الفصل الخامس " بدايه اللعبه"

الفصل الخامس " بدايه اللعبه"

32 0

الشمس كانت بدأت تِتعامد على حوش المدرسة، والجو مشحون بـ همسات الطلاب بعد اللي حصل في الممر الوراني.

​آدم كان قاعد على الرصيف اللي جنب شجرة الحوش الكبيرة، حاطط رجل على رجل، وملامحه هادية بـ البرود المرعب المعتاد بتاعه. جنبه كان واقف عمار، بـ يِفرقع لبانته وعينيه بـ تِلف في الحوش كأنه رادار بـ يِلقط أي حركة.

​فجأة... جِري عليهم طالب من طلاب المدرسة، نَفَسه مقطوع ووِشه جايب ألوان من الخضة، وقف قدام آدم وقال بـ صوت بـ يِرتعش: "فارس!.. الحق.. أختك سيرين.. في الممر الوراني.."

​آدم مَتحركش، بس عينيه الحادة اِثبتت في وش الطالب بـ نظرة تِجمد الدم في العروق، وقال بـ صوته المبحوح الرزين: "مالها سيرين؟ اِخلص."

​الطالب بِلع ريقه بـ عافية وكمل: "جمال.. جمال الجيماوي اللي مع بدر السيوفي.. دخل فيها وخبطها بـ غشامة، ولما شتمته نزل بـ القلم على وِشها قدام الكل.. بس هي بـ صراحة اِدتُه بونيه في وِشه شَقّت شفته والمدرسين مَشّوه بـ السرعة!"

​في اللحظة دي.. عمار لبانته وقفت في بوقه، وعينيه جابت دم من الغيظ، ولسه هيزعق وِيفرقع الدنيا... لمس إيد آدم اللي اِترفت بـ هدوء عشان تِسكته. آدم قام وقف بـ كُل طوله وهيبته، ملامحه مَظهرش عليها عصبية، بالعكس.. هدوءه زاد، والهدوء ده كان هو "الهدوء اللي بـ يِسبق العاصفة".

​آدم مَد إيده في جيب الجاكيت بـ كُل برود، سحب موبايل فارس، وبـدون ما يِضيع ثانية رن على رقم مروان.

​الموبيل مَ كملش رنتين ولقت مروان رد بـ سرعة وبـ صوت فيه قلق: "ألو.. أيوا يا فارس."

​آدم حط الموبيل على ودنه، وصوته طلع واطي، ساقع، وزي الموس: "مساء الخير يا مروان.. وسّع صدرك معايا بـ الكلام كدا وسامعني.. جمال الجيماوي، ألاقيه فين دلوقتي جوه المدرسة؟"

​مروان من الناحية التانية اِتنهد بـ ضيق، لأنه كـ صاحب ليهم دلوقتي مَ يِرضاهوش إن حد يِمد إيده على أخت صاحبه، وقال بـ تلقائية وجدعانة من غير تفكير: "جمال؟ جمال تلاقيه أكيد في جيم المدرسة دلوقتي يا فارس.. هو كُل يوم في الوقت ده بـ يِهرب من الحصص وِيطلع يِقعد هناك وسط الأجهزة مع كام واحد من شلة بدر.. خلي بالك من نفسك يا صاحبي، الواد جسمه عريض ومَش بـ يِرحم."

​آدم اِبتسم اِبتسامة خفيفة وشريرة جداً مَوصلتش لـ عينيه، وقال بـ نبرة هادية: "تسلم يا مروان.. اِقفل أنت."

​قفل آدم السكة بـ هدوء، وحط الموبيل في جيبه، ولف وشه لـ عمار اللي كان بـ يِغلي وبـ يِفرقع صوابعه بـ غشامة ومستني الإشارة. آدم بص لـ عمار وبص ناحية مبنى الملاعب وقال بـ كلمة واحدة مفيهاش رجوع:

​"يالا بينا يا عمار... نروح نِعلم على الجيماوي في وسطه وكره."

آدم وعمار مشوا في ممرات المدرسة بـ خطى ثابتة تِهز الأرض، لحد ما وصلوا قدام الباب الخشبي التقيل بتاع جيم المدرسة الصغير. المزيكا العالية كانت طالعة من جوه وصوت خبط الحديد بـ يِرن في الممر.

​آدم وقف قدام الباب، حط إيده في جيبه، ولف راسه بـ بطء وبص لـ عمار بـ نظرة ساقعة زي التلج، وقال بـ صوته المبحوح والرزين: "باب الجيم ده.. ولا حد يدخل منه، ولا حد يِطلع غيري.. مفهوم يا عمار؟"

​عمار فرقع لبانته بـ صياعة، وبانت على وشه اِبتسامة شريرة ومضحكة جداً، وبص لـ آدم وقال بـ وِقاحة شوارع: "عيب عليك يا زميلي.. أنت داخل تقص شريط الافتتاح، وأنا واقف بره قاطع تذاكر.. قفلّي الباب وراك وعيش، والـ بَـرّه برّه والـ جُـوّه جُـوّه!"

​وفجأة.. عمار مَد إيده في جيب البنطلون الواسع، وطلع سلسلة حديد ضخمة وتقيلة، مسك طرفها ولفها على كف إيده اليمين بـ غشامة لحد ما بقت كأنها قَبضة حديدية تِفرتك الوشوش، ووقف ساند ضهره على الباب بـ برود وهو بـ يِبص للممر بـ تحدي.

​آدم مَ ضيعش ثانية؛ مَد إيده، فتح الباب ودخل جوه الصالة الصغيرة، وبـ كُل هدوء لَف ضهره وقفل الباب وراه بـ المفتاح.. وعزل المكان تماماً عن العالم الخارجي.

​جوه الجيم.. كان المكان هادي ومفيش فيه غير جمال الجيماوي.

​جمال كان موطي على بنش الحديد، ماسك "البار" بـ إيديه الاتنين وحاطط فيه أوزان تقيلة، وبـ يِستعد بـ عضلات كتافه المفتولة إنه يِرفعه لفوق. جمال بدأ يِكتم نَفَسه ويِرفع البار بـ عِزم ما عنده لـ حد مستوى صدره..

​وفي اللحظة دي بـ الظبط.. وقبل ما يِقفل الحركة، ظهر ظل آدم فوق دماغه بـ ثواني!

​آدم بـدون ولا كلمة، وبـ كُل جبروت، رفع جزمته الفخمة وحطها بـ ثقل جسمه كله في نص البار الحديد! كتم الحركة تماماً وضغط على الحديد لتحت بـ قوة مرعبة منعت جمال إنه يِتحرك.

​جمال نَفَسه اِتكتم من المفاجأة، وعروق رقبتُه برزت بـ غضب، ووطى راسه ورفع وشه لـ فوق بـ غيظ عشان يِشوف مين المغفل اللي بـ يِلعب معاه.. وأول ما جمال رفع وشه وعينيه جت في عين آدم..

​مَ لِحقش يِنطق بـ حرف! آدم استغل إن وش جمال اِتكشف، وبـ سرعة البرق لَف جسمه ورفع الرجل التانية بـ شلوت (ركلة) طائرة بـ كُل عزم وجبروت ولاد الراوي، ونزل بيها بـ الطااااااخ في نص وِش جمال!

​الضربة كانت من قسوتها وسرعتها صاعقة! جسم جمال الضخم تِقلب لورا، وساب البار الحديد اللي رن على الأرض بـ صوت زلزل الصالة، وطار بـ جسمه وعضلاته لورا لحد ما اِترزع بـ ضهره وبـ كُل قوته في الحيطة السيراميك بتاعة الجيم!

​جمال نزل على الأرض بـ يِكتم صرخة وجع، وإيده اِترمت على بوقه اللي بدأ يِجيب دم، وبص لـ آدم بـ ذهول ورعب مَش مصدق النقلة الرهيبة دي في قوة "فارس الجديد"!

​آدم وقف في نص الصالة، نزل رجله بـ ثبات، وعدل الجاكيت الأسود بتاعه بـ كُل برود، وعينيه الحادة اِثبتت في جمال المرمي على الأرض وقال بـ صوت واطي ومبحوح يِرعب الشياطين:

"ده عشان فكرت بس تِرفع إيدك على سيرين الراوي.. الحساب لسه مَ بـدأش يا جمال.. اِوقف على رجلك كدا وريني عضلات الجيم دي بـ تِعمل إيه!"

وبـ عِزم ما عنده من قوة، رفع آدم رجله وبـ بطن جزمته الثقيلة ضرب وِش جمال بـ عنف، ولزقه أكتر في الحيطة! آدم مَ نزلش رجله، ساب جزمته كبسة بـ ثقل جسمه كله على وِش جمال الجيماوي، المفعوص تحت رجله بـ ذل وإهانة تِفرتك أي كبرياء.

​آدم مِيل براسه عليه سنة، وعينيه الحادة بـ تطلع شرار، وقال بـ صوته المبحوح الساقع: "ها... إيه رأيك يا جمال؟ رجلي أحن على وِشك... ولا إيد أختي سيرين اللي لسه معلمة على وِشك من شوية في الممر؟!"

​جمال عروق وشه برزت وجاب آخره من الإهانة، وبـ عافية وغل وبـ كُل قوته زَق رجل آدم بعيد عنه، وقام وقف على رجليه بـ يِندفع زي الثور الهائج. جمال بدأ يِطوح إيديه بـ عشوائية وبـ يِضرب بونيات سريعة وقوية بـ عضلاته المفتولة في الهوا.. بس آدم كان في حتة تانية خالص!

​آدم بـ خفة ورشاقة مَش طبيعية، كان بـ يِميّل راسه وجسمه يمين وشمال، وبـ يِفلت من كُل بونية جمال بـ برود يِجيب شلل أطفال! جمال بقى بـ يِضرب في الفراغ ونَفَسه بـ يِقصر، وفجأة.. وطى آدم بـ سرعة تحت إيد جمال، وبـ كُل قوته ضرب بونية حديدية غشيمة في جنب بطن جمال!

​الضربة كانت من قوتها لدرجة إنها كتمت نَفَس جمال، وبطنه اِتفرتكت وجسمه الضخم اِتلوى لـ قدام بـ وجع صاعق.

​آدم مَ سابهوش يِقعد؛ وطى بـ سرعة الأرض، ومَسكت كف إيده دمبل حديد تقيل من بتوع الجيم، ولف إيده عليه بـ إحكام، وبدأ يِوجه لـ جمال بونيات متتالية بـ الـدمبل في وِشه ودماغه بـ غل أعمى!

​طاخ.. طاخ.. طاخ!

​الحديد كان بـ يِخبط في عضم وِش جمال، لحد ما الواد الجيماوي فقد الوعي بـ النص وتوازن ركبه ساب تماماً، ووِقع مفرود على أرض الجيم بـ الطول كأنه جثة هامدة بـ تِسبح في دمها!

​آدم رمى الدمبل الحديد من إيده، فـ رن على الأرض بـ صوت عالي. وقف في نص الصالة، وبدأ يِتنطط بـ خفة ورشاقة على رجليه الاتنين يمين وشمال زي محترفين الملاكمة، وهو بـ يِبص لـ جمال المرمي تحت رجليه بـ سخرية.

​آدم نزل من الحركة، وحط إيديه في جيوبه، وقال بـ نبرة صوت واطية ومستهزئة: "إيه رأيك؟ تحب ألاعبك ملاكمة شوية على أصولها؟ يمكن عضلات الجيم المنفوخة على الفاضي دي يكون ليها فايدة وتِشيل معاك شوية قدام ولاد الحارة!"

​جمال مَكنش بـ يِرد، كان مجرد جثة بـ تِون بـ الوجع، وهيبته اِتدفنت تحت تراب الجيم بـ الفعل.

جمال كان مفرود على الأرض بـ يِنازع، ووشه كله غرقان في دمه. اِفتكر إن الحفلة خلصت لحد كدا، بس آدم مَكنش لسه شِبع من غِلّه.

​آدم وطى بـ كُل برود، ومَسك الـدمبل الحديد التقيل تاني بـ إيده، وبـ حِركة سريعة وغشيمة رزعه بـ كُل غِل وقوته على عظمة رِجل جمال!

​طااااااااخ!

​صوت كسر العضم رن جوه الصالة، وجمال صرخ بـ صرخة مكتومة ومرعبة، صرخة غِل ووجع شَقّت سقف الجيم، وجسمه كله اِتنفض لفوق ورِجع اِترمى على الأرض وهو بـ يِعض في السيراميك من كتر العذاب.

​آدم سَند رِجله على بنش حديد، ومِيل بجسمه لفوق راس جمال، وقال بـ صوته المبحوح الساقع اللي مَفهوش أي رحمة: "ها... قولي بقى يا جيمي.. مبسوط إنك سِمعت كلام بدر السيوفي وجِيت تِتغابى على أختي؟ ولا مَش مبسوط؟"

​جمال رفع وشه بـ عافية، والدموع اِتخلطت بـ الدم في عينيه، وبص لـ ملامح آدم بـ رُعب وجودي وفزع مَش طبيعي.. الرعب خلاه يِنطق بـ الحقيقة اللي جواه وهو بـ يِترعش: "أنت... أنت مستحيل تكون فارس!.. فارس كان جبان.. فارس كان بـ يِخاف من خيالنا وبـ يِعيط لما بـ نِقرب منه.. أنت بني آدم تاني.. أنت شيطان!"

​آدم عينه مَ رِمشتش، ونظرة الموت اِثبتت في عيون جمال الخايفة، وقرب وشه منه وقال بـ نبرة هادية بس بـ تِقطّع زي الموس: "فارس خلاص بقى راجع من الجحيم يا جيمي... راجع من الموت مخصوص عشان يِنَدّم كُل كَلب فيكم فَكّر في يوم من الأيام يِهينه أو يِكسر نفسه.. وبَدأت بيك يا جيمي عشان تِكون عِبرة لـ لباقي.. ولا أنت إيه رأيك؟"

​جمال اِترعب أكتر، وحس إن نهايته بـ تِتكتب تحت رِجل البني آدم ده، فـ بِلع ريقه المخلوط بـ الدم وقال بـ نبرة ذل وانكسار وهو بـ يِترجاه: "أنا أسف... أنا أسف يا فارس.. وحياة أمك سيبني.. أنا أسف!"

​آدم بَص لـ ملامحه المكسورة بـ نظرة قرف طويلة، واِبتسم اِبتسامة شريرة وباردة أوي، وعدل ياقة جاكيته وهو بـ يِلف ضهره وبـ يِمشي بـ خطوات هادية ناحية الباب، وقال بـ كلمة واحدة قَفلت ليلته:

"للأسف يا جيمي... أسفك مَش مقبول."

آدم فتح باب الجيم بـ المفتاح وخرج بـ خطواته الرزينة الهادية، وشه مكنش فيه أي تعبير كأنه مَش لسه مِفرتك عضم الواد جمال جوه. عمار أول ما شافه خارج بـ البرود ده، اِبتسم اِبتسامة شريرة وفهم إن جمال اِتعلم عليه لـ حد الموت، فـ سحب السلسلة الحديد من على إيده وحطها في جيبه بـ روقان ومشى ورا آدم بـ صياعة من غير ما يِنطق بـ كلمة.

​مشوا كذا خطوة في الممر، وفجأة... ظهرت ليليان.

ليليان كانت بـ تِجري وبـ تِدور على فارس بـ قلق بعد ما سمعت إن عمار قفل باب الجيم. أول ما شافته، وقفت قدامه ونَفَسها سريع وعينيها بـ تِلف في ملامحه وقالت بـ لهفة وخوف: "فارس! أنت كويس؟ كنت جوه بـ تِعمل إيه؟ ورايح فين دلوقتي بـ المنظر ده كدا؟!"

​آدم مَ وقفش، كمل مشيه وعداها بـ برود مرعب، وقال بـ نبرة صوت واطية، ساقعة، ومبحوحة مفيهاش أي هزار: "رايح أقتل بدر."

​الكلمة نزلت على ودن ليليان زي الصاعقة. وقفت مكانها، وخدت وقت، ثواني طويلة عقبال ما عقها اِستوعب الكلمة والتهديد الحقيقي اللي في صوت "فارس الجديد". اِلتفتت بـ سرعة ولقت آدم بـ يِبعد وبـ يِتحرك بـ نية قتل واضحة..

​بـدون ما تفكر، وبـ دافع الخوف الأعمى عليه، جِريت ليليان بـ كُل قوتها ورمت جسمها على ضهره، ولفّت إيديها الاتنين حوالين وسطه وبـ كُل قوتها حضنته من ضهره وهي بـ تِعيط وبـ تِترجاه!

​في اللحظة دي.. آدم اِتسمر في مكانه كأنه تمثال حديد! أنفاسه وقفت، وعينيه وسعت بـ صدمة نفسية زلزلت كُل حصونه. اللمسة الدافية والحضن اللي مليان خوف حقيقي عليه من البنت دي، خلت الوحش اللي جواه يِهدأ غصب عنه.

​ليليان دفنت وشها في ضهره وقالت بـ صوت باكي ودايب بـ يِترعش: "عشان خاطري يا فارس... عشان خاطري خلاص بلاش! اِقعد هنا ومَ تِوديش نفسك في داهية عشان خاطري!"

​عمار وقف بعيد سنة، وبص لـ اللقطة واِبتسم بـ روقان وهو بـ يِهز راسه بـ إعجاب بـ مفعول ليليان على الشيطان صاحبُه.

​وفجأة... اِتحول المشهد الـدافئ ده لـ قنبلة موقوتة!

​من على السلم الرئيسي للمبنى، كان لسه نازل بدر السيوفي بـ كُل كبريائه. بدر نزل خطوتين، وعينيه جت عل الممر... وشاف المنظر!

​شاف ليليان، البنت اللي بـ يِحارب عشانها من إعدادي وبـ يِذل الكل عشان تِتفت له، واقفة بـ تِعيط وحاضنة "فارس" من ضهره بـ كُل الحب والخوف ده!

​وش بدر اِتخطف، ملامحه اِتشوهت بـ صدمة وغِل وحقد أعمى مَش طبيعي، دمُه غلي في عروقه لـ درجة إنه حس بـ خنجر اِتغرز في نص قلبه وكبريائه اِتداس عليه بـ الجزمة قدام الطلاب.

​بدر، وبـدون أي كلام أو زعيق، نزل السلالم بـ حِركة سريعة وزي العاصفة، ومشى لـ حد ما وِقف بـ الظبط قدام آدم على بـعد خطوة واحدة!

​ليليان أول ما حست بـ حركة بدر، لفت وشها بـ رعب ونزلت إيديها بـ خضة ورجعت خطوة لورا وهي بـ تِنهج بـ قلق.

​بدر وقف بـ طوله، وعينيه بـ تطلع شرار حارق وجحيم أعمى وبص في عين آدم بـ غل ملوش أول من آخر... وآدم بـ كُل ثبات وجبروت وبرود، اِتعدل وبص في عين بدر بـ نظرة حادة وثاقبة زي الصقر، من غير ما أي حد فيهم يِنطق بـ كلمة واحدة!

​الصمت اللي كان بينهم في اللحظة دي كان أرعب وأقوى من أي خناقة؛ نظرات بـ تِقول إن الدم هِيغرق المكان، وإن الحرب الكبيرة بدأت رسمياً بين آدم وبدر، ومحدش هيرحم التاني

وسط صمت القبور اللي كان مسيطر على الممر، عينين بدر بدأت تتحرك بـ غل وتفحص في جسم آدم، وفجأة... عينه ثبتت على كف إيد آدم اليمين وجاكتُه.. لمح بقع دم حمراء قانية لسه سايلة وسخنة!

​نظرة الصدمة في عين بدر اِتحولت في ثانية لـ غضب أعمى وجنون، وعروق جبهته برزت كأنها هتنفجر وهو بـ يربط بين الدم ده وبين غياب جمال.

​آدم لمح النظرة دي في عينه، فـ اِترسمت على شفايفه اِبتسامة شريرة، باردة، ومستفزة جداً، ومِيل براسه سنة وقال بـ صوته المبحوح الرزين: "آه.. صح.. مَ تاخدش في بالك يا سيوفي، ده دم جمال صاحبك الجيماوي."

​ليليان حطت إيدها على بوقها بـ صدمة وزهول وهي باصة لـ إيد آدم، ومَبقتش ناطقة.

​آدم كمل كلامه وبص في عين بدر بـ برود يِشل: "يدوبك تِلم شلتك وتِلحق تِوديه المستشفى بـ السرعة.. قبل ما يِصفي جوه الصالة."

​هنا.. عمار مَ قدرش يِقف يتفرج أكتر من كدا، فرقع لبانته بـ صوته العالي، وأخد خطوتين بـ صياعة ووقف بـ جسمه في النص بـ الظبط، قاطع المسافة بين آدم وبدر، وبص لـ بدر من فوق لتحت وقال بـ نبرة ساخرة مضحكة: "أو تِوديه المقابر عل طول يِتدفن أحسن يا زَميلي.. تِوفروا تمن الشاش والقطن والـ (Antiseptic) وبتاع!"

​بدر بَرّق لـ عمار وبغى يِهجم عليه، بس عمار مَ خافش، قَرّب وشه من بدر وبص في عينيه بـ كُل عين حمرا وقاله بـ كُل وِقاحة شوارع: "الصراحة.. الصراحة يعني يا بدر.. أنا كُنت بـ تِمنى من كُل قلبي تكون أنت اللي مكان جمال جوه الجيم، وِكنت أنا اللي أستلمك بـ إيدي.. بس الأصول بـ تِقول إيه؟ لازم تاخد الكلب البلدي الأول تِربيه.. وبعدين تِطلع وتِخش على الكلب الجيرمان.. بس شكل الكلب الجيرمان مجهد شوية اليومين دول وخايف على عضلاته!"

​الكلام نزل كأنه مية نار اِتدلقت على كبرياء بدر، ونَفَسه بقى عالي وسريع من كتر الإهانة والغل، وشه بقى أحمر وعينيه بـ تطلع شرار وهو بـ يِبص لـ عمار وآدم ومش قادر يِنطق لإن الصدمة لجمت لسانه قدام الطلاب اللي بـ يتفرجوا بـ ذهول.

​وفي قمة لغبطة بدر وغليانه.. آدم مَداش لـ الموقف أي حجم إضافي، وبـ كُل تلقائية وهدوء، مَد إيده الطويلة الدافية وحطها على كِتف ليليان بـ حماية تامة، وسحبها معاه لـ حضنه بـ خفة، ولَفّوا ضهرهم لـ بدر ومشيوا بـ خطى ثابتة ورزينة وسط الممر وعمار ماشي وراهم بـ يِصفر بـ صياعة

بدر فِضل واِقف مكانه في نص الممر، وشه بـ يِجيب ألوان، وإيديه بـ تِترعش بـ غِل وعنف وهو بـ يِتفرج على ضهر آدم وإيده اللي على كِتف ليليان.. وعِرف إن كرامته اِتدفنت في الأرض بـ الفعل، والرد الجاي لازم يِكون بـ الدم

بـ الليل.. الجو كان ساقع ومغيم، وجوه قاعة الدروس الخصوصية الفخمة التابعة لـ عيلة بدر السيوفي، كان المكان مقفول ومخنوق بـ دخان السجاير. بدر كان قاعد على الكرسي الرئيسي، وشه لسه معلم فيه الحرقان والغل من ذل الصبح، وحواليه شلته المقربين.. ومن ضمن اللي قاعدين كان عمران، اللي كالعادة قاعد بـ برود، حاطط رجل على رجل وبـ يِنفخ دخان سيجارته وسارح في ملكوت تاني كأنه مَش معاهم.

​بدر خبط بـ إيده على المكتب بـ عنف، وزعق بـ صوت مليان غيظ وحقد أعمى: "أنا مَش هسكت! كرامتي وكرامة الشلة اِتدفنت في الأرض النهاردة بـ سبب فارس وصاحبه الصايع.. جمال اِتفرتك وعظمه اِتكسر وجوه المستشفى دلوقتي بـ سببهم! أنا عايز اِنتقام يِخليه يِركع تحت رجلي ويِعيط دم!"

​الكل سكت، فـ بدر قَرّب لـ قدام وبص لـ عمران وقال بـ نبرة قذرة مليانة شر: "أنا عايز نِخطف سيرين.. أخت فارس! تِتخطف وتِتجاب لحد هنا، ولما تِكون تحت إيدينا، هِندّمه على كُل ثانية فكّر فيها يِقف قدامي، وهِ نِكسر عينه بـ أخته قدام المدرسة كلها!"

​عمران أخد نَفَس من سيجارته ومَ نطقش، بس ملامحه اِتقبضت بـ قرف من ليفل القذارة اللي بدر وصله.

​في نفس اللحظة.. وفي ركن ضلمة شوية في القاعة، كان قاعد شبل.

شبل أول ما سِمع كلمة "خطف سيرين"، جسمه قشعر وعينيه وسعت بـ رفض تام. شبل اِفتكر على طول المنظر من فترة لما "فارس" مسك إيده وبـ كُل غل غرز الشوكة فيها وعلم عليه.. الوجع لسه معلم في إيده، بس شبل جواه حتة رجولة وأصول صِحيت فجأة؛ الخناق والضرب بين الرجالة ماشي، إنما خطف وأذية البنات؟ دي مَش رجولة ولا تِطلع من ولاد ناس!

​بـدون ما حد يِلاحظ، شبل مَد إيده بـ بطء في جيبه، طلع موبايله بـ كُل حذر، وشغل مسجل الصوت.. وسجل كُل كلمة بدر قالها عن خطة خطف سيرين بـ الحرف الواحد.

​أول ما بدر خلص كلامه، شبل قفل التسجيل، وبـ كُل سرعة ودخل على الشات وبعت الريكورد لـ مروان.

​شبل كتب لـ مروان رسالة تحت الريكورد بـ كبرياء ورجولة: (اِسمع ده يا مروان وِوصله لـ فارس بـ سرعة.. بدر ناوي يِخطف أخته سيرين بـ الليل.. قوله رغم إن فارس من فترة ضرب إيدي بـ الشوكة وعلم عليا، بس أنا راجل ومَرضاش إن حد يِأذي بنت أو يِمد إيده عليها.. اِتحركوا بـ سرعة).

​مروان كان قاعد في بيته، وأول ما جاله الريكورد والرسالة من شبل، عينه وسعت وصدمة رعبت قلبه.. وعِرف إن بدر رسمياً بـ يِلعب في عداد عمره

في نفس الوقت من الليل، كان الجو هادي جداً وبارد في جنينة قصر عيلة الراوي الفخم. شجر الجنينة العالي كان بيميل مع نسمات الهوا، والإضاءة الخافتة عاكسة على حمام السباحة.

​آدم كان قاعد لوحده على كرسي خشب في وسط الجنينة، ساند ضهره وسارح في النجوم بـ ملامحه الرزينة الجامدة. فجأة، موبايل فارس اِتهز في إيده بـ إشعار رسالة من مروان.

​آدم فتح الشات، لقى الريكورد المبعوت ورسالة شبل تحتيه. مَد صابعه وضغط تشغيل وحط الموبيل على ودنه.. وبدأ يسمع صوت بدر وهو بـ يزعق بـ غل وبـ يخطط لـ خطف سيرين عشان يكسر عين أخوها.

​أول ما الريكورد خلص.. آدم مَ ظهرش على وشه أي خضة أو عصبية، بالعكس! اِترسمت على شفايفه اِبتسامة هادية جداً ومرعبة.. اِبتسامة ثقة بـ تقول إن بدر بـ إيده دي حفر قبره بـنفسه، وإن شبل بـ حركته دي سَهّل اللعبة تماماً على ولاد الراوي.

​ولسه آدم بـ يِقفل الشات عشان يِفكر في خطوته الجاية.. فجأة شاشة الموبيل نَوّرت بـ اِسم ليليان وهي بـ تِرن عليه.

​ملامح آدم اِتبدلت بـ تلقائية، واِبتسامته المرعبة اِتحولت لـ هدوء صافي. فتح الخط وحط الموبيل على ودنه وقال بـ صوته المبحوح والرايق: "ألو.. مساء الخير يا ليليان."

​صوت ليليان جه من الناحية التانية دايب، دافي، ومليان حنية كبيرة تِدوب الحديد: "مساء النور يا فارس... كنت بـ أطمن عليك، عديت الليلة كويس؟ من وقت ما روحت وأنا بالي مشغول بيك وبـ الدم اللي كان على إيدك.. أنت كويس بجد؟"

​آدم أخذ نَفَس طويل، وبص لـ خيال الشجر في المية، وقال بـ نبرة هادية مفيهاش أي برود من بتاع الصبح: "أنا كويس جداً يا ليليان.. اِطمني، الدم ده مَش دمي، والوضوع خلص جوه الجيم وخلاص مفيش حاجة تِقلقك."

​ليليان اِتنهدت بـ راحة وصوتها بقى أرأف: "الحمد لله يا فارس.. أنا بس مكانش يِرضيني تِعمل في نفسك حاجة بـ سبب كلام بدر أو بـ سببي.. أنا بـ أخاف عليك أوي، ونفسي تِفضل دايماً هادي وبعيد عن المشاكل بتاعتهم دي."

​الكلام لمس حتة جوه قلب آدم مكانش متعود عليها، حتة اِتحرم منها من وقت ما عاش في الحارة كـ "آدم"، وحس إن البنت دي بـ حنيتها بـ تِغسل كُل الغل والدم اللي بـ يِعيش فيه طول اليوم. اِبتسم وقال بـ نبرة دافية: "كلامك ده بـ يِهدي أي مشاكل يا ليليان.. اِطمني، أنا عارف بـ أعمل إيه كويس، ومحدش يِقدر يِلمس شعرة مني طول ما أنا واِقف على رجلي."

​ليليان ضحكت ضحكة رقيقة بـ تِكسر البرد: "عارفة والله.. بس برضه خاف على نفسك عشاني.. تصبح على خير يا فارس."

آدم رد بـ هدوء: "وأنتِ من أهله يا ليليان."

​قفل آدم السكة، وعينيه رجعت اِتحولت لـ الحِدة والجمر جُوّه الضلمة.. وقف على رجليه، وحط الموبيل في جيبه، وبص لـ قصر الراوي وهو ناوي يِقلب الليل ده لجحيم على دماغ شلة بدر السيوفي

تاني يوم الصبح، كانت الخطة بـ تِتنفذ بـ الفعل. عمران كان راكب عربية جيب سوداء ومعاه واحد تاني من الشلة بـ أمر مباشر من بدر، ومتحركين في طريقهم لـ مراقبة قصر الراوي عشان يِلقطوا سيرين ويِخطفوها بـ كُل غشامة أول ما تِظهر.

​في نفس الوقت، كان بدر السيوفي قاعد في قاعة الدروس، حاطط رجل على رجل، وبـ يِنفخ دخان سجارتُه بـ غرور وشماتة وهو بـ يِتخيل فارس (آدم) وهو بـ يِركع تحت رجليه وبـ يِعيط لما أخته تِتخطف.

​فجأة.. تليفون بدر الشخصي رن بـ نغمة عالية من رقم غريب مَش متسجل عنده. بدر لَوى بوزه بـ ملل، وفتح الخط وحط الموبيل على ودنه وقال بـ تكبر: "ألو.. مين؟"

​لكن الصدمة كانت في الصوت اللي جه من الناحية التانية! مَكنش صوت راجل ولا حد من رجاله، ده كان صوت طفلة صغيرة، بريئة، ولسه في مرحلة الحضانة.. صوت أخته الصغيرة "نور"!

​نور اِتكلمت بـ طفولة وفرحة من الناحية التانية: "بدوري! عامل إيه يا حبيبي؟ أنا أختك نور.. أنا مبسوطة أوي، في واحد صاحبك شاطر جداً جالي الحضانة هنا دلوقتي، وجابلي شيكولاتات كتير أوي وبـ يِلعب معايا.. قالي إن اِسمه فارس وبـ يِحبك جداً!"

​في ثانية واحدة.. الدم هرب من وش بدر، وسجارتُه وقِعت من بين صوابعه على المكتب! جسمه كله قشعر وركبُه سابت بـ رعب حقيقي مَش طبيعي، وعروق رقبته برزت وهو بـ يِسمع صوت أخته الصغيرة اللي بـ تمثل حياته كلها، وهي في إيد الشيطان!

​وفجأة.. الصوت الطفولي اِختفى، وجه مكانه صوت رزين، مبحوح، وساقع زي حد الموس.. صوت آدم!

​آدم قال بـ كُل هدوء وثقة مرعبة بـ تِنهي اللعبة: "ها يا سيوفي... أظن الرسالة وصلت؟ أخت.. مقابل أخت.. والبادئ أظلم! والطفلة الحلوة دي دلوقتي في جيب كف إيدي، وشعرة تِتمس من سيرين.. تِقرا الفاتحة على أختك الصغيرة فوراً."

​بدر مسك الموبيل بـ إيديه الاتنين وهو بـ يِترعش وبـ يِصرخ بـ جنون وغل مخلوط بـ الرعب: "فارس!!! وحياة أمك لـ أقتلك! أختي لأ يا فارس! أختي مَ تِلمسهاش!"

​آدم مَ رَدش عليه بـ حرف تالي.. قفل السكة بـ كُل برود في وِشه.

​بدر رمى التليفون، ومن كتر الرعب والجنون مَ فكرش حتى يِركب عربيته.. طِلع يِجري بـ كُل سرعة وقوته على رجليه في الشارع بـ اندفاع أعمى، وهو بـ يِسحب موبايله تاني بـ إيد بـ تِترعش وبـ يِحاول يِرن على عمران بـ جنون عشان يِقوله يِوقف الخطف فوراً وِيلف ويرجع، قبل ما النفوذ والفلوس والاسم يِتحولوا لـ جنازة لـ أخته الصغيرة

​بدر كان بـ يِنهج بـ جنون والتراب مغطي يونيفورم المدرسة بتاعه، وجِري بـ أقصى سرعة عنده لحد ما وقف قدام العربية الجيب بتاعة عمران بـ الـعرض في وسط الشارع قبل ما تِتحرك خطوة واحدة ناحية قصر الراوي.

​عمران ضرب فرامل بـ قوة، وبص من الشباك بـ دهشة لـ منظر بدر المتبهدل واللي بـ يِترعش من الخعب. بدر قَرّب على الشباك وبـ يِتكلم بـ نبرة صوت ضايعة ومقطوعة من الخوف: "عمران!.. اِقفل.. اِقفل الخطة فوراً وِارجع! مَ تِلمسش سيرين.. مَ تِخطفش حد!"

​عمران لَوى بوزه بـ استغراب وقال بـ صوته الخشن: "في إيه يا سيوفي؟ مَ أنت اللي كنت بـ تِتنطط بـ الليل وعايز تِكسر عين فارس بـ أخته؟ إيه اللي شَقلب حالك كدا؟"

​بدر بِلع ريقه بـ رعب وبان الكسر في عينيه قدام شلته: "فارس.. فارس في حضانة نور أختي الصغيرة.. قالي أخت مقابل أخت والبادئ أظلم! لو لِمسنا سيرين هِيخلص على أختي يا عمران.. اِرجع بـ السرعة!"

​في اللحظة دي.. ملامح عمران الضخمة اِتبدلت تماماً. عينيه وسعت وبص لـ بدر بـ كُل نظرات الاحتقار والقرف والازدراء اللي في الدنيا. نَفَس طويل وحارق طلع من صدر عمران، وبص لـ بدر بـ سخرية مُرة وقاله بـ وِش جامد كأنه بـ يِتفل على كلامه: "يعني هي حياة أختك أنتَ.. أهَم وأغلى من حياة أخوات الناس يا سيوفي؟! لما كانت أخت فارس هي اللي هِتتخطف وهِتتبهدل كنت بـ تِضحك ومبسوط.. وأول ما الحبل لَف حوالين رقبة أختك جِيت تِجري وتِعيط على رجليك؟!"

​بدر لَف وشه بـ خزي وإحراج، فـ عمران زعق فيه بـ صوت جهوري هز الشارع كله وغضب غضب عارم: "اِسمع يا بدر.. وحياة جلالة الله، لو فكّرت تِأذي أخت حد، أو تِعمل الحركة القذرة دي تاني في حياتك.. مَش فارس اللي هِيقف قدامك، أنا اللي هِفرمك بـ إيدي دي! مَ تلعبش بـ أعراض ومشاعر الناس عشان نفوذك الفاضي ده.. اِخلص واِطلع من وشي!"

​بدر رِجع لورا بـ رعب من غضب عمران، وعمران سَند راسه على الدريكسيون وبص لـ الهوا.. وفجأة، الشارع والمدرسة والدنيا كُلها اِختفت من قدام عينيه.. ورِجع بـ الزمن لـ ورا...

​(( فلاش باك ))

​الدنيا كانت مِطيرة، والجو ضلمة وساقع جداً بـ الليل من كام سنة فاتوا.

​قدام الباب الزجاجي الكبير بتاع مستشفى حكومي زحمة ومتهالكة، كان واقف عمران.. بس مَكنش عمران بـ هيبته وعربيته ونفوذه بتاع دلوقتي.. كان عمران الشاب الغلبان، اللي لابس لِبس "فرد أمن" (أوفيسر حراسة) بسيط، هدومه مبلولة من المطر، وجسمه الضخم بـ يِترعش بـ الوجع وقلة الحيلة.

​عمران كان شايل بين إيديه الاتنين أخته الصغيرة، البنت كانت غايبة عن الوعي، وِوشها أصفر زي الليمون وبـ تِنازع الموت بـ سبب مرض شديد وِمش لاقية سرير ولا علاج.

​عمران كان واِقف بـ يِبكي بـ دموع قهر وحزن تِقطع القلب، دموعه اِتخلطت بـ مية المطر وهو بـ يِصرخ في دكاترة المستشفى وأفراد الأمن زمايله ويِترجاهم بـ ذل: "عشان خاطر ربنا.. اِلحقوا أختي! أختي بـ تِموت في إيدي.. حد يِعمل لها أي حاجة! أنا فدا رجليكم بس أختي تِعيش!"

​لكن كُل الأبواب كانت مقفولة في وشه بـ سبب الفقر والذل، ومحدش بص لـ دموع الجدع الغلبان اللي كان بـ يِموت بـ الوجع وهو شايف أخته بـ تِروح منه.. لحد ما ظهر "بدر" بـ فلوس أبوه ونفوذه، وشاله من المستنقع ده بـ كدب واستغلال، وباع له الوهم عشان يِخليه "كلب حراسة" وآلة ضرب بـ الفلوس لـ مصلحته!

​(( عودة للواقع ))

​عمران فاق من الفلاش باك، ومسح عينه بـ عصبية بـ ظهر إيده عشان يِداري دموع القهر القديمة اللي لسه مَ نِشفتش في قلبه، وبص لـ بدر بـ نظرة أخيرة كلها وعيد، وداس بنزين بـ عنف وِلف العربية ورِجع بعيد عن القصر، وهو شايل في قلبه بركان بـ يِغلي ضد بدر وضد اللعبة كُلها!

بدر كان بـ يِجري في ممرات الحضانة الفخمة زي المجنون، عيونه ب تِدور في كُل حتة وجسمه كُله بـ يِترعش بـ فزع لـ حد ما وصل لـ باب الأوضة الملونة بتاعة الألعاب. فتح الباب بـ اندفاع.. ووقف مكانُه اِتسمر من الصدمة!

​جوه الأوضة، على السجادة الملونة وسط لعب الأطفال، كانت قاعدة أخته الصغيرة "نور" بـ تِضحك بـ صوت عالي ومبسوطة جداً، وجنبها كان قاعد آدم بـ كُل طوله وهيبته ورزانته. آدم كان حاطط رجل على رجل بـ روقان وهدوء قاتل، وجايب للبنت كمية شيكولاتات ولعب وعرايس كتير مغرقة المكان، وبـ يِتعامل معاها بـ كُل هدوء وبراءة مَش لايقة على وحش لسه مِفرتك عضم جمال امبارح!

​بدر أول ما شاف المنظر، عقله طار، والغل مع الرعب خلوه يِفقد أعصابه تماماً. قَرّب من آدم بـ اندفاع أعمى، ومَد إيديه بـ غشامة ومسك آدم من لياقة التيشرت بتاعه بـ عِزم ما عنده، وصرخ في وِشه بـ صوت هز الأوضة كُلها: "فارس!!! عيلتي خط أحمر.. اِبـعد عن أختي ومَ تِلمسهاش!"

​آدم مَ رِمش لُه جفن، ولا ملامحه اِتغيرت من الزعيق. بـ كُل برود، وبـ حركة سريعة ومحترفة من كف إيده الحديدية، قفل على معصم بدر وضغط عليها ضغطة خلت بدر يِتأوه بـ مكتوم، وبـ زقة واحدة قوية وخفيفة رمى بدر بعيد عنه كأنه كيس قش! بدر رِجع لورا كذا خطوة بـ عافية وحافظ على توازنه بـ الصعوبة وهو بـ يِنهج بـ غل.

​آدم قام وقف بـ كُل طوله، ونفض التيشرت بتاعه بـ هدوء، وبص لـ بدر بـ نظرة ساقعة تِجمد الدم وقال بـ صوته المبحوح والرزين: "وأنا عمري ما هـ أكون في وساختك وخِستك يا بدر.. أنا مَش بـ أأذي أطفال ولا بـ أخطف بنات.. أنا جِيت بس أقعد مع أختك شوية أسلّيها، وأعرفك إن اللعب معايا هـ يِكلفك كتير."

​بدر جَزّ على سنانه بـ كُل غِل وحقد، وعينيه بقت حمرا وهو بـ يِتوعد لـ آدم وبـ يِقوله بـ فحيح الأفاعي: "صدقني يا فارس.. وحياة أمي أنا هـ أقتلك.. هـ أقتلك وأخلص منك ومن قرفك ده!"

​آدم اِبتسم اِبتسامة هادية جداً وباردة أمعنت في اِستفزاز بدر، وبص في عينيه بـ كُل برود وقاله: "عادي يا سيوفي... مَ أنت قتلتني مرة قبل كدا، وأنا لسه عايز أجرّب التانية، والتالتة، والرابعة، والخامسة كمان! بس أنت جرب كدا تِقرب من أختي سيرين تاني.."

​وفجأة.. آدم أخد خطوة واحدة لـ قدام، وقَرّب وشّه من ودن بدر بـ الظبط، ونبرة صوته اِتحولت لـ فحيح مرعب وساقع زي عزرائيل وهو بـ يِهمس لُه بـ كلمة واحدة خلت ركب بدر تِخبط في بعض:

"أنا مَش بـ أهدد يا بدر... أنا مِمكن أنهي حياتك كُلها مليون مرة.. مَش مرة واحدة بس! اِلمم نفسك، وشوف هـ تِلم عضم صاحبك في المستشفى إزاي."

​ولَف آدم ضهره بـ كُل شموخ، وبص لـ الطفلة نور واِبتسم لها وقال: "باي باي يا نونو".. ومشى بـ خطواته الرزينة الهادية وخرج من الحضانة كأنه ملك بـ يِتمشى في قصرُه، وساب بدر واِقف مكانُه في نص الأوضة، جسمه بـ يِرتعش، وعرق الخوف بـ يِنزل من جبهتُه، وعِرف إن "فارس" ده بـقى كابوس حقيقي مَش هـ يِعرف يِصحى منه أبداً!

آدم ساب الحضانة ووراه بدر بـ يِلم أشلاء كبريائه، ورِكب عربيته الفخمة وساقها بـ هدوء وثبات لحد ما وصل قدام الباب الرئيسي للمدرسة. ركن العربية على جنب، وسند ضهره على الكرسي الجلد، وطلع موبايل فارس من جيبه.

​بـدون أي تردد، ومَسحة من اِبتسامة رايقة على وشه، رن على رقم ليليان.

​جوه المدرسة، ليليان كانت قاعدة في الحوش مع صحابها، وأول ما لقت تليفونها بـ يِتز بـ اِسم فارس، قلبها دق بـ سرعة، وقامت وقفت بعيد عنهم بـ لهفة وفتحت الخط وقالت بـ صوت واطي مليان دفا وقلق: "ألو.. أيوا يا فارس، في حاجة حصلت؟ أنت كويس؟"

​آدم سَند كوع إيده على شباك العربية وبص لـ باب المدرسة وقال بـ صوته المبحوح الرايق: "أنا كويس جداً يا ليليان.. ومفيش أي حاجة حصلت، بس أنا واقف بـ عربيتي قدام باب المدرسة دلوقتي.. وإيه رأيك بقى تِسيبي المدرسة وتِهربي وتِطلعيلي دلوقتي حالا، ونِروح نِقعد في أي مكان هادي سوا؟"

​ليليان عينها وسعت بـ صدمة مخلوطة بـ فرحة مَش عارفاها، وبصت حواليها لـ أسوار المدرسة والطلاب والـ (Security) اللي واقفين على الباب، وقالت بـ نبرة مَش مصدقة وصوتها بـ يِرتعش من الجرأة: "أنت بـ تِتكلم جد؟! دلوقتي؟! أهرب من المدرسة في نص اليوم يا فارس؟! دي الحصة الجاية هـ تِبدأ!"

​آدم ضحك ضحكة واطية ورجولية جداً تِدوب التلج، وقال بـ كُل برود وثقة: "وأيه يعني دلوقتي؟ فيها إيه يا ليليان؟ الحصص مَش هـ تِطير، بس الجو برا حلو ومَش هـ يِتعوض.. اِخلصي ولمي حاجتك وتعايلّي، أنا مستنيكي."

​ليليان مَ قدرتش تِخبي الاِبتسامة اللي نَوّرت وشها كله، وحست إن "فارس الجديد" ده بـ يِخطفها لـ عالم تاني كله جنون وإثارة مكانتش بـ تِعيشه زمان، هزت راسها بـ قلة حيلة وضحكت ضحكتها الرقيقة اللي بـ تِخطف قلب آدم وقالت بـ حنية: "أنت شكلك مَجنون يا فارس... وهـ تِتعبني معاك جداً بـ عمايلك دي!"

​آدم اِبتسم بـ روقان وقالها: "طب يالا يا مَجنونة.. مستنيكي على الباب."

​قفلت ليليان السكة وهي بـ تِنهج بـ فرحة وخوف مراهقة لـ أول مرة، وجِريت بـ سرعة لـمت شنطتها من على الدكة، وفي دماغها فكرة واحدة بس.. إنها هـ تِرمي الدُنيا كُلها ورا ضهرها وتِطلع لـ البني آدم اللي بـقى بـ يمثل لها الأمان والجنون في نفس اللحظة!

العربية الفخمة فضلت ماشية على الطريق الهادي بعيد عن دوشة المدينة، لحد ما دخلت في منطقة واسعة وهادية جداً، مفيهاش أي صوت غير صوت الهوا الخفيف.. منطقة المقابر. بس مَكنتش مقابر عادية، كانت مقابر فخمة جداً، عبارة عن أحواش واسعة ومبنية بـ رخام غالي وِشجر عالي بـ يِحاوط المكان كأنه قصر صامت لـ الأموات.

​آدم هَدّى السرعة تماماً، ولَف بـ العربية لحد ما وقف بـ الظبط قدام حوش وقبر معين مبني من الرخام الأسود الفخم. آدم بَطل الموتور، وساد الصمت المرعب جوه العربية.

​آدم لف راسه بـ بطء، وبص لـ ليليان بـ عيون مفيهاش أي برود، عيون مليانة وجع وسنين تقيلة، وقال بـ صوته المبحوح الرزين: "انزلي يا ليليان."

​ليليان لفت وشها وبصت من الشباك، وأول ما لَمحت شواهد القبور والرخام، جسمها قشعر واِتخضت خضة حقيقية، وبصت لـ آدم بـ ذهول وقالت بـ نبرة بـ تِترعش: "فارس؟! احنا هنا بـ نعمل إيه بـ الظبط؟! أنت جايبني المقابر في وسط النهار ليه؟!"

​آدم مَ رَدش عليها.. فتح باب العربية ونزل بـ هدوء، ومشى لحد ما وقف قدام مقدمة العربية وسند ضهره على الكبوت، وحط إيديه في جيوبه وبص لـ الأرض بـ شرود حزين.

​ليليان بلعت ريقها، وفتحت الباب ونزلت وراه بـ خطوات بطيئة. الجو كان ساقع، والهدوء اللي في المكان كان بـ يِحبس الأنفاس، مشيت لحد ما وقفت جنبه، وبصت لـ ملامحه الجادة السرحانة، وقالت بـ نبرة صوت غريبة، دافية، ومَفهتوش أي خوف: "عارف يا فارس... أنا رغم غرابة المكان اللي إحنا واقفين فيه ده، ورغم إنها مقابر.. بس أنا بـ الأمانة مَش خايفة خالص.. عشان أنت هنا معايا، وحاسة إن مفيش أي حاجة في الدنيا مِمكن تِأذيني طول ما أنا جنبك."

​الكلام نزل على قلب آدم كأنه سكين بـ تِقطّع في ضميره. رفع راسه وبص في عينيها اللامعة بـ الثقة والحب، وحس إن اللحظة دي هي الأنسب عشان يِنهي كدبة عمره قدام البنت دي بالذات.

​آدم أخذ نَفَس طويل وحارق من جوه صدره، وبص لـ عين ليليان بـ ثبات مرعب، وقال بـ صوت واطي ومبحوح يِهز الحجر: "أول حاجة لازم تِعرفيها يا ليليان... إن أنا مَاسْميش فارس!"

​ليليان عينها وسعت بـ صدمة، ولسانها اِتلجم ومَبقتش فاهمة الكلمة، ولسه هِتنطق وِتسال... آدم شاور بـ إيده بـ كُل ثقل وجدية ناحية القبر الرخام الأسود اللي واقفين قدامه، وقال بـ نبرة صامتة تِجمد الدم في العروق:

​"بصي كويس على القبر اللي قدامنا ده... واِقري الاسم اللي مكتوب على الشاهد بتاعه!"

​ليليان حركت عينيها بـ رعب وبطء ناحية الرخام، وبدأت تِقرب عشان تِقرا الكلام المكتوب بـ مية الذهب على القبر...

ليليان قربت خطوات بطيئة ورجليها بـ تِخبط في بعضها من الخوف، وبصت على الشاهد الرخام الأسود، وبدأت تِقرا الكلام المحفور بـ مية الذهب بـ صوت بـ يِترعش ومرعوب: "المرحوم... فارس محمود الراوي..."

​ليليان لفت وشها بـ سرعة وبصت لـ آدم بـ نظرة خوف وفزع مَش طبيعي، رجعت خطوة لورا وهي بـ تِنهج بـ عنف وقالت بـ صوت هيستيري: "أنا مَش فاهمة حاجة!! أنت مين؟! ومين اللي مدفون تحت الأرض ده؟! وإيه اللي أنا شَيفاه ده يا فارس؟! رد عليا!"

​في اللحظة دي.. الحصن الحديدي اللي آدم باني حوالين نفسه اِتهد تماماً. عيون آدم، لأول مرة من وقت ما دخل المدرسة، دمعت! لمعت الدموع في عينيه بـ وجع وقهر السنين، وبص لـ ليليان بـ ملامحه الحزينة وقال بـ صوته المبحوح اللي اِتكسر لأول مرة:

"أنا مَاسْميش فارس يا ليليان... أنا آدم محمود الراوي.. الأخ التوأم لـ فارس."

​ليليان حطت إيديها الاثنين على راسها بـ صدمة ولجم لسانها، فـ كمل آدم بـ مرارة: "أنا عشت عمري كله في الحارة بعيد عن هنا.. وجيت القصر ده والمدرسة دي ودخلت بـ قناع فارس عشان أعرف حقيقة اللي حصل لأخويا. فارس كان قايل في رسالة سابها إنه انتحر.. بس لما دخلت وسطه وسط شلة بدر، اكتشفت الحقيقة البشعة.. فارس مَش انتحر، فارس اِتقتل!"

​آدم أخذ خطوة ناحيتها، وبص في عينيها المبرقة وقال بـ نبرة تِوجع القلب: "والكبيرة بقا يا ليليان... إنه اِتقتل بـ سببك أنتِ! اِتقتل لإن بدر السيوفي بـ يِحبك بـ جنون وِمرض، وفارس كان قريب منك وبـ يِحبك، فـ بدر مَ ستحملش ورماه من السطح وعملها انتحار!"

​الكلمات نزلت على ليليان كأنها طعنات خناجر في قلبها، رجعت لورا وسندت على العربية وجسمها كله بـ يِترعش، والصدمة شلت عقلها وهي مَش مصدقة إن ذنب موت البني آدم اللي كان بـ يِحبها بـ يِطاردها دلوقتي.

​آدم قرب منها أكتر، وبصلها بـ ملامح مليانة إحراج وخجل حقيقي لأول مرة يِظهر على وشه، وقال بـ دفا وحنية طالعة من كف قلبه: "بس عارفة يا ليليان؟ أنا كنت واخد عهد على نفسي إني عمري مَ هـ أكشف حقيقتي لحد في الدنيا، ولا هـ أقول إني آدم لـ حد قبل ما أنتقم لـ فارس وأجيب حقه بـ الدم.. بس أنا كشفت نفسي ليكي أنتِ بـ الذات دلوقتي..."

​سكت ثانية، ونزل عينه الأرض بـ إحراج، ورجع رفعها وبص في عينيها بـ كُل الصدق اللي في الكون وقال: "... عشان أنا حبيتك يا ليليان. حبيتك بـجد بـ لسان وقَلب آدم، ومَكنتش حابب أبدأً إنك تِفضلي جنبي وبـ تِقربي مني بـ حجة إني فارس.. أنا عايزك تِحبيني وتِكوني معايا وأنتِ عارفة أنا مين بـ الحقيقة."

​الجو سكت تماماً في المقابر، ومبقاش مسموع غير صوت أنفاس ليليان المصدومة الباكية، ونظرات آدم اللي شال قناعه المرعب وبان وراه قلب عاشق مستني حكم البنت الوحيدة اللي غيرت حياته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قناع فارس

المؤلف Ahmed Mostafa Kamel
2026/05/31 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة