استولى الضباب على الارجاء، و امتدت سطوته الى الافق دون نهاية، ظهرت الاشجار كظلالٍ باهتة، و الغيوم تحجب الاشعة الدافئة لكل الاحياء، لا يُسمع في الانحاء الا صوت تنفسٌ سريع، لكائنٍ مذعور يحاول ايجاد طريق نجاته.
ثبتت يدٌ ثقيلةٌ جسد الصغير بإحكام، الصبي يركل و يقاوم، دون جدوى، عقله يأمره، اهرب، قاوم، قاتل. حتى صرخ في وجه الرجل بصوتٍ ارتعشت نبرته.
"كلا! لن ترجعني! لن اعود مهما كان الثمن!" ثم رمقه بنظرةٍ شرسة، و اطلق زمجرةٍ اقوى و أعمق من سوابقها، لكنه جفل للحظة عندما سمع الصوت الكريه فوقه يقول بنبرته المتآمرة كعادتها.
"إياك و التحرك يا جرو."
كانت النبرة الثقيلة كفيلة بجعل الفتى يتجمد فورًا، شعر بأطرافه ترتعش خوفًا، و لم يشعر يومًا بالخزي اكثر، و ما جعل الأمر اسوأ هو رؤية الرجل يخرج حقنته، حقنةٌ كبيرة مملوءةٌ بسائلٍ شفاف ذو قوامٍ خفيف.
"لا تتجرأ على فعلها!" جهر الصبي فورًا، و برزت أنيابه بغريزةٍ دفاعية، ركله بقوة، و حاول سحب يده من قبضته الحديدية. اذا تم حقنه بهذا السائل، سينتهي كل شيء. كل جهوده. كل محاولاته. ستختفي.
التفكير بالامر وحده جعله يُخرج صوت هديرٍ شرس قبل ان ينقض على الرجل، غارزًا انيابه في معصمه، ملأ طعم الدم فمه، و تسبب بسحب شهقةٍ مؤلمةٍ منه.
"تبًا!-" تمتم بها قبل ان يدفع الصغير بعنف حتى اصطدم بإحدى الاشجار المتينة، شعر بالدوار يطغى على ذهنه، لكنه لن يضيع هذه الفرصة ابدًا.
انطلق سريعًا، ينظر حوله باحثًا عن مكان للاختباء، لكن لا شيء، لا شيء على الاطلاق! كان الهواء يدخل الى رئيتيه لاذعًا و حادًا، و قدميه تتعثر بين الجذور المتشابكة، أينما ينظر يقابله البياض الناصع في الارجاء، و الضباب الطفيف يحوم بين الاشجار، يسمع صدى الخطوات و هي تُدفن في الثلج و تخرج، حتى توقف فجأةً في طريقه، مواجهًا جرفًا عاليًا، اصابع قدميه تلامس الحافة، عيناه تحدقان بالقاع العميق تحته.. ابتلع ريقه و اتخذ خطوةً للوراء، لكنه استدار فورًا عندما سمع صدى الخطوات، حائرا، و مرعوبًا، كيف سيهرب و هو محاصر بين عدوه و حافة الهاوية؟
"انتهى وقت اللعب يا جرو، كفى الان، لن تجد مهربًا تلجأ اليه في هذه الجزيرة"
راقب الفتى كل حركةٍ اتخذها الرجل، شعر بكونه محاصرًا، الضغط الشديد في هذا الموقف تسبب باضطراب تنفسه و اختلال نبضاته، عصرت يديه صدره، محاولًا تحمل الالم الناتج من الخفقان السريع لقلبه.
انتقلت عيناه بين الزوايا، يائسا ليجد طريقًا للهرب، حتى سمع الرجل يقول اثناء تقدمه
"لن تُطعمك الغابة يا جرو،"
ابتسم ابتسامته الزائفة التي اعتاد الصبي رؤيتها، و استمر بالاقتراب منه، ثم استأنف
"و لن تحتضنك كما كنا نفعل،"
تحركت يده، و استقرت على رأسه، اصابعه تداعب شعره الاسود، و تلامس اذني الذئب خاصته، لكن الصغير لم يستشعر منها اي لمحة من اللطف او الدفء فيها، بل جفل منها، و سمع الرجل يُكمل كلامه بلطفه الزائف
"فلمَ تحاول الهرب الى ايدي الموت في وسط هذا الجو القارس؟"
شعر الصغير باليد على رأسه تحكم قبضتها على شعره، و خرجت أنّةً ضعيفة من حنجرته، لكن حدقتيه توسعت فورًا عندما رأى تلك الحقنة من جديد، يتوجه نصلها و يقترب نحو رقبته.
تحركت يده سريعًا و امسكت بمعصم الرجل، رافضًا رفضًا قاطعًا ان يلمس هذه الحقنة، حاول دفعها بعيدًا، او رميها، او حتى تفاديها، لم يتوقف عن المكابرة، و التوهج في عينيه بدأ يصبح اسوأ.
"لا تتحرك! انتَ تحتاج جرعتك!" سمع نبرته تخرج بشكل صارم، ثم شعر بجسده يرتطم بالأرض بقوةٍ غاشمة، بينما كان الرجل يصارع لتثبيته، مُجبرًا النصل على اختراق حاجز بشرته.
شعر الصغير بالسائل يتدفق في عروقه، و يُطفئ كل ما يوفر له طاقة، خرج من حنجرته صوتٌ خائر غير مفهوم، و بدأ يشعر بالوهن يستحوذ على كل خليةٍ في جسده.
بدأت عينيه ترسل صورةً ضبابية لعقله، و زحف الخدر الى أطرافه ليمنعه من الحركة، فكر بالاستسلام حقًا، لكن ارعبته فكرة العودة اكثر من اي شيءٍ آخر.
كان يحلم بالعيش خارج أسوار زنزانته، ان يتخلص من كل التعذيب الذي يواجهه يوميًا تحت أياديهم، و كم بدا هذا الحلم.. مستحيلًا.
لقد مر يومين على هروبه، و لا يستطيع تذكر عدد المرات التي كان على وشك الموت فيها، فكيف سيستطيع النجاة في عالمٍ يتحدى وجوده الكامل؟
شعر بالسائل يتوقف عن التدفق في عروقه فجأة، ثم سمع شهقةً حادة غادرت حنجرة الرجل فوقه.
استقرت قطراتٌ دافئة على خده، و تسلل دفئها الغريب الى بشرته، الجسد فوقه مال ناحيته، هاويًا و واهنًا، لدرجة ظن بها انه نام نومًا عميقًا، حتى توضحت رؤيته قليلا.
المعطف الابيض تلطخ ببقعٍ حمراء لزجة، و الدماء تنزلق من ذلك الخنجر. رفع الصغير عينيه، ليرى ذلك الشاب، يوهان، يقف امامه بوجهه المتسخ بالدماء، يسحب الجثة بعيدًا عن الفتى، ثم انحنى، تاركًا خنجره المتسخ فوق الثلوج التي امتصت لزوجة السائل الاحمر، اخرج الإبرة سريعًا من عنقه، و سرعان ما سأله بنبرته الهادئة.
"أأنتَ بخير؟"
كان الفتى على وشك فقدان صوابه، تمكن من سماع نبضاته و هي تدق بعنف في أذنيه، و السكون حولهما جعل الامر يزداد سوءا.
الصغير يعاينه، يلاحظ عيناه التي انطفئت لمعتها، و الرائحة الكريهة التي كانت تلتف حوله من البداية، رائحة الدماء، هذا الرجل، لابد أنه اعتاد على القتل لدرجة جعلت رائحته شبيهةً برائحة الأموات.
و عندما مد يده الكبيرة ناحيته، هلع و بحركةٍ غريزية دفع جسده بعيدًا بآخر ما تبقى له من قوة، لم يتجرأ على النظر تحته عندما قرر القفز الى الهاوية، هجرت قدميه أرضية الثلوج، و شعر بجسده يهوي عميقًا إلى الاسفل.
و لسببٍ ما، فكرة القفز كانت اهون بكثير من البقاء معه.