حتى في أشد لحظات الصدمة، لم يحظَ أحدٌ منهم بنصيبه الكامل من الذهول، لأن الدهشة، في جوهرها، شعور هشّ تسحق قسوته سريعًا أمام سطوة الخوف؛ حاكمٍ ملعونٍ لا يمنح ضحاياه فرصةً ولا رحمة، يعتصر العقول حتى تنصاع له، ويجرّ أصحابها جَرًّا نحو النجاة، ولو كانت مجرد وهمٍ مؤقتٍ يؤخر سقوطهم في قاع الجنون.
تبدّل كل شيء في لحظة، وغرق العالم في ظلامٍ جحيمي كثيف، حتى صارت المسافة القصيرة بينهم وبين السيارة إمتدادا مستحيلا ، بعد أن كانت لا تزيد على ستة أمتار.
أما التراب القاسي الذي أثقل أكتاف كارلس قبل لحظات، فقد تحول إلى رمالٍ خائنة تبتلع أقدامهم مع كل خطوة، بينما خرجت أنفاسهم متقطعة، حادة، تمزق حناجرهم في ارتباكٍ أعمى، وتضاربت أفكارهم في رؤوسهم كموج بحرٍ هائج.
سؤال واحد فقط ظل يطاردهم كقدرٍ مميت:
كيف سيخرجون من هذه الرقعة اللعينة، قبل أن تجرّهم تلك الجثة الهاربة من قبرها إلى قبورهم؟
حتى انغلقت الأبواب أخيرًا بعنفٍ متتابع، بصوتٍ أجوف بدا وكأنه إعلانٌ عن حصارٍ لا عن نجاة.
استقروا في مقاعدهم متلاصقين،
كان العرق البارد ينساب على أعناقهم ببطءٍ لزج، كأنه تذكير صامت بأن الجسد، مهما ادّعى الشجاعة، يظل أول من يعترف بالخطر.
أما الظلام خارج النوافذ، فقد التصق بالزجاج كطبقةٍ سوداء من السخام، يحجب العالم ويضغط على الصدور بصبرٍ قاسٍ، صبرِ مفترسٍ يعرف أن فريسته لن تبتعد.
لم يتكلم أحد لثوانٍ طويلة،
صمتٌ ثقيلٌ جلس بينهم كضيفٍ غير مرغوب فيه، يراقب أرواحهم تحترق تحت وطأة الذعر، منتظرًا أول من ينهار بينهم... لكن هيهات له.
هارتد لم ينظر إلى أحد.
كان يحدق في الزجاج الأمامي، يرى انعكاس وجهه شاحبًا يتخلله الارهاق، لكنه لم يلق أدنى إهتمام لهذا...
ما كان يشغله هو القلق الذي ارتسم على ملامحه منذ ادرك ان تلك الجثة اللعينة ورغم كل ما حدث....لا يزال جسدها يرفض التعفن والانحلال كأجساد كل الموتى
أهو خائف من الموت؟
من ان تتمكن تلك المتوحشة من نهش لحمه حيا؟
لا
قطعا لا....لم يخف ذلك الرجل الموت يوما بقدر ماكان يخاف الذنب والعار
فقط لو تأكد من مقتلها، لما وضع اصدقاءه الان في هاذا الموقف الخطر... يجب عليه تحمل عاقبة هذا.. و عاقبة كل شخص سيقتله ذلك الوحش الطليق فقط لأسكات جوعه.
تحرك نوستراد أخيرًا قاطعا حبل الافكار الاسود الذي التف حول رقبة هارتد موشكا على خنقه
— «الباب الخارجي... يبعد عنا أربع دقائق فقط إن تحركنا الآن.»
خرج صوت نوستراد منخفضًا في ثبات.
تحرك كارلس خلف المقود بسرعةٍ متوترة، وأدخل المفتاح بعجلةٍ عصبية، ثم أدارَه بعنفٍ .
اهتزت السيارة قليلًا،
وأطلقت صوتًا جافًا، قصيرًا
ثم سكنت.
شدّ على أسنانه في ضيق، وأعاد المحاولة فورًا.
تكرر الصوت نفسه.
انفجرت يده على المقود في ضربةٍ غاضبة.
— «اللعنة على هذا الهراء!»
انحنى نوستراد نحو لوحة القيادة بهدوء، يحدق أسفلها بعينين ضيقتين، مدّ يده يتحسس الأسلاك لثوانٍ قليلة.
ثم رفع رأسه وقال بنبرةٍ قاطعة:
— «لا فائدة من المحاولة... قطعت أسلاك المحرك الخارجية.
— «لعينة...»
رد كارلس في همس
ساد صمتٌ خانق...
صمتٌ بدا أطول من الوقت نفسه، حتى تحرك هارتد أخيرًا، ورفع رأسه ببطء، كان وجهه شاحبًا على نحوٍ غريب، لكن عينيه بقيتا ثابتتين، لا تبحثان عن مخرجٍ ولا تباليان بالعزاء،
التفت إلى نيري مباشرةً، وقال بنبرةٍ منخفضة، مستقرة:
«أعطني قنبلة.»
« مذا؟»
هزت رأسها فورًا
— «لا.»
ثم أضافت، بصوت مرتجف:
— «لا، لن أعطيك شيئًا. نحن سنخرج من هنا لكن ليس… ليس هكذا!»
راقبها هارتد بصمت لثوانٍ، ثم قال بهدوء أثقل من التهديد:
— «إن خرجت هي من هذه المقبرة….
لن يبقى لنا شيء لنخرج إليه.»
سقطت كلماته بقسوة على مسامع نيري حتى دفنت داخلها
نظر إلى الآخرين واحدًا واحدًا.
— «إن وصلت تلك الفتاة إلى المدينة…»
خفض صوته أكثر.
— « ستكون وباء يمشيء بين البشر... ستقتل الناس وتأكل لحمهم علانية، هذا ان حالفنا الحظ ولم يكن ذلك اللعين يراقب لحظة ظهورها وسط الشعب.»
— «وما الحل ؟»
قالها كارلس بحدة صوت من يعرف الإجابة..... لكنه يخشى سماعها.
رد ببساطة مرعبة .
— «نقتلها هنا.».
هبطت الجملة بينهم كقرارٍ لا رجعة فيه.
ردت نيري بقلق .
— « لكن كيف؟»
— «سأستدرجها...ان كانت تريد الدماء..فسأمنحها ما تريده. »
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته،
صمتٌ بدا كأنه يزن أرواحهم واحدًا واحدًا.
انفجر كارلس أخيرًا:
— «هل فقدت عقلك؟!»
ارتفع صوته رغماً عنه.
— «أنت تتحدث عن تقديم نفسك كطُعم!»
رفع هارتد حاجبه قليلًا.
رفع هارتد حاجبه قليلا وسأله
بسخرية باردة
_« الديك ما هو افضل؟»
عم الهدوء
_« حسنا اذن... الخطة واضحة انتم تتجهون لخارج المقبرة وانا لأعمق نقطة فيها ، اغرس القنبلة ، ثم أبحث عن تلك الفتاة واستدرجها بدمي لمكان الانفجار... ان حالفني الحظ وتمكنت من إنهاء أمرها قبل نفاذ الوقت فسأكون خلفكم»
تقدم نوستراد قليلا
و سأل بهدوء
_« وان لم يحالفك؟»
فكر هارتد لثانية قصيرة.
ثم إبتسم و أجاب بهدوءٍ غريب:
— «حينها…أعتمد عليك في جمع أشلائي.»