الفصل الخامس

الفصل الخامس

11 0

لا أعلم كم مرّ من الوقت، لكنني استيقظتُ وعضلاتي متيبسة وكأنني خضت حرباً. ذهبتُ للاغتسال، شعرتُ بقذارةٍ لا يطهرها حتى الأسيد، وعندما خرجتُ وجدتُ "نجمة" تجلس على سريري. اقتربتُ منها بتوتر: "ستساعدينني، صحيح؟".

ابتسمت بهدوء: "بكل تأكيد".

تنفس الصعداء، لكن الابتسامة تلاشت حين أضافت: "الآن يجب أن تكمل قدرك؛ يجب أن تذبح عصفورين، أحدهما يحمل دماءك، وأن تحرق اثنين!".

صرختُ: "ماذا؟!". وفي لمح البصر، اختفت.

تركتني غارقاً في دوامة الأفكار السوداء.  أود أن أقول لك شيئاً؛ مَن بداخل الصورة لا يرى الاطار ولا الصورة كاملة.

كنتُ غارقاً في عجزٍ لا يفرق بين الحلم والواقع،

أعيش كابوساً أتمنى في عقلي أن أعود طفلاً قبل أن تفرق الخيانة والديّ، حين رأيتُ أبي يحاول قتل أمي. أنا لا أبرر حقارتي، لكنني كنتُ كغريقٍ يتعلق بحبال "نجمة" لينجو بحياته. الحياة حقرتني حتى صرتُ حقيراً مثلها.

استيقظتُ من نومي على دوارٍ شديد. نظرتُ حولي، الغرفة خالية، فاحتقنت العبرات في حلقي. "أين نور؟ أريد نور!". نهضتُ ببطء، فوقع نظري على أثر الجرح في صدري؛ حينها بدأت الأحداث تترتب في عقلي كقطع الشطرنج.

أدركتُ الحقيقة المرة: "نور" لم تكن مجنونة. "جميلة" هي من كانت تستحضر "نجمة"، وهي من سممت أفكاري ونسجت شباك الفتنة حولنا. تذكرتُ توسلات نور الأخيرة: *"أرجوك لا تستمع إليها، إنها مخادعة!"*.

نظرتُ إلى المرآة، رأيتُ انعكاسي، لكنني لم أرَ "ملاكاً بريئاً" كما كنت أظن، بل رأيتُ ضحيةً ساذجة لشيطانٍ يرتدي ثوب العشق. لقد كانت "جميلة" هي الشيطان، وكنتُ أنا مجرد أداةٍ عمياء في يدها.

خرجتُ من غرفتي، وتلاقت أنظاري بـ"جميلة". ابتسمت لي بودٍّ مريب، فابتسمتُ لها رغم الرعب الذي يسري في عروقي. ذهبتُ للمطبخ لأعد القهوة، وحين التفتُّ، وجدتها تقف عند الباب تحمل زجاجة عصير.. لا، كانت زجاجة بنزين!

اقتربت بابتسامة خبيثة: "لماذا أنت خائف؟".

ضحكتُ بتوتر: "خائف؟ أتمزحين؟".

تنهدت وقالت: "لا تستمع إليها.. إنها تدفعك للشر حتى تؤمن بأنها هي من كتبت أقدارنا.. إنهم يريدوننا أن نكفر بالله، أن نؤمن بأن 'نجمة' تصنع قدرنا!".

سألتها بذهول: "من تقصدين؟".

أجابت ودموعها تنهمر: "أنت تعلم.. لقد فهمتُ متأخرة، ولا خيار أمامي الآن سوى تنفيذ أمرها.. يجب أن أقتل أقرب الناس إلى قلبي، وأنت.. أنت هو الأقرب".

فتحت الزجاجة، فاحت رائحة البنزين النفاذة. صرختُ: "لا!". حاولت سكبها علي نفسها، لكنني كنت أسرع؛ انتزعتُ الزجاجة من يدها فسكبت فوقنا نحن الاثنين. في لحظة صراع، حملتُها وألقيتُ بها بدون قصد نحو موقد النار الذي كان مشتعلاً، فالتهمتها النيران في ثوانٍ. امتدت النيران للمطبخ، ولأنني كنتُ ملطخاً بالبنزين، اشتعلت في جسدي أيضاً. تدحرجتُ على الأرض حتى انطفأت نيراني، ثم نهضتُ رغم الألم المبرح لأطفئ المطبخ بالمطفأة قبل أن ينفجر المنزل.

بعد ساعات، صعدتُ لغرفتي ونظرتُ في المرآة.. صرختُ صرخةً ترددت أصداؤها في أرجاء المنزل؛ لم أكن بشراً، كنت مسخاً! وجهي الأيمن منصهرٌ كالشمع، ويدي اليمنى متفحمة. كنت أبكي وأنا أنادي: "يا نور.. يا نور!".

فجأة، ظهرت "نجمة" من العدم: "لقد فهمتَ قوانين اللعبة الآن، عليك تنفيذ ما تبقى!".

قلت بصوتٍ مخنوق: "لقد أنهيتُ حياة كل من أعرفهم، لم يعد لديّ أحد!".

ضحكت بسخرية: "ما زال أمامك ذبح عصفورٍ يحمل دماءك، وحرق آخر!".

اختفت، ففكرتُ في "عصفور يحمل دمائي".. تذكرتُ زوجة "سمير" التي تبرعتُ لها بدمي؛ هي العصفور، وطفلتها هي التي يجب أن تحترق، وإلا سأظل حبيس هذا الجحيم للأبد. أملتُ أنني بمجرد إتمام ذلك، سأستيقظ لأجد نور تحضر لي الإفطار، ونعيش حياة طبيعية في وسط المدينة.

خرجتُ من المنزل، بعد أن دفنتُ جثة "جميلة" المتفحمة في الحديقة. كنت أرتدي نظارة وطاقية وكمامة لأخفي تشوهي. ظللتُ أسير لساعات، خرجتُ من الشارع الملعون، دخلتُ المنطقة المجاورة وقد غلف الظلام كل شيء. شعرتُ أنني فقدتُ الإحساس بالزمن. كنت أمشي كالميت الحي، أحمل في داخلي كتاباً ملعوناً، وجسداً محترقاً، وخطّة شيطانية لقتل طفلة بريئة.. كل ذلك من أجل كذبة واحدة: *الأمل في العودة إلى ما قبل الكابوس.*

دخلتُ إلى شارعٍ جانبيٍ هادئ، وجدتُ صفاً من السيارات مركونةً على جانب الطريق، فكسرتُ نافذة إحداها وفتحتُ الباب. انطلق الإنذار، لكن قبل أن يصل أي شخص، تمكنتُ من تشغيل المحرك وانطلقتُ بسرعة نحو منزل "سمير".

انتظرتُ قليلاً حتى خرجت زوجته "نهال" تحمل طفلتها "نجمة" لتذهب إلى المسجد لصلاة العشاء. أسرعتُ نحوها، وباغتها من الخلف، كممتُ فمها بيدي اليسرى وهددتها بالسكين التي كنت أحملها بيدي اليمنى. سكتتْ من الرعب وأطاعت أوامري، لكنها حاولت الهروب فجأة ودفعتني. تصارعتُ معها، وبينما كانت تلوح بيدها وتحاول الصراخ، انتبهتُ لفتح النوافذ من حولي. نظرتُ للأعلى، فضربتني نهال على وجهي، فسقطت كمامتي وكادت نظارتي أن تسقط. صرختْ برعب: "ماذا؟! أأنت أسامة؟!".

سمعتُ صرخات الجيران والوعيد من كل جانب، فخُطفتُ الطفلة "نجمة" من بين يديها وركبت السيارة، صرختُ بها: "إن لم تصعدي فوراً سأذبحها!". صرختْ هي: "لا! أرجوك لا تؤذِها!". صعدتْ نهال إلى السيارة، فانطلقتُ مسرعاً. وقبل أن تجادلني، أمسكتُ رأسها وضربته في "تابلوه" السيارة حتى فقدت الوعي. تركتُ السكين من يدي، فالطفلة كانت تصرخ وتضربني بذعرٍ شديد.

كدتُ أصطدم بسيارة أخرى، فلم أكن أرى بوضوح. وصلتُ بالقرب من الشارع الذي سرقتُ منه السيارة، فتركتها وحملتُ "نهال" على كتفي و"نجمة" في يدي كأنها حقيبة، وتوجهتُ نحو "المنزل الملعون". كان الطريق شاقاً ومظلماً، وكنت أخشى أن يراني أحد، لكن الشوارع كانت خالية تماماً.

دخلتُ المنزل الذي تفوح منه رائحة الحريق، ألقيتُ "نهال" على الأرض، ووضعتُ الصغيرة "نجمة" التي كانت فاقدة للوعي بجانبها. توجهتُ للمطبخ باحثاً عن ماءٍ لإيقاظ "نهال"، لكن الصنبور كان تالفاً بسبب النيران. وفجأة، سمعتُ "نهال" تستيقظ، فخرجتُ أحمل السكين. كان الهلع يملأ وجهها، لكنها لم تكن خائفة مني، بل كانت خائفة على طفلتها. حاولت إنعاش الصغيرة بلا فائدة، فتركتها وهجمتْ عليّ بجنون، لم تعد تخشى السكين ولا شكلي المشوه. كانت تضربني بعشوائية، فدفعتها بكل قوتي وضربتُها بظهر السكين على رأسها فسقطت تتألم. لم أستطع تحمل رؤيتها تعاني أكثر، فجذبتها من شعرها وذبحتها! لم أنظر إلى وجهها، ولا لدموعها، فقد رأيتُ وجه "نور" في ملامحها تماماً.

تركتُ جسدها ينتفض، وصعدتُ لغرفتي، فاستقبلتني "نجمة" بفرحة: "أحسنت، والآن عليك حرق العصفور الأخير!". ابتسمتُ بجانب وجهي السليم وقلت: "الآن سأحرق جثمان الطفلة نجمة". ضحكت وقالت: "لا، ليست هي العصفور الأخير، فهي الآن ميتة.. بل أنت هو العصفور الأخير!".

اختفت "نجمة"، فنظرتُ لانعكاسي في المرآة، صرختُ وهربتُ من المنزل. في الشارع، صدمتني سيارة صدمة خفيفة، لكن جسدي المحترق لم يتحمل، فحملني السائق ووضعني أمام المشفى، وهناك حاولو تضميد جراحي وحروقي ظناً منهم انني انسان، لا يعلمون كم الشنائع التي ارتكبتها.

في اليوم التالي هربت من المشفى وذهبت إلى منزل قدري وجلست أكتب لك ما حدث يا سمير لأنني أضعف من أن اواجهك بحقيقة ما حدث وسأضعه في البريد لتعرف الحقيقة، بينما سأنهي اللعنة وأحرق "العصفور الأخير" -أي نفسي- حتى أستيقظ من هذا الكابوس.

.....

انتهت الكلمات في الدفتر فأغلقته، وأطلقت ضحكات قوية حتى ذرفت عيناي الدموع؛ يبدو أنني شغلت عقلي بترهات مجنون! كيف يقول إنه قتل "نهال" بينما عادت هي إلى المنزل بعد حادثة أسامة؟ نهال لم تختفِ، لقد كانت مستاءة مني لا أكثر، وقد مضى على تلك الحادثة عامٌ ونصف! إنه مجنون حقاً، لقد أضعتُ وقتي في قراءة هذا السخف.

اقترب موعد المغرب، استقللت سيارة أجرة نحو المنزل، وحين وصلت وجدت رجال الشرطة يملأن المكان. سألت عن المحقق "محسن عزام"، فأخبروني أنه ينتظرني في المركز. توجهتُ إلى هناك، رحب بي المحقق بحذر، ثم بدأ حديثه:

 * "سمير، أنت صديق أسامة، أليس كذلك؟".

 * "نعم".

 * "لقد علمت من التحريات أن زوجتك مختفية منذ عام ونصف".

   ضحكت بسخرية: "ماذا؟ زوجتي معي في المنزل!".

   تنهد بأسى: "أرجوك يا سمير، كن متعاوناً؛ التحريات تؤكد اختفاء زوجتك وابنتك".

   تحدثت بملل: "يبدو أن الجميع جُنّ جنونه! إذا أردت سماع الجنون فاقرأ هذا الدفتر، وإذا أردت الحقيقة فزوجتي وابنتي في المنزل". أعطيته الدفتر ورحلت.

عدتُ ليلاً، كان المنزل هادئاً بشكلٍ موحش. بحثتُ عن "نهال" و"نجمة" فلم أجدهما. المنزل خالٍ! شعرتُ برعبٍ يمزق أحشائي، أيُعقل أنهما ماتتا؟ جلستُ أبكي أحاول استحضار أي ذكرى تنفي هذا الواقع المظلم. فجأة، أتت نهال مسرعة وضمتني بحنان. مسحتُ دموعي وقلت: "أنتِ لم تموتي، أليس كذلك؟ أنا لست مجنوناً!".

نظرت إليّ بحزن: "سمير، أنت لست مجنوناً، فقط يجب عليك تقبل الواقع. أمهلك الله عاماً ونصف لتتقبل الحقيقة".

صرخت: "تريدين الذهاب، أليس كذلك؟".

أجابت بحنان: "أنا أعيش في قلبك، لكن لا تسمح لعقلك بأن يصنعني كخيالٍ يبعدك عن الواقع.. تقبّل موتي، لا اختفائي".

اختفت نهال، ونمتُ مكاني منهاراً. في الصباح، رنّ هاتفي؛ كان المحقق. سأل بغضب: "أخبرني الحقيقة، هل هي ميتة أم معك؟".

أجبتُ بصوتٍ مخنوق بالبكاء: "لقد ماتت.. لكنني كنت أتمنى عكس ذلك، لذا لم أكن أصدق موتها".

صمت المحقق قليلاً ثم قال: "أنا آسف.. أحياناً يكون الموت أرحم من الحياة".

بعد أن تقبلتُ الحقيقة، تذكرتُ كل شيء؛ لماذا لم تكن نهال تأكل معي، ولماذا لم تكن توقظني من كوابيسي.

تم إخراج جثث "جميلة" و"نور" من الحديقة، وعُثر على جثة سيدة مسنة في قبو المنزل، ماتت اختناقاً بدخان الحريق الذي أحدثه أسامة. تم تشميع المنزل ومنع بيعه.

أما أنا، فقد أصبحت أزور قبر "نجمة" و"نهال" باستمرار. 

خطرت لي فكرة كتابة هذه الرواية، لتكون درساً لكل من يغترّ بوعود الشيطان.

كلمة أخيرة: هذه الحرب بدأت منذ خلقنا وستنتهي بقيام الساعة. احذروا كيد الشيطان، فإنه لا يستسلم ولا يستخدم حيلة واحدة، بل يتلون بألف لون حتى يجعلكم من أتباعه.. وتذكروا دائماً: **"إن كيد الشيطان كان ضعيفاً"**.

تمت بحمد الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية أوراق نجمة

المؤلف نعمة محمد
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة