الفصل الثالث

الفصل الثالث

10 0

التفتت لتنظر إلى "نور" فقد حان دورها، لكن حدث أمرٌ عجيب لم يكن في الحسبان؛ احترقت الأوراق جميعاً وتزلزلت الأجواء، بينما صرخت نجمة: "كفي! كفي! ماذا تفعلين؟". نظرتُ نحو نور، فوجدتها تردد آية الكرسي بصوتٍ متقطعٍ مرتجف، فصرخت نجمة بقوة، وخلف صرختها تردد صوت رجولي غليظ يصرخ: "كفي!". وقعت نور على ظهرها وسالت منها الدماء، حينها شعرتُ بأن طفلي قد مات.

استعدتُ القدرة على الحركة، فحملتها مسرعاً وأردت الرحيل، لكنني التفتُّ لأجد "جميلة" تقول برعب: "اختفت!". نظرتُ حولي فلم أجد أثراً لنجمة، وكأنها لم تكن موجودة قط. ركضتُ إلى المشفى أحمل قلبي بين يدي، وما إن وصلت حتى تسلمها مني الأطباء. بعد قليل، خرج الطبيب ينظر إليّ بأسفٍ بالغ: "لقد فقدنا الجنين، لكن المريضة ستكون بخير".

وقع الخبر عليّ كالصاعقة، جلستُ على الأرض أبكي، فاحتضنتني جميلة وهي تبكي أيضاً. قضيتُ اليوم بجوار نور التي كانت غائبة عن الوعي تحت تأثير التخدير، وقد أخبرني الطبيب أنها تعرضت لانهيار عصبي حاد. اقتربت جميلة وجلست بجواري ممسكةً بيدي تواسيني، فسحبتُ يدي بضيق ونهضتُ مسرعاً للخروج من المشفى؛ أردتُ استنشاق هواءٍ خالٍ من رائحة المعقمات الخانقة.

فجأة، توقفت سيارة أجرة، نزل منها السائق يصرخ طالباً المساعدة. ركضتُ نحوه لأجد سيدةً تصرخ في حالة ذعر؛ كانت حالة ولادة متعسرة للغاية. حملتُ المرأة التي كانت أخف وزناً من نور، وتسلمها مني الأطباء. عندما طالبوا بالتوقيع والدفع، أخبرهم السائق أنه وجدها على الطريق تستنجد، فتبرعتُ أنا بدفع المصاريف والتوقيع على الأوراق.

بعد ساعتين، خرج الطبيب مسرعاً: "نحتاج إلى نقل دم فوراً!". لم أتردد، فقد كنت أحمل فصيلتها نفسها. بعد ساعتين أخريين، خرج الطبيب مبتسماً: "بفضل الله أنقذنا المريضة وطفلتها!".

في اليوم التالي، استفاقت نور مبتسمة، لم تكن تتذكر شيئاً مما حدث، لكنها عرفت بخبر الإجهاض، فبكت طويلاً ثم تقبلت الوضع. اطمأننت عليها، ثم توجهت لزيارة المريضة التي أنقذتها. في طريقي، تذكرتُ كلمات نجمة: "سوف تحمل في يدك طفلة وستطلق عليها اسمي"، فابتسمت بسخرية، كيف يتحقق ذلك ونور قد أجهضت؟ إذن، فكلامها مجرد أكاذيب!

كانت المفاجأة الصاعقة بانتظاري؛ وجدتُ زوج المريضة يجلس بجانبها، لقد كان صديقي "سمير"! ما إن رآني حتى أقبل نحوي يحتضنني بقوة، وزاد امتنانه عندما علم أنني من أنقذ زوجته. قطع الترحيبَ دخولُ الممرضة حاملةً طفلةً وضعتها بين يدي سمير، فضمها بسعادة غامرة، ثم تقدم نحوي بابتسامةٍ وقال: "هيا يا صديقي، أنت من يجب عليه تسمية هذه الطفلة!.

تذكرتُ كلمات "نجمة"، فاتسعت عيناي بذهولٍ ونطقتُ باسمها لا إرادياً، لكن "سمير" سمعني، فضحك قائلاً: "إذاً، سنطلق عليها اسم (نجمة)، يا له من اسم جميل!".

شعرتُ بالخوف وحاولتُ التراجع: "لا، لم أقصد.. هناك أسماء كثيرة مثل عبير أو حنان.. دعني أفكر..".

قاطعتني زوجة سمير بابتسامة: "بل أعجبني اسم نجمة، إنه لطيف!".

ابتسمتُ لهما بفتور مجبراً، ثم استأذنت للرحيل.

تركتهم ومضيتُ نحو قدري المجهول؛ أيقنتُ أنه لا يجب لأحدٍ أن يعلم كيف ستكون أقدارنا، خاصة بعد أن قررت تلك النجمة التلاعب بها. أنهيتُ إجراءات خروج "نور" من المشفى، وعدنا إلى المنزل المشؤوم. لم تكن نجمة موجودة، ولم تسأل نور عنها، ومضت الأيام طبيعية؛ لكن نور كانت تتعامل بهدوء مبالغ فيه، وكأنها نسيت تماماً كل ما جرى أو حتى وجود نجمة من الأساس.

بعد شهرين، كنت أجلس مع نور في غرفتنا، أراقب هاتفي وهي تحدق في الفراغ كعادتها منذ خروجها من المشفى. فجأة، قطعت صمتنا ضحكة قوية أطلقتها نور، فزعتُ ونظرت إليها، لكنها لم تتوقف، بل زادت ضحكاتها حدةً وارتفاعاً.

سألتها بقلق: "حبيبتي، ما بكِ؟".

التفتت إليّ ببطء، كانت ملامحها طبيعية توحي بالسعادة، لكن سرعان ما تبدل حالها إلى نوبة من البكاء والصراخ! كلما صرخت، اهتزت الأرض أسفل اقدامنا وكأنه زلزال. حاولت تهدئتها، والاقتراب منها لكن حين لمست كتفها، دفعني شيءٌ بقوة حتى أطحتُ أرضاً. حاولَت النهوض، لكن اهتزاز الغرفة كان يسقطني مجدداً.

وسط هذا الجنون، بدأت نور تصرخ: "خائنون! تستحقون الموت! لقد خنتني أنتَ وخانتني أختي!".

نهضتُ مستنداً إلى الجدار، نظرتُ إليها فوجدت وجهها قد تبدل؛ عيناها تحولتا إلى بياضٍ تام، ورأيت "نجمة" تجلس بجوارها على السرير تضحك بسخرية! صرخت نور بصوتٍ أعلى، فارتجفت الأرض بقوة أكبر حتى اصطدمت بقطعة زجاج مكسورة جرحت صدري. حاولتُ التماسك وقراءة الآيات القرآنية، بينما كان أثاث الغرفة يحلق في الهواء ويتحطم على الجدران. اغمضت عيني وصرختُ: "يا الله!"، ففجأة.. سكن كل شيء!

فتحت عيني ونظرت حولي فوجدتُ نور نائمة بسلام، وعاد الأثاث لمكانه، والزجاج المكسور يملأ الغرفة.

قمتُ بتعقيم جرحي السطحي، وتوضأتُ وصليتُ فوق حطام الزجاج والدموع في عينيّ، ثم رتبتُ الغرفة وكأن شيئاً لم يكن.

وجلست إلى جوارها وبينما كنت أتأمل وجهها الساكن، رنَّ المنبه؛ فزعتُ من الصوت وقفزتُ من على السرير، فضحكت نور ببراءة: "لماذا أنت خائف كالأطفال؟".

ارتاح قلبي قليلاً لعودة الأمور لطبيعتها، لكن حينما نظرت إليّ، تغيرت نظراتها إلى الفزع وقالت: "ما هذه الدماء على صدرك؟".

أدركتُ حينها أن الجرح لم يكن حلماً! حاولتُ طمأنتها بأنني جرحتُ نفسي بكسر إبريق، لكنها كانت تلامس جرحي بيدين دافئتين وهي تبكي: "أرجوك اعتنِ بنفسك، لم يعد لي أحدٌ سواك.. حتى أختي جميلة لم أعد أطيقها!".

سألتها بدهشة: "لماذا تقولين هذا؟".

بكت بحرقة وتحدثت بخوف: "أشعر أنها تكرهني منذ عدتُ من المشفى؛ تعاملني بقسوة، تجلس في غرفتها تصدر أصواتاً غريبة، أراها تقف خلفي في المطبخ ثم لا أجد أحداً، وأحياناً أراها في الحديقة الخلفية بلا ملابس! أنا خائفة، سأجن إن لم أكن قد جُننت بالفعل!".

ارتمت في أحضانِي تبكي، فأخبرتها أنني أصدقها وأننا سنستعين بمن يفهم في هذه الأمور. خرجت لتحضر الإفطار، بينما ارتديتُ ملابسي وقررتُ أخذ إجازة من العمل؛ فقد حان الوقت لأراقب الوضع بنفسي وأعرف: من التي تصدر منها هذه الغرائب.. نور أم جميلة؟

قطع قراءتي صوت مكابح السيارة وهي تنزلق بعنف؛ دارت السيارة حولي وأنا أتخبط في مقعدي، وصوت صراخ السائق يملأ المكان. بعد دقائق توقفت السيارة تماماً، نظرت إلى السائق وسألته بذهول: "ماذا حدث؟".

أجابني بأنفاسٍ مضطربة: "أقسم لك، رأيت طفلة تقف أمام السيارة، وما إن ضغطت على المكابح حتى اختفت!

حاولت أن اهدء روعه لكنه نظر إلي بفزع وقال: لا أستطيع إيصالك، أشعر أنك ملعون".

لم أُجادله؛ ترجلتُ من السيارة بصمت وتوجهتُ إلى أقرب مقهى، عاقداً العزم على إكمال قراءة الدفتر. دق هاتفي برقم المحقق، فأخبرته أنني سأتأخر بسبب حادث بسيط، ففاجأني بهدوئه الغريب وطلبه أن آخذ وقتي، رغم أنه كان متعجلاً بالأمس! تجاهلت الأمر واتصلت بنهال لكنها لم تجب، فأعدت الهاتف لجيبِي وأكملت القراءة:

"استيقظتُ صباحاً، وطلبت من نور أن تطلب من 'جميلة' النزول لتناول الإفطار. نظرت إليّ نور بقلق لكنها لم تتحدث وذهبت إلى غرفة جميلة، لكن بعد دقائق سمعت صراخها يمزق الصمت.

ركضت نحو الصوا واقتحمت الغرفة لأجد نور تحتضن جميلة العارية تماماً، كانت تصرخ وتستغيث. سارعتُ بتغطيتها، لاحظت أن وجهها أسود تماماً كأنها لطخت بالفحم، وفي جبهتها حرقٌ يأخذ شكل نجمة خماسية. دخلت نور في حالة همهمة غريبة وكأنها ترتل القرآن، ثم انتفض جسد جميلة بقوة، وخرج دخان أسود من فمها، قبل أن تفتح عينيها وتعود لوعيها.

عشنا يوماً غريباً، وصورة جميلة بجسدها العاري لا تفارق خيالي، لذلك قررت الخروج للسير قليلاً حتى أشتت عقلي واتمالك اعصابي.

عدتُ في المساء لأجد المنزل هادئاً، بحثت عن نور فلم أجدها، صعدت للغرفة فوجدتها نائمة، اقتربتُ منها فخُيّل لي للحظة أنها جميلة، تراجعتُ مرعوباً لأدرك أنها نور. خرجتُ مشوشاً، ومررت بغرفة جميلة، طرقت الباب فدعتني للدخول. لا أدري كيف حدث ما حدث، شعرتُ وكأنني فاقد للإرادة، وكأن هناك قوة خفية دفعتني لخيانة نور مع أختها.. لعنتُ نفسي وخرجت هارباً إلى الحديقة.

بعد قليل، أتت إلي جميلة في الحديقة وواجهتني قائلة: 'لقد سلبتني عذريتي، والآن لا يجب أن أكون لأحد سواك!'. نظرتُ إليها باشمئزاز وأجبتها: 'أنتِ خادعة، وأعلم أنكِ لستِ عذراء من الأساس!'.

ضحكت بسخرية وقالت: 'إذن أخبر نور كيف علمت بذلك!'.

استشطت غضباً ونعتها بالعاهرة، فصرخت: 'زوجتك هي العاهرة! أنا أحبك، أما هي فعشيقة مروان!'. صفعتها بقوة حتى سقطت، وحذرتها من ذكر اسم نور، لكنها واصلت قائلة: 'راقبها، إنها تتحدث مع مروان ليلاً نهاراً، وقد قابلته بالأمس!'. لم أعد أتحمل، تركتُ المنزل مسرعاً وهربتُ من ذلك الشارع الملعون".

كنتُ في غاية التوتر والغضب، لم أكن أعلم إلى أين أذهب، لكنني فضلتُ الابتعاد تاركاً كل شيء خلفي؛ كنتُ مجهداً وخائفاً، حتى من العودة إلى المنزل. لكنني فجأة تذكرت "نور"، وتذكرت خوفها من "جميلة"، فعدتُ ركضاً، خائفاً من أن تصيبها جميلة بأذى.

حين وصلتُ، وجدت الأجواء هادئة بشكل مريب؛ اقتربتُ من غرفتنا وقبل أن أدخل، سمعت صوت نور تتحدث في الهاتف:

* "أنا أعتمد عليك الآن، فأنا ليس لي سواك.. حسناً سأفعل.. مروان، أرجوك كن حذراً.. مروان، أنا أحبك.. في حفظ الله".

انقطع الصوت، وشعرتُ وكأن قلبي قد مُزق إرباً. كيف فعلت ذلك بي؟ كيف؟! طرقتُ الباب فلم تجب، فدخلتُ ببطء لأجدها نائمة كالأطفال. جلستُ أتأمل وجهها الملائكي، لم أرد التصديق، فاستلقيتُ بجوارها هارباً من الحقيقة، حتى استيقظتُ بعد ساعة لأجد الفراش خالياً. ركضتُ أناديها في كل ركن، وخرجت إلى الحديقة الخلفيه للمنزل حين استسلمتُ للانهيار اقتربت مني جميلة مبتسمة وقالت: "ألم أقل لك؟ لقد ذهبت نور لمقابلة مروان!".

نظرتُ إليها بغضبٍ لكن لم أجد رد، فقد كانت محقة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية أوراق نجمة

المؤلف نعمة محمد
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة