وسط سماءٍ حجبتها الغيوم الكثيفة، و أرضٌ كستها الثلوج المتراكمة ، الريح تعصف بين الجذوع بقوة ، لتنهار كساكين حادة على يوهان الذي يغطي بشرته بوشاحٍ دافئ ليحجب قليلًا من البرد القارص ..
اثناء صراعه امام الثلوج العنيفة ، احتضن الصغير الذي ارتعشت اطرافه، و لاحظ محاولته للتكوّر على نفسه في رغبةٍ يائسةٍ ليكسب دفئًا, كانت عينا الصغير بالكاد مفتوحتان ، يرمق الرجل بنظرةٍ جانبية مُرهقة ، كمن ضاق به السبيل ، حاول أن ينطق شيئًا ، او يُخرج ايّ حرف من حنجرته ، لكن صوته انقطع ، و سقط رأسه فاقدًا وعيه..
أكان السبب من التعب و الإرهاق أم من البرد الذي يحاول ان يسحب روحيهما مهما كان الثمن؟
ولم يجد يوهان نفسه الا و هو يلف وشاحه سريعًا ليحيطه حول الصغير هامسًا اليه بنبرةٍ صارمة اختلط بهما حنانٌ و عاطفةٌ مُريبان.
"اصمد يا إيفان.. أنتَ اقوى من ان تُحتضر تحت أيادي هذا البرد ، فقد واجهتَ ما هو اسوء."
ازداد وقع خطواته سرعةً ، و بدا كمن اعتاد هذه الاجواء غير الطبيعية من البرودة التي تدوم على مدار السنة.
ثم توقف عند خيمةٍ كبيرة تُقاتل أمام العاصفة العنيفة ، صامدة ، و مُحصنة.. كأنها بُنيت بأيدٍ خبيرة ، تُخالف منطق شخص يعيش وحيدًا..
اندفع داخلها حاملًا معه الصغير ، و انحنى ليضعه على فراشٍ من طبقات الفرو الدافئ..
لا يمتلك شيئا اخر ليفعله سوى الانتظار ، لا يستطيع اشعال نارٍ وسط هذا الجو العاصف ، و لا يمكنه ان يُغمر الصغير دفئًا أكثر من هذا .. لذا خلع سترته الثقيلة و غطى الصغير بها ، عسى و لعلّ ان يلتقط دفئًا ولو كان ضئيلًا ثم انتظر الشاب، حتى توقفت العاصفة قليلًا..
اخذ يحدق بوجه الصبي لفترةٍ طويلة ، مُعالجًا شيئًا في ذاكرته ، تعابيره جادة ، باردة ، كما لو أن الثلج قد تسلل بينها.. و كأن في عينيه سؤالًا لا يعرف اجابته ، أو قرارًا لم يُحسم بعد ، حتى هز رأسه ، دافعًا افكاره العقيمة ، و نهض خارجًا ليجمع الحطب ، دون ان يدرك المسرحية التي صنعها الفتى..
الفتى الذي فتح عينيه بمجرد ان شعر بغياب الرجل في الارجاء ، يديه قبضت بقوة على السترة التي احاطته دفئا كاذبًا.. بل استنشق منها رائحةً غريبةً ، رائحةً جافةً و ثقيلة ، و الدفئ كان ابعد ما يمكن عنها.. لم يتقبل انفه رائحتها ، لم يحتملها.. فدفعها بعيدًا ، مُتمتمًا بامتعاض..
"ذلك الوغد.. ، يناديني بذلك الاسم كأنني قد سمحتُ له بهذا."
فحص بعينيه الحيز حوله ، كان واسعًا ، لكن فارغًا، ما عدا رؤيته لحقيبةٍ كبيرة في زواية المكان، و بدت مصنوعةً يدويًا من القماش.
نهض بهدوء ، دون ان يصدر ضجيجًا واحدًا ، فهو يعلم ، رجلًا مثل ذلك الرجل يمكنه ان يشعر ، يرى ، و يسمع على بُعد امتار.
لكن كان عليه التحقق ، من هوية هذا الشخص.
ففي البيئة التي نشأ بها ، تعلم عدم الوثوق بأحد..مُطلقًا.
جلس امام الحقيبة الكبيرة ، مُحدقًا بها ، باستغراب .. و يُفكر ، كيفَ افتحها؟
اقترب منها ، و مد ذراعه الصغيرة ليلمسها مُتفحصًا هيئتها ، بكل جدية ، كما لو كان يحل لُغزًا مُعقدًا ، حتى وجده..
خيطًا سميكًا، سحبه ، فأُذهلت عينيه عندما راى الحقيبة تُفتح تدريجيًا كلما سحب اكثر.
"اختراع عبقري!" تمتم بها و مد يده مقتحمًا اغراض غيره حذرًا من اصدار اي ضجيج.
ثم لمست يديه هيئةً كروية اشعرته بالحيرة ، فالتقطها.. كان شكلًا مُستديرًا نوعًا ما .. حمراء اللون ، ناعمة الملمس ، مرر يديه عليها ، فلمَعت بخفة اذهلته قليلًا، قربها من انفه ، و استنشق عبيرها.. خفيفة و عطرة ، و بلا شك لذيذة.
اصدرت معدته ضجيجًا صاخبًا ، يُذكره بجوعه.
فقضمها سريعًا دون تردد و اندهش من هشاشتها ، انكسر قوامها ، و انغمر في فمه عصيرًا حلوًا لاذعًا جعل ملامحه تتورد من المُتعة ، و لاحظ ان اللون في الداخل ابيضًا مصفرًا ينزف منه عصيرًا خافتا قليلًا ..
"ما هذا الشيءُ اللذيذ؟" تساءل بنبرةٍ واطئة لكنها مُغلفة بالحماسة ، فأستمر بأكلها مُستمتعًا بلذتها.. و بات يشعر باهتمامٍ اكثر بما يخبئه هذا الرجل غريب الاطوار في حقيبته ، و انغمس بإستمتاعه دون ان يتفكر بالمحيط حوله.
يده الاخرى عبثت بين الاغراض المُزدحمة، حتى سحبت شيئا اخر ، ورقةً ، ربما؟ كلا ، بل صورةً جعلته يتوقف عن الاكل فورًا عندما رأى وجهه فيها .. و اتضحتْ علامات الفزع بين ملامحه..
"ما هذا..؟"
نسي جوعه ، و اخذ يبحث مرةً اخرى عن شيء قد يُفسر الموقف. لكن ما وجده بعدها؟ جعل قلبه يتوقف من الهلع.
ورقةٌ كبيرة سحبها من الداخل ، لم يعرف ما كُتب عليها فهو لا يعرف ايًا من القراءة او الكتابة ، لكنها احتوت صورًا كثيرة.
صورًا لاشخاص لا يعرفهم و لا يرتبط معهم بشيء.
و بلون احمر تمت خربشة بعض أسماءهم، و تم شطب معظم صورهم..
كما لو تم حذفهم؟ او..انهاءهم؟
انتقلت عينيه لأسفل الورقة ، لامحًا صورته ، كُتِب امامها الرقم ٣٧٦..
رقمه الخاص ، الموسوم كلعنةٍ ابدية على عنقه ، و الشيء الوحيد الذي يعرف قراءته ، و رأى دائرةً تحيط صورته ، كما لو كان الرجل يُحدد هدفه ، و ضحيّتة التالية.
تصنم للحظة ، اتسعت حدقتاه و العرق انساب من جبينه.. توقع هذا ، لم يكن الامر صادِمًا ، لكن سيتوجب عليه القتال مجددًا..
مالذي سيفعله؟ أيهرب؟ أيستمر بالتمثيل؟ أم سيجازف بحياته إن بقي هنا اكثر؟
ارتعش عندما سمع خطواتٍ بعيدة تقترب من المخيم ، و شعر بإنقباض صدره ، و بحركةٍ سريعة اعاد كل شيء لمكانه ، و تأكد من اغلاق الحقيبة خلفه.
سيستمر بالتظاهر .
هو لن يموت الان ، و لن يُقتل.
سينجو.
حتمًا سينجو.
عاد إلى فراشه و غطّى نفسه مُجددًا بسترة الرجل رغم رائحتها الثقيلة التي اخترقت انفه ، يشعر بالخطوات تقترب اكثر و بهدوءٍ .. يصرخ بالكثير.
شعر به ..خلفه تماما.
فأغمض عينيه ، و استمر بمسرحيته و لعبة التظاهر.
و لم يفتحهما ابدًا.
حتى شعر بالرجل ينحني نحوه..
قلبه ينبض بجنون ، لكن ملامحه؟ مُسالمة جدًا كما لو كان غارقًا في نومٍ عميق يخفي ارتعابه.
خرج صوتٌ هادئ صادر من الرجل ، هامسًا في أُذني الفتى..
"ألم يُعلمك احد الاّ تنبش بأغراض الاخرين؟"
تهديدٌ ثقيل استعشره الصغير ، رغم نعومة الصوت في اذنه ، لكنه مُغلف بالكثير من الغموض و الرعب.
ارتجفت يديه فاضحةً تمثيله ، ففتح عينيه ببطء ناظرًا حوله..
لكن كل ما رآه؟ وجهٌ خبيثٌ مُبتسمٌ كاد يلاصق وجهه.
كشيطانٍ حقيقي ينظر اليه ، مُتنكرًا بقناع البشر.
..