و في لحظةٍ بدت وكأنها نقطة التقاءٍ أخيرة بين الحياة و الموت.
انفتح باب السيارة كأنه شقّ في جسد الليل، فاندفع منه هواء بارد جسد حضورًا خفيًا أشبه بهمس المقابر حين تنفست تحت التراب،
و في نفق طويل من ظلام دامس، امتد على الممر الحجري الشاسع للمقبرة. تلاشت ضلالهم كالرماد، ولم يبقى منها سوى صدى اصوات ارواحهم الرافضة للرحيل... لكن ما الحيلة امام عقول تتقيد بقوانين اللحظة..... بوعي صريح ، أن الباب الخارجي لتلك المقبرة يجب أن يُغلق، حتى لو كان الثمن أن يُغلق عليهم جميعًا داخلها.
.........
غير أن الحركة لم تكن متساوية بينهم جميعا
، إذ بدأ هارتد يتباطأ شيئًا فشيئًا، كمن يسحب لا اراديا نحو الهاوية،
جر خطاه بعيدًا عن طريق النجاة، لا نحو الخلاص بل نحو حافةٍ أخرى أكثر سوادا ، حافة موتٍ لا يترك وراءه صخبًا، موتٍ يأمل أن يكون سريعًا بما يكفي ليخفي أثر التفكير
، فلو حدث الانفجار كما خُطط له فسيظمن ذلك نهاية لحظية لن تعود، وسيُمحى كل ما تبقى من أثر تلك الفتاة، وسينتهي معها وجوده ايضا
الذي ظل يثقل وعيه، كانت ريفي....لقد كان ملاذها الأخير ، لكنها قوية بما يكفي لتنسى..... قد أمل ذلك بشدة
وايضا..... موته هنا يعني
إنقاذ داميان من نهايةٍ محتومة، وهو أمر لم يكن يثير في داخله ارتياحًا بقدر ما كان يفتح فجوة من الأسف بارد ونيران متأججة من الحقد والغضب ، لأن فكرة أن يفلت داميان من بين يديه قبل ان تقتلع عيناه ، كانت أشبه بخدشٍ في عدالةٍ لم يعد يؤمن بها، ومع ذلك، ظلّت الرغبة في رؤية نهاية ذلك الملعون سحقا تتحقق أمام عينيه رغبة قد يدفع حياته ثمنا لها....حتى ولو تحققت لدقيقة واحدة .
..........
انقطع ذلك التيار من الأفكار حين وصل إلى عمق الرقعة، حيث بدأت المقبرة تستعيد نوعًا من الحياة التي لم تنتمي يوما للأحياء
حياة صامتة تتنفس بين اسمنت جاف وتراب مبلل،
فاستقبله المكان بقبورٍ متراصة منها القديم المنسي، ومنها من هو جاهز لدفنه
لكنه اختار أكثرها عزلة وظلمة، حيث تلتهم الاضواء فلا تزور الارض الا مكسورة ،
وانحنى ببطء على ركبتيه، وبيد صلبة اخرج القنبلة من جيب المعطف و وضعها أمامه بحذر ، لحظات.... و شرع بحفر القبر
ومع كل حفنة تراب كان يشعر للحظةٍ خاطفة وكأنه ينتهك مساحة ميتٍ لا حق له فيها،
ضحية ربما كان هو من قتلها، لكن قتله لم يكن سوى قتلا جسديا، لم يقتصر الا على ارساله لختام مصيره، مصير القيت عليه لعنة داميان لتحول صاحبه لوحش لا حيلة له امام ادمانه للدماء البشرية.
إشتعلت نيران روحه غضبا حتى فاقت قدرته على كتمانها
كم تمنى لو مزق ذلك الماضي..... لكن الزمن كان قد أغلق أبوابه ، وحتى هذه الجثة التي يحفر فوقها الآن لم تكن سوى شاهدٍ أخير على عبث النهاية، لأنها ستُمحى مع كل شيء حين يبتلع الانفجار المكان.
مرّت لحظات طويلة وهو يعمل في صمتٍ كثيف، لا يُسمع فيه سوى احتكاك التراب، قبل أن يتوقف للحظة قصيرة، يرفع رأسه قليلًا كأنه يستمع لنبض الهواء من حوله، ثم تمتم بصوتٍ بالكاد خرج من صدره :
«سيكون هذا كافيًا.»
ثم ضغط على أزرار الجهاز بحذرٍ بالغ، وعيناه تتابعان المؤقت الصغير الذي بدأ يلتهم الوقت ببرودٍ ميكانيكي لا يعرف الرحمة ، قبل أن يعيده إلى الحفرة ويغطيه بالتراب بعناية دقيقة حتى بدى وكأنه لم يمس البتة
يبدو ان الأرض قررت أن تتواطأ معه على إخفاء ما بداخلها
مسح يديه في ثيابه ببطء، ونهض واقفًا، وظلّ يحدّق في تلك البقعة طويلًا كمن يحاول أن يتأكد أن الواقع لن ينحرف عن خطته.
أخرج سكينه، ونظر إلى نصله لثانية قصيرة يحدق في انعكاس فكرةٍ لا ملامح لها ، قبل أن يغرسه في راحة يده بحركة سريعة حاسمة، فانفتح الجرح كأنه باب صغير نحو الألم، واندفع الدم دافئًا ثقيلًا يتساقط على التراب
رفع يده قليلًا، وترك الدم يسير في خط محسوب، أثرٍ واضح يقود بعيدًا عن مكان القنبلة، ثم يلتف ببطء كأنه يرسم طريقًا لا بد أن يُتبع.
«تعالي… ليس لدي الليل كله.»
خرجت من بين القبور بخطى هادئة، بلا استعجال ولا تردد، بدى لوهلة انها لم تكن تختبئ أساسا، بل كانت جزءًا من المشهد منذ بدايته،
وجهها خالٍ من أي تعبير يمكن قراءته، لا خوف فيه ولا غضب ولا فضول، فقط سكونٌ كثيف يجعلها أقرب إلى شبح اكتسب شكل بشري
توقفت أمامه ، لا تحمل أي انفعال، فقط تركيزٌ عميق يشبه النظر إلى شيءٍ بلا اي قيمة عاطفية.
ابتسم ابتسامة ساخرة، محاولًا كسر ثقل اللحظة الذي أمسى يخترق الجو و قال بصوتٍ منخفض:
«تأخرتِ.»
لكنها لم تجب،
ولم تتغير ملامحها،
فقط تقدمت خطوة أخرى....
لتعلن حربا لا نهاية لشؤمها.