تصادمت الافكار المتسارعة للصغير، كالأمواج الهائجة في ليلةٍ تبكي بانهمار، مشاعره اختلطت بمزيجٍ من الخوف والحذر، بدأت غريزة النجاة تتدفق في أعصابه وتتصاعد باشتعال، ذراعه الصغيرة اندفعت، مُستعملًا مخالبه كسلاحه الوحيد الذي يجيد استخدامه، ثم لم يسمع بعدها إلا شهقةً مكتومة خرجتْ من حنجرة الرجل.
لقد هاجم بعنفٍ وعشوائية، و عض الرجل بأنيابه الصغيرة يخدشه مرارًا و تكرارًا مُحاولًا أن يغرز مخلبه في الجلد القاسي لهذا الشاب، دون حتى ان يستمع لما يريد قوله، او ينتظره ليبرر موقفه، حتى شعر بالأيادي الخشنة تحيطه بإحكام و ترميه بعيدًا.
"يالكَ من قطةٍ شرسة!" نبس بها يوهان بعد دفع الصغير بعيدًا، يستشعر الالم ينبض بسخونة في خدوشه.
تراجع الفتى بعيدًا لاهثًا، عيناه قدحتْ بشرارةٍ شرسة أبت الانطفاء، خرج صوت زمجرةٍ ضعيف من حنجرته، كما لو كان وسيلته الوحيدة لإرعاب الشاب امامه.
حلتْ لحظة صمت ثقيلة بينهما، الفتى يلتقط انفاسه، و لسبب ما بدأ يشعر بدوران رأسه، جاهلًا عما سيفعله، لكن مُدرك لحقيقة انه لا يستطيع مواجهة هذا البشري.
خطا يوهان نحوه حذِرًا، مُحاولًا تهدئته، لكن في كل خطوةٍ يتخذها، يتراجع الاصغر خطوةً اخرى صارخًا في وجهه بنبرته التي حملتْ ارتعاشةً خفية.
"ابتعد، لا تقترب مني!"
تجمد يوهان في مكانه لحظة سماعه لصوت الصغير، انه يرتعش، انفاسه غير منتظمة، و عيناه.. انهما يتوهجان بلونهما الأزرق و القرمزي بالتناوب.. كأنه في مواجهة الموت شخصيًا.
تردد يوهان في الاقتراب منه ، فاللونين المتوهجين في عينيه هو دليل لاقتراب فقدانه للسيطرة التامة، لذا حافظ على تعابيرَ هادئة، و مد يده اليه ليساعده على النهوض، هامسًا له..
"على مهلك يا صغير، لن اؤذيك، أعدك"
حدق الفتى باليد الكبيرة لهذا البشري، و كانت كفيلة بجعله يزحف للوراء مرةً اخرى، مهما قال هذا الرجل، الملفات تصرخ بالحقيقة، و الخنجر الذي رآه على خاصرته، جعل الحقيقة واضحةً اكثر، كيف لم يلاحظ وجوده هناك سابقًا؟.
هو يعلم ان هذا البشري لن يقتله فورًا، ربما يمتلك مخططاتٍ اسوأ من القتل؟ ربما يريد إرجاعه الى المختبر الذي هرب منه؟ ايًا كان هدفه، فهو لن يبقى معه.
استقام الفتى بحذر، متجاهلًا اليد الممدودة ناحيته، و عادت عيناه للونهما الأزرق، بدا انه يخطط لشن هجوم آخر، لذا جهز يوهان دفاعه ليصده، لكن بدلًا من التعرض لخدوشٍ اخرى، شاهده و هو يفرَّ هاربًا الى الغابات القارسة، مما جعل يوهان يتساءل..
هل هذا الشيء الوحيد الذي توصل له الفتى؟
وقف متفاجئًا للحظة حتى صرخ خلفه.
"مهلًا! توقف! لا يمكنك الهرب في هذه الغابات!"
لسع النسيم البارد بشرة الصغير، و لم يتجرأ على النظر خلفه، اعتاد ان يكون سريعًا بهروبه، فقد كان الشيء الوحيد الذي يجيده.
تغلغل بين الثلوج و الاشجار باحثًا عن رقعةٍ آمنة يختبأ بها، حتى داهمه ألم رأسه بشكل مفاجئ اكثر من السابق.
تعثر في خطواته، لكنه لم يتوقف، بدا محيطه ضبابيًا، و عينيه منعته من الرؤية الواضحة، مما تركه في حيرةٍ من أمره..
لماذا؟ مالذي يحصل له؟ تنفسه اصبح اثقل، و وجد نفسه يتوقف للحظة ليُسند نفسه على احد الجذوع الضخمة.
اقتحم ذهنه ذكرى الشيء الذي تناوله.. هل كان السبب؟ أيحتوي على شيء ما؟ حتى تمتم بنبرةٍ حانقة
"تبا! لقد نالَ مني! كيف عرف انني سأكل ذلك الشيء؟"
كيف وقع لهذا الفخ؟ الا يتعلم من اخطائه ابدًا؟
رفع عيناه الى الافق متساءلا كيف سينجو من طرفين يحاولان أذيته؟
اجبر نفسه على تحريك قدمه رغم جهله بموقعه و وجهته، الى متى يجب عليه ان يستمر بالهرب؟
فقدت خطواته خفتها، و بدأ يجر جسده ليتقدم، قاطع افكاره صوت معدته مجددًا، هو جائعٌ و مُرهق من كل ما يحصل معه، فضلًا عن انه لم يجد شيئا ليأكله في هذه الارجاء، منذ ان هرب من ذلك المختبر. لا شيء على الاطلاق، و لا حتى كائنٌ حيّ واحد.
نقل عينيه الزرقاويين حول المكان، باحثًا عن ملجأ قد يحتويه، حتى طغى انفه رائحةً كريهةً و مألوفة، استدار سريعًا، فاحصًا الزوايا و الارجاء، يبحث عن مصدرها، ثم التقطت اذنيه حركةً سريعةً تتجه نحوه.
هلع، و لم يعرف ما يفعل، الحركة سريعة، كحيوان مفترسٍ جائع وجد فريسته اخيرًا، لم يجد وقتًا ليتحرك، بمجرد ان رمش حتى وجد نفسه منبطحًا أرضًا، يقف فوقه رجلًا يرتدي زيه الابيض، يثبت الصغير على زمهرير الثلوج بيديه الثقيلتين، ينظر اليه بتلك العينين المخيفتين، نظرةً ارجعت الفتى للوراء الف خطوة.
"انتهت نزهتك ايها الجرو، حان وقت العودة لمنزلك، الا تظن ذلك؟"
في تلك اللحظة، شعر الفتى بالوقت و هو يتجمد حوله، لقد عثروا عليه. لقد امسكوه.
سيرجعونه.
سيرغمونه.
ستعود تلك الايام.
و هو ما لم يستطع تحمله..