تاني يوم الصبح.. الشمس كانت طالعة بـ خيوط حامية على شوارع القاهرة، والهدوء كان بـ يغطي الطرقات.
كان بدر السويفي قاعد في 뒷 الكرسي بتاع عربيته الفخمة وهو في طريقه لـ مدرسته.. ملامحه كانت رايقة ومغرورة وهو بـ يفكر إزاي هـ يقلب التربيزة على آدم بعد حكاية الخطوبة اللي عرف بيها. كان بـ يلعب بـ نضارته الشمسية في إيده بـ كُل برود.
وفجأة.. تيار الروقان ده قَطعه رنين موبايله، والشاشة نورت بـ اسم "عمران".
بدر رفع حواجبه بـ استغراب، وضغط على زرار الرد وحط الموبايل على ودنه، وقال بـ نبرة صوته الحادة والمتعالية:
"ألو.. جرى إيه يا عمران؟ وشك الملسوع خف ولا لسه بـ تـتمحن في بيتك؟ اِخلص وقولي اِختفيت فين بقالك يومين، لإن وراك شغل تقيل لازم يـ تـنفذ النهاردة ضد ابن الراوي!"
لكن الرد اللي جاءه من الطرف التاني مَكانش رد عبد مطيع.. جاءه صوت عمران خشن، مبحوح، ومِشبع بـ سواد وجبروت يِرعب الحجر.. صوت راجل ماتت جوا الصدمة وِخرج عن السيطرة تماماً. عمران ضحك بـ صوت جهوري مرعب وقاله:
"شغل؟!.. هه! خلاص يا ابن السويفي.. زمن الشغل والعبودية تحت جزمتك اِنتهى لـلأبد!.. السلاسل اللي كنت رابطني بيها اِتفرتكت وعميت عينك عن الواقع.. أختي الغالية مَاتت في المستشفى بقالها يومين يا بدر.. مَاتت وأنا بـ اِتذل لك عشان أصرف عليها!"
بدر ملامحه اِتغيرت لـ ثواني وضيق عينه وقال بـ جفاء: "أنا مَليش دعوة بـ الكلام ده، البقاء لله.. اِخلص وهات من الآخر عايز إيه؟"
عمران صرخ في الموبايل بـ صوت زلزل ودن بدر وقال بـ فحيح واطي وحاد:
"الآخر هـ أقولهولك حالا يا بدر.. أختك الطفلة (نور).. أنا لسه واخدها حالا من باب الحضانة بتاعتها.. أختك في إيدي وتحت رحمتي دلوقتي!"
بدر السيوفي في ثانية واحدة وشه اِتقلب لـ اللون الأبيض، والنضارة الشمسية وقعت من إيده على أرضية العربية، وقام وقف في كرسيه وبقى بـ يصرخ بـ جنون ورعب حقيقي لأول مرة في حياته:
"عمران!!!.. أنتَ بـ تقول إيه؟! أختي نور؟! وحياة أمك لو لمست شعرة منها لـ أكون دافنك صاحي وأمحي اسمك من الدُنيا!!"
عمران رد عليه بـ هدوء مرعب وقاتل، ونبرته الفخمة كانت بـ تقطر غل:
"مَ بـ اِخافش من تهديدك يا ابن السويفي.. أنا مابقاش عندي حاجة أبكي عليها في الدُنيا دي كلها خلاص.. أنتَ هـ تحصد اللي زرعته بـ إيدك.. زي ما قلبي اِتحرق على موت أختي الغالية، أنا هـ أحرق قلبك وقلب أبوك على الطفلة دي قصاد حرقة دمي!.. نور أختك هـ تِتـقتل يا بدر.. هـ تِتـقتل بـ ألعن طريقة ممكن تتخيلها، وعمرك ما هـ تِشوف وشها تاني صاحي!"
بدر دموعه وعروق وشّه ظهرت من كتر الجنون والخوف، وبقى بـ يزعق لـ السواق: "اِطلع على الحضانة بـ أقصى سرعة يا غبي!!"، ورجع كلم عمران بـ رجاء مَخلوط بـ كبرياؤه المكسور:
"عمران.. اِسمعني.. فكر في الفلوس.. فكر في أي حاجة أنتَ عايزها وأنا هـ أعملهالك حالا.. سيب الطفلة مالهاش ذنب بـ أي حاجة بـيننا!"
عمران قفل الكلام بـ نبرة نهائية هزت كيان بدر:
"الذنب ذنبك أنتَ وأبوك يا بدر.. مَفيش فلوس بـ تِرجع الميت.. اِستقبل جثتها بـعد كام ساعة!"
(توت.. توت.. توت..)
المكالمة اِتقفلت، وبدر فِضل ماسك الموبايل وإيده بـ تِترعش بـ كُل رعب، وبقى بـ يلطم على وشه وبـ يصرخ في العربية بـ جنون.. الكِبرياء والنرجسية اِتداسوا تحت جزمة البلدوزر اللي مابقاش بـ يِرحم
آدم كان لسه واِقف مع سيرين وليليان قُدام بوابة المدرسة بـعد ما نِزلوا من العربية، والـفرحة بتاعت الخطوبة لسه مأثرة عليهم.. وفجأة، موبايل آدم الجديد رن بـ رقم غريب.
آدم فَتَح الخط وحط الموبايل على ودنه وقال بـ نبرة جامدة وحذرة: "ألو.. مين؟"
جاءه الصوت الخشن والمبحوح اللي يِعرفه كويّس.. صوت عمران وهو بـ يِقول بـ ثبات مرعب: "أنا عمران يا ابن الراوي.. اِسمعني كويس ومَ تِقاطعنيش لإن مَفيش وقت."
آدم جِز على سنانه وقال بـ فحيح حاد: "عمران!.. ليك عين تِرن تاني بـعد اللي عِملته في الغردقة؟"
عمران ضحك بـ قهر وسواد وقاله: "يا عم اِنسى الغردقة والـبيرسول دلوقتي.. أنا بـ أكلمك لإن مَصلحتنا بَقت واحدة.. دليل مـوت أخوك فارس كَامل معايا حالا! معايا فيديو مِتـصور بـ الملي فيه مـوت أخوك بـ الكامل، وبدر السويفي واِقف بـ جلالة قدره بـ يِزقه ويِرميه من فوق سطح المدرسة!.. الفيديو اللي يِودي بدر حبل المِشنقة في إيدي!"
صدمة رهيبة نزلت على وش آدم، عينه وسعت ونَفسه اِتكتم لـ ثواني.. الدليل اللي قَلب الدُنيا عليه بَقّى مَوجود وبـين إيدين عمران!
لكن عمران مَ سابوش يِفوق من الصدمة وكمل بـ قسوة: "ومَش بس كدا.. أنا معايا (نور) أخت بدر الطفلة.. خطفتها وهـ أقتلها حالا عشان أحرق قلب بدر زي ما أختي مَاتت بـ سببه!"
في اللحظة دي.. عقل آدم رِجع بـ الفلاش باك لـ ورا بـ سُرعة الصاروخ:
(Flashback):
آدم اِفتكر اليوم اللي راح فيه لـ الحضانة بتاعت نور بـ السر، مَكانش رايح يِأذيها، كان رايح يِراقب ويِشوف نِقاط ضعف بدر.. واِفتكر لما شاف الطفلة نور بـ ملامحها البريئة وضَحكتها الكيوت، وقَلب آدم الحنين اِتحرك ومَ رِضيش يِخوفها.. بل قَرّب منها بـ اِبتسامة، وجاب لها شيكولاتة وِقعد على رِكبه لَعب معاها وضَحكّها.. وعرف من يومها إن الطفلة دي خَط أحمر ومَالهاش ذنب في قذارة عيلتها.
آدم فاق من الفلاش باك وعينه اِتحولت لـ جمر نار، وزعق في الموبايل بـ صوته المبحوح القوي:
"عمران!!.. مَ تِلمسش الطفلة دي لـ حد مَ أجيلك.. الطفلة مالهاش ذنب بـ أي حاجة بـيننا! قولي أنتَ فين حالا؟!"
عمران رد بـ نبرة سريعة: "أنا في المستشفى المهجورة اللي قبل المدرسة بـ عشر دقائق.. اِخلص لإن دقيقة زيادة بـ عمر البنت!"
آدم قاله بـ حسم: "تمام.. أنا جايلك حالا، مَ تِعملش حركة غبية!"
آدم قفل السكة، وبَص لـ ليليان وسيرين اللي كانوا واِقفين مَخضوضين من مَلامحه ونبرة صوته المرعبة. سيرين مَسكت دراعه وقالت بـ فزع: "آدم! في إيه؟ مين اللي كان بـ يِكلمك؟"
آدم بَص ليهم وقال بـ سُرعة وبـ هيبة طاغية: "أنا رايح المستشفى المهجورة.. عمران معاه دليل قـتل فارس، ومعاه أخت بدر الطفلة!"
ومن غير ما يِستنى رد منهم، لَف ضهره وبـ خطوات واسعة وسريعة جِرى رِكب عربيته، ودَور الموتور اللي صرخ في المكان، وطار بـ العربية بـ أقصى سُرعة بـ يِفرتك الإسفلت في طريقه لـ جحيم المستشفى المهجورة!
العربية وقفت بـ صرخة فرامل مرعبة هزت سكون المكان قدام مبنى المستشفى المهجورة. المكان كان شبه ميت، الجدران مشققة، والهدوء اللي فيه بـ يوحي بـ مصيبة هتحصل.
آدم نزل من العربية بـ هيبته وجبروته، وعينيه الباردة بـ تفلي المكان زي الرادار. دخل من البوابة المكسورة، ومشي بـ خطوات ثابتة وسط الغبار لحد ما وصل لـ الصالة الكبيرة للمستشفى.. وهناك، كان عمران واقف بـ طوله الضخم وعضلاته المرعبة، وشه الملسوع من النار كان بـ يديله ملامح شيطانية، وكان حاطط إيده على كرسي مربوطة عليه الطفلة نور، اللي كانت بـ تعيط بـ رعب وكاتمة صوتها من الخوف.
أول ما عمران شاف آدم، ابتسم ابتسامة مسمومة وقاله بصوت جهوري:
"خطوتك سريعة يا ابن الراوي.. جيت في وقتك بـ الظبط، العداد كان خلاص بـ يخلص لـ عمر بنت السويفي."
آدم وقف على بعد خطوات منه، حط إيده في جيبه بـ كُل ثبات وقال بـ صوته المبحوح والرخيم:
"أنا جيت يا عمران.. عشان آخد الدليل اللي يودي بدر المشنقة، وعشان آخد الطفلة دي معايا ونمشي من هنا.. نزل إيدك من عليها لإن حسابك معايا أنا مَش معاها."
عمران ضحك بـ غل وقهر وصوته هز المكان:
"آخدها وتـمشي؟! أنتَ مجنون يا آدم؟! الطفلة دي هي الحطب اللي هـ أحرق بيه قلب بدر السويفي! عيلة السويفي لازم تـدوق نفس الكأس اللي شربت منه.. أختي ماتت بـ سببهم وبـ سبب قذارتهم، والنهاردة الحصاد.. البنت دي مش هـ تخرج من هنا صاحية!"
آدم ضيق عينه وجز على سنانه بـ قوة، وقرّب خطوة وقال بـ حسم وأصول أولاد البلد:
"اسمعني هنا يا عمران.. وفوق لـ نفسك! أنا أخويا اتقتل، وأبويا رماني في الشارع، وشوفت الويل في سجن الدرب الأحمر.. يعني دايق المر أكتر منك وميت مرة! بس أنا ابن حارة وعشت وسط رجال، وعمر الرجولة ما كانت بـ دبح الأطفال يا عمران! بدر السويفي حشرة ومجرم، بس البنت دي مالهاش ذنب في وساخة أخوها.. لو لمستها، هـ تـتحول في عيني من صاحب حق لـ مجرد سفاح رخيص.. سيب البنت وخلي معركتك معايا ومع بدر.. راجل لـ راجل!"
عمران ملامحه اتقلبت لـ غضب عارم، وعروق رقبته ظهرت وهو بـ يزعق:
"مَ بقاش يهمني أكون إيه في عينك ولا في عين غيرك! أنا مابقاش عندي حاجة أخسرها يا ابن الراوي.. الدنيا دامت لك بالخطوبة والأصول، وأنا دامت ليا بالدموع والكفن!.. أنا هـ أقتلها يعني هـ أقتلها، والفيديو ده هـ يفضل معايا لحد ما أشوف بدر بـ يتشنق!"
آدم بص لـ دموع الطفلة نور، وعرف إن الكلام مابقاش ليه مكان، واللغة الوحيدة اللي هـ تـفصل بينهم دلوقتي هي لغة الدم والنار. آدم قلع جاكيت البدلة بـ بطء ورماه على الأرض، وشمر كمام قميصه وعينيه اسودت بـ شكل يـرعب، وقال بـ نبرة قاطعة:
"طالما العقل طار من دماغك.. يبقى تـستحمل جحيم ابن الراوي يا عمران.. البنت دي مش هـ تـتلمس طول ما أنا بـ اتنفس!"
عمران ساب الكرسي، وطرقّع رقابه وبـ صرخة وحش كاسر هجم على آدم بـ كُل قتالية وضخامة جِسمه.. وقامت المعركة الجاحدة بين الاثنين!
عمران حدف بونية غشيمة بـ كُل قوته في وش آدم، بس آدم بـ خفته الصايعة تفاداها بـ الملي، ورد له بـ لكمة سريعة تحت فكه رِجعت البلدوزر لـ ورا. عمران مَ اِتـهزش، مسك ترابيزة حديد مكسورة من الأرض وحدفها على آدم، آدم نط بـ سرعة وتفاداها، وِطلع جِري على عمران وطار في الهواء بـ ضربة رِجل (Dropkick) حطها في صدر عمران وقعته على الأرض بـ قوة وزلزلت الصالة.
عمران قام بـ سرعة وهو بـ ينزف من بوقه، ومسك سيخ حديد مفرود من جدران المستشفى، ولفه بـ غل وبدأ يـضرب بيه بـ عشوائية وجنون وهو بـ يصرخ، وآدم بـ يـتراجع بـ صعوبة والضربة الجاية هـ تـكون قاضية!
يا نهار طرش رسمي يا أحمد! المعركة بدأت بـ نار ودمار شامل، والاثنين بـ يـطحنوا بعض في وسط المستشفى المهجورة
سيخ الحديد في إيد عمران كان بـ يشق الهواء بـ صرخة مرعبة، خبط في عمود خرساني جنب راس آدم، فـ طيّر منه فتافيت الطوب اللي ملّت المكان غبار.
آدم رجع خطوتين لـ ورا وهو بـ ينهج، وعينيه مثبتة على حركة إيد عمران الغشيمة. عمران كان بـ يلهث كأنه ثور هائج، ودموعه المخلوطة بـ دمه حرقت وشه الملسوع، وزعق بصوت جهوري مكسور من القهر:
"فاكر نفسك أحسن مني يا ابن الراوي عشان جيت بـ وش الأصول والجدعنة وبدلتك الشيك دي؟! كلكم وساخة وعيلة واحدة!.. سواء أنتَ ولا بدر السويفي، أنتوا في الآخر مجرد كلاب الغنى والدلال! عيال شبعانة في فيلات وقصور، مَ بـ تحسوش بـ طعم الذل والجوع.. بتلعبوا بـ أرواح الغلابة والفقراء اللي زينا كأننا حشرات في ملعبكم! أنا أختي ماتت عشان مَ عيش القرش، وأنتوا بـ تشتروا مدارس بـ نفوذكم.. أنا هـ أقتلكم واحد واحد، وهـ أبدأ بـ البنت دي عشان أدوقكم طعم النار الحقيقية!"
عمران حدف السيخ بـ غل أعمى على راس آدم، بس آدم وطى بـ سُرعة الصاعقة، والسيخ رشق في الحيطة ورا ضهره.. وفي ثانية واحدة، آدم قفل المسافة بينه وبين عمران بـ خطوة صايعة من خطوات الدرب الأحمر، ولَف جِسمه بـ الكامل وِحدف بونية "مطرقة" بـ كُل عزم إيده حطها في فك عمران سَمّعت في الصالة كُلها!
عمران رِجع لـ ورا وهو بـ يتطوح بوقه بـ ينز دَم، بس آدم مَ سابهوش يِفوق.. مِسك رقبة عمران من قميصه وبص في عينيه من مسافة صفر وهو بـ يصرخ فيه بـ صوته المبحوح الرخيم وسط المعركة:
"اِفصل وعيـد الكام كلمة دول في دماغك يا عمران!.. أنا مَ عشتش في دلال ولا شوفت غنى السنين اللي فاتت! أنا أبويا رماني في الشارع، ونِمت على رصيف الدرب الأحمر وجوعت وعطشت، واِتداس على كرامتي في سجن الحجز زيك وألعن! بس الشقا والـجوع مَ يِخلوش الراجل يـبقى ندل بـيدبح عيلة صغيرة!.. الفقر مَ يـمحيش الأصول يا عمران! لو عايز حَق أختك.. خده من بدر، خده مني لو شايفني غلطان، بس اِبعد غلك عن طفلة مَ تِعرفش حتى يعني إيه مـوت!"
عمران جِز على سنانه والغل عماه، ورفع رِجله وضـرب آدم بـ "شلوت" غشيم في بطنه بَعده لـ ورا، وقام هجم على آدم بـ جِسمه كُله وأخده تحت منه ونزلوا الاثنين على الأرض بـ طحن عظام حقيقي.
عمران قعد فوق صدر آدم وبدأ يِحدف عليه لـكمات ورا لـكمات وهو بـ يزعق بـ جنون:
"مَ بقاش فيه أصول!.. مَ بقاش فيه رحمة خلاص! الدنيا مَ رِحمتنيش عشان أرحمها.. هـ أقتلك يا آدم وهـ أقتل البنت وهـ أحرق قلب الكل!!"
آدم كان بـ يِصد اللكمات بـ ذراعه بـ صعوبة، والدم بدأ يِغرق وشه، والطفلة نور كانت بـ تصرخ وتـعيط بـ أعلى صوتها وهي بـ تشوف الموت بـ عينها.. وفي لحظة قاتلة، آدم جمع كُل قوته اللي فاضلة، ونطح عمران بـ راسه (روسية) في جبهته خلت عمران يِصرخ ويِرجع لـ ورا بـ صدمة، وآدم قَلب الوضع وبقى هو اللي فوق منه، ورَفّع إيده وبدأ يِرد له الضـرب بـ غضب حقيقي زلزل كيان البلدوزر!
المعركة وصلت لـ ليفل الموت.. والدم بقى بـ يِغطى أرضية المستشفى المهجورة، ومحدش فيهم مستعد يِستسلم للـتاني
آدم جمع كُل قوته اللي فاضلة، ونزل بـ لـكمات متتالية ومتوحشة على وش عمران لحد ما نجح بـ الفعل إنه يـهده ويـوقعه على الأرض مرمي بـ دمه، شبه فاقد الوعي وبـ يـئن بـ قهر.
آدم قام وقف بـ صعوبة وهو بـ ينهج، مسح الدَم اللي بـ يـنز من وشه، ولَف ضهره لـ عمران وهو فاكر إن المعركة خِلصت لـ صالحه.. ومشي بـ خطوات ثقيلة ناحية الكرسي المربوطة عليه الطفلة نور عشان يـفكها ويـنقذها.
ولكن.. الغدر مَكانش ليه أمان في قلب بني آدم مابقاش باقي على حياته!
فجأة، ومن وسط الدَم والتراب.. قام عمران بـ غِل أعمى وجنون شيطاني، جِري بـ كُل كتلته الضخمة من ورا ضهر آدم كأنه قطار قشاش.. وقبل ما آدم يـلَف، عمران مسك راس آدم بـ كفين إيده بـ غشم مرعب، وِغرس وش آدم وراسه في الأرض الخرسانية بـ كُل عزم جِسمه!
(طااااخ!!)
صوت الخبطة زلزل جدران المستشفى.. آدم حس بـ زلزال جوه نفوخه، وتوازن دماغه فجأة طار، وعينيه زغللت والـدُنيا لفت بيه في ثانية وبقى مَش قادر يقف على رِجله بـ سبب الارتجاج الرهيب.
وفي اللحظة القاتلة دي.. عمران مَ ضيعش ثانية؛ طلع من جنبه سكينة حديد طويلة وحادة بـ تـلمع في الضلمة.. مسك آدم من شعره بـ كُل غل، ورَفّع راسه لـ ورا، وبـ منتهى القسوة والجبروت.. غرز السكينة للـآخر في الحتة المقتل اللي بـين الرقبة والكتف!
(خجججج!)
السكينة دخلت لـ حد النِصاب جوه لـحم آدم! صرخة مَكتومة ومَوجوعة طِلعت من حنجرة آدم، وفي ثانية واحدة.. نافورة دَم أحمر قاني طلعت من جِسمه وغرقت قميصه الأبيض، وقوة جِسمه اِتـهدت بـ الكامل.. وِاترمى آدم على الأرض بـ شكل يـقطع القلب، والدَم بـ يـسيل حواليه كأنه بحيرة.
عمران وقف وهو بـ يـنهج وبـ يـبص لـ الأرض.. بص على عينين آدم، لقى نظرة عينه الحادة والباردة اِتـطفت تماماً، وجِفونه شِبه غَمّت وهو مَ بـ يِتحركش ومَ بـ يِنطقش بـ الحرف، كأنه جثة هامدة بـ تـودع الدُنيا!
نور صرخت بـ رعب وهي بـ تشوف الدَم بـ يـغطي الأرض.. عمران مَ اِلتفتش لـ آدم تاني، مِشي بـ خطوات سريعة، فك حبال نور، ومسكها من إيدها بـ الغصب وهي بـ تـصرخ، وأخدها معاه وِخرج جِري من المستشفى المهجورة وساب آدم غرقان في دَمه بـين الحياة والموت
عمران خرج من بوابة المستشفى المهجورة الكبيرة بـ خطواته الواسعة، وكان شايل نور على كتفه بـ الغصب وهي بـ تصرخ وتبكي بـ رعب ودموعها مِغرقة وشه الملسوع.. وفي نفس اللحظة اللي حط فيها رِجله برة البوابة، فرامل عربية عمار صرخت بـ قوة ووقفت قدامه بـ الملي!
الببان اِتفتحت بـ اِندفاع، ونزل منها عمار، وجنب منه سيرين وليليان اللي وشوشهم كانت خاطفة لونها من القلق.. بس أول ما عينهم جت على عمران وهو شايل البنت، الأجواء اِتحولت لـ صمت مرعب.
عمار عينه وسعت لـ أقصى درجة، وعروق جبهته ظهرت بـ فزع وصدمة، وقفل المسافة بـينهم خطوتين، وبَص لـ عمران بـ نظرة مَليانة شر وتوجس، وقال بـ صوته الخشن الحاد:
"عمران!!.. أنتَ بـ تِعمل إيه هنا بـ الظبط يا ابن الشوارع؟! وآدم فين؟! اِخلص اِنطق بـ حرف قبل ما أفرتك دماغك دي هنا!"
عمران مَ اِتـهزش، ولا خاف من وقفتهم.. بَص لـ عمار بـ كُل برود، وبـ إيده الفاضية هَرش في راسه بـ شكل مِستفز وبارد جداً كأنه بـ يِفتكر حاجة، وعينيه الميتة بَصت لـ سيرين وبعدين لـ ليليان اللي كانت حاطة إيدها على قلبها وبـ تِترعش..
عمران اِبتسم اِبتسامة مسمومة وقاله بـ نبرة فخمة، رايقة، وبـ تقطر سواد:
"بـ أعمل إيه هنا؟.. هه.. ليه أنا هنا؟.. آه، تمام، أنا كدا فِهمت قصدك وسؤالك يا عمار.. أنا هنا.. عشان أنا قتلت آدم الراوي! غرزت السكينة في رقبته لـ حد النصاب وسِبته سايح في بحيرة دَمه جوه.. روحوا اِتفرجوا عليه وهو بـ يِطلع في الروح!"
الكلمة نزلت كـ المرزبة على دماغ كُل الواقفين!
ليليان طِلعت منها صرخة مَكتومة ومَوجوعة، ورِكبها خانتها واِترمت على الأرض وهي بـ تِصرخ بـ جنون: "لأااااااا!! آدم لأااااا!!"، وسيرين وشها بَقى زي الأموات، عينيها اِتحجرت بـ الدموع والصدمة شلت لِسانها وحست إن روحها بـ تِتسحب منها..
أما عمار.. فـ عقلة طار تماماً، ودَمه غلي بـ جحيم الدرب الأحمر، وبَص لـ بوابة المستشفى بـ رعب، ورِجع بَص لـ عمران وعينيه بـ تِطلع شرار مَلوش آخر
في وسط صراخ ليليان وذهول عمار اللي كان لسه عقله مش مستوعب الصدمة، اِتحركت سيرين بـ حركة سريعة ومفاجئة مَ يِعملهاش غير صايع مِتأصل في حارة الدرب الأحمر.. بـ طرف جزمتها خبطت عصاية خشبية تقيلة كانت مِرمية على الأرض، العصاية طارت في الهواء بـ شكل احترافي، وِلَقفتها سيرين بـ إيدها اليمين بـ كُل قوة وثبات!
سيرين فَردت دراعها الشمال، وبَصت لـ عمار وليليان بـ نظرة حادة زي الموس، نظرة باردة ومرعبة، وقالت بـ صوت قاطع يِهز الجبال:
"عمار!.. خُد ليليان واِقفوا ورايا.. ومَحدش فيكم يِتحرك ولا يِمد إيده على البني آدم ده غير بـ أمري أنا.. حساب أخويا آدم هـ أصفيه بـ إيدي!"
عمران بَص لها بـ تعالي وِضَحك بـ سخرية وهو لسه شايل نور على كتفه، وقال بـ نبرة مَليانة اِستخفاف:
"هه!.. ورجعت عيلة الراوي تِعمل فيها أبطال تاني.. جايالي بـ عصاية يا بنت الأكابر؟ أخوكي البطل واِقع جوه سايح في دَمه وبـ يِلفظ أنفاسه الأخيرة، تِفتكري حِتة بت زيك هـ تِعمل إيه قدام البلدوزر؟"
سيرين قَرّبت منه خطوتين، مَلامحها مَكانش فيها أي خوف، بل كان فيها كبرياء وجبروت يِخوف عمران نفسه. جِزت على سنانها وقالت بـ صوت رخيم وحاد:
"البلدوزر؟!.. أنتَ مجرد كلب يا عمران، كنت كلب لـ عيلة السويفي وبقيت كلب لـ غلك وعقدة نقصك! آدم أخويا مَ مَاتش، لإن عيلة الراوي مَ بـ تِموتش بـ غدر العبيد اللي زيك.. أنتَ فاكر نفسك واِقف قدام بنت ضعيفة؟ أنا سيرين الراوي.. واللي غرزته في جِسم أخويا، هـ أدفعهولك من دَم قلبك حالا!"
عمران عينه وسعت من جراءة كلامها، والغل عماه.. ساب نور من على كتفه ورماها على الأرض بـ عصبية، وزعق بـ صرخة وحش وهجم بـ كُل جِسمه وضخامته على سيرين وهو بـ يِمد إيده عشان يِمسك رقبتها ويِفرتكها.
بس سيرين مَكانتش واِقفة مِستنية؛ بـ خفة ورشاقة مِش طبيعية، تفادت هجومه الغشيم لـ الناحية اليمين، وبـ كُل عزم جِسمها الـمرن.. لفت بـ العصاية الخشبية ونزلت بيها بـ خبطة طاحنة على رِكبة عمران من ورا!
(طااااخ!!)
الخبطة كانت دقيقة وقوية لدرجة إن عمران صرخ بـ وجع واِتطوح، ورِكبته خانته لـ ثواني.. وقبل ما يِفوق ويِلتفت لها، سيرين رَفعت العصاية تاني بـ كُل قوتها، وِحدفت ضربة عمودية "مطرقة" على وش عمران بـ الظبط، الخبطة جت في مناخيره وفَجرت منها الدَم!
عمران رِجع لـ ورا وهو بـ يِنزف وبـ يِصرخ بـ جنون مش مصدق إن البنت الشيك دي بـ تِطحنه بـ الشكل ده، وسيرين واِقفة قدامه بـ كُل كبرياء، لفت العصاية في إيدها بـ احتراف وعينيها مِثبتة عليه بـ تحدي قاتل، ومِستنية هجومه الجاي عشان تِكمل عليه
عمران مسح الدم اللي نازل من مناخيره بـ ظهر إيده، وعينيه اسودت بـ غل أعمى وهو بـ يبص لـ سيرين اللي واقفة قدامه بـ ثبات أسطوري، ماسكة العصاية بـ إيدين ثابتة.
عمران جِز على سنانه بـ قوة وقال بـ صوت جهوري مسموم بـ القهر:
"ماشي يا بنت الراوي.. الضربتين دول هـ تدفعي ثمنهم غالي أوي.. أنا مش هـ أكتفي بـ قـتل آدم بس، أنا هـ أخد روحك أنتِ كمان هنا، وهـ أخلي محمود الراوي بـ جلالة قدره ونفوذه وفلوسه يـتذلّي ويـبوس جزمتي عشان بس يسلم جثتك أنتِ وأخوكي! هـ أكسر عين الراوي لـ الأبد!"
سيرين مَ اِتهزتش، رمشت بـ برود قاتل، ورَفعت العصاية بـ موازاة وش عمران، وقالت بـ نبرة صوت رخيمة، واثقة، وتـرعب الحجر:
"محمود الراوي عمره مَ يـتذلل لـ حد.. ولا عياله بـ يـطاطوا لـ مخلوق يا عمران.. إحنا اللي بـ نـلوي إيد الدنيا، مش حتة عبد مشحون بـ الغل زيك اللي هـ يـهز شعرة مننا."
عمران طلع منه ضحك عالي بـ جنون وسخرية هزت جدران البوابة، وقال بـ وساخة وفحيح:
"عمره مَ يـتذلل؟! هههههه! طب إيه رأيك بقى إن عياله بيتذللوا؟.. زي فارس أخوكي كدا! مَ هو فارس كان بـ يـتذلّنا وبـ يـبكي تحت رجلينا عشان نرحمه قبل ما بدر يـرميه من السطح! والنهاردة الدور عليكي.. أنا هـ أدوس على آخر حد من عيال محمود الراوي.. أنتِ فاكرة إني هـ أخاف من اسم أبوكي ونفوذه؟! اسم محمود الراوي تحت جزمتي!"
سيرين أول ما سمعت سيرة فارس، عينيها برقت بـ شرار قاتل، وجواها بركان اِتـفجر بس ظهر على وشها بـ صورة جمود مرعب.. قَرّبت منه خطوة سريعة، وضغطت على العصاية وقالت بـ نبرة قاطعة زي حد السيف:
"مش المفروض إنك مجبر تخاف من اسم محمود الراوي يا عمران.. بس أنت مجبر تخاف من البنت اللي واقفة قدامك حالا.. لإنها هـ تـكون آخر حاجة هـ تشوفها في دنيتك!"
وفي ثانية واحدة.. وقبل ما عمران يـستوعب الجملة، سيرين هجمت بـ غضب الأسود!
عمران مد إيديه الاثنين بـ غشم عشان يـقبض على رقبتها، بس سيرين وطت بـ سُرعة فائقة، وِلفت بـ جِسمها بـ حركة دورانية كاملة (Spinning Kick) وحطت كعب جزمتها في بطن عمران بـ قوة بَعدته لـ ورا. ومَ سابتهوش يـتـنفس؛ رَفعت العصاية بـ إيديها الاثنين وبـ كُل غضب وعزم جِسمها.. نزلت بـ العصاية الخشبية على دماغه من فوق بـ خبطة طاحنة!
(طاااااخ!!)
العصاية اِتـكسرت نصين من كتر قوة الخبطة على دماغ عمران! عمران صرخ صرخة مكتومة، وعينيه غَمّت، والدم بدأ يـسيل من راسه على وشه، ورِكبه خبطت في بعضها وِوقع على الأرض على ركبه بـ صدمة وذهول وهو بـ يـبص لـ سيرين اللي رمت نص العصاية المكسورة بـ برود
في الـلحظة اللي سيرين كانت بـ تِستعد فيها عشان تِخطو أول خطوة لـ جوة المستشفى، والكل واِقف في حالة ذهول وقهر.. فجأة، ساد صمت رهيب، وقَطع السكون ده صوت خطوات ثقيلة، هادية، ومنتظمة جاية من عتمة المستشفى المهجورة.
الكل لَف راسه بـ صدمة وترقب.. ومن وسط الضلمة والغبار، ظَهر آدم الراوي بـ طوله وجبروته!
آدم كان قالع قميصه وتيشرته تماماً، وصدره وجِسمه الرياضي مِتغرقين بـ الدَم القاني اللي بـ يِسيل من كتفه.. بس الصدمة الأكبر، إنه مَكانش بـ يِقع أو بـ يِموت، ده كان ماسك خيط طبي وببرة سميكة، وبـ كُل جود وبرود، بـ يِغرز الإبرة في لـحمه بـ إيد واحدة وبـ يِشد الخيط بـ سنانه عشان يِقفل الجرح المفتوح بـنفسه!
منظر آدم وهو بـ يِخيط جرحه بـ سنانه وسط الألم كان يِرعب الحجر. آدم رَفّع عينه الباردة والحادة، وبَص لـ عمران المصدوم على الأرض، وقال بـ صوته المبحوح الرخيم اللي بـ يِهز صُخور الدرب الأحمر:
"عِدي وقت كتير يا عمران.. ومَ لِحقتش تِفرح بـ غدرك!"
عمران عينه وسعت لـ أقصى درجة، وبَص لـ آدم بـ رعب وذهول حقيقي كأنه شاف شبح كاسر، وتلعثم في الكلام وقاله بـ غل مَخلوط بـ رعب:
"أنتَ؟! مَش ممكن!.. القرد ده لسه حي إزاي؟! أنا غرزت السكينة لـ حد النصاب في مقتلك!"
آدم طِلعت منه ضحكة واطية ومسمومة، واِتحولت ملامحه لـ الجدية الصارمة والـجبروت، وقَرّب منه خطوات ثقيلة وهو بـ يِرمي باقي الخيط من بوقه، وقال بـ نبرة قاطعة:
"أنا لسه جاي بـ رزق يا عمران.. حظي حلو إن طعنتك الغشيمة دي مَ جتش في عرق رئيسي ولا في منطقة حيوية، اِتزحلقت في العضم.. وطبعاً، ده حظي أنا بـ الأصول.. وفي نفس الوقت، نكستك وجحيمك اللي هـ تِشوفه على إيدي حالا!"
ليليان طارت من الفرحة وعينيها نزلت دموع الإرتياح وهي بـ تِهمس: "آدم!.. عايش!"، وعمار صرخ بـ شقاوة وفخر: "وحش الكون يا زميلييي!"، وسيرين اِبتسمت بـ كبرياء ملوكي ورجعت خطوتين لـ ورا وهي بـ تِقول لـ عمران: "أهو اللي مَ بـ يِخافش من عيلة الراوي.. جالك بـ نفسه!"
آدم وقف قدام عمران بـ صدره العاري المِتغرق دَم، وعينيه بـ تِطلع شرار الموت.. والبلدوزر حس لـ أول مرة إن نهايته بَقت بـين إيدين الراوي
آدم وقف بـ طوله قُدام عمران المكسور على رُكبه، هيبته وهو صدره عاري ومِتغرق بـ دمه وجرحه مِتخيط بـ سنانه كانت تـرعب الكوكب.. بَص لـ عمران بـ عينين ثابتة ومَ بـ تِرمشش، وبَدأ الكلام بـ نبرة صوت رخيمة، هادية، وكأنها طالعة من قاع جحيم عِاشه وقَاساه، وقال:
"عارف يا عمران؟.. مشكلة البشر في الدُنيا دي، إنهم مش بس بـ يِتخلوا عن الأمل.. هما مَ بقوش يِفكروا فيه من الأساس! وِده بـ الظبط الفرق بـيني وبـينك.. أنتَ بـ تِعمل الغلط كُله وبـ تِغدر وبـ تِأذي الناس بـ منتهى الوساخة، وبـعد كُل ده بـ تِقنع نِفسك وبـ تِقول إنك لسه عندك ذرة إنسانية بـ تِحركك! أنتَ مَش مِتمسك بـ الإنسانية دي لإنك طيب يا عمران.. لأ، أنتَ لسه مِتمسك بيها عشان خايف! خايف لو سِبتها وبَعدت عنها.. تـبقى وحش!"
عمران بَص لـ فوق، وعينيه الـمغرورة اِتكسرت قدام مَلامح آدم الجادة، والـدم نازل على وشه، وحس بـ صِغر نِفسه قدام جبل الراوي.. فـ آدم كَمّل حواره الفخم بـ منتهى القوة والـجبروت:
"بس الحقيقة الـمُرّة يا عمران.. إن الوحوش هما اللي فاهمين الدُنيا دي صَح! الدُنيا دي مَ بـ تِعترفش بـ الضعيف، ومَ بـ تِرحمش اللي واِقف في النص بـ يِنهش وبـ يِعيط في نفس الوقت.. أنا سِبت خوفي جوه زنزانة الدرب الأحمر، وعِرفت إن حقي مَ بـ يِجيش بـ الشحاتة ولا بـ دَبح الأطفال.. بـ يِجي بـ القوة الجافة.. راجل لـ راجل!"
عمران بَلع رِيقه بـ صعوبة، وجِز على سنانه بـ قهر وقال بـ صوت مَخنوق:
"أنتَ فاكر نفسك هـ تِعلمني الأصول وأنتَ واِقف بـ دمك قُدامي؟.. أنا خِسرت كُل حاجة خلاص!"
آدم وَطى بـ جِسمه لـ حد مَ بَقى وشه في وش عمران بـ الظبط، وعينيه بَقت مَليانة شرار يِرعب، وقال بـ فحيح واطي وقاتل:
"أنتَ خِسرت نِفسك قبل كُل حاجة يا عمران.. خطفت طفلة وغدرت بيا، ودلوقتي.. جِه وقت الحصاد اللي أنتَ قُلت عليه لـ بدر.. هـ تِشوف وحش عيلة الراوي هـ يِعمل فيك إيه!"
عمار وسيرين كانوا واِقفين ورا آدم بـ كُل فخر، وليليان حاطة إيدها على بوقها وبـ تِسمع مَلامح الرجولة اللي بـ تِطلع من آدم بـ كُل عِشق.. الأجواء اِتكثفت، والـضربة الجاية من آدم هـ تِكون نهاية البلدوزر لـلأبد
الكلمة الأخيرة طارت من بوق آدم، وفجأة الجو اِتحول لـ كتلة نار قايدة! عمران جمع آخر غل جوه قلبه، وصَرخ صرخة وحش جريح وقام اِندفع بـ جِسمه الضخم كله عشان يِخبط آدم ويِفرتكه بـ الأرض.
بس آدم في اللحظة دي مَكانش بني آدم عادي.. ده كان "وحش الراوي" اللي مَ بـ يِرحمش!
آدم وطى بـ سُرعة البرق من تحت دراع عمران الغشيمة، وبـ خطوة احترافية لَف ورا ضهره، وِحدف بونية "مطرقة" بـ كُل عزم كتفه السليم حطها في كِليته من ورا خلت عمران يِصرخ ويِتـحني من الوجع. آدم مَ سابهوش يِتـنفس؛ مَسكه من قفاه وبـ حركية صايعة لَف جِسمه وِنزل بـ رِكبته (Knee Strike) في وش عمران بـ الظبط فَجرت الدَم من بوقه ومناخيره وبقى وش عمران عبارة عن خريطة دَم!
عمران كان بـ يِتطوح كأنه جبل بـ يِتهد، حاول يِمد إيده يِمسك آدم، بس آدم سحبه من دراعه، ولَف جِسمه لفة كاملة وِرماه بـ حركة "سوبليكس" شوارع طاحنة على الأرض الخرسانية!
(طاااااااااخ!!)
صوت خبطة جِسم عمران على الأرض عملت رِجة في الصالة كُلها. البلدوزر اِتـفرتك بـ الكامل.. عِظامه اِتطحنت، وقوته اِتبخرت، وفِضل مِرمي تحت رِجل آدم بـ يِنازع وبـ يِتـنفس بـ عافية وعينيه شِبه قِفلت من كتر الضـرب والكسور.. سقوط ساحق ومُذل لـلبلدوزر قدام إعصار ابن الراوي!
عمار صَفّر بـ علو صوته وقال بـ إنبهار: "الله أكبر عليك يا زميلي!! دغدغت الجبل!"، وليليان كانت واِقفة وبـ تِنهج من كتر الفرحة والخوف عليه، وسيرين بَصت لـ عمران بـ اِستحقار وقالت: "قُلتلك.. عياله مَ بـ يِطاطوش لـ حد."
آدم وقف فوق جِسم عمران المِرمي، صدره العاري بـ يِطلع نَفس سريع ومَليان دَم وعرق، والـدَم لسه بـ يِـسيل من جرح كتفه المِتخيط.. بَص لـ عمران بـ نظرة جامدة، ميتة، ومَليانة غـموض.. عمران رَفّع عينه بـ الـعافية وبَص لـ آدم وكأنه مِستني ضـربة الموت الأخيرة اللي تِنهي عذابه وقهر سنينه.
لكن آدم مَ رِضيش يِموتّه.. مَ رِضيش يِنهي حياته!
آدم وَطى بـ جِسمه، وقعد على رِكبته جنب راس عمران، ومَسكه من ياقة قميصه الـمِقطعة بـ هدوء مرعب، وقَرّب من ودنه وقال بـ صوته المبحوح الرخيم اللي بـ يِقشعر له الأبدان:
"مَ تِـموتش دلوقتي يا عمران.. اِمسك في روحك كويس وفوق لـيا.. أنا لسا مِـحتاجلك
أخد قراره الأخير بـ نبرة مَ تِقبلش النقاش.. بَص لـ عمار وقاله: "سيب عمران هنا مِرمي بـ دمه.. الكلب ده خلاص اِتفرتك ومَ بقاش منه خوف.. إحنا مَ بـ نِخطفش أطفال ولا بـ نِساوم على حريم.. يلا بينا على المدرسة!"
رِكبوا العربية كُلهم بـ السُرعة.. آدم كان ساند راسه على الشباك وِوشه بـ يِتحول لـ اللون الأبيض بـ سبب كمية الدَم الرهيبة اللي خِسرها من كتفه ورقبته، بس كان بـ يِقاوم بـ كبرياء مرعب عشان مَ يِظهرش ضعيف قدام عيلته.
أول ما العربية وقفت قدام بوابة المدرسة الكبيرة.. آدم طَلع موبايله وبـ إيد بـ تِترعش طلب رقم بدر السويفي.
بدر رد في ثانية واحدة، وصوته كان بـ يِطلع بـ بكاء وجنون: "عمران!!! اِنطق أختي فين؟!"
آدم رد عليه بـ صوته المبحوح الضعيف والرخيم: "أنا مَش عمران يا ابن السويفي.. أنا آدم الراوي.. اِنزل حالا عند باب المدرسة، أختك نور معايا وهـ تِستلمها حالا!"
بدر مَ صَدقش نفسه، ونِزل جِري من مبنى المدرسة كأنه مَجنون لـ حد ما وَصل لـ البوابة.. ولمح عربية عمار واِقفة.
الباب اِتفتح.. ونِزل آدم بـ كُل طوله، صِدره العاري مِتغرق دَم، وملامحه ميتة.. بَص لـ نور بـ اِبتسامة حنينة وقالها بـ صوت واطي: "روحي لـ أخوكي يا شاطرة.. خلاص كدا."
نور أول ما شافت بدر صَرخت: "بدر!!" وِجِريت عليه بـ دموعها واِترمت في حِضنه. بدر مَسِك أخته وبقى بـ يِحضنها بـ رعب وهو مَش مِصدق، ورَفّع عينه بـ صدمة وذهول لـ آدم وهو بـ يِشوف كمية الدَم اللي مغرقة جِسمه.
بدر بَص لـ آدم وقال بـ ذهول: "آدم!.. أنتَ اللي أنقذتها من عمران؟!"
آدم مَ رِضيش يِرد عليه.. كبرياؤه مَ سمحش له يِقف يِتكلم.. لَف جِسمه بـ بطء عشان يِرجع العربية.. وفي اللحظة دي، الجبل اِتـهَد بـ الكامل!
الطاقة اللي بـ تِحرّك جِسم آدم اِتنتهت، والدُنيا اِتحولت لـ سواد كاحل في عينيه، ورِجله خَانته تماماً.. وِوقع لـ ورا بـ جِسمه كُله!
"آاااااااااااااادم!!!"
صرخة مرعبة ومفزوعة طِلعت من قلب ليليان اللي فتحت باب العربية وِرمت نِفسها على الأرض بـ لـهفة وعشق مَلوش حدود.. وِلَحقت جِسم آدم الثقيل قبل ما يِخبط في الإسفلت، وِوقع آدم بـ الكامل مِغمى عليه، غايب عن الوعي وجِسمه بارد، وسط حِضن ليليان اللي بدأت تِعيط بـ جنون وتِهز في وشّه المِتغرق دَم وهي بـ تِصرخ: "آدم اِفتح عينك عشان خاطري!! مَ تِسبنيش يا آدم!! عمار اِطلع على المستشفى حالا!!"
سيرين حطت إيدها على بوقها وبدأت تِدمع بـ رعب على توأم روحها، وعمار دَور العربية بـ صرخة موتور مرعبة وهو بـ يِزعق بـ قلق.. وبدر السويفي واِقف قُدام البوابة ضامم أخته لـ صدره، وبـ يبص لـ أثر عربية آدم بـ نظرة مَخلوطة بـ الصدمة، والذهول، والـندم لـ أول مرة في حياته
Ahmed Mostafa Kamel