... إختفاء الموتى...

... إختفاء الموتى...

31 0

وفي أحشاءِ ليلٍ حالكٍ، انطفأت فيه الأصوات حتى كادت تُمحى من سجلّ الوجود، لم يبقَ سوى هديرِ محرّكِ تلك السيارة السوداء المتجبّرة، يشقّ الظلام بوحشيةٍ عمياء، ويمزّق السكون بسلطةٍ غاشمة، اختنقت فيها صرخاتُ شياطينِ مقبرةِ كورنس.

1

لم يكن الموت، كما اعتادوا تعريفه، سوى اتفاقٍ هشّ بين الجسد والزمن؛

اتفاقٌ قابلٌ للكسر… إن وُجد ما يكفي من الغدر أو ما يفيض عن الحاجة من العناد.

كان سقفُ ذلك المكان سماءً مطفأةً كجمرٍ خمد منذ قرون، وامتدت المقبرة على أطراف كورنس كهاويةٍ بلا قرار، تكدّست قبورها كصفوفٍ من ذكرياتٍ نهشها الزمن، يعلوها صمتٌ مشبّعٌ برائحة الحديد والرطوبة والدم البارد؛ صمتٌ لا يمنح الطمأنينة، بقدر ما يرسّخ تعريفًا للهلاك في أقسى تجلياته.

انغرست أقدامُ كارلس في التراب اللزج وهو يتقدّم، حاملاً الجسد الذي فقد اسمه واكتفى بثقلٍ باردٍ يرهق الذراعين، وقد التفّ حوله قماشٌ قاتم، كأنما صيغ من ظلالٍ اقتُطعت من جدران مختبر ريفينا.

انسحب نوستراد خلفه بصمته المعتاد، لا يضيف للمكان صوتًا ولا ينتقص منه، وتلته نيري… الفتاة التي أصرّت بعنادٍ طفولي على مرافقتهم رغم خوفها العميق من المقابر.

لم يكن ذلك جبنًا… لكن مالذي قد تفعله لمواجهة شبح؟

أما هارتد فكان متأخرًا بنصف خطوة، لكنه كان الأكثر يقظة… الأكثر توقًا لإنهاء ذلك الرعب الذي جثم على صدر كورنس منذ مجيء تلك الجثة.

ومع ذلك، لم يكن مرتاحًا؛

كأن شيئًا غامضًا في أعماقه يرفض أن يسلّم بالنهاية التي كان هو أول من أعلنها.

لم تتطلّب الحفرة جهدًا كبيرًا، إذ بدت الأرض رخوةً على نحوٍ يثير الريبة.

تقدّم كارلس نحوها وانحنى، ملقيًا الجسد بحركةٍ خاليةٍ من التردّد.

أمسك بطرف القماش، وسحبه دفعةً واحدة، كاشفًا عن وجهها الذي بدا هادئًا على نحوٍ مريب؛

خاليًا من التشنّج الذي يخلّفه السم، ومن أي أثرٍ لمعركةٍ أخيرة مع الموت.

— «حتى الموت… لم يجرؤ على تشويهها.»

تمتم بسخريةٍ جافة، قبل أن يلتقط مجرفته ويُلقي أول دفعةٍ من التراب في الحفرة.

كان صوت التراب وهو يصطدم بالقاع مكتومًا…

لكن الصدى الذي خلّفه في الهواء لم يكن كذلك.

ضربة…

ثم أخرى…

ومع كل حفنةٍ تتراكم، كان ذلك الإحساس الغامض يتسلّل إلى صدر هارتد، يتمدّد ببطءٍ كظلٍّ بلا صاحب.

همست نيري بحدّةٍ متوترة:

« اسرع قليلا … إنه مجرد تراب!»

ردّ كارلس بضجرٍ ساخر:

«حقًا؟ إذا لِمَ أُلقيتُ أنا بهذه المهمة السخيفة؟»

أجابته بسخرية:

«لأنك الأسرع… أو هكذا كان يبدو.»

زمجر كارلس وهو يضغط على أسنانه:

«لو لم أكن مشغولًا بهذا العبث، لفجّرتُ رأسك بهذه المجرفة. ألم أحذّرك مئة مرة من القدوم معنا، خاصةً مع خوفك المَرَضي هذا؟»

قطع نوستراد الجدال بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم:

«دعني أُتمّ الأمر عنك إن كنت متعبًا.»

ردّ كارلس بنفاد صبر:

«لست متعبًا… لكن هذه الحفرة تأبى أن تمتلئ.

كأنني أقذف الرمل في جوف الفراغ!»

سحب هارتد المجرفة من يده بعنف:

«أعطني هذا… سأنهي هذه المهزلة بنفسي.»

......

«رفاق…»

همست نيري، بصوت مرتجف .

«هل… شعرتم بذلك؟»

ردّ كارلس دون أن يلتفت:

«كفاكِ هلوسة… عودي إلى السيارة.»

ارتفع صوتها هذه المرة، ممتزجًا بالخوف:

«أنا لا أمزح!

شعرتُ… بأحد يتنفس خلفي!.»

ضحك كارلس ضحكةً قصيرةً باردة:

«هاه… لعلّه شبحٌ إذن.

وداعًا يا نيري… يبدو أنك ستموتين الليلة.»

صرخت بغضبٍ مذعور:

«كفّ عن سخريتك أيها الأحمق! قلتُ إنني لا أمزح!»

تدخّل نوستراد قاطعًا توترها بصوتٍ آمر:

«توقفا عن هذا الهراء. نحن في مقبرة…

هارتد، هل انتهيت؟

... هارتد؟»

ساد صمت ثقيل تجمّد فيه الهواء.

همس هارتد في دهشة

«الجثة!...الجثة اختفت!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Wreckage

المؤلف Aseel
2026/03/31 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة