السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل البدء هلا ضغطتم على زر الإعجاب في الأعلى؟ 🎀
...
..
.
وعدت السائقة بذهن شارد، ووجه تقاسمه الحزن والإرهاق، سارت بخطى وئيدة نحو بوابة ثانويتها، لم تكن عيناها تركزان في أيٍّ مما مر قربها أو كان أمامها، كل تفكيرها مع شقيقها، صباح جديد يعيشه وحيدا دون إفطار، يوم جديد يأكل لحمه وينخر عظامه بردا، كانت تخطط للحديث مع والدها، لن تستسلم بسهولة، كانت في كل مرة حدثت يصرخ في وجهها، لكن لا يهم، عل قلبه يلين مرة لمن كان له نعم الابن وإن لم يكن من صلبه، عل طمعه وجشعه يتلاشيان مع الوقت فالقلوب تتقلب باستمرار ولا تبقى على حال فدوام الحال من المحال؛ هذا ما كانت تطمئن به نفسها، وتقنع به عقلها.
تسللت يدان باردتان لتضغطا على عينيها برفق حاجبتي الرؤية عنها ومغرقتا تينك العينين-اللتين أنهكمها البكاء- في سواد
أردفت بصوت منخفض منطفئ وهي تضع يديها على اليدين التين غطيتا عيناها بلطف:
_عائش صحيح؟
أبعدت الأخرى يديها بحيوية:
_نعم نعم
تابعت بنبرة قلقة:
_ما بال عينيك صارتا كعيني الباندا؟
نهرتها صديقتها الأخرى:
_ليس هكذا (نظرت لشيم متابعة بلطف) أما من أخبار عن كِنان؟
ترددت قليلا في الإجابة ثم هزت رأسها نافية في محاولة فاشلة للحفاظ على رباطة جأشها.
سقطت دمعة خائنة على خدها لتمسحها بسرعة فأردفت عائشة بنوع من الشفقة والحنان:
_سيكون بخير عزيزتي، استودعيه الحافظ... أليس كذلك سيلا؟
هزت سلسبيل رأسها مطمئنة وهي تربت بلطف على كتفي شِيم:
_نعم، ثقي بالله.
اكتفت بابتسامة صغيرة تحاول إخفاء القليل من حزنها بها ثم قالت وهي تسير أمامهما للمبنى:
_لندخل...
❀❀❀
داخل تلك الجدران الأربعة التي تعكس برد الشتاء القارص، في تلك الغرفة التي خلت من أي أثاث؛ حيث كان كنان يقاوم البرد بجسد لا يدثره سوى ملابس خفيفة وشال لفته شقيقته على رقبته بشفقة.
تنفسه صار ثقيلا، الحمى أخذت تفتك بجسده ببطء، وعيناه تراقبان الباب المغلق بانتظار أي ضوء ينقذه، بانتظار سماع صوت خطوات شقيقته المتوترة وهي تحمل له ما يسكت به بعض جوعه.
تراءى إلى بصره ضوء يقترب رويدا رويدا، ابتسم بتعب، لا بد أن شِيم قد عادت من الثانوية باكرا اليوم، ولكن لم؟ هذا ما يجب أن يسألها عنه عندما تدخل له بابتسامة اللطيفة، لكن لسوء حظه لم تكن شِيم من أطلت بل كان جسدا طويلا، عريض الكتفين، بوجه صارم، ويد قوية تحمل المصباح، كان والدها، زوج أمه، سبب شقائه وبؤسه.
تلاشت تلك الابتسامة التي رسمها ليقابل بها أخته، فيما اقترب منه الآخر بثبات، وجلس القرفصاء قربا منه دون إلقاء التحية، ولم قد يفعل؟
باشر الحديث بنبرة متهكمة وهو يحدق في ذاك الوشاح الأزرق الملتف حول عنق كنان:
_إذا فقد زارتك.
لم يتحدث الشاب، وربما لم يستطع، كان لسانه أثقل من أن ينطق بأي كلمات، الحمى تكاد تفقده وعيه، وبالكاد يفتح عيناه، ليتابع الآخر بنبرة هادئة أخفت وراءها قسوة لم تكن كذلك قبل فتح حديث الإرث والثروة:
_ألن تغير رأيك؟
أجابه بصوت منخفض، لم يكن واضحا لكنه مفهوم إلى حد ما:
_نعم.
زفر الآخر بسخرية ووقف قائلا:
_انظر لنفسك، سيقتلك عنادك يا كِنان
تابع وهو يوليه ظهره مغادرا:
_لا زال لديك وقت للتفكير.
خرج مغلقا الباب خلفه صاعدا السلالم بوجه لا يحمل أي تعبير وإن كان في قرارة نفسه يشتعل غضبا.
قابلته زوجته بنظرات قلقة عندما رأته يخرج من تلك البقعة الجليدية، ترددت كثيرا قبل أن تنطق بصوت متردد مرتجف يحسب لردة الفعل ألف حساب:
_ألا ترى أنك تقسو عليه؟
حدجها بنظرات حادة قبل أن يقول:
_أتذكرتِ قول ذلك الآن؟ عليك إقناعه بالموافقة إذا.
_ولكن...!
_لا نقاش في ذلك.
توجه نحو الباب الرئيسي مغادرا ليتركها ترتجف ثم تسقط أرضا منهارة بعد خروجه، لم تعد تستطيع الاحتمال، تعلم جيدا أنها مشاركة في هذه الجريمة، جريمة قتل ابنها ببطء، بدل أن تقف معه، أن تكون لجانبه، أن تساعده، أن تقنع زوجها بتركه؛ وقفت في ركن المراقبة، تشاهد بصمت، بقلب منفطر، بخوف، بعجز، و... بجبن!
حملت نفسها لتتجه نحو غرفتها تحت أنظار تلك الخادمة التي أشفقت على حالها، لكنها لم تقل شيئا فلا شأن لها في أي شيء، إنها مجرد شخص يربطه بهذه العائلة عمل فقط.
❀❀❀
في نهاية الدوام الثانوي، عادت شِيم لقصرهم، لتدخل بعد أن ألقت السلام وقد تعدل مزاجها قليلا، فثرثرة عائشة لها مفعول السحر في جعلها تبتسم، وأيضا كلمات سلسبيل التي تغرقها بالأمل دائما تريحها.
لم تجد أمها بالأرجاء، فتوجهت نحو المطبخ لتجد الخادمة تعد الغداء، فحيتها بابتسامة صغيرة وسألت:
_أين أمي؟
أجابتها الأخرى بلطف تخفي شفقتها على تلك المرأة:
_أظنها نائمة في غرفتها.
هزت شِيم رأسها متفهمة ثم سألتها بلهفة وقد خطرت فكرة ببالها:
_هل أبي موجود؟
هزت الخادمة رأسها نافية لتقفز الأخرى فرحا ثم تنظر لقدر الغداء:
_هل جهز؟
فهمت الأخرى سبب سعادتها لتقول بابتسامة مشفقة:
_نعم، هل أجهز صحنا؟
أجابت بترجي:
_نعم من فضلك، وأرجوك لا تخبريهما!
أومأت المرأة بهدوء ثم جهزت لها طلبها لتأخذه شيم بعد أن وضعت معه خبزا وعصير ليمون بالنعناع في صحن مسطح، ثم توجهت بخطى سريعة نحو القبو تاركة حقيبتها المدرسية في المطبخ لتتنهد الأخرى بأسى وتأخذ الحقيبة لتضعها في غرفة الفتاة.
أما شيم فقبل أن تنزل السلالم عادت لغرفتها بسرعة لتأخذ المصباح ثم أمسكت الصحن من جديد ونزلت بحذر كي لا تسكب شيئا من الحساء وهي تدعو الله ألا يبرد بسرعة.
فتحت الباب ودخلت لتجد شقيقها يتكئ بظهره على الحائط مغمض العينين، ظنته نائما فأردفت بنبرة مرحة:
_السلام عليكم!
لم تحصل على رد فانتابها القلق لتضع الصحن جانبا وتقترب بخطوات مرتعدة من شقيقها وتعيد التحية فلم يجبها كذلك، هزته بلطف فسقط أرضا لتتسع حدقتاها ويتجمد الدم في عروقها، كان عقلها يقنعها بمرارة ما تراه، وقلبها يرفض التصديق، دموعها الساخنة أحرقت خديها الباردتين، لتركض بوجل نحو الأعلى، تطلب النجدة، تريد أي شخص لساعدها، أي أحد، حتى والدها!
ركضت لغرفة والدتها، فتحتها بقوة دون طرق، لتجد والدتها شاردة الذهن تجلس على حافة السرير تراقب الفراغ، ولكن دخول ابنتها المفاجئ أفزعها، وما زاد فزعها رؤية تلك الدموع وتلك الصدمة على وجه شيم، لتقترب منها وتهز كتفيها بقوة:
_ما بك يا شِيم؟ ما بك؟!
أردفت الأخرى والكلمات تتعثر لتخرج بصعوبة:
_كِـ... كِنان، مات يا أمي!
علقت الكلمات في حلق الأم وهي تستمع لهذا الخبر الصادم، ربما كان متوقعا، لكنه مرفوض، لتتحرك بخطى سريعة متجاوزة ابنتها نحو القبو، نزلت السلالم بسرعة متجاهلة زوجها الذي عاد لتوه ليتناول الغداء، رفع حاجبه بذهول وهو ينظر لها باستنكار لتجاهلها إياه، وما زاد استنكاره ركض شِيم خلف والدتها، فما كان منه سوى أن يتبعهما.
اقتربت الأم بخطى متعثرة من ابنها الملقى على الأرضية الباردة، هزته بعنف وأخذت تناديه بصوت مرتجف وعينين دامعتين، لكن لا إجابة، خرت شِيم جالسة ودموعها تتسابق لتنزل من عينيها، في حين اقترب والدها من زوجته بوجه عبث فيه قلق حاول إخفاءه، لم يكن شفقا بل خوفا مما سيجري، لم يتوقع أن تؤول الأمر إلى هذا الحال!
تفقد نبض كِنان ثم تنهد بارتياح ليحمله متوجها للأعلى قائلا:
_لا يزال حيا.
تهلل وجهيهما لذلك وتبعتاه لتنظرا إلى أين سيأخذه، أخذهما الأمل بكونه سيأخذه للمشفى لكن سرعان ما انتابهما الإحباط عندما صعد السلالم للطابق الثاني لينظر بطرف عينه لابنته التي تكفكف دمعها بعد أن وقف أمام باب غرفة كِنان:
_افتحي الباب.
اقتربت بسرعة وفتحت الباب ليدخل والدها ويضع الشاب على السرير ثم توجه خارجا لتوقفه زوجته بنبرة مرتجفة:
_ألن تأخذه للطبيب؟
_لا يبدو أن ذلك ضروريا.
نظرت له المرأة بصدمة وتساءلت في نفسها «أمات قلبه لهذه الدرجة؟» في حين أردفت ابنته بصوت باكي وهي تشيعه بنظراتها المنكسرة:
_أنت قاسٍ يا أبي، قاسٍ جدا!
استوقفته كلماتها لوهلة لكنها لم تكن ذات تأثير كبير عليه، فغادر دون قول حرف واحد.
اقتربت شِيم من شقيقها ثم لمست جبينه لتقول بقلق:
_حرارته مرتفعة!
ما إن سمعت الأم كلمات ابنتها حتى خرجت مسرعة ثم عادت بسرعة ومعها كمادات باردة لتضعها على جبين ابنها وهي تمتم بكلمات الدعاء، راقبتها شِيم بابتسامة حزينة وهي تتمنى لو أن اهتمام والدتها هذا جاء منذ وقت، ليس بعد أن كاد الأوان أن يفوت ويحرمها من سندها ومتكئها، كانت تنظر لأخيها بعينين لم تتوقفا عن ذرف الدموع وتساءلت بصوت مرتجف:
_هل سيكون بخير؟
أجابتها بنبرة لا تقل ارتجافا عنها:
_إن شاء الله، بدلي ملابسك وتعالي لتبقي معه.
هزت رأسها بإيجاب ثم غادرت بسرعة لتتلقاها الخادمة بوجه قلق:
_أهو بخير؟
_مغمى عليه
ذهبت دون أن تسمع رد تلك التي تألمت على حال هذا الشاب وأخته، ودعت في قرارة نفسها أن يشفيه الله ويهدي زوج أمه.
❀❀❀
خرج سالم من القصر وعقله مشغول بما جرى، ماذا إن مات كِنان حقا؟ عندها سيعد قاتلا، ولكن هل الأمر يستحق؟ هل المال يستحق أن يفعل لأجله كل هذا؟
طرد الأفكار من ذهنه بقوة وركب سيارته متوجها لعمله، فهو لا يريد أن يشعر بالشفقة تجاه ابن زوجته، بل ويظن أنه على حق فهو يستحق المال لأنه من اعتنى بالشاب مذ كان غلاما، ورباه كمن يربي ابنه، ولكن... ما لا يفهمه هو نفسه هل فعل ذلك لأجل المال منذ البداية أم أن طمعه أتى بعد وقت طويل؟
نزل من سيارته ليتوجه نحو شركة العقارات خاصته، دلف للداخل ثم توجه لمكتبه دون أن يطلق بصره ليتجول داخل المبنى كالعادة، فلم يكن في مزاج لذلك.
جلس أمام مكتبه وما هي إلا دقائق حتى طُرق الباب فسمح للطارق بالدخول ليدخل رجل في منتصف عقده الخامس ممسكا بكوب قهوة ساخن ثم وضعه على المكتب بعيدا عن الأوراق، وقال بنبرة هادئة بعد أن ألقى السلام:
_تبدو متبعا سيدي.
علق سالم دون أن يرفع نظره عن الأوراق وهو يرتشف قهوته:
_أنا بخير.
_ألم تجد الشرطة أي أخبار عن كِنان؟
_كلا
_أرجو أن يجدوه سريعا ويطمئنوكم.
_أرجو ذلك
قالها بهدوء وذهن شارد ليستأذن منه الآخر مغادرا.
❀❀❀
كان سلسبيل تجلس في غرفتها، تدرس على مكتبها الصغير بتركيز، تدون وتحفظ وتكرر، تشاهد مقاطع للدروس التي لا تفهمها وتعيدها عدة مرات، ثم تسمع على نفسها، وتختبرها عن طريق أسئلة امتحانات سابقة وهكذا حتى سمعت طرقا على باب غرفتها.
دخل شقيقها وحياها بهدوء لترد التحية بابتسامة صغيرة ثم تسأله باستغراب:
_عدت باكرا من العمل.
_سأعود بعد قليل، عُدتُ لأرتاح قليلا فكثرة الوقوف متعبة حقا.
_أهناك من يقف بدلا عنك خلف طاولة المحاسبة؟
_نعم، لي صديق يساعدني على ذلك
أومأت متفهة والتزمت الصمت، فجلس هو على حافة السرير وأردف بشرود:
_التقيتِ بشِيم اليوم صحيح؟ أما من أخبار عن شقيقها؟
_كلا، لا جديد.
تنهد بضيق:
_يبدو أمره غريبا بحق.
التفتت له بكرسييها المتحرك باستغراب متسائلة:
_ماذا تقصد؟
أجابها بما يجول بعقله بصدق:
_كيف لم تجد الشرطة أي أثر له؟ وإن كان مُختطفا لمَ لمْ يطلب المختطف فدية حتى اللحظة؟ فقد مضت ثلاث أشهر! بل وإن كان اختفى بإرادته كيف لم يره أحد؟ كل شيء يبدو غريبا هنا!
لم تعلق على كلماته فنظر لها بعتاب:
_شاركيني رأيك
_لا رأي لدي لأعطيه
رفع حاجبه الأيمن باستنكار:
_ألا زلت غاضبة من أمس؟
قوست شفتيها بغضب طفولي ليقهقه قائلا:
_يا لك من طفلة!
_لست طفلة!
_بل أنت كذلك
نظرت لمكتبها لغيظ تبحث أن أي شيء تقذفه به لتسكت فمه عن استفزازها، فلما فطن لذلك خرج من الغرفة مسرعا وهو يقول ضاحكا:
_سأشتري لك طاولة جديدة فقط لا تغضبي.
صرخت به وهي تغلق باب غرفتها بقوة:
_لا أريد منك شيئا!
صم أذنيه بأصابعه بسبب صفعة الباب القوية، ثم نظر بتذمر لغرفة شقيقتها متمتما:
_أنا حقا لم أقصد كسرها، جلست عليها فقط!
ألقى بجسده على الأريكة مشغلا التلفاز الذي فتح على مسلسل أجنبي، فشده المشهد وجلس يتابع دون فهم حرف واحد مما يقال ولكن الشيطان يزين الحرام ولو كان صعبا، كان منغمسا جدا في المسلسل حتى شعر بضربة عصا خفيفة على قدمه ليغلق التلفاز بفزع ناظرا لصاحب العكاز بنبرة مبررة:
_لم أقصد متابعته، لكنني انجذبت له دون وعي!
علق الشيخ بلهجة مؤنبة:
_أهذا مبرر للمعصية؟ احذر زنى العين يا بني.
طأطأ الشاب رأسه بخجل وهز رأسه متفهما ليغادر الشيخ دون قول أي شيء آخر، فتنهد المضجع على الأريكة وجلس يستغفر لوهلة فهو لم يشاهد مسلسلا منذ بضع سنوات بعد أن قطع عهدا على نفسه أن يبتعد عن كل ذنب، لكن النفس البشرية ضعيفة.
كاد الشيخ سعد يغادر لمزرعته الصغيرة حيث نعاجه ودجاجته التي يعتني بها وكأنها قطعة منه، لكن استوقفه صوت رنين هاتف حفيده الذي قطب حاجبيه بتعجب متمتما:
_السيد سالم، ما الذي يريده؟
جلس جده على الأريكة المقابلة وقد استرعى اهتمامه هذا الاتصال، في حين أجاب سَند بنبرة غلفها الاحترام بصوت شبابي هادئ ملقيا التحية ليردها الآخر ثم يدخل في صلب الموضوع مباشرة:
_كيف يسير العمل؟
_على خير ما يرام سيدي
_ممتاز
علق الشاب باقتضاب:
_ألي أن أعرف سبب اتصالك سيدي؟
_أردت الاطمئنان على الأمور فقط فلم أزر المركز التجاري منذ وقت كما تعلم.
تعابير احتقار ظهرت على وجه سند الذي لم يكن يطيق هذا السالم يوما، لكنه أردف بهدوء مخفيا بغضه:
_أما من جديد؟
_هناك شعلة أمل
أنهاها بابتسامة كاذبة حاول منع السخرية من الظهور فيها ليعلق الآخر بكلمات وشت بسعادته:
_حقا؟ هل وجدتموه؟
_كلا، لكن وصلتنا رسالة منه تخبرنا أنه بخير وسيعود للبلاد قريـ...
بتر جملته التي خرجت من فيهه بانسيابية وهو يحاول إدراك حجم المشكلة التي أقحم فيها نفسه؟ ما بال عقله فجأة؟ من أين أحضر هذا الكلمات؟ عليه الآن تدبير خطة يظهر فيها كِنان دون فضح نفسه؛ ما هذه المشكلة التي أوقع بها نفسه؟
انتشله من دوامة أفكاره كلمات تغشاها الفرح من فيه الشاب الذي لم يعرف كنان إلا معرفة عمل لكنه يشهد له بدماثة خلقه وطيبة قلبه:
_حسنا أرجو أن يعود قريبا، السلام عليكم!
أغلق الخط لتتبدل ملامح وجهه لملامح الاحتقار من جديد فهو لا يصدق حرفا مما يقوله هذا الرجل بل ولا يرتاح لحديثه البتة ولكنه يرغم نفسه على لعب دور المصدق، نظر لجده الذي فحصه بعينيه النصف مفتوحتين ظلالة على كبر سنه وقال محاولا رسم ابتسامة كاذبة:
_يبدو أن السيد كِنان كان مسافرا.
هز المسن رأسه متفهما ثم اتكأ على عكازه واقفا ليخرج نحو مزرعته، ولما كاد سند يخرج أيضا لمح شقيقته التي سمعت كلماته على ما يبدو فابتسم ممازحا عندما رأى شبح ابتسامة على شفتيها فيبدو أن كابوس صديقتها سيزول أخيرا -حسب اعتقادها-
_أجئت لتودعيني؟
رمقته باحتقار لم تكن لتظهره له لولا تذكرها لكسره طاولتها المفضلة التي أهدتها لها شِيم في بداية صداقتهما عندما زارتها في منزلها لأول مرة، وسبب اختيارها لطاولة تحديدا هو أن حديثا قصيرا دار بينهما عن طقوسهما الخاصة للدراسة لتقول سلسبيل أنها تحب الدراسة على الأرضية مع طاولتها التي كسرها شقيقها عندما وضع عليها كيسا مليئا بالأغراض الثقيلة مما تسبب في كسرها؛ لذلك اشترت شيم لها طاولة كهدية لتتذكرها بها... والآن سند يعيد كرته الحمقاء ويكسر هذه الطاولة أيضا.
أجابته بجفاء وعيناها:
_ليس وكأنك ستغيب شهرا.
حدق بها متذمرا وزفر بضيق ليتوجه نحو سيارته عائدا لعمله، في حين أردفت العجوز بنبرة عبث بها الزمان وقد سمعت المحادثة القصيرة التي دارت بين الشقيقين:
_لم أنت غاضبة منه بنيتي؟
أجابتها الفتاة بحزن جلي وهي ترمي نفسها جالسة على الأريكة التي كان يجلس عليها هو:
_لقد كسر طاولتي يا جدتي، إنها المرة الثانية التي يفعلها!
ابتسمت العجوز بلطف محاولة تهدئة تلك الغاضبة وسؤال واحد يطرأ ببالها؛ لم الشخص الوحيد الذي يرى هذا الجانب الغاضب منها هو سند؟ فهي لا ترها تظهره لأحد مهما كان غير شقيقها، الجميع يراها هادئة، رزينة؛ أما تلك الطفلة داخلها لا تظهر إلا برفقة توأم روحها شقيقها الأكبر، الفرق بينهما عام ولكنها تبدو أكثر رزانة منه أحيانا.
_لم يقصد ذلك، سيشتري لك واحدة جديدة اطمئني.
...
..
.
يُتبع...