... اعتاب لعنة...

... اعتاب لعنة...

41 0

✦ ── ❖ ── ✦

في أقاصي اللامكان، حيث يُعد وجود البشر المسالمين لطخةً لا تُغتفر على أديم أراضي كورنس الملعونة، انتصب المبنى كشاهدة قبرٍ شاهقة، متعاليًا ببرودٍ معدني، لا يُجيز رأيًا ولا يحتمل اعتراضًا.

حين انحنت الشمس نحو الأفق، بدت كرةً داميةً معلّقة في سماءٍ منهكة، تجسّد معنى اللهيب في أقسى تجلياته.

ومع ذلك، لم تستطع تلك النار الغاربة أن تزعزع ثبات هارتد، الذي وقف خلف الجدار الزجاجي العريض في غرفة تدريبه، يرمقها بنظرةٍ خالية من الانبهار… كأن غروبًا واحدًا لا يرقى لمقارعة شموخه، شموخٍ تجاوز حصون كورنس المشؤومة نفسها، تلك التي بُنيت على العظام والعهود المنكوثة.

مضى أسبوع كامل منذ آخر مهمة له خارج أمريكا.

أسبوعٌ ثقيل… بطيء… مملّ على نحو يبعث على الاشمئزاز.

كانت المهمة الأخيرة سهلةً حد الإهانة.

حدّ لا تقبله هذه الشخصية المهوسة بفوضى الحرب ومطر نيران المسدسات.

حتى ذلك العجوز بدا مشغولًا جدًا مؤخرًا…

حسنًا… ربما عليه التدخل ليعيد الأمور إلى مجراها المناسب…

هي عادةً ما تسير بوضوح أمام مراقبة شكوكه الخارجة عن سيطرة جنود كورنس، أولهم زعيمه.

لكن إن انحرفت… فليس عليه سوى جرّها لمسارها الصحيح.

……

استغرق وصوله لطابق تلك الفتاة وقتًا طويلًا رغم سرعة المصعد. رائحة الأدوية والمعقمات في أرجاء مختبر ريفينا كفيلة بخنقك مع أول خطوة، لكنها جزء من روتينه اليومي، من هوس أخته المجنون بالطب.

فتح الباب آليًا ودخل دون إذن كعادته. "ريفي"، كما يدعوها، كانت مشغولة ككل مرة، تحتضن مجهرها المحبوب وتراقب قطرات من الدم باهتمام مبالغ فيه…

ما تعرفه هذه الشقية عن الطب تلقته بلغة لم تُدرَّس في الأكاديميات المملة.

لغة أقسى من الألم،

لكنها تبدي نتائج رائعة بقدر ما هي مروعة. وهذا ما يقلقه… هذه الطفلة قد تقتل نفسها إجهادًا من أجل اكتشاف.

ما إن التقطت أذنها وقع خطواته الشبيهة بزحف جيوشٍ عتيقة على طين ساحات الحرب العالمية الأولى — حتى التفتت نحوه، وارتسمت على وجهها ابتسامة غامضة، نصفها دهشة ونصفها سخرية.

— «انظر من أتى هنا! أخي؟ ههه… ظننتك مشغولًا بمحاولة منع القمر من السقوط على الأرض أو شيء من هذا القبيل.»

وقف أمامها، صوته منخفض وموجَّه: —

«كفّي عن الغطرسة… ماذا تفعلين؟»

تدفقت كلماته كإشارة للتوقف، لكنها لم تخفف هرولتها بين آلاتها الغريبة تلك.

— «أنا أعمل على إنجاز ما… إنجاز عظيم.»

ردّ ببرود ساخر وهو يراقبها:

— «حقًا؟.. مثير، وما هو؟»

اقتربت منه بسرعة، سحبت ذراعه نحو شيء… شيء يصعب وصفه، شيء بين العلم والجنون، بين واقع وتجربة مستحيلة.

تابوتٌ زجاجيّ، ممتلئ بسائلٍ مائل إلى القِرمزي، تتخلله أنابيب وأسلاك كعروقٍ صناعية.

حدّق فيه لحظة باستغراب، ثم قال بنبرةٍ جافة:

— «ما هذا؟ منذ متى تهوين جمع الجثث في توابيت مائية؟ إن كانت هذه زينة فأنت تبالغين حقًا.»

اقتربت من الزجاج، وضعت كفّها عليه بحذرٍ يكاد يكون تبجيلًا.

— «ليست زينة يا ذكي، وما بدا لك ليس جثة بعد… هي لا تزال حية… حسنًا، هي حية على نحوٍ ما.»

انعقد حاجباه.

— «ماذا تقصدين؟»

ردت ريفينا كمن يصف لحظة من خياله، وصف مجنون، بصوت مشحون بالفضول والعقل المدمِّر:

— «عندما أحضر الرئيس هذه الفتاة، كانت — وبشكلٍ مجزوم بأمره — في عداد الموتى. اتضح بعد الفحص المطول أنها أُصيبت بطريقة غامضة بجرح يمتد من كتفها الأيسر إلى أسفل قلبها، تاركًا خلفه سرًا دفينًا بين آثار الخدوش والكدمات والندوب التي غزت جسدها… كنت قد أجزم بأنها تعرضت للتعذيب، لكن الغريب أن تلك الندوب كانت كالنحت على رقبتها وذراعيها… لم تكن عشوائية ولا بغرض التشويه، إنها دون أدنى شك رموز لشيء ما… لكنها شبه مجهولة المصدر ولم أستطع تحديد مغزاها.»

ردّ مقاطعًا سلاسل أفكارها:

— «أنت تضخّمين الأمر، لقد رأيتِ ما هو أسوأ وأكثر غرابة من هذا بكثير.»

— «هارتد، ركّز معي. لقد قلت إنها كانت في عداد الموتى… أنا لا أقول هذا عن شخص إلا بعد التأكد من التقاطه لأنفاسه الأخيرة، أنت تعلم جيدًا أني لا أعبث بهذا الأمر. لهذا الجسد، بطريقة ما، قدرة غريبة جدًا على التعافي. صحيح أنها في غيبوبة منذ ستة أشهر، وأنني شبه متأكدة بأنها لن تفيق منها وربما تموت مع الوقت، لكن وصولها لهذه المرحلة في حد ذاته معجزة طبية عظيمة… لذا سأبذل قصارى جهدي لأبقيها على قيد الحياة، وأيضًا لأن الزعيم قال إنني سأُدفن معها إن ماتت.»

ردّ بنبرة خالية من التعبير:

— «ولِمَ يبدو ذلك العجوز مهتمًا جدًا بهذا الأمر؟ نحن نفقد عشرات من ضحايا أولئك الأوغاد كل يوم.»

— «لا فكرة لدي عن هذا، لكن لدي شك مقلق بأننا على اعتاب تغيير لم تشهده عهود كورنس في تاريخها من قبل.»

✦ ── ❖ ── ✦

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Wreckage

المؤلف Aseel
2026/03/31 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة