضر والله.. سيبني أرجوك، أنا مَش هـ أبص لها تاني خالص، ولا هـ أعدي من قدامها.. بس سيبني أنزل!"

​بدر مَ سِمعش لـ دموعه، وفضل بـ يِقرب ويمشي ناحيته بـ خطوات بـ تِجبر فارس يِزحف لـ ورا بـ رعب وهو مِتربط، لحد ما ضهر فارس بقى عند حافة السطح بـ الظبط والهاوية وراه!

​بدر بَص لـ ملامح فارس الميتة من الرعب، واِبتسم اِبتسامة خبيثة وقاله بـ تريقة:

"مالك يا فارس؟.. مَ تخافش أوي كدا! حتى لو وِقعت.. إحنا مِأمنينك ومِربطينك زي الخرفان بـ حبل غسيل متين."

​وفي لقطة غدر مريضة عشان يِرعبه أكتر.. مَد بدر إيده وِزَق فارس بـ قوة!

فارس صرخ صرخة هزت المكان ووِقع من على حافة السطح.. الحبل مَ وقعش معاه، فِضل مشدود لـ ثواني وفارس مِتعلق في الهواء بـ يِصرخ.

​عمران أول ما شاف اللقطة دي، كبرياؤه ورجولته مَ سِكتتش؛ جِرى بـ كُل سرعته وضخامته من بعيد وهو بـ يِنهج عشان يِلحق يِمسك طرف الحبل ويِشد فارس لـ فوق ويِنقذه من جنون بدر..

لكن الصدمة المرعبة اِتحققت في جزء من الثانية.. الحبل اِتقطع فجأة بـ سبب ثقل الجسم!

​وفي لمح البصر.. فارس سقط بـ قوة على الأرض تحت، ومات في ساعتها!

السطح كُله اِتحول لـ صمت قاتل.. الصدمة والذهول والرعب اِترسموا على وشوش الشلة كلها بـ بلا استثناء.. ومن ضمنهم بدر بـنفسه، اللي عينيه وسعت بـ زهول وبص لـ إيديه بـ رعب، ومَكنش مستوعب إن هِزاره المريض وهَوسه بـ ليليان وداه لـ طريق الدم!

​(( عودة للواقع ))

​عمران قفل الفيديو، وأخد نَفَس طويل ومكتوم في ضلمة الأوضة. حط الموبيل جنبه بـ هدوء، وِعينه كانت بـ تِلمع بـ شرار مِخيف، وقال بـ صوته الخشن:

"اللعبة قِربت تِخلص يا بدر.. وحق فارس هـ يِرجع بـ إيد اللي مَش هـ يِرحمك."

تاني يوم الصبح.. الأجواء جوه المدرسة كانت مَشحونة بـ ترقب مِخيف، وكأن الكل حاسس إن البركان بـ يِقرب يِنفجر.

​جوه الكافتيريا، الجو كان هادي بـ شكل مِريب. على طرابيزة في النص، كان قاعد آدم وجنبه أخته سيرين. سيرين كانت قاعدة بـ نفس الهيبة الأوروبية الباردة بتاعتها؛ ضهرها مفرود، عينيها حادة، وثقتها في نفسها تِخض أي حد يِبص لها. وجنبها كان قاعد آدم، حاطط إيديه على الطرابيزة بـ كُل برود، ونظراته الحادة مَ بـ تِرحمش، والاثنين كأنهم ملوك قاعدين في وسط جندهم.

​فجأة.. الباب اِتفتح بـ قوية، ودخل أربعة من رجالة فريق البيسبول، ومعاهم أربع مشجعات من الشلة التابعة لـ بدر. الأربعة بتوع البيسبول كانوا ماسكين المضارب الخشبية التقيلة في إيديهم وبـ يِخبطوا بيها على الترابيزات بـ غشومية عشان يِعملوا شو ورعب.

​واحد منهم قَرّب في النص، وزعق بـ صوت عالي سَمّع الكافتيريا كلها:

"كُل اللي هنا يِلم حاجته ويِطلع برا حالا!.. مش عايز أشوف وش حد هنا.. إلا ولاد الراوي!"

​الطلاب كُلها اِترعبت وبدأوا يِجروا ويِخرجوا بـ سرعة، في حين إن آدم وسيرين مَ اِتهز لهمش شعرة واحدة، وفضلوا قاعدين بـ نفس النظرة الباردة والبرود اللي بـ يِشِل!

​وفي نفس الوقت.. في جاردن المدرسة:

​كان قاعد عمار وجنبه مروان. مروان كان يدوب لسه فاكك الجبس من إيده ومَلامحه باين عليها الجدية، وعمار كالعادة قاعد بـ كُل لا مبالاة وبرود بـ يِطرقع بـ لبانته بـ صوت عالي ومَش قلقان من أي حاجة.

​فجأة.. ظهر قدامهم أربعة تانيين من فريق البيسبول التابعين لـ بدر، وحاوطوا الطرابيزة بـ مضاربهم. واحد منهم بَص لـ مروان، وقال بـ نبرة فيها تحذير ولوم:

"إوعى أنتَ من السكة يا مروان.. اِبعد عن هنا.. أنتَ كنت واحد مننا وفي شلتنا قبل كدا، وإحنا مَش عايزين نأذيك ولا نِكسر فيك حاجة تاني.. سيب الواد ده واِمشي."

​عمار أول ما سِمع الكلام، طرقع لبانته بـ تريقة، وبص لهم من فوق لـ تحت وقال بـ ضحكة سخافة كالعادة:

"يا عيني على الحنية والأصول اللي نزلت فجأة! طب والعبد لله ملوش من الحب جانب؟ ولا المضارب دي جايبينها عشان تِلعبوا بيها في الحوش؟"

​مروان مَ اِتأثرش بـ تهديدهم، وقام وقف بـ كُل ثبات، وبص لـ زمايله القدام في الفريق بـ نظرة قاطعة، وقال بـ رجولة:

"أنا فعلاً كنت منكم وفي شلتكم في يوم من الأيام.. بس الكلام ده خلص خلاص.. أنا دلوقتي واِقف في صف فارس.. وأي حاجة هـ تِمسّه هـ تِمسّني أنا كمان

جوه الكافتيريا، الجو اِتحول لـ ساحة حرب في ثانية. الأربعة بتوع البيسبول رفعوا مضاربهم، وواحد منهم بص لـ آدم وقال بـ غل: "هنشوف بقا هيبتك دي هتروح فين دلوقتي يا ابن الراوي!"

​آدم مَداش ليهم فرصة يكملوا كلامهم، وقام وقف وبدأ يشتبك معاهم بـ شراسة. الخناقة كانت حامية، بس الأربعة اِتكتلوا عليه بـ غشومية بسبب زحمتهم، وِشالوه كلهم بـ عافية وِحدفوه بـ كُل قوتهم جوه باب مطبخ الكافتيريا!

​الحدفة كانت قوية لـ درجة إنها كسرت كام حاجة جوه، وطِلع من المطبخ دخان أبيض كثيف غطى المكان، ورجالة البيسبول وقفوا يضحكوا بـ ثقة وفكروا إنهم خلصوا عليه، وواحد منهم زعق: "خلاص كدا.. فارس الراوي اِتدفن جوه!"

​لكن ضحكتهم مَ كملتش..

​من وسط الدخان التقيل، بدأت تِظهر خطوات ثابتة وبطيئة. وبـ كُل برود اِتخلق في الدنيا، طِلع آدم واِتمشى لـ برا.. وشه مَكنش عليه خدش، وبـ كُل تلقائية كان ماسك في إيد كوباية عصير، والإيد التانية فيها علبة فشار صغيرة! بَص ليهم وعينيه بـ تِلمع بـ سخرية وشر، واِبتسم اِبتسامة باردة، وأكل فُشارة وقال بـ صوته المبحوح:

"تصدقوا الحَدفتين دول ظبطوا لي ضهري؟.. كدا العركة بـدأت فعلاً.. وروني بقى هـ تِعملوا إيه الاربعة بتوع البيسبول جمد الدم في عروقهم من المنظر، والمضارب اِتهزت في إيديهم من الرعب.

​في نفس اللحظة.. على الجانب التاني من الكافتيريا، كانت سيرين حرفياً هاينة الأربع مشجعات!

​الأربعة حاولوا يتشطروا عليها ويتلموا حواليها، بس سيرين بـ هيبتها وسرعتها مكانتش بـ تِرحم؛ مسكت أول واحدة من شعرها وِخبطت راسها في الطرابيزة وقالت بـ غضب وثقة: "أنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك عشان تِرفعي عينك فيا؟"

​التانية قربت تضربها، سيرين تفادت الضربة بـ لمح البصر وِادتها قلم طرش على وشها جابها الأرض، وبصت للاتنين التانيين اللي واقفين مِرعوبين بـ يِترعشوا وقالت لهم بـ سخرية: "ها.. مين فيكم اللي عليها الدور تِتصلح؟"

​الكافتيريا اِتحولت لـ دمار شامل، وولاد الراوي كانوا بـ يِكتبوا كتاب نهايتهم بـ إيديهم

في جزء من الثانية، الأربعة بتوع البيسبول هجموا على آدم كلهم في وقت واحد والمضارب بـ تِترفع في الهوا عشان تِنزل على راسه. لكن آدم بـ خفته وسرعته الرهيبة، وطى بـ لمح البصر واتفادى كُل ضربات المضارب بـ مهارة عالية. وفي وسط الحركة، مد إيده بـ قوة خطف بيها مضرب من إيد واحد منهم، وِلف بيه وبـ كُل غل ضربه ضربة جابته الأرض، وبـ نفس المضرب لف وِضرب التاني في بطنه خلاه يِركع على ركبه وهو بـ يِصرخ بـ وجع!

​في نفس اللحظة.. كانت سيرين مسيطرة بـ الكامل على الجانب بتاعها. كانت ماسكة ذراع واحدة من المشجعات اللي اِتجرأت وقربت منها، وبـ كُل برود وقسوة لَوت ذراع البنت لـ ورا بـ حركة سريعة ومفاجئة، لحد ما طِلع من ذراعها صوت كسر عضم واضح هز جدران الكافتيريا! البنت صرخت صرخة رعب وِوقعت في الأرض بـ تِتلوى من الألم.

​ولسه سيرين هـ تِكمل على الباقي.. عينها لَمحت اللاعب الرابع من بتوع البيسبول وهو بـ يِستغل انشغال آدم، وبـ يِجري بـ غدر عشان يِهجم عليه من ضهره بـ المضرب!

​سيرين بـدون ما تِفكر لثانية، سابت البنت اللي في إيدها، وبـ سرعة وحش ثائر شتت انتباهها كُرسي خشب كان واِقف في النص بينها وبين اللاعب الرابع. وبـ كُل قوتها، شتت الكرسي بـ رجليها وِحدفته بـ طيران في الهواء.. الكرسي طار وبـ كُل دقة خبط في صدر الواد الرابع، خلاه يِطير لـ ورا وِيقع على ضهره بـ كُل قوة على الأرض، والمضرب يِقع من إيده!

​آدم اِلتفت لـ ورا بـ سرعة، وبص لـ الواد الواقع، وبعدين رفع عينه لـ سيرين وِابتسم اِبتسامة ثقة وِامتنان خفيفة، وسيرين رَدت له النظرة بـ كبرياء وهيبة وولاء ملوش حدود

لكن الحرب مَ كِملتش بـ السهولة دي؛ التلات مشجعات الباقيين اِستغلوا إن ظهر سيرين مِكشوف بعد ما حدفت الكرسي، واِتلموا عليها بـ غِل وحقد، وبـ حركة غدر نيموها على الأرض وبدأوا يِثبتوها بـ عافية.

​في نفس الوقت، آدم كان لسه مَشغول بـ ضرب اتنين من لاعبي البيسبول بـ يِفرمهم بـ إيديه، والتالت كان لسه مِرمي بعيد بـ يِتأوه من خبطة كرسي سيرين. أما اللاعب الرابع، فـ بدأ يِقوم بـ صعوبة وهو ماسك مضربه وبـ يِقرب من آدم وعايز يِغدر بيه تاني!

​سيرين وهي على الأرض بـ تِقاوم المشجعات، لَمحت بـ طرف عينها سكاكين المطبخ بتاعة الكافتيريا مِرمية جنبها على البلاط من أثر دربكة الخناقة. بـ لَمح البصر، وبـ صوت عالي زلزل المكان، صرخت: "فارس!!"

​آدم لَف راسه بـ سرعة وبَص لها.. وفي جزء من الثانية، سيرين مَدت إيدها على الأرض، مَسكت السكينة الحادة، وبـ حركة احترافية وسريعة وهي نايمة، حدفت السكينة بـ كُل قوتها في الهواء! السكينة طارت كأنها رصاصة وِشقت الطرقة، لحد ما غرزت بـ كُل عمق وخرمت رجل اللاعب الرابع!

​الواد صرخ صرخة رعب وموت، وِوقع على ركبه في الأرض وهو بـ يِنزف بـ غزارة ومَش قادر يِتحرك.

​آدم مَ ضيعش ولا ثانية؛ وبـ عزم ما عنده وبـ كُل غِل، مَسك عصاية البيسبول التقيلة من على الأرض، وِلف بـ كُل جسمه ورَزعها بـ قوة في وش الواد اللي على ركبه، خلاه يِطير لـ ورا ويِغرق في دمه وفقد الوعي تماماً!

​آدم لَف وشّه بـ كُل رعب وعصبية على المشجعات اللي مِثبتين سيرين. قَرّب منهم بـ خطوات مرعبة وعروق وشه ونِفسه عالي كأنه عزرائيل، وبَص ليهم بـ نظرة مَوت وقال بـ فحيح صوت يِخوف:

"قدامكم ثانية واحدة بـ الظبط.. قوموا من فوق أختي.. وإلا هـ تِتقتلوا هنا حالا!"

​المشجعات أول ما شافوا منظر الدم، ووِش آدم المرعب وعصاية البيسبول اللي بـ تِقَطر دم في إيده، الرعب شل أطرافهم.. وفي ثانية واحدة، سابوا سيرين وهربوا وجريوا لبرا الكافتيريا وهما بـ يِصرخوا من الخوف

آدم مَد إيده لـ سيرين وقومها من على الأرض، ونفضوا هدومهم بـ كُل هيبة. وِمن غير ما يِبصوا وراهم لـ جثث فريق البيسبول المِرمية في دمها جوه الكافتيريا، خَدها وطِلعوا برا على الجاردن عشان يِطمنوا على عمار ومروان.

​أول ما دخلوا الجاردن.. الصدمة والذهول خلت آدم يِقف مكانه، وسيرين رفعت حاجبها بـ دهشة.

​الوضع في الجاردن كان مَشهد كوميدي وصايع بـ كُل المقاييس! عمار كان حرفياً حاطط الأربعة بتوع البيسبول فوق بعض على الأرض، وقاعد بـ كُل راحة وبـ كُل ثقة فوق ضهرهم كأنه قاعد على شازلونج! وإيديه في جيبه، وبـ يِبص حواليه وهو بـ يِطرقع لبانته بـ برود مِستفز، ومَروان كان واقف جنبه ومربع إيديه وهو بـ يِبتسم بـ فخر من صاحبه.

​آدم بَص لـ عمار ولـ منظر الأربعة اللي تحتيه، ومَقدرش يِمسك نفسه؛ بَص لـ عمار وقال بـ ضحكة رجولية عالية صافيه:

"حتى أنتَ.. جولة؟! ده أنتَ طلعت مَش سهل يا عمار!"

​عمار ضحك بـ صياعة وطرقّع لبانته تاني وقال: "عيب عليك يا زميلي.. إحنا بـ نِشتري العفش ده بـ الجملة في الحارة، الأربعة بـ قرش!"

​سيرين قربت خطوة، وبصت لـ عمار ولـ قعدته الصايعة دي بـ نظرة قرف مِيكس مع إعجاب مِتداري، وقالت بـ هيبتها ونبرتها الأوروبية الحادة:

"حتى في خناقاتك.. صايع ومِقرف!"

​عمار لف راسه وبص لها، وِضحك ضحكة عالية مليانة دلال واستفزاز، وقالها بـ تريقة وهو بـ يِغمز لها:

"مَ خلاص بقى يا برنسيسة لندن! مالك قَافشة علينا كدا ليه من أول اليوم؟ سيبنا نِعيش حياتنا ونِستمتع بـ القعدة دي.. دي طرية وزي الفل!"

​مروان وآدم ضحكوا مع بعض، والتوتر اللي كان مالي اليوم اِتبخر في ثانية وسط رجولة وصياعة الشلة دي، في حين إن المدرسة كُلها عِرفت إن عيلة الراوي ورجالتهم هما الأسياد الحقيقيين في المكان ده، وإن بدر السيوفي خلاص.. أيام جبروته بـ تِتعد على صوابع الإيد الواحدة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قناع فارس

المؤلف Ahmed Mostafa Kamel
2026/05/31 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة