مساء اليوم التالي.
كان مُنذر يرتب المعلبات الجديدة في رفوفها في حين وقف سَند خلف طاولة المحاسبة وهو يقول وعيناه تراقبان صديقه:
_أيمكنك إكمال اليوم دوني؟
التفتَ المقصود برأسه نصف التفاتة متسائلا بفضول:
_نعم، ماذا لديك؟
_سأخرج مع العائلة في نزهة.
هز رأسه متفهما ثم قال بترجٍ دراميّ:
_تبنوا ثراء، رجاءً!
صحح لنفسه بسخرية:
_أقصد اكفلوها، عُدوها يتيمة، خلصني منها أرجوك!
قهقه سَند بخفة وسأله باهتمام وقد خرج من خلف الطاولة:
_ماذا جرى؟ تبدو غاضبا منها!
أجابه ساخطا وهو يضع ما في يده على الرف ثم التفت لصاحبه قائلا بسخط:
_تلك الشقية ما إن اكتشفت أمر ارتباطي حتى بدأت تبتزني.
ازدادت قهقهات سند ثم أردف يحاول كتمان ضحكاته بعد أن لاحظ تلك النظرات القاتلة:
_أدعمها بشدة... خيرا فعلت!
رمقه مُنذر بغيظ وأردف بعد أن خطر بباله خاطر وقد ارتفع حاجبه الأيمن باستنكار ونظرة خبيثة اعتلت ملامحه:
_تدعمها؟ أوليست أجنبية عنك يا شيخ؟
انقطع صوت ضحك الآخر وزفر بحنق لهذا الذي يحاول استفزازه وينعته بلقب يكرهه «شيخ!» فهو لم يصل لهذه المرحلة بعد ونعته بشيء كهذا يزيد من ألمه على ذنوبه التي لا يستطيع التخلص منها؛ أما مُنذر فقد ابتسم بمكر وهو يرى أنه نجح في انتقامه من صديقه لذا استرسل بنبرة استفزازية:
_طبق نصائحك قبل منحها.
ضربه سَند بقبضته على كتفه قائلا بضيق وهو يغادر:
_فلتصمت فقط!
أنهى كلماته بحدة ثم غادر نحو سيارته ذات الطلاء الأزرق الملكي التي اشتراها له جده سعد عندما تجاوز المرحلة الثانوية، ركب ووضع المفتاح في موضعه ثم عدل المرايا ورتب شعره الأسود بحركات سريعة، وقبل أن يضغط على البنزين زفر بقوة مخرجا كل طاقته السلبية.
رغم شجاره المتكرر مع صديقه إلا أنه لا ينقضي يوم دون أن يضحكا معا، ولولا أن هذا ينصح وذاك يعرض لكانا أفضل حالا، لكن العقول تختلف والأفكار تفترق في طرق كثيرة، ولم يكن هذا عائقا كبيرا في صداقتهما.
نفض سَند بعض الأفكار التثبيطية من عقله بقوة فآخر ما نطق به صديقه أزعجته بشدة، يتمنى لو يستطيع الصراخ به -وبالجميع- أنه ليس صالحا، ليس منزها عن الخطأ، إنه يحاول فقط، يحاول الثبات في زمن صار الهوى دينا يُتبع، والشيطان مستشارا يُستمع لوسوسته، والنفس مساعدة على السوء، أراد أن يقول أنه يذنب، ذنوبه بلغت مبلغا لا يحتمله قلبه، لكنه لا يستطيع التخلص منها، لا يستطيع التوقف عن سماع الأغاني، لا يستطيع غض بصره كما يجب، لا يستطيع أن يحافظ على صلاته في المسجد في كثير من الأحيان، فمتى يفهمون؟ متى يفهمون أنه مجرد شخص مثلهم؟ شخص يحاول القرب من الله، ترك الذنوب والالتجاء لمن رزقه نعما فبدل شكرانه عصاه وجحد بها؟
ركن سيارته أمام منزلهم دون أن ينزل، ليضغط على مزامير السيارة مرات متتالية وهو يبتسم لتخرج له سلسبيل بسرعة ضاحكة وخلفها يسير جديها بتأني، كانت ترتدي عباءتها السوداء الفضفاضة مع خمار بني غامق وهي تمسك بحقيبة جلدية بذات لون الخمار كانت قد وضعت فيها دفتر الرسم خاصتها وأدواتها، ركبت خلف مقعد السائق قائلا بحماس:
_صوت المزامير جعلني أشعر وكأننا ذاهبون لحفل زفاف!
ضحك سَند قائلا بمزاح:
_هل أعيدها؟
نفت بسرعة وهي ترى اقتراب جديها فنزلت بسرعة وفتحت لهما بابيّ السيارة، ليجلس الجد سعد في مقعد الراكب الأمامي؛ أما الجدة خديجة فقد جلست في المقاعد الخلفية مع حفيدتها.
أطلق الشاب مزمارا طويلا وهو يقول:
_لننطلق!
علت البهجة وجه شقيقته بحماس، في حين تنهدت العجوز والشيخ فهذه الأجواء لا تروقهما، لا يحبان الصخب بل هما محبان للهدوء، لكنهما لم يريدا كسر خاطر سلسبيل التي كان الحماس باديا بشدة في تصرفاتها مذ أخبرها سَند بأنهم سيخرجون في نزهة لتستعيد طاقتها قبل الامتحانات التي ستبدأ مع بداية الأسبوع القادم.
كانت ابتسامة سَند توحي بمدى سروره -كذلك-، فهو لم يخرج مع عائلته منذ فترة طويلة لضيق الوقت وضغط الدراسة والعمل؛ لذا اليوم كان راحة له كذلك من الضغط الشديد رغم أنه على يقين أن عليه تعويض كل دقيقة فاتته في وقت لاحق.
سألت سلسبيل بابتسامة واسعة:
_إلى أين سنذهب؟
_وجهتنا المعتادة.
أجابها مبتسما ليتهلل وجهها فتابع بعد أن لاحظ ذلك:
_إنه مكان خلاب للرسم.
_نعم نعم!
استرسلت بنبرة قلقة بعض الشيء:
_ولكن... لقد خرجنا في منتصف النهار، والطريق تأخذ وقتا.
_لا بأس، تواصلت مع مالك إحدى النزل القريبة، سننام هناك الليلة.
صرخت به بصدمة:
_لكنني لم أحضر أي شيء!
أغمض عينيه لشدة رنين صوتها في أذنه وهو يقول:
_أخفضي صوتك يا سلسبيل لسنا في المنزل!
وعت موقفها فصمتت بخجل وهي تنظر لجدتها التي انتفضت مستيقظة على صوت صراخ الأخرى:
_آسفة جدتي، أيقظتك.
علق الجد سعد بهدوء محدثا حفيدته:
_سنعود فجر الغد للمنزل، لذا لا داعي لإحضار شيء يا ابنتي.
هزت رأسها متفهمة والتزمت الصمت من جديد مسندة رأسها على النافذة تراقب الطريق بعينين تفيضان حماسة وعقلها يخطط للمشهد الذي سترسمه عند وصولهم.
عادت السيارة للهدوء مجددا، فصاحبا الضجيج أحدهما يركز على القيادة والأخرى تتأمل الطريق، فعادت الجدة للنوم مجددا إذ أنها لم تنم منذ الفجر كعادتها وكانت تأخذ قيلولة في هذا الوقت عادة؛ أما الجد فقد كان يراقبهم جميعا بنظراته العطوفة ولسانه يردد أذكار الحفظ والصون.
بعد ساعتين...
تحدث سَند بابتسامة هادئة لأخته:
_سنصل الآن للمنطقة الجبلية.
علقت بحماس:
_رائع!
تحدث جدها بهدوء مخاطبا حفيده:
_قُد بحذر عند صعودك يا بني.
_لا تقلق جدي.
تراءى لهم جبل ضخم التف حوله من الأسفل لأعلى طريق لعبور السيارات، ابتسامة واسعة احتضنت شفتي سلسبيل وهي تتنظر للطريق أسفلهم ثم تنظر لأعلى حيث لم يتبقَ الكثير ليصلوا إلى القمة.
توقفت السيارة أخيرا على قمة الجبل الضخمة -المسطحة-، نزلت الفتاة بسرعة من السيارة واقتربت من حافة الجبل المطل على عدة جبال أخرى بالإضافة إلى البحر، كان المشهد كلوحة فنية زاد إبداعُها بالشمس التي تغرب باتجاه البحر وكأنه يبتلعها داخل جوفه.
جلست سلسبيل بسرعة على الأرض غير مهتمة باتساخ عباءتها بالتراب وشرعت تخرج أقلامها وترسم على دفتر الرسم -خاصتها- هذا المنظر الذي سلب عقلها وجعل لسانها يردد التسبيح والإعجاب بصنعة الخالق!
أما شقيقها فنزل من السيارة وفتح الباب لجدته بعد نزول جده وأيقظها بلطف، ثم توجه نحو صندوق السيارة الخلفي، وأخرج منه حصيرة وبعض الأكياس التي حوت على فطائر دجاج وبعض المقرمشات والمشروبات الغازية، كما أنزل أربعة كراسي قابلة للطي كان قد اشتراها في نزهتهم السابقة ليجلسوا عليها.
رتب المكان حيث جلس جديه يتحدثان عن فخرهما بحفيديهما، في حين توجه هو نحو أخته وجلس جانبها يتأملها وهي ترسم دون مقاطعتها، كانت الابتسامة لا تفارق وجهها مما أبهجه جدا، فسعادته مستمدة من سعادة عائلته.
_انتهيت!
صرخت بها بحماس ثم وضعت الدفتر بين يديه قائلة:
_انظر انظر!
_ما شاء الله، أبدعتِ، سلمت يداك!
ابتسمت بسعادة وقد توردت خجلا بإطرائه فضحك بخفة على خجلها ثم وقف ومد يده لها فتشبثت بها ووقفت كذلك ثم توجها حيث جديهما الذين أعجبا بالرسمة جدا ومدحاها كثيرا حتى انعقد لسانها خجلا.
✿✿✿
عمل مُنذر بجد في المركز، وفيما كان يستعد لإغلاق المحل عندما قاربت الساعة منتصف الليل، دخل عليه رجل في منتصف عقده السادس بشعر شديد السواد لم يتخلله سوى شيبات قليلة، كانت ملامحه جامدة لا تُقرأ، وقف أمام الشاب الذي أنهى ترتيب كل شيء:
_أظنك مُنذر، أين سند؟
أجابه ببرود وقد استفزه دخول الرجل في الحديث مباشرة دون إلقاء التحية حتى:
_لديه ما يشغله... تفضل؟
ابتسامة جانبية ساخرة استقرت على ثغر الآخر قائلا بعد أن أعطاه بطاقة الهُوية الخاصة به:
_جئت لأرى كيف يسير العمل.
تفحص الشاب البطاقة جيدا ثم ضيق عينيه قليلا بنبرة رسمية وهو يقول مادا يده ليصافح الآخر:
_سيد سالم، اعذرني لعدم تعرفي عليك في البداية.
صافحه سالم بحرارة وهو يقول بابتسامة مجاملة:
_لا عليك فأظن أننا لم نلتقي من قبل.
تابع وهو يجول بعينيه في المكان:
_يبدو المكان مرتبا.
ابتسم مُنذر بفخر لكنه لم يعلق على ذلك، وقال:
_العمل يسير بشكل جيد، الحمد لله.
_هذا جيد... عن إذنك.
خرج دون أن يترك للآخر فرصة للرد فرمقه بازدراء قائلا في نفسه:
_يا له من فظ!
أغلق المركز ثم توجه نحو سيارته الصغيرة الرمادية الفاتحة، متوجها نحو منزله وفي طريقه أتاه اتصال ليرى الاسم ثم يرد بانزعاج:
_ماذا؟
_ألقي التحية أولا.
زفر بحنق وهو يقول:
_السلام عليكم، ماذا تريدين يا آنسة؟
ابتسمت بسعادة وهي تشعر أنها الوحيدة القادرة على استفزازه:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تحدث مع وحيدتك بلطف.
_تشه!
_أين أنت؟
_في المقابر!
_أتنوي سحر أحدهم؟
عض شفتيه بغضب وكاد يغلق الخط في وجهها فقد قلبت الطاولة عليه... أردفت بنبرة أكثر جدية:
_لا تنسَ دواء القلب الخاص بأمي
ابتلع ريقه وهو يقول بنبرة متورطة:
_لقد نسيته بالفعل!
_لا أستغرب ذلك، لكنك لن تسنى شيئا يخص حـ...
قطع الاتصال في وجهها فليس في مزاج لاستفزازها، سرعان ما وصله إشعار يدل على وصول رسالة فنظر لفحواها «اشتري لي شوكولاتة في طريقك»
ضغط على المقود بقوة قائلا:
_تلك الثراء!
توجه للصيدلية واشترى دواء والدته ثم مر على محل صغير اشترى منه بعض قطع الشوكولاتة وانطلق نحو منزله.
ما إن وصل حتى ركن السيارة في موقف السيارات، ثم أخذ كيس الدواء وكيس الشوكولاتة وتوجه نحو الداخل، ذهب لغرفة الجلوس فوجد أخته جالسة تدرس بتركيز، فقاطع تركيزها الذي وصل ذروته، وهو ينظر لها بنظرة سفلية:
_ألا تملكين غرفة تدرسين فيها؟
لم ترفع نظرها عن كتابها قائلة:
_ليس وكأنني أتربع في غرفتك.
رمقها بتذمر ثم رمى لها كيس الشوكولاتة وذهب لغرفة والديه، طرق على الباب فأذنا له، قبّل جبينيهما ثم سلم الدواء لوالدته مع ابتسامة صغيرة، ثم دلف للصالة مجددا وتمدد على الأريكة المقابلة للأريكة التي تجلس عليها شقيقته مع كتابها، وعم الصمت لفترة قبل أن يقطعه رمي قطعة شوكولاتة باتجاه مُنذر من ثراء التي سألته دون رفع عينيها عن كتابها:
_كيف كان العمل؟
_كعادته ممل.
_ألم تلتقِ بصديقك؟
رفع بصره تجاهها:
_سند؟ بلى، لكنه عاد للمنزل مبكرا لأنه سيخرج مع عائلته.
نظرت له بنظرة ذات مغزى وقالت:
_سأخبره أن يعلمك كيف تتعامل بلطف مع أختك...
رمقها بسخرية:
_سند لا يحادث الفتيات.
رمته بنظرات باردة قبل أن تقول بنبرة لا تختلف عن نبرته الساخرة:
_تعلم منه أخي العزيز!
_ثراء!
ضحكت بخفة وهي ترى الغضب المتأجج في عينيه، ثم تخافتت ضحكتها شيئا فشيئا حتى اختفت ليخنقهما الصمت لفترة وجيزة قبل أن يتحررا منه بقولها بنبرة بدت هادئة لكن الحزن كان واضحا فيها وكأن القناع قد سقطت لتظعر مشاعرها الحقيقة بعد أن قاومتها:
_هل أخبرك أبي؟
تنهد بضيق وهز رأسه بالإيجاب:
_نعم، صباح اليوم.
ارتجف صوتها وهي تقول مجددا:
_أنا قلقة.
ضيق عينيه بريبة قائلا:
_هِيه، هل تبكين؟؟
مسحت دموعها بسرعة مجيبة بكبرياء بعد أن رفعت رأسها:
_كلا
فحص وجهها لوهلة وقد كان احمرار عينيها واضحا لذا قال بهدوء بعد أن قضم من قطعة الشوكولاتة:
_سيكون كل شيء على ما يُرام.
_إن شاء الله...
✿✿✿
نظرت شِيم للساعة لتجدها قد تجاوزت منتصف الليل بالفعل، شهقت بصدمة؛ لقد مر الوقت بسرعة دون أن تشعر، منذ الصباح وهي منكبة على كتبها تستعد للامتحانات، فمنذ بداية العام لم تدرس بجد بسبب ما جرى مع شقيقها، لكن اليوم طلب منها أن تعده أنها لن تخرج من غرفتها حتى تنهي ما عليها من واجبات، فما إن أكملت دراستها حتى خرجت من الغرفة على رؤوس أصابعها واقتربت من غرفة شقيقها لتجدها مُنارة فطرقت ثم دخلت وهي تقول بدهشة بعد أن وجدته يجلس على مكتبه يمسك كِتابا يقرأه بتمعن:
_لم تنم بعد؟
ابتسم بلطف مغلقا الكتاب ثم توجه نحو سريره وجلس على حافته قائلا:
_كنت أنتظرك... هل أنهيت دراستك؟
_نعم نعم، أنجزت كل ما علي إنجازه اليوم.
ثم خطفت نظرة للكتاب الموضوع على المكتب:
_ما ذاك الكتاب؟
_اسمه الرحيق المختوم لصفي الدين المباركفوري، يحوي على قصة النبي ﷺ من البداية حتى النهاية؛ منحني إياه صديق منذ عامين تقربيا ولم أفكر في قراءته قبل الآن.
هزت رأسها بتفهم فتابع باهتمام:
_إذا كيف كان يومك في الثانوية؟
جلست قربه تقص عليه كل ما جرى في يومها وهو ينصت لها باهتمام، ثم أنهت حديثها بابتسامة حزينة:
_أشعر ببعض الحزن أحياني لإخفائي الحقيقة على عائش وسلسبيل، فهما تهتمان بي جدا.
طبطب على شعرها بعطف:
_لا بأس، سيزول هذا الثقل قريبا.
_نعم (تمتمت)
_شِيم
انتبهت له فتابع بابتسامة:
_شكرا لك.
عقدت حاجبيها باستغراب:
_على ماذا؟
_على كل شيء أميرتي، على مساعدتك، على وقوفك لجانبي، حتى دموعك التي ذرفتها حزنا عليّ... إنها تعني الكثير.
اتكأت على كتفه قائلة:
_بل أنا من علي شكرك، فأنت كنت ولا زلت وستبقى سندي الدائم، وملجئي بعد ربي.
قرص خدها بلطف ثم أردف:
_بالمناسبة شِيم.
خطفت نظرة تجاهه فاسترسل قائلا:
_ما رأيك أن نبدأ حفظ القرآن معا؟
اتسعت عيناها ورفعت رأسها عن كتفه قائلة بحماس:
_ليست فكرة سيئة، نبدأ منذ اليوم؟
ضحك بخفة على حماسها:
_ليس الآن أميرتي، لقد تأخر الوقت جدا.
تابع بتفكير:
_لكن كلانا لا يجيد التجويد، فما العمل؟
أجابته بتلقائية:
_نسجل في خلوة؟
_هل سيوافق أبي؟
قالها بعفوية لتتسع عيناها بذهول قائلة:
_لا زلت تناديه هكذا؟
حك صدغه الأيمن بطرف مشيرته قائلا:
_اعتدت على ذلك.
غير الموضوع معيدا له لمساره الأصلي:
_إذا هل سيوافق؟
_لم لا نجرب سؤاله؟
_معا؟ (سألها بتعجب)
ابتسمت وهزت رأسها بإيجاب بسرعة:
_نعم، نعم، أساسا أسبوع وتعود أنت للعمل.
سألته بحماس:
_ألست متحمسا؟ مشتاقا؟ سعيدا؟
ضحك بخفة قائلا:
_ليس أكثر منك، وكأنك من ستعودين.
كشرت ابتسامتها عن سعادتها المفرطة وهي تتجه نحو باب الغرفة:
_حسنا أنا سعيدة لأجلك... على كل حال، علي الذهاب للنوم إذا، تصبح على خير.
_وأنت من أهل الخير أميرتي.
في غرفة أخرى من غرف القصر، حيث كان سالم مضجعا في فراشه هائما في أفكاره، وزوجته جالسة تراقبه بصمت عله ينطق بما يجول في عقله، هو على حاله هذه منذ حديث الليلة الماضية مع ابنته، بل منذ أن خرج بعدها ولم يعد إلا قرب الفجر؛ صامت لا ينطق بحرف، كثير الشرود والتفكير، قليل الأكل.
لاحظ نظراتها التي تلاحقه منذ عودته فسألها بهدوء:
_ما بك؟
_هذا السؤال موجه لك.
_أنا؟ ما بي؟
أجابته بصراحة:
_منذ الأمس وحالك لا يشبه ما قبله من الأيام.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة ولم يعلق فتابعت وكأنها تفهم ما يدور في خلده محاولة استجماع قواها، فقد اتخذت عهدا على إصلاح حال هذه العائلة مهما حدث:
_أفكارك تتصارع صحيح؟ عقلك يخبرك أنك على صواب وقلبك يقول العكس، لا تعلم لأيهما تستمع.
فتح عينيه بشكل أوسع وهو ينظر لها باهتمام وكأنه يحثها على المتابعة:
_صدقني يا سالم، لقد آن أوان عودة المياه إلى مجاريها، أنت لا ينقصك شيء بفضل الله، مالُك وحده يكفيك دهرا فلست بحاجة لمال كِنان الذي والله هو حقه دِينا وقانونا.
أطلق زفيرا حادا فاستمرت هي بالحديث:
_كِنان لا زال يُحبك!
حدق فيها بصدمة، جملتها هذه هزت شيئا في كيانه، شيئا لا يريد الاعتراف به؛ لذا قال بسخرية:
_يستحيل أن يبقى في قلبه مثال ذرة من حب تجاهي بعد ما فعلته يا هاجر.
_إنه يراك بمثابة والده فكيف تقول ذلك؟
_لكنه ناداني بالعم، وهذا ما لم أسمعه منذ تزوجتك!
اتسعت عيناها بذهول لوهلة ثم تساءلت:
_أضايقك هذا؟
عض شفتيه كمن تم إمساكه متلبسا لكنه التزم الصمت ولم يجب لتطلق هي تنهيدة ربما حملت بعض الراحة داخلها...
.
.
.
يتبع...