في لحظةٍ من المفاجأة التي اسْتولتْ على الصَبي دَفَعَ بذراع الرجل سريعًا و الخوف في خوالجه نَما..
كيفَ له ان يَعرف؟ من اين؟
هذا مُحال!..
لا يفترض لاحد ان يعرف, لا احد!
تراجع الفتى للوراء قليلا و هو يرمق ذلك الوجه الذي حمل في طياته حُسنًا و لُطفا، و العينين الزمردتين التي نظرت الى الصغير و غُمِرت قلقًا حقيقيًا صادقًا..
"ذو الوجهين.." نَبَسَ بها الصغير و هو يرمق الرجل شزرًا.
هو لن يقع لفخه !
في هذه الأراضي قارسة البرودة، و في ساعات النهار الاولى، رجلٌ يظهر من العدم، في اراضٍ جليدية و معزولة، و يتحدث عن حقيقة امره التي لا يفترض لأحد معرفتها!
إنه خطِر!
"اخبرتك ان تبتعد." خاطبه الفتى بنبرةٍ تَحمل في جوالجِها تهديدًا حتميا لكنها لم تُخفِ ملامح الارتجاف الخفيف في حنجرته، كان مُتيقظا، متحفزًا، يحاول ان يبدو شجاعًا رغم كل ذرة من جسده تصرخ له بالهرب.
ثم في اللحظة التي استقام بها الرجل..
قفز الصغير في مكانه، كمن رأى جبلًا شاهق الارتفاع انتصب امامه ، و تراجع بعنف تسبب باصطدام وجهه بجذع شجرةٍ خلفه..
سقط على الثلوج الباردة يتلوّى، مع انفه المتورم، أُذناه المُنثنيتان على رأسه، و ذيله المُستقر أرضًا..
حدق به الرجل في جمود مُفاجئ.. بعينيه المتوسعتين ذهولًا و حاجبيه المرتفعان تعجبًا، و همس مُتساءلًا بإستنكار ..
"أهذا هو الصغير الذي أرعبهم؟"
..
نسمات من البرودة اخترقتْ بشرته الشاحبة، و ذراعيه الصغيرتين تتأرجحان تحت ناظريه، لا يزال الثلج ينهمر بكثافة، و البرد كالصعيق يتخلل جسد الفتى بقساوة، بدت الارض بعيدة عن متناوله، و قدميه في الهواء تتذبذبان بروية..
كانَ رأسه مُسترخيًا على سطحٍ قاسٍ، و عينيه فُرِجت رويدًا ناظرًا إلى محيطه، التقطتْ أُذنيه تنهيدة خفيفة جعلته واعيًا بما يحصل حوله
"مرحبًا ايها الصغير ٣٧٦ ، الا تظن ان هذا اسمًا طويلا لأُناديكَ به؟"
رمش الصغير عدة مرات ليُدرك ان هذا الرجل يحملهُ بين ذراعيه، مُتجها نحو مكانٍ مجهول، حلت لحظة صمت طويلة بينهما، و هو يرى ملامح الشاب هادئة خالية من التهديد و الأذى بشكلٍ مريب، لكنها لم تكن كافية لتهدئة الصغير الذي فزع سريعًا و بدأ يُقاوم مُحاولًا الهروب.
"أين تأخذني ايها البشري الدنيء! افلتني!، لن أعود إلى هناك! لا تعتقد انك قادر على إرجاعي ايها المُختل المُتعجرف!"
افكاره تسارعت و تصاطدمت، و كل ما فكر به انزلق من فمه، بدأ يُصبح عداونيًا بشكلٍ واضح و هو يركل و يرسل لكماته أينما استقرت حتى التقط الرجل قبضة الصغير ليتكلم بنبرةٍ عجز الفتى عن فهم مغزاها..
"اهدأ، لن أُعيدك لأي مكان، أتريد الذهاب معي لمكان آمن؟ ام البقاء في قلب الغابة لتنجو من اولئك المجانين فضلا عن الحيوانات البرية و البرد القارس؟"
الضحكة الساخرة التي اطلقها الصغير اذهلت الرجل حقًا، و عيني الفتى التي لمعتْ ببريقٍ مخفي من الالم و الخذلان الذي يُفسر طبيعته.
"مُضحك جدا، و كأن هناك سبب يَدفعك لمُساعدتي، يمكنني تدبر امري جيدًا لذا اتركني حالًا ، ايها المُختل!"
لمْ ينوي الرجل على الصمت و يدع الفتى يصل لمبتغاه، حتى سمع الضوضاء التي اصدرتها معدته، كما لو كانت تطلب النجدة بشكل عاجل ليملئها احد بالغذاء.
"يُمكنك تدبر امرك؟ صحيح ، لقد شهدتْ معدتك للتو على صحة كلامك." قالها بنبرةٍ مرحة دون إهانة، لكنه صُدم عندما تغيرتْ ملامح الفتى كليًا الى مزيجٍ من السخط و الغضب..
"اخرس!" جَهَرَ بعنفٍ، مُنزعجًا، و بات لمشاعر الغضب نصيبا اكبر في خوالجه، و شعر بقبضة الرجل تسترخي من هول المفاجأة، همّ قافزًا بعيدًا و بدأ يركض سريعًا، مُخططًا استمراره بالهرب، لكن مع خطواته الأولى، خرجت من فمه شهقةٌ مفاجئة عندما شعر بوخز بارد يغمر جسده على حين غرة، عندما طُمِرت قدميه الصغيرتين في الثلج الكثيف تحته متسببًا بوقوعهِ فورًا..
"عجبًا.. ألم تكن قادرا على تدبر امرك؟ لا اصدق انك تعثرت بكومة الثلج هذه.."
سماع التعليق الساخر جعل الدم يغلي في عروقه، و تمنى امتلاكه القدرة ليُلقن هذا الرجل درسًا، ظهر على وجهه عبوسًا طفيفًا اثناء محاولته لتحرير نفسه من هذه الثلوج اثناء سماعه للتعليق الآخر..
"لا تعبس ايها الذئب الصغير، ستكون بخير طالما تبقى برفقتي."
مالتْ الخصلات البُنية لشعر الرجل عندما انحنى ليلتقط الفتى من كومة الثلوج الضخمة هذه رُغم رَكلات الصبي و صَرخاته الحادّة التي عمّت الأرجاء..
"على مهلك يا فتى! ليس هناك ما تخاف منه"
ارتعشت أُذني الصغير عند ذكر الخوف و سرعان ما أنكر ساخرًا "خائف؟ لستُ خائفًا! أنا حذِر!"
" حذر؟" أجابه بسُخرية. "نعم بالتأكيد حذر .. خصيصا بعد كل هذه الصرخات و الركلات كما لو كنتَ ديكًا على وشك أن يُذبح".
الكلمة التالية التي خرجت من انفاس الفتى جعلت من الرجل متصنّمًا مكانه.. مالذي سمعه للتو؟ هل..شتمه؟؟! هذا الصغير؟ الذي يبلغ طوله مترًا أو ربما أقل حتى؟!؟
اغلق الشاب فم الصغير بيده و أخرسه قبل ان يُكمل شتماته المُتتالية، و لم يصدق ان قزمًا تمكن من شتمه للتو.. ثم أكمل سيره مُتجاهلاً مقاومات الصغير و صرخاته حتى محاولاته اليائسة للهروب أو العض.. في النهايه يجب أن يُؤخذ هذا الفتى بعيدا عن الأنظار قبل ان تحدث كارثة يكون هو المسؤول عنها.
احتاج الأمر لبضع دقائق حتى عاد الصغير ليهدأ ، او ربما استسلم لقدره كفأر صغير أمام القط الكبير.. ركلاته لم تكن فعالة، و اصابعه ارتجفت من البرد و الارهاق، لكن شعلة العناد لم تختفي منه ، و تعابيره حافظت على لمحةٍ من الكبرياء..
ساد صمتٌ طويل اخر و امتد بينهما ، حتى نطق الصغير بنبرته المُتآمرة :
"مالذي تخطط له؟"
"ألا تظن أنك طرحتَ اسألةً كثيرة؟ دعني أسألك هذه المرة، ما اسمك؟"
"ما شأنك؟" بالطبع، كيف له أن يُجيب سؤالًا واحدًا دون ان ينعطف انعطافات كثيرة قبل الإجابة ؟
"سأُناديك مثلما اريدُ أنا إذن" فكّر قبل ان ينبس بكلمته القادمة ، ثم رفع يده عابثا مع أذني الصغير ليثير غيضه "لن تكون الطفل ٣٧٦ بعد الآن ، أنت إيفان، شئت أم ابيت، سيصنع وقعًا رائعا مع اسمي يوهان"
امتعظ الصغير بوضوح، و لم يحاول حتى إخفاء غضبه و اعتراضه في النهايه، ما علاقته مع اسم هذا الشخص؟ لِمَ يجب على اسمه أن يتخذ الوزن نفسه معه؟
"لا تتجرأ، أيها البشري الدنيء"
" بل سأفعل، أيها الذئب الصغير إيفان، في المقابل سأكرمك بشرف مناداتي 'سيد يوهان '، بدلًا من 'سيد' فقط"
بمجرد ان نطق الشاب بكلماته الأخيرة حتى جهر الصغير بسخريةٍ و استهزاءٍ واضح :
"سيد؟ بل على جثتي ! انتَ لا تستحقه حتى! "
دامتْ ثوانٍ من الصمت بينهما بعد ما قاله الفتى، للحظة شعر يوهان بإرتباك من وقاحة الفتى و شتماته التي تستمر بمفاجأته
"يالك من وقح.."
ألقى يوهان نظرةً للادغال المُغطاة بالثلوج الكثيفة حوله، بساط ابيض ناصع يترك فيه اثر اقدامه و اقدام الحيوانات الصغيرة الاخرى، الشمس بالكاد تعمل عملها بنشر اشعتها، فالأشجار المتجمّدة تطرق برفق تحت هبات الرياح الباردة..
نقل يوهان نظراته الى الفتى بين ذراعيه، و الذي بدا كمن استسلم تماما عن المقاومة، ربما من الارهاق و الجوع، او حتى ادراكه لعدم قدرته على الهروب منه، احكم قبضتيه قليلا حول الفتى عندما شعر برياحٍ قرصت وجهه من برودتها، مُتسائلًا ما ان كانت عاصفةً ثلجية ستحل قريبًا ، لذا زاد من وقع خطواته ليصل الى وجهته سريعًا.