الفصل الأول

الفصل الأول

10 0

سمير، لا أعلم إن كنت تقرأ ما أكتبه الآن أم لا، وإن كنت تقرأه فأنا الآن ميت؛ أريدك أن تعلم أنني أحبك أنت ومروان، وأنني لم أكن أقصد كل ما فعلته...

​كنت أمسك بالدفتر الذي كتبه وأرسله لي صديقي أسامة، ولا أدري ماذا سأقرأ فيه؛ فأسامة مختفٍ منذ ما يقارب العامين، ولا أحد يعلم ماذا جرى له. كان الدفتر يبدو عليه أثر الإهمال، وقد وصلني بالبريد منذ أيام لا أذكر عددها

شردت في التفكير بأمر الدفتر، وأنا أمسكه بحيرة بالغة، خائف حتى من أن أفتحه، لكن أفاقني من شرودي اصطدام ابنتي الصغيرة "نجمة" بي، فأوقعت الدفتر من يدي.

​ضحكت الصغيرة التي ستكمل غداً عامها الثاني؛ صاحبة الجمال الفاتن والأعين البنية كـ"القهوة". هي ابنتي، لكنها لا تحمل مني سوى اسمي، فهي تشبه والدتها كثيراً ببشرتها البيضاء، وشعرها المجعد البني، الناعم والطويل. لا أدري، هل هي بهذا الكم من الجمال، أم أنني أراها جميلة لأنها أميرتي الصغيرة؟"

وقبل أن أحني ظهري لألتقط الدفتر، وجدت زوجتي "نهال" قد سبقتني، فأمسكت به وأعطتني إياه قائلة: "إنها فتاة مشاغبة". صمتت قليلاً ثم أردفت: "ما هذا الدفتر؟".

شردتُ عنها قليلاً، فقالت مرة أخرى: "سمير، أجبني، ما هذا الدفتر؟".

نظرتُ إليها وابتسمتُ قائلاً: "إنه مبعوث لي من أسامة يبدو أنه فيه ما يخص أخي مروان، أو ما تبقى لي من أخي مروان".

أكملتُ كلماتي بحزن وأسى، فتقدمت نحوي نهال وضمتني إليها قائلة: "لا بأس، لا تحزن، لم يُرِد أيُّ أحدٍ منا حدوث ذلك، قدر الله وما شاء فعل".

وبعد قليل، تنحى الحزن جانباً، وظللتُ أمرح مع صغيرتي المشاغبة.

بعدها أكملتُ روتيني المعتاد وذهبتُ إلى النوم. وما إن غفت عيناي حتى فتحتهما ببطء لأجد نهال نائمة إلى جواري على السرير، ونجمة تنام بيننا. وما إن وجهتُ نظري أمامي مرة أخرى حتى رأيت صديقي "أسامة" يقف أمام خزانة الملابس؛ كان ذا شكل مقيت تفوح منه رائحة الاحتراق، وبيديه المحترقتين المهترئتين كان يشير نحوي، وقد كان ينزف من عنقه وكأن أحدهم قام بذبحه. كاد قلبي أن يقفز من بين أضلعي من قوة ضرباته، ثم فجأة اقترب مني بسرعة، فنهضتُ من نومي مفزوعاً ألهث من شدة الفزع. نظرتُ إلى جواري فلم أجد "نجمة"، فتذكرتُ أنها نائمة في غرفتها.

نهضتُ وذهبت متثاقلاً نحو المطبخ، تناولتُ كوباً من الماء، تنفستُ قليلاً، وعدتُ إلى غرفتي لأجد الدفتر قد وُضع على وسادتي. سرت في جسدي رجفة، اقتربتُ وأمسكتُ به، ثم خرجتُ من غرفة النوم وتوجهتُ نحو غرفة المعيشة المكونة من أثاث بسيط؛ أريكة وكرسيين، فجلستُ على الأريكة أقرأ ما في الدفتر.

****

اللهم وفقني حتى أستطيع كتابة ما في خاطري، اللهم أعني وأمهلني من الوقت ما يكفي.

لقد بدأ كل شيء منذ أن أقدمتُ على خطبة "نور" ابنة خالتي؛ تلك التي كنت أعلم أن مروان يحبها وأنها تبادله الحب. لا أعلم لماذا فعلت هذا بهما، لكن أرجو أن يسامحونني. فقد غزت قلبي الغيرة بعد أن علمت بأمرهما منك يا "سمير"، فشعرت أنها ملكٌ لي، وأنه لا يجب لأحد غيري الاقتراب منها.

لذلك تقدمت لخطبتها، وكنت أعلم أن خالتي ستُرغمها على القبول. وبعد أن تمت الخطبة، أقمتُ حفل الزواج بعدها بشهر. بعد الزواج، لاحظت أن نور قد استسلمت للأمر الواقع، وأصبحت تتعامل معي بلطف، ورغم ذلك كنت أرى مروان في عينيها؛ فهي لم تستطع أن تمحيه من قلبها.

لذلك قررت أن آخذها بعيداً عن كل شيء، فاختفيت عن أعين الناس، فبعد أن توفيت خالتي بعد زواجنا بأربعة أشهر، لم يعد لدينا أي أحد فأنا -كما تعلم- يتيم الأب والأم منذ ولادتي، أما نور و"جميلة" فلم يكن لهما أي أهل سوى أمهما التي توفيت. فقررت أن آخذ جميلة لتقيم معنا في البيت الذي لم يعلم عنه أي أحدٍ سوى سمير، فهو الوحيد الذي يعرف أنني اشتريت هذا المنزل.

وبعد عام، أصبحتُ أقابل لطفها معي بسوء أفعالي؛ كنت قاسياً جداً معها، وهي كانت تحاول إرضائي بشتى الطرق لكنني كنت أشعر بجدار صلب بيننا لا يمكن كسره حتى بلطفها، كنت أشعر بأنها تتصنع كل ذلك مجبرة وأنا لا تحبني ولن تحبني. وفي يومٍ كنت منشغلاً في العمل كثيراً، حتى إنني قضيت منتصف الليل وأنا أعمل، قطع تركيزي رنين هاتفي...

هنا توقفتُ عن القراءة وظللت أفكر في أمر المنزل؛ إذن يبدو أنني يجب أن أذهب إلى هذا المكان لأعرف ما حدث لأخي، ولماذا فعل بنفسه هذا الأمر البشع؟ وما سر اختفاء أسامة؟

قطع تفكيري صوت أذان الفجر يصدح: "الله أكبر.. الله أكبر". نهضتُ من مجلسي، ذهبتُ إلى الغرفة، ارتديتُ ثياباً لائقة، توضأت، ثم انطلقتُ لأصلي في المسجد. كانت الأجواء ليلية والشارع ساكناً وخالياً من البشر، حتى ظننت أنني الوحيد الذي سيصلي في المسجد، لكن ما إن وصلت حتى وجدت عشرات الأشخاص قد سبقوني واصطفوا خلف بعضهم البعض.

صليتُ ودعوتُ الله كثيراً أن يهديني إلى الصواب. وبعدها غادرتُ المسجد مصطحباً معي جاري الذي كان يصلي معنا، وأخبرني أنه سيسير في طريقي حتى يصل إلى عمله. وما إن وصلنا إلى الطريق العمومي الخارجي، حتى وجدت جاري قد اختفى! تلفتُّ وبحثت عنه في الأرجاء فلم أجده، وكأنه تبخر في الهواء، حاولت إقناع نفسي بأي طريقة أنه قد رحل أثناء شرودي ولم انتبه.

كان الصباح قد بدأ يعلن عن نفسه بضوء النهار الأزرق الغامق الذي يسبق خيوط الشمس الذهبية المنبعثة في السماء.

انتظرتُ نصف ساعة حتى مرت سيارة أجرة فاستقليتها. طلبتُ منه أن يقلني إلى مدينة "....."، شارع "......" -آسف، فلن أستطيع ذكر أسماء الشوارع حتى لا يقتل أحدكم الفضول ويذهب إلى هناك- وأخبرته بأنني سأعطيه المبلغ الذي يطلبه.

وافق السائق، لكنه ظل طوال الطريق يسألني عن سبب ذهابي إلى هناك؛ فهو مكان مشؤوم، إلا أنني لم أعطه أي إجابة مرضية.

وبالفعل، وصلتُ إلى المكان المقصود؛ كان الشارع يتحدث عن نفسه ويؤكد أنه مسكون! كان مليئاً بالقطط السوداء، وكأن قطط مصر بأكملها قد تجمعت هنا لتحتمي من أيدي الأطفال المشاغبين. وقفتُ عند أول الشارع أنظر إليه، وقد تذكرتُ المرة الأولى التي جئت فيها إلى هنا.

كنتُ مع صديقي "أسامة"، وقد أرغمنا المدير على المجيء إلى هنا؛ فنحن نعمل معاً في شركة استثمار عقاري. كانت الشركة قد تلقت بريداً من صاحب منزل في هذا الشارع يطلب بيعه بألف جنيه فقط، وكان المدير متحمساً جداً لمعرفة قصة هذا المنزل. وما إن وصلنا أنا وصديقي إلى الشارع المجاور، حتى وجدنا الحياة تدب في أوصاله؛ ناسٌ في كل مكان يعملون ويتحدثون ويضحكون، فهو "شارع الحدادين"، لا يضم منازل فقط، بل ورشاً للنجارين والحدادين. أوقفتُ رجلاً وسألته عن المنزل رقم 333، فنظر إلينا بدهشة وقال: "ولكن، لماذا تسألون عن هذا البيت المشؤوم؟".

تحدثتُ معه عن البريد وعن قصة بيع المنزل، فضحك الرجل بقوة وقال: "هذا مستحيل، فصاحب المنزل قد توفي منذ عشرات السنين وليس لديه ورثه!". شعرتُ وكأن الأكسجين قد انسحب من الجو، فأمسكتُ بيد أسامة ورحلنا على الفور.

بعد فترة وجيزة، أخبرني أسامة أنه قد اشترى المنزل. لا أعلم كيف، لكنه أخبرني أنه عثر على حفيدة صاحب المنزل التي أرادت بيعه لتتخلص منه.

أفقتُ من شرودي ونظرتُ حولي متأملاً وضعي الآن، فعلمتُ أنني يجب أن أتقدم إلى الأمام. تخطيتُ بعض المنازل المهجورة المتراصة جنباً إلى جنب حتى وصلتُ إلى ذلك المنزل الكبير. ليتني لم أصل! كان الباب مغطى بالأتربة وخيوط العنكبوت؛ كان منزلاً مخيفاً وقديم الطراز.

وضعتُ يدي على الباب، ففتحَ ببطء. دخلتُ وأنا خائفٌ جداً، لدرجة أنني شعرتُ برعشةٍ تجتاح جسدي كله. وما إن خطوتُ خطوةً واحدة، حتى استقبلتني رائحةٌ كريهة جداً؛ أردتُ أن أعود أدراجي إلى الخارج، لكن الباب أُغلق فجأة، وغلّف الظلامُ كل شيء. ظللتُ أتحسس الجدار حتى عثرتُ على مفتاح الكهرباء، فأنرتُ المكان  والتفتُّ أنظر نحو الأرض، لأجد ثلاث جثثٍ قُتلت ببشاعة. لم أتمالك نفسي وفقدتُ الوعي.

بعد فترةٍ -لا أعلم كم مضى منها- استيقظتُ ببطء ونهضتُ بتثاقل. نظرتُ نحو الجثث، بدا لي أن الجثة الأولى لصديقي "أسامة".، وقد كان جسده محترقاً كلياً. أما الجثتان الأخريان -لأم وطفل أو طفلة- فكانتا متحللتين تماماً. صرختُ وعدتُ إلى الوراء مصدوماً، فاصطدمتُ بالباب، فتحتُه وخرجتُ من المنزل مسرعاً.

أبلغتُ الشرطة التي لم تتأخر في الحضور. ذهبتُ معهم إلى القسم وقدمتُ محضراً بالواقعة، ثم عدتُ إلى منزلي في منتصف الليل تقريباً، فوجدتُ "نهال" في انتظاري؛ ارتميتُ في أحضانها أبكي وهي تواسيني، فقد كنت قد هاتفتها وأخبرتها بما حدث. أصرت نهال على أن أتناول الطعام، وفعلتُ ما تريد رغماً عني؛ فأنا أحبها ولا أعصي لها أمراً. تناولتُ الطعام بصمتٍ تحت نظرات نهال المتفحصة؛ كانت خائفة عليّ، فحاولتُ أن أتماسك أمامها. بعدما أنهيتُ طعامي، طلبتُ منها الذهاب إلى النوم، فقد أردتُ أن أعتزل نفسي مع الله قليلاً، فوافقت على الفور لأنها كانت مجهدة.

توضأتُ وصليتُ الفجر، ثم جلستُ على سجادة الصلاة أبكي؛ تذكرتُ آخر دقيقة عشتها مع أخي "مروان"، وكيف كان ينظر إليّ بهلع قائلاً: "أرجوك سامحني، فأنا لم أعد ملك نفسي، وأفعالي ليست أفعالي!". تذكرتُ كيف التهمتْه النيران التي أشعلها في جسده، ولم أستطع مساعدته. ليتني أستطيع معرفة ما حدث!

بعد ساعات من التفكير المؤلم، دقَّ منبه هاتفي ليعلن عن موعد استيقاظي؛ لم يكن المنبه يعلم أنني لم أنم لحظة. أوقفته وذهبتُ لأغتسل، فشعرتُ بأن هناك من يسير خلفي. خفتُ أن ألتفت، فأسرعتُ الخطى نحو غرفة نومي، وما إن وصلت حتى أغلقتُ الباب مسرعاً والتقطتُ أنفاسي. نظرتُ من خلف زجاج الباب فلم أجد أحداً، فاقتربتُ أكثر أحاول الرؤية، فإذا بطرقٍ على الباب! فزعتُ وعدتُ إلى الوراء وقد تجمد الدم في عروقي. التفتُّ لأنظر إلى "نهال" فوجدتها نائمة، وتكرر الطرق مرة أخرى، ولكن هذه المرة صَحِبه صوت ابنتي "نجمة" وهي تنادي: "بابا!".

تنفستُ براحة وفتحتُ الباب لأجدها تقف بجمالها الخاطف وتضحك، فحملتها وقبّلتني كعادتها. أخذتها إلى خارج الغرفة حتى لا أزعج والدتها، وجلستُ أقبلها وأداعبها وأتحدث معها، فكانت تجيبني بصوتها الطفولي الجميل. وفي غمرة حديثنا، سألتها: "من تحبين أكثر، بابا أم ماما؟". فقالت بدلال: "بابا.. بابا.. أنت!".

ضحكتُ وضممتها قائلاً: "وهل تحبين ماما؟". فنظرت إليّ بحنان قائلة: "أحبها جداً جداً".

وبعد ما يقارب الساعة، أتت نهال وجلست معنا، فذهبت نجمة إلى أحضان أمها وتركتني. سألتها أمها: "من تحبين أكثر، ماما أم بابا؟". نظرت نحوي نجمة بمكر، وغمزت لي بعينها، ثم التفتت إلى نهال وقالت: "ماما.. أنتِ.. أحبكِ".

ضحكنا جميعاً، وضحكت نجمة، فحبستُ أنفاسي وأصغيتُ لصوت ضحكتها. كنت دائماً أسأل نفسي: هل هناك أب في هذه الدنيا يحب طفلته بهذه الطريقة، أم أنني وحدي المجنون بابنتي؟

ذهبتُ وحضرتُ وجبة الإفطار، كعادتها اعتذرت "نهال" ولم تتناول الطعام. تناولتُ فطوري بمفردي وقررتُ أن أذهب للنوم، لكنني ظللت أتقلب في فراشي حتى شعرتُ بأن السرير قد ضاق بي وبأرقي؛ فنهضتُ وأحضرتُ الدفتر لأكمل ما كنت أقرأه:

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية أوراق نجمة

المؤلف نعمة محمد
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة