في فجرِ البرد القارص ، و على الأرض التي احتضنتْ بساطٍ من ثلجٍ كثيفٍ قارس ، بُقعٌ حمراء اللون تزين بياض السطح الناصع ، و روحًا مرهقة بثّت الحياة في المكان الموحش , طفلًا صغيرًا على سريرِ الثلوج مُستلقيًا، بشرتهُ المُتزيّنة بدماءه يُداعِبُها الهواء بطريقةٍ تُرسل اليه وخزات من زمهريرٍ بارِد، و بلونٍ زُمردي براق يُعرقل رؤيته مُرسلا تساءلا و استغرابا في ذهنه.
"ما تلك..؟" خرجتْ حروفا مُتسائلة من شفتيه، و بنبرةٍ واهنة، قبل ان يُدرك ان هناك رجلًا غريبًا يحدق به، بعينيه الزمردتين التي حملتْ لمعةً يمتزج في خوالجِها نوعٌ من اللطفِ و الرأفة، وأنامله الخشنة التي تُطبطب على خد الصغير ، ساحبًا اياه من سجن نومٍ عميقٍ.
كان الطفل جاهلا بمحيطه .. أحاسيسه المُخدرة تركت الرجل في بحرٍ من الحيرة و الارتباك مع يديه التي اتسخت بدماء الصبي و بساط الثلجِ تحته قد تلوّنَ بالدماء.
"أيمكنك سماعي ايها الصغير..؟" صوتٌ دافئ دخل لمسمعيه ، و رغم انه خرج ليُهدئه لكن الفتى بعقله الخاوِ التبستْ عليه الحقيقة بالخيال و دفع بجسده بعيدًا عندما ادرك محيطه و توضحت رؤيته...
الرجل الذي امامه، بضخامة جسده الذي حجب اشعة الشمس عنه و يده بحجمها فقط تُغطي هيئة الصغير، كل عضلةٍ في ذراعه بدت كتهديد، و كل إنشٍ يقترب به بدا كتحذير .
تبينت على وجهه ملامحًا مُرتعبة اثناء زحفه بعيدا عن ذلك الكيان الضخم ، كان على استعداد ليُقاتل إن تطلب الامر لكنه يعلم انه لن ينجح، سيُقتل، حتمًا، كان افضل خيار له هو الهرب لكن قدميه الخائنين لن تعطي له الفرصه.
ما له ان يفعل الان؟ هو لا يعرف اهداف الرجل الذي امامه ، بدا مشبوهًا و خطرًا و رغم ذلك خاطبه بنبرةٍ اخفى بها خوفه و بجرأةٍ مُفاجِئة مُتناسيًا ألم أطرافه..
"لا تتجرأ على لمسي بيديك ايها البشري! ابقَ بعيدًا ! ".
الدهشة التي صَعقتْ الرجل بهذه النبرة الوقحة تسببت بإخراسه لثواني، راقب افعال الصغير و لم يمنع نفسه من رسم ابتسامةٍ خفيفة اثناء قوله :
"يا له من فم مؤذي بالنسبة لجروٍ صغير مثلك.."
زحف الصبي الى الوراء لبعض خطواتٍ أخرى محافظا على مسافة امنه بينهما ، لم يكن يريد الاعتراف بخوفه لذلك حافظ على ملامحه الغاضبه ليبدو مخيفا.
لم يقترب الرجل عندما ابتعد الفتى، و لم يرغب بإرعابه اكثر من هذا، حاول ان يُظهر ابتسامةً تدل على حُسن نيته اثناء امالة رأسه بشكلٍ طفيف ، مُتفحصًا الصغير بعينين فضوليتين قبل ان يتكلم :
"ما انت على كل حال؟ كلب؟"
…
قابله الصمت من الطرف المقابل، و نقل الصغير نظرته المليئة بالاستنكار الشديد الى عيني الرجل التي تفحصت هيئة الفتى، بأذنيه الغريبتين بارزتين و ذيله الكثيف مستلقيا دون أن يتأرجح..
"لستُ كلبًا" خرجت نبرته بإنزعاج و هو يحاول اخفاء هذه الاجزاء الغريبة من جسده، لكن داهمه الشاب بإمساكه لاحدى أُذنيه برفق ، قائلا بنبرةٍ خفيفة و ابتسامةٍ طفيفة :
"ما زلتُ أراها ، حظًا أوفر في المرة القادمة يا صغيري"
ثم تابع و هو يُربت على رأسه بخفة :
"إذن ربما تكون قطةً صغيرة؟"
سارع الفتى بدفع اليد الثقيلة التي داعبتْ أُذنه ، و اخذ خطواتٍ اخرى الى الوراء، حاول ان يرمق الرجل بنظرةٍ حادّة من عينيه الكبيريتين ..
"بل ذئبا خطيرا و كبيرا ، يمكنه ان يلتهمك بلقمة واحده!"
كان يقول هذا و هو لا يتعدى لطول ركبتيه.. و الرجل ينظر اليه من الأعلى و هو يتفحص هيئته الصغيرة تاركا ضحكاته الخفيفة تهرب من شفتيه..
"نعم.. كثيرُ النباح ، دون عضٍّ"
احمرّ وجه الصغير فورًا، ضاغطًا على قبضتيه الصغيرتين، فاضحًا امتعاضه و غضبه.
كان الصغير منذ ثواني مضت مُرهقا ، على الثلوج مُستلقيا ، بشعره الذي كساه السواد مُبعثرا و عينيه التي احتضنت فراغا مُميتا ، لكنه الان مُنفعل و حَذِر ، يرصد كل حركة تصدر عن الرجل بحدَس الذئب الجريح .
لكن هذا الشاب لم يكن ساذجًا ، رأى كيف ترتعش عينا الصغير من الارهاق ، و كيف ترفض ساقيه الانصياع ، مُجبرةً اياه على الاستلقاء .
ذراعيه الصغيرتين ترتجفان لتلبية النداء ، و ذيله الذي استمر بالنزول و الاستقرار بين ساقيه دلالة على خوفه.
فضلا عن هذه الدماء.. من اين ينزف الصبي؟ اين اصابته؟
انحنى الرجل ليقابل مستوى نظرات الصغير..
ثياب الفتى ممزقة ، و جسده مُلطخ بالدماء ، لكن لم تكن هناك اي اصابات .
فقط جروحا و كدمات ، و سوء تغذية ظاهر الى بروز اضلعه ..
نَظَرَ مرةً اخرى الى الثلج ثم الى الدماء التي وصمت المكان ، حتى ادرك الحقيقة المُرعبة.
هذه الدماء لا تخصه..
سادت لحظات من الصمت الثقيل اثناء تحديقه بعنق الصبي.
تجعدت مَلامحه قليلًا اثناء اقترابه ، شفتيه تمتمتان بهدوء مُخيف..
" ٣٧٦.."
رقمٌ محفور على الجلد.. ليس وشمًا.. بل وسمًا ..
مد يده ناحية الصغير و أنامله تكاد تلامس جلده حتى همس بجفاف..
"عيّنة هاربة.."