مضى أسبوع من المراقبة المستمرة، كنت أراها تخرج وتلتقي به، تضحك وتتحدث معه في الهاتف، بينما تتعامل معي ببرودٍ قاتل وكأنها تريد دفعي للجنون. حينها، لجأتُ إلى من كانت تتمنى دوماً أن ألتفت إليها. ذهبتُ إلى غرفة جميلة، طرقتُ الباب فسمعتها تقول: "ادخل يا أسامة". دخلتُ فوجدتها ترتدي ملابس تكشف أكثر مما تستر، وشعرتُ حينها بانجذابٍ غريب يجتاح قلبي تجاهها.
قلت لها: "كنتِ محقة، نور خائنة".
فتحت ذراعيها، فأرتميتُ في حضنها، همست: "لا عليك، لقد فضلتها عليّ رغم معرفتك بحبي لك، والآن يمكنك تصحيح المسار". بدموع الانكسار، قلت: "أنا آسف".
قالت بحقدٍ دفين: "أستطيع الانتقام لك، سأجعل مروان يلعن اليوم الذي خُلق فيه دون أن يدرك أحدٌ تدخلك".
رفعتُ وجهي وسألتها بغضب: "افعلي ما بوسعك، ليتألم وليحترق قلبه كما أحرق قلبي!".
قالت بثبات وثقة: "اخرج ولا تفتح الباب مهما سمعت".
خرجتُ وقلبي يقفز من الرعب، لكن الغضب كان يغطي على كل شيء.
جلست في الأسفل، وسمعت صرخات جميلة بكلماتٍ غريبة، اهتزت جدران المنزل بعنف، ثم انطفأت الأنوار وانغمس البيت في ظلامٍ دامس، ثم عاد النور فجأة.
توجهتُ نحو غرفتها، كانت السخونة تنبعث من خلف الباب وكأن الغرفة تحترق. دخلتُ لأجد جميلة فاقدة الوعي، عارية، منقوشاً على جسدها رموز غريبة، وفي جبينها نقشٌ لثلاثة أشكال متداخلة. اقتربتُ لألمسها ففتحت عينيها بنظرةٍ أرعبتني، ثم شهقت بقوة وخرج دخانٌ أسود من فمها. استعادت وعيها وقالت بصوتٍ متهدج: "لقد أنهيت المهمة؛ سيلازمه الألم والمعاناة حتى يتوسل إلى الموت أن يريحه، سيحترق يومياً حتى يفنى!".
مضت الأيام وتغير كل شيء؛ أصبحت "جميلة" تتجول في المنزل بنشاطٍ مريب، رغم أن وجهها كان يزداد بشاعةً يوماً بعد يوم بفعل تلك النقوش والندوب التي تظهر عليه. في المقابل، احتجزت "نور" نفسها في غرفتها، غارقة في بكاءٍ لا ينقطع، رافضةً للطعام وللحديث معي. لم أعد أطيق النظر إليها، فتركتها تماماً وانغمست في علاقتي بجميلة، التي أصبحت زوجتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بينما كانت نور تعيش في عالمها الخاص من الحزن.
بعد شهرٍ من انتظامي في العمل، اتصل بي صديقٌ يقيم بالقرب من منزل "سمير"، ليزفّ لي الخبر الصاعق: "مروان أحرق نفسه ببشاعة! كان يذبح نفسه بسكين بينما تأكله النيران!". المفترض أن هذا ما أردته، لكن بدلاً من الشعور بالانتصار، تسلل الخوف إلى قلبي؛ "جميلة" ليست مجرد امرأة، إنها شيطانٌ قادرٌ على تحويل حياة أي شخص إلى جحيم. ماذا لو قررت أن تفعل لي الشيء ذاته ماذا سيمنعها؟
عدتُ إلى المنزل، وما إن فتحت الباب حتى وجدتها تنتظرني بنظرة خبيثة. كان المشهد أمام عيني كابوساً؛ "نور" مكبلة الأيدي ومكممة الفم، تنظر إليّ بعينين تفيضان بالدموع وتوميء برأسها نحو الباب، وكأنها تتوسل إليّ للهرب.
قالت جميلة ببرود: "أسامة، أريد منك رد الجميل".
سألتها برعب: "ماذا تريدين؟".
أجابت بكل قسوة: "اذبح نور، وألقِ بجسدها في الحفرة الموجودة في الحديقة، ثم اردمها. هذا كل شيء".
صرختُ: "هذا مستحيل!".
ضحكت بسخرية وقالت: "إن لم تفعل أنتَ، سأفعل أنا.. وسأقتلك كما قتلت مروان!".
شعرتُ حينها بخوف على روحي وبغضب أعمى من نور، فاقتربتُ منها رغم صراخها وتوسلاتها، حملتها وخرجت بها إلى الحديقة، ألقيت بها في الحفرة، ولسببٍ لا أعلمه، نزعتُ اللاصق عن فمها، ربما لأنني أردت سماع اعترافها بذنبها.
قالت وسط بكائها: "أرجوك لا تستمع إليها! هي المخادعة، هي من جلبت 'نجمة' إلينا، هي من سممت أفكارك!".
صحتُ بغضب: "أنتِ الخائنة! ذهبتِ لمقابلة مروان، خنتني!".
نظرت إليّ بمرارة وقالت: "لم أخرج من هذا المنزل منذ زواجنا إلا معك! أنا لا أعرف الطريق أصلاً! وإن تحدثنا عن الخيانة، فأنت وجميلة الخائنان، رأيتكما معاً أكثر من مرة..
صرخت فيها: أصمتي
نظرت إلي بحسرة قائلة: "أنا أكرهكما!".
لم أتحمل كلماتها، شعرت أنها ستستمر في الحديث عن حبها لمروان، فأمسكت بالرفش لأردم الحفرة، لكن جميلة قاطعتني: "يا أحمق، قلت لك اذبحها!". مدت لي السكين، وبلا وعيٍ، أمسكتُ رأس نور، سحبتُ شعرها، وذبحتها.. كانت عيناها في عينيّ، تبكي باستسلام، وتنطق الشهادتين حتى فارقت الحياة. ألقيتُ بالسكين في الحفرة وردمتها حتى لم يبقَ لها أثر.
بعد أن انتهيتُ، سرى الخدر في عروقي وسقطتُ أرضاً. حينها فقط، تجلى حجم الكارثة أمام عينيّ؛ تلاشت الغشاوة، انطفأ غضبي، وبقيت الحقيقة المرة: "لقد ذبحتُ نور.. نور التي أحببتها!". أغمضتُ عينيّ، فترددت في ذاكرتي كلمات "نجمة" كأنها لعنة أبدية:
*"جميلة.. ستقتلين أقرب الناس إلى قلبكِ بيدكِ النظيفة التي لن تلوثها دماءٌ سوى دمائك.. ستشتعل نيران الخيانة.. سوف تذبح عصفورين، أحدهما يحمل دماءك، وتحرق ثلاثة!"*.
لقد أحرقَت مروان، وذبحت عصفورتي نور.. فماذا بعد؟ صرختُ في جنونٍ باحثاً عن مخرجٍ من هذا الجحيم. نهضتُ والشرر يتطاير من عينيّ، وتوجهتُ نحو غرفة "جميلة"؛ كنتُ أود تمزيقها، الانتقام منها، قتلها! وما إن اقتحمتُ غرفتها حتى أُغلق الباب من تلقاء نفسه. حاولتُ فتح المقبض، لكنه كان كالصخر، ثم شعرتُ بيدٍ باردة تمسك بكتفي وتديرني نحوها.. كانت "نجمة".
اتسعت عيناي من هول المفاجأة، تجمد لساني في حلقي. ضحكت نجمة بصوتها المبحوح وقالت:
* "أسامة، لا يوجد أمامك أحدٌ سواي لينقذك من هذا المأزق. جميلة الآن تعدُّ لك العدة لتنتقم منك على كسر قلبها في الماضي، وستفعل بك ما فعلت بمروان".
ما إن نطقت اسم "مروان" حتى اقشعرَّ جسدي. تذكرتُ ما فعلته به؛ لم أدمره فحسب، بل حطمته وأنهيتُ حياته، وجعلته يعيش ما هو أصعب من الموت. ذرفتُ دموعاً تحرق وجنتي وقلتُ بصوتٍ خافت:
* "آسف.. لكن أسفي لا يكفي! ماذا عليّ أن أفعل؟ أرجوكِ ساعديني، أنا لا أريد الموت!".
ضحكت نجمة بسعادة غامرة، اقتربت مني ووضعت يدها الجليدية على صدري، نظرت في عينيّ بعمقٍ وقالت:
* "افعل ما آمرك به.. بدون تردد، وبدون جدال"
نظرتُ إليها بأسىً وكسرة: "لقد تحققت أجزاءٌ من نبوءتك؛ فقد ذبحتُ عصفورتي التي كانت تحمل دمائي، وأحرقتُ مروان بغبائي وغضبي وغيرتي اللعينة".
ابتسمت "نجمة" بحنانٍ مريب وقالت: "لقد أحرقتَ مروان، نعم.. لكنك لم تذبح العصفورة، فقد ذبحتها 'جميلة' بيدها التي لن تلوثها دماءٌ سوى دمائها، وعليك الآن أن تنتقم منها".
فجأة، انفتح باب الغرفة، التفتُّ خلفي لأجد "جميلة" تحمل أكواماً من الأوراق والأخشاب. وضعتها على الأرض ونظرت نحوي بصرامة: "سأخرج لجلب بقية الأشياء، وعند عودتي لا أريد أن أراك هنا!".
خرجت جميلة، فبدأتُ أبحث عن نجمة؛ كنتُ أشعر بوجودها في الغرفة، انبطحتُ أرضاً لأنظر أسفل السرير، لكنني لم أجدها.. وجدتُ بدلاً منها كتاباً ضخماً قديماً. حملته وخرجتُ مسرعاً نحو غرفتي.
أغلقتُ الباب بإحكام وجلستُ على السرير، دقَّ قلبي بعنف وكأنه يوبخني: *"أين نور؟ ماذا فعلتَ بها؟ لم أكن أعلم أنك بهذا الكم من القسوة! ردمتها منذ قليل والآن تجلس على سريرها وتقرأ في هذا الكتاب الأحمق؟"*.
وضعتُ يدي على صدري وبكيتُ بمرارة: "أنا آسف.. لكن عليّ أن أجد مخرجاً! ماذا تريد مني أن أفعل؟".
أجابني ضميري بصرخةٍ مكتومة: *"عُد إلى نور.. أنا أحتضر! ليتك احترقتَ قبل أن تفعل هذا بي..."*.
أسكتُّ قلبي وضميري، جففتُ دموعي القاسية، ونظرتُ إلى الكتاب الذي أمامي؛ كان عنوانه يلمع بنورٍ خافت: "نجمة الزمان ولعنة الجان".. بقلم الكاتب: "أشهب النمرودي".
فتحتُ الكتاب بلهفة، فكانت المفاجأة الصاعقة: الكاتب "أشهب النمرودي" ليس بشراً، بل هو من أبناء الجان، وقد أملاه على رجلٍ يدعى "سيف الدين معتصم". عرفتُ هذا الاسم؛ إنه المالك الأخير للمنزل الذي مات قبل أربعين عاماً. أدركتُ حينها فداحة كذبتي؛ فأنا لم أشترِ المنزل، بل زورتُ أوراق الملكية بعد أن اكتشفتُ خلوه من الورثة، ظناً مني أنني أقتنص فرصة العمر، فإذا بي أقتنص اللعنة!
لن أغرق في تفاصيل الكتاب الطويلة، لكن الحقيقة كانت أشد قسوة: سيف الدين كان رجلاً ثرياً، زوجته وامها كنَّ يمارسن السحر الأسود وتسخير الجان، وكان هو مجرد خادمٍ ذليلٍ لهنّ خوفاً من بطشهن. بعد سجن الأم وموت الجدة، هرب سيف الدين بابنته إلى هذا المنزل، لكن "نجمة" أطلقت العنان لطغيانها، فأرعبت سكان الشارع حتى هجروه، ومن بقي منهم انتحر حرقاً.
تلك الأفعال أغضبت ملوك الجان، فاجتمع ثلاثة منهم وجمعوا قوتهم، فانقلب المردة على "نجمة" وأسروها في قبوٍ تحت المنزل، يعذبونها يومياً لانتزاع سر سيطرتها عليهم. وفي طيات المجلد، وجدتُ ورقةً كتبها "سيف الدين" يعبر فيها عن ندمه، وأرفق بها تعويذةً تطلق سراح "نجمة" لتحقق أمنيات من يقرأها، شرط أن يكون المنفذ امرأةً "غير عذراء" أو رجلاً "زانياً".
هنا تكشفت الحقائق؛ "نور" كانت محقة، و"جميلة" هي من جلبَت نجمة، وهي من تستخدمها لتصنع جحيمنا. أدركتُ حينها أن "نجمة" ليست عدوي، بل هي طوق النجاة الوحيد من كيد "جميلة".
قطع تفكيري طرقاتٌ على الباب؛ كانت جميلة. أخفيتُ الكتاب بسرعة تحت السرير وفتحتُ الباب. نظرت إليّ بغضبٍ وقالت: "لماذا كان الباب مغلقاً؟".
تجاهلتُها وعدتُ لأجلس على السرير مطأطئ الرأس: "لا أريدك أن تريني وأنا أبكي".
اقتربتْ بسرعة وجلست أمامي: "انسَ ما حدث، وإلا جعلتك تنسى بأسلوبي الخاص، كما فعلتُ مع نور حين استفاقت في المشفى!".
نظرتُ إليها بذهول: "أنتِ من محوتِ ذاكرتها؟".
ضحكت ببرود: "نعم، أنا فعلتُ".
أجبتها بتمثيلٍ متقن: "لا داعي، سأنسى ما حدث بإرادتي".
اقتربت واحتضنتني بقسوة، قبل أن تتركني وترحل، تاركةً إياي مع سرٍ يحرق أحشائي وكتابٍ يحمل مفتاح موتي.. أو نجاتي.
سحبتُ نفساً عميقاً وأخرجته ببطء، ثم أغلقتُ باب الغرفة بإحكام. بدأتُ تنفيذ التعويذة؛ جلستُ عارياً في الظلام أقرأ الكلمات المحفورة في الكتاب. بدأت الأرض تهتز، خفتُ للحظة لكنني أكملتُ القراءة، فازداد الاهتزاز عنفاً، ثم شعرتُ بآلامٍ مبرحة تمزق جسدي، ورأيتُ ظلالاً سوداء تلتف حولي وتنهشني كأنها تحاول منعي من استكمال طقوسي. قاومتُ الألم حتى ساد الصمت فجأة، وغبتُ عن الوعي.