الفصل الثاني

الفصل الثاني

12 0

"في يومٍ كنتُ منشغلاً في العمل كثيراً، حتى قضيتُ منتصف الليل وأنا أعمل، فقطع تركيزي رنين هاتفي. التقطته لأجد أن "جميلة" هي من تهاتفني، فأجبتُ مسرعاً، فأتاني صوتها مرتعشاً خائفاً:

 * أرجوك يا أسامة، تعال إلى المنزل حالاً!

   سألتها بلهفة:

 * ماذا حدث؟

   قالت بصوت يملأه الرعب:

 * وجدنا امرأة غريبة في المنزل، ترفض الخروج، و... و...

انقطع الخط، فتسارعت أنفاسي وركضتُ مسرعاً نحو الطريق العام. بعد محاولات كثيرة فاشلة، توقفت لي سيارة، فطلبتُ من السائق أن يوصلني إلى المنزل مقابل أي مبلغ يطلبه. لكنه، بمجرد أن أخذ النقود، أنزلني عند الشارع الذي يسبق شارعنا؛ فقد كان خائفاً من التوقف أمام بيتنا.

ركضتُ مسرعاً إلى المنزل، وجدتُ الباب مفتوحاً، فدخلت لأسمع صوت شجار يأتي من غرفة نومي في الطابق الثاني. صعدتُ السلم مسرعاً لأجد "جميلة" تصرخ بغضب وتحاول الإفلات من يد "نور" لتضرب فتاةً تقف في ركن الغرفة، بينما كانت نور تقف بينهما تحاول تهدئتهما.

أخذتُ نفساً عميقاً وصرخت:

 * أخرسوا!

توقف الشجار فجأة، وظلت الفتيات الثلاث ينظرن إليّ. حينها تأملتُ الفتاة الغريبة؛ كانت جميلة جداً، ذات شعرٍ أصفر يتدلى على كتفيها، وعينين ذهبيتين لامعتين بالدموع، وشفتين تشبهان حبات الكرز.

نظرت إليّ بعمق فشعرت وكأنها تنفذ إلى أعماق روحي. شتتُّ انتباهي عنها، وعدتُ لغضبي قائلاً:

 * من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا؟

فأجابت بصوتٍ مبحوحٍ لم أسمع مثله من قبل:

 * أنا "نجمة"، وهذا هو منزلي.. ماذا تفعلون أنتم فيه؟

تجادلتُ معها قليلاً، فأخرجت عقوداً ومستندات رسمية أثبتت أنها مالكة المنزل وعلمت أنني وقعت ضحية عملية نصب محكمة، وأن عملية شرائي للمنزل كانت وهمية. صمت الجميع، وجلستُ على حافة السرير يائساً، أحدث نفسي: "ماذا سأفعل الآن؟ لقد تركتُ عملي مع سمير، والآن بالكاد أوفر ثمن الطعام لي ولأسرتي".

جلست "نور" بجواري وأمسكت بيدي قائلة: "لا تحزن، سوف نجد منزلاً جديداً".

نظرتُ نحوها بغضبٍ وقلت: "أي منزل جديد؟ هل أنتِ حمقاء؟ هل تظنين أن معي ما يكفي لذلك؟".

لمعت الدموع في عيني نور بصمت، سحبت يدها ونظرت إلى الأرض. كنت أشعر وكأنني أقرأ أفكارها التي تقول: "ليتني تزوجتُ مروان"، فرمقتها بنظرات حادة.

هنا تحدثت "نجمة"، التي كانت تقف أمام المرآة ترتب ملابسها وتتأمل نفسها: "يا أنت، ليس لدي أي مشكلة في أن تعيشوا معي في هذا المنزل دون مقابل، فقط وفروا لي غرفة، وأن أشارككم الطعام. هل توافق؟".

سارعتُ بالقول: "أجل، موافق!".

نظرت إليّ "نور" بقلق وكأنها تريد تحذيري من شيءٍ ما، لكنني لم أعرها أي اهتمام، بينما كانت "جميلة" تبتسم بوضوح.

بعد ساعتين، خلدت نجمة إلى غرفتها، وكذلك جميلة. كنت أجلس في غرفتي أدون ملاحظاتي وأرتب جدول أعمال الغد، بينما كانت نور تستحم. بعد قليل، خرجت نور وهي ترتدي فستاناً قصيراً من الحرير البنفسجي يصل إلى ركبتيها، وظلت واقفة أمام المرآة تصفف شعرها. كانت في نظري أجمل النساء، وحين التفتت إليّ، أشحتُ بنظري إلى هاتفي متظاهراً بعدم الاهتمام.

تقدمت نحوي ووقفت أمامي تتنفس بسرعة، فعلمتُ أنها غاضبة. نظرتُ إليها وسألتها: "ماذا؟".

أجابت بحدة: "ماذا؟ هل هي أجمل مني؟".

نظرتُ إليها بعمق، وحدثت نفسي: "بل أنتِ الأجمل"، لكن كبريائي منعني، فقلت ببرود: "من تقصدين؟".

قالت بغضبٍ أكبر: "نجمة! تلك الفتاة الغريبة التي ستقيم معنا.. أنا أفضل النوم في الطريق على الإقامة معها في بيتٍ واحد، لتتجول أمام عينيك وتنظر إليك".

وقفتُ أمامها بسرعة، اقتربتُ حتى تلاقت أعيننا وتصادمت أنفاسنا، وقلت: "ماذا؟ هل تغارين منها لأنها أجمل منكِ؟".

قالت بقوةٍ وتحدٍ: "أجل، أغار! ولكن ليس لأنها أجمل مني، بل لأنني أحبك!".

تلك الكلمة التي طالما تمنيتُ سماعها من نور! الآن، أنظر إلى عينيها ولا أرى مروان فيهما. رجف قلبي بشدة وقلت بصوت متقطع: "ماذا قلتِ؟".

توترت نور وأرادت الابتعاد، لكنني جذبتها بقوة وضممتها إليّ. نظرت في عينيّ عن قرب وقالت: "أحبك.. أحبك يا أسامة".

لم أتمالك نفسي فقبلتها، ثم قلت لها: "لم أكن أتوقع أن يأتي هذا اليوم".

صمتت قليلاً ثم أردفت: "لا تخف، فأنا لن أنظر إلى نجمة، ولن أنظر إلى أحد غيرك".

توالت الأيام ومضى شهر، وكانت "نجمة" بيننا بمثابة "جميلة" بالنسبة إلي، بينما كانت "نور" تغار منها كثيراً. تحسنت علاقتي بنور بشكل كبير، ثم علمتُ بحملها فغمرتني سعادة لا توصف.

لكن ما لم أكن أفهمه هو سر غيرة "جميلة" عليّ من نجمة، وغيرتها عليّ من نور أيضاً؛ وهو أمرٌ لم أعر له اهتماماً.

في أحد الأيام، كنت في المطبخ أحضر عصيراً لنور؛ فقد كانت ضعيفة جداً، وفجأة شعرتُ بيد تلمس ظهري، ظننتها نور، فاقتربت مني أكثر، التفتُّ مبتسماً لأجد "جميلة" اقتربت مني بسرعة وقبلتني بقوة! دفعتها مبتعداً، تملكني شعور بالقرف الشديد منها ومن نفسي، ركضت هي إلى غرفتها باكية قبل أن أنطق بكلمة. أخذت العصير وذهبت لغرفة نور؛ قدمته لها فابتسمت وقالت: "أريد أن أخبرك بشيء، لكن لا تغضب". شعرتُ أنه من المستحيل أن أغضب منها فهي "العصفور الجريح" في هذه القصة، فبلعت ريقي وقلت: "ماذا؟ أخبريني ولن أغضب".

قالت ببراءة شديدة: "كنت أحب مروان قبل أن أعرفك، لكن منذ تزوجنا أدركت أنني لم أحب أحداً قبلك؛ فما شعرت به معك لم أشعر به مع غيرك. كنت أظن أن حبي لمروان يتلاشى مع الشجار، لكن معك، حتى في لحظات قسوتك، كنتُ أجد لك الأعذار".

ابتسمتُ بحزن واحتضنتها، كانت تلك الكلمات بلسماً لقلبي.

كنت أشعر طوال الليل وكأن عيوناً خفية تراقبنا. مع بزوغ الفجر، ارتديت ملابس العمل وخرجت بهدوء، وما إن التفتُّ حتى اصطدمت بنجمة؛ كانت تقف مبتسمة كعادتها قائلة: "من ماذا تهرب أيها العصفور؟". ضحكتُ وأردتُ تبرير موقفي، لكنها اختفت فجأة وكأنها تبخرت في الهواء، تملكني الفزع وذهبتُ مسرعاً للعمل وأنا أحدث نفسي: "ربما أتوهم".

مضى اليوم مليئاً بالتخيلات المخيفة؛ كنت أرى نجمة تقف أمام مكتبي فتختفي، وأرى أشخاصاً بوجوه سوداء يحيطون بي. وعندما ذهبتُ لأغسل وجهي، نظرتُ إلى المرآة لأرى شخصاً يشبهني تماماً، لكنه يرفض قانون الانعكاس؛ كان لا يتحرك معي، بل يفعل ما يحلو له! خرجتُ مسرعاً مذعوراً.

عدتُ للمنزل مرهقاً، ففوجئت بنور وجميلة ونجمة قد نظمن حفلة لعيد ميلادي. انخرطتُ في الحفل وضحكتُ من قلبي حين علمتُ أن الترتيب كان فكرة نجمة. وعندما تخطت الساعة منتصف الليل، أخبرتنا نجمة أن نجلس في دائرة...

قطعتُ قراءتي بسبب رنين هاتفي الملح؛ كان رقماً غير مسجل. فتحتُ الخط فسمعت صوتاً رجولياً يقول: "هل أنت سمير عبد السلام محمد الهادي؟". أجبت بتوتر: "أجل".

كانت "نهال" تقف أمامي تحمل "نجمة" النائمة وتنظر إليّ بقلق. عاد صوت المتصل ليقول: "أنا ضابط المباحث محسن عزام، المسؤول عن قضية المنزل الذي عثرت على الجثث بداخله. أريد منك الحضور فوراً لتمثيل الحادثة، وإلا جئنا لأخذك!".

أجبتُ بسرعة: "بلى، أنا قادم!". وأغلقت الخط

نظرت إليّ نهال بخوف وقالت: "أرجوك لا تذهب!".

سألتها بقوة: "لماذا تقولين هذا؟".

قالت بدموع منهمرة: "أخاف أن تعرف شيئاً يجرح قلبك".

ضممتها لتهدئتها، ثم تركتها ورحلت. كان الزاماً عليّ الذهاب، واصطحبت معي الدفتر لأكمل قراءته في الطريق. ما إن استقليت سيارة الأجرة، حتى فتحت الدفتر على عجل وبدأت القراءة.

أخبرتنا "نجمة" أن نجلس في دائرة وأن نفعل ما تأمر به؛ فهذا هو الجزء الأهم في "لعبتها". جلست أمامنا لتغلق حلقة الدائرة، وبدأت تقول بصوتٍ خافت: "هذه اللعبة تُدعى (أوراق نجمة)، صنعتها جدتي، وهي لعبة استبصارٍ وتنجيم تكشف ما وراء الجدران وترينا القدر".

أردت مقاطعتها، فحديثها كان غريباً ومرفوضاً تماماً بالنسبة لي، لكنها نهضت فجأة ولم تسمح لأحدٍ بالحديث، دارت حولنا ثلاث دورات ثم جلست. حينها، أمسكت "نور" بيدي بقوة من شدة الخوف، فأطبقتُ يدي على يديها لأمنحها الأمان.

ضحكت نجمة ونظرت إلينا قائلة: "لقد أوقعتكم في فخ الشيطان، لكن لا تخافوا، فلن يمسكم مني ضرر". شعرتُ برهبةٍ تجتاح كياني، أردت النهوض لكنني لم أستطع الحراك؛ نظرت إلى نور و"جميلة" فوجدتهما في حالة هلعٍ تام، عاجزتين عن الحركة. شعرتُ حينها أنني في كابوسٍ لا مفر منه وتمنيت في داخلي أن يكون الأمر بأكمله مزحة سخيفة من نجمة.

أخرجت نجمة كروتًا تشبه أوراق "الكوتشينة" لكنها أكبر حجماً وذات رسوماتٍ غريبة. طلبت من جميلة أن تسحب ثلاث أوراق، ترددت جميلة ثم فعلت. طلبت من نور، فرفضت الأخيرة بخوفٍ شديد، فنظرت إليها لتفعل أملاً في أن تنتهي هذه "المهزلة". ثم طلبت مني الشيء نفسه، ففعلتُ، وجلسنا ننتظر بقلقٍ وذهول. كانت نجمة تبتسم ببرودٍ مرعب، ثم قالت: "ثلاث أوراق؛ الأولى للماضي، والثانية للحاضر، والثالثة للمستقبل".

كانت جميلة ترتجف، وحين قلبت نجمة ورقة الماضي الخاصة بها، ضحكت ضحكة ساخرة وقالت: "كنتِ تحبين ذاك الأحمق!" وأشارت نحوي. ارتعشت يد نور بين يدي، ثم تابعت نجمة: "استمتعتِ بالقبلة، أليس كذلك يا أسامة؟".

سحبت نور يدها مني، ونظرت إليّ بدموعٍ منهمرة مصدومة، بينما نظرتُ أنا بغضبٍ نحو نجمة الضاحكة، في حين كانت جميلة قد اصفرّ وجهها وكأنها تحتضر.

عادت نجمة لتقلب الورقة الثانية (الحاضر) وقالت: "حلمكِ الآن أصبح بعيداً، وقد نما في قلبك الشر والحقد؛ ما كان ماضياً تودين تحقيقه في المستقبل". نظرتُ إلى نور، وجدت وجهها شاحباً، تنظر إلى أختها بانكسار، تتمنى أن تنفي جميلة كل ما قيل، لكن ملامح وجه جميلة كانت تفضح باطنها.

أمسكت نجمة بورقة المستقبل، فصرخت جميلة: "كفي!". ضحكت نجمة بهيستيريا ونظرت إليها، فإذا بعينيها تتحولان إلى اللون الأبيض تماماً، وقالت بصوتٍ ليس صوتها، بدا كمجموعة من الأفاعي تتحدث في آنٍ واحد: "أنا فقط من يقول كفي!".

تراجعت جميلة بخوف، فقلبت نجمة الورقة وقالت: "جميلة.. للأسف ستقتلين أقرب الناس إلى قلبك بيدكِ النظيفة التي لن تلوثها دماءٌ سوى دمائك. مستقبلكِ أسود، يشع بالبغضاء والكراهية والدماء المتفحمة المشتعلة بنيران الغيرة". وقعت كلماتها على مسامعنا كطلقات الرصاص.

لم تكترث نجمة لنور التي أصابها الشحوب، بل التفتت إليّ قائلة: "حان دورك يا أحمق!". قلبت ورقة الماضي ونظرت إليّ بابتسامة ساخرة: "ألم يكن شقيق صديقك؟ ألم تعتبره شقيقك الأكبر؟ لقد سرقت عمره وعشقه، وجعلته طريح الفراش في المشفى، ولم تخبر نور حتى بحاله!".

لم تنظر إليّ نور، بل ظلت مطأطئة الرأس. كنت خائفاً عليها، بينما استمرت نجمة في تقليب ورقة الحاضر وقالت لي بنظرة مخيفة: "استكانت نيران الغيرة والحقد.. والآن، ستشتعل نيران الخيانة والعشق المحرم".

كانت كلماتها تنهش روحي، وكأنني على يقينٍ بأن كل ما تقوله حقٌ مبين. قلبتْ ورقة المستقبل، ضحكت ضحكةً مرعبة وقالت: "سوف تحمل في يدك طفلةً، ستطلق عليها اسمي، وستذبح عصفورين؛أحدهما يحمل دماءك،  وستحرق ثلاثة!".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية أوراق نجمة

المؤلف نعمة محمد
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة