.... موت وشيك....

.... موت وشيك....

28 0

لطالما كان ذلك المختبر الامتدادَ الطبيعيَّ لوعي ريفينا؛ ضوءٌ أبيضُ متجبّر، وأجهزةٌ حفظت أنفاسها وبصمات أصابعها منذ أزلٍ بعيد. كان الحيّزَ المغلقَ الوحيد الذي احتوى أفكارها الغريبة دون اعتراض. لكن حين امتدّ المقام فيه خمسة عشر يومًا متصلة بلا انقطاع، تحوّل ذلك الانتماء إلى عبءٍ خانق لا فكاك منه.

و غدا طنين الأجهزة رصاصًا مذابًا ينفذ إلى جمجمتها مع كل نتيجة تحليل تتجلّى على الشاشات، فبقي عقلها رهن إقامةٍ قسرية، معلّقًا بين إنهاكٍ قاتل وواجبٍ متعالٍ لا يعترف بالانهيار.

وسط تلك الفوضى المنظمة ظاهريًا، تلقّت إشعارًا مفاجئًا من ماريا، ظهر عريضًا متوهجًا يتصدّر سيل البيانات المتراكمة على حاسوبها الضخم. فتحت الخط فورًا.

اهتزّ مكبّر الصوت بصوتٍ خافت داخل المختبر.

— «ريفي… أتسمعينني؟»

— «أجل.»

ردّت بسرعة لا تحتمل زيادة حرف.

— «هل من تغيير؟»

— «كلا البتة… لا تزال على الحال ذاته.»

— «وأنتِ؟ ألم تغادري المختبر بعد؟»

ساد صمتٌ قصير قبل أن تجيب بصوتٍ أنهكه السهر:

— «لا… وسيطول هذا، على الأرجح، حتى تستيقظ تلك الفتاة أو تموت… اللعنة، أكاد أموت مكانها.»

— «لديكِ مئة وتسعون عنصرًا تحت إمرتكِ. ألا تستدعين أحدهم لحراستها وتنامين ولو ساعة؟»

— «لا أستطيع… ماذا إن افاقت؟ لا أريد أن أكون سببًا في موت أحدهم، خاصة إن كان سيموت افتراسًا.»

توقفت لحظة، ثم أضافت بتعجب

— «ما هذا الذي أرسلته؟»

— «سجلّ حالات اختفاء سكان أريزونا عام 2009.»

ضيّقت عينيها قليلًا، مستدعيةً ذاكرةً قديمة.

— «ألم يحدث انفجار لقطار تلك المدينة وقتها؟»

— «أجل، بالضبط. لكن إضافةً إلى ضحايا الانفجار، سُجلت سبع حالات اختفاء دفعة واحدة في تلك الحادثة. أُغلقت قضاياهم لعدم توفر ما يكفي من الأدلة.»

— «سبعة؟ وأين جثثهم؟»

— «هذا ما أثار اهتمامي… مرّ ما يقارب ثمانية أعوام، ولم يُعثر على أي جثة أو أثر لأيٍّ منهم، وكأن الوجود قرر محوهم فجأة… حتى عائلاتهم لم تُحدث ضجة تُذكر.»

بينما غرقت ريفينا في بحرٍ متشابك من الاحتمالات، انفتح باب المختبر بانزلاقٍ معدني حاد قطع صفير الأجهزة كحدّ سكين. دخل كارلس دون استئذان، وخطواته الثقيلة تصطدم بأرضية المعدن المصقول. لم يكن هذا مكانه؛ فرائحة المعقمات لا تناسب أبدا رجلًا اعتاد رائحة البارود.

— «ما زلتِ هنا.»

قالها بنبرةٍ شبه ساخرة، وعيناه تمسحان أدق تفاصيل المكان حتى استقرتا على وجهها. تمعّنها للحظة ثم قال ببرود:

— «منذ متى؟»

— «منذ أمس.»

ردّت بصوتٍ منخفض، تحاول تجاهل وجوده.

— «حقًا؟ أليس من المبالغة أن تشربي إحدى عشرة كوب قهوة بالأمس؟ أم تظنينني أحمقًا؟»

ابتسمت بامتعاض:

— «هل قمتَ بعدّ الأكواب؟… يا لك من مريض.»

— «كفّي عن المراوغة. الأمر واضح، أنتِ تبدين كضحية لتجربة النوم الروسية.»

— «ألديك حلٌّ آخر؟ حسنًا… من زاوية أكثر واقعية، لا أظن أنها ستفيق يومًا من الأساس.»

نظر إليها بدهشةٍ صريحة:

— «غريبٌ أن تفقدي ثقتك بنفسك الآن، بعد أن كانت مصدر عجرفتك طوال تلك السنين… في هذا بعض الظلم بحقها.»

— «ليس بسببي، يا فهيم.»

قالتها بهدوءٍ قاتل.

— « المشكلة فيها... رغم أن جسدها يقاوم المستحيل ليبقى حيًا، فإن دماغها لا يبالي بذلك مطلقًا.»

— «اشرحي أكثر.»

— «حين يدخل الجسد في غيبوبة أو حالة طارئة، يخوض الدماغ حربًا ضد الضرر ليحافظ عليه حيًا أو يعيده إلى وعيه كما في حالتها… لكنها مختلفة تمامًا. دماغها سليم، لكنه لا يأبه بإنقاذها.»

اقتربت من مكتبها تجمع عشرات التحليلات التي أملت أن تحسّن وضع ذلك الجسد المتصنّم، وأضافت:

— «قد أستنزف نفسي لإنقاذ شخصٍ ما، لكن ماذا عساني أفعل إن كان هو ذاته لا يريد النجاة؟»

انزلق السكون فوق المختبر كغطاءٍ ثقيل.

صوتٌ مفاجئ كان كفيلًا بجعلها تندفع نحو الحاسوب وتنقر على لوحة المفاتيح بسرعةٍ حادة.

— «ما خطبك؟»

سألها كارلس، متفحّصًا ملامح الصدمة على وجهها.

— «مؤشرات النبض تغيّرت!»

— «حسنًا… وماذا في ذلك؟»

— «أتمزح؟ ليس من المفترض حدوث هذا!»

تسارعت الإشارات فجأة، وتحول الخط المستقيم على الشاشة إلى نبضٍ متوثب يتصاعد بجرأةٍ صادمة. وما إن انحنت ريفينا لتتأكد من القفزة غير المتوقعة في النشاط العصبي، حتى دوّى انفجارٌ حاد مزّق سكون المختبر، وتناثرت شظايا زجاج التابوت في الهواء كعاصفةٍ بلورية انعكست عليها الأضواء البيضاء، واندفع الجسد المحبوس بطاقةٍ وحشية كأنها ارتداد سنواتٍ من الكبت، بينما انطلق صوت الإنذار معلنًا اندلاع الفوضى في رقعة ريفي

وفي خضم كل ذلك، استقام جسد الفتاة واقفًا، بعينين خاليتين من الانفعال، ووجهٍ يفيض بفراغٍ لا يمتّ بصلة إلى الرعب الذي اعتمر قلب ريفينا.

سحب كارلس سيفه ببطءٍ محسوب، وخلال ثوانٍ كان قادة المنظمة داخل المختبر يحيطون بها باستعدادٍ صارم يخفي قلقًا عميقًا… وربما خوفًا لم يعتادوه.

لكنها اكتفت بالنظر إليهم.

لمدة دقيقة كاملة بدت كأنها دهر.

لم يفهم أحد لما لم تهاجم او من أين اتت بذلك القدر من الهدوء

رفعت يديها ببطء، تأملتهما، ثم همست تحاور نفسها:

— «أنا… حيّة.»

وحين بدأ باب المختبر يُغلق آليًا كما هو مبرمج عليه،

اندفعت فجأة نحو ريفينا، فاصطدمت بها وأسقطتها أرضًا قبل أن تأخد صورة كاملة عن ما حدث حتى، تغلغلت أصابع قبضتها حول عنقها بقوةٍ كادت تخرج مقلتيها،

احتبس الهواء في صدرها، و أصبحت بالكاد تعي شيئا،

كان ٱخر ما ظنت انها ستراه قبل الموت سيف كارلس الذي توهج فجأة خلف عنق العينة.

لكنها استدارت نحوه بعينين جامدتين، كأنها على يقينٍ بأن نصله لن يبلغ رقبتها.

و في ذروة الفوضى، انتزع هارتد المسدس من فوق المكتب وأطلق طلقة واحدة مزقت الهواء و استقرت في عنقها .

........

اوقف كارلس حركته مصدوما وافلتت العينة رقبة ريفينا بعد تشبث كاد يلقي بها ميتة، فسقطت ريفينا تلتقط أنفاسها بصعوبة.

لم يكن مسدس تلك الطبيبة يطلق رصاصًا اعتياديًا، بل حقنة سم دقيقة،

استدارت الفتاة نحو هارتد الذي كان ٱخر من يدرك فعلته رفعت يدها ببطء حد الرقبة و نزعت الحقنة التي إخترقت عنقها فجأة ثم توقّف جسدها عن الحراك....

ساد صمتٌ ثقيل.

— «كان ذلك السم مميتًا، يا غبي!»

صرخت ريفينا في وجه أخيها.

— «أكان الأفضل أن أتركها تقتلك؟»

تقدمت نيري بحزم مخمدة نيران العراك :

— «ليهدأ الجميع… انتهى الأمر.»

ثم أضافت بدهشة:

— « اللعنة!... لا أصدق أن هذا الجسد كان في غيبوبة.»

وقفت ريفينا، أبعدت جسد العينة عنها بهدوء، وتأملته لحظةً طويلة قبل أن تقول:

— «يحتاج السم إلى دقيقتين فقط ليقضي عليها تمامًا. علينا إبلاغ الزعيم.... كارلس، هارتد، ونوستراد… ستأتيان عند منتصف الليل لأخذ الجثة ودفنها في المقبرة. كانت أشبه بكابوسٍ عاشته كورنس. مؤسفٌ حقا أن تموت بعد كل تلك التضحيات… لكنها كانت أخطر من أن تعيش بكثير .»

وعاد المختبر إلى سكونه وسط دهشة وارتجاف الجميع

....إنها النهاية.

نهاية البداية فقط.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Wreckage

المؤلف Aseel
2026/03/31 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة