عاد سند من المسجد برفقة جده سعد، توجه الشاب نحو المخزن ليسأله المسن بصوت رخيم:
_ماذا ستفعل يا بني؟
ابتسم سند قائلا بنبرته المرحة:
_ما يَسُر حبيبة قلب جدها الغاضبة.
حدجه العم سعد بنظراته مطولا ثم دخل للمنزل دون قول حرف واكتفى بابتسامة صغيرة استقرت على ثغره الرفيع، في حين توجه هو نحو المخزن وفتح الباب ثم أشعل النور ولمس الطاولة، فلما تأكد من جفاف وثبات الطلاء أغلق أقدامها وفتحها مجددا ليتأكد من عملها بشكل جيد فابتسم ابتسامة كادت تشق وجهه لشدة سعادته، فأغلق الأقدام مجددا وأخذ الطاولة يحملها بحرص وكأنه يخاف عليها من الخدوش وليس الكسور فقط هذه المرة فهو بالطبع لن يصلحها مجددا بعدكل الوقت والتعب الذين أخذتهما منه في سبيل إرضاء سلسبيل.
دخل المنزل ليتلقاه وجهها الغاضب وهي تقول:
_أين الطَّـ...
بترت جملتها عندما رأته يحملها فأخذت تراقبه بدهشة وهو يقترب:
_أصلحتها؟
ابتسم ممازحا:
_عليك أن تكوني ممتنة، سهرت الليل على إصلاحها؛ انظري تبدو جديدة صحيح؟
أخذتها منه وجلست تفتحها وهي تتفحص كل شبر فيها غير مصدقة، تقلب بصرها بين شقيقها وبين ما في يديها بدهشة ولسانها يردد:
_ما شاء الله، وكأنها جديدة!
ابتسم مفتخرا بهذا الإطراء وقد أسعده أنها أخيرا رضت عنه، ليراها تأخذ طاولتها متوجهة نحو غرفتها وقد عادت لطبيعتها الهادئة وتلك الابتسامة تداعب شفتيها:
_سأذهب لأتجهز.
هز رأسه مبتسما وتوجه نحو غرفته ليفعل الأمر ذاته.
✿✿✿
كان كِنان غارقا في أفكاره بعد مغادرة شِيم للثانوية، لقد أسعده وجودها قربه وثرثرتها التي لا تنتهي، ذهابها جعله يغرق مجددا في بحر أفكاره التي ترواده بشأن المستقبل، أسئلته التي ينتظر من الزمان أن يجيبه عنها، عيناه مثبتتان على المكتبة المقابلة للسرير حيث يجلس متكئا على الحائط الذي تفصله عنه وسادة وضعتها شِيم باهتمام صادق، ولم يجذبه لليابسة منتشلا إياه من عمق البحر سوى دخول والدته، كانت تحمل في يدها صينية بها كأس حليب دافئ مع تُست بالمربى.
وضعته على المنضدة وجلست على حافة السرير، أرادت أن تسأله عن حاله لكنها خجلت من نفسها، في كل مرة تتردد في الحديث وكأنها تعاقب نفسها، دون أن تدري أن ذلك يؤلم ابنها، يؤلمه أكثر من عدم وقوفها معه في الفترة الماضية، لم يجد هو ما يقوله لكنه لم يرد للصمت أن يستمر ضيفا ثقيلا على قلبيهما لوقت طويل، فأردف بابتسامة لطالما عانقت شفتيه:
_كيف حالك اليوم يا أمي؟
طأطأت رأسها مجيبة:
_الحمد لله.
لم تتجرأ عن سؤاله عن حاله كذلك، فحاله أمامها، بالرغم من تحسنه قليلا إلا أن جسده لا زال هزيلا ووجهه شاحبا وإن عاد بعض لونه بسبب الدفء.
حركت شفتيها بارتعاش بعد أن ضمت يديه بين كفيها:
_سامـ
قاطعها قائلا بنبرة حانية حملت بعض العتاب:
_يكفي اعتذارا أمي، تؤلمين قلبي هكذا.
أدمعت عيناها كلماته فشدت على يديه أكثر ولزمت الصمت ولزمه هو، لوقت بدا طويلا لكليهما رغم أنه لم يجاوز الثلاث دقائق، لكن ثقل الصمت أحيانا يضاعف الوقت في أذهاننا.
أبعدت يديها لتتحرر يداه أخيرا، ثم أمسكت بالصينية ووضعتها على فخذيه قائلة بلطف:
_تناول فطورك.
ابتسم ملاطفا:
_ألن تشاركينيه؟
ترددت قبل أن تجيبه بابتسامة صغيرة فاشلة:
_كلا... علي الذهاب لسالم.
لم يعلق على كلماتها واكتفى برسم ابتسامة هادئة على شفتيه فانسلت من جنبه بصمت، ليشيعها بنظراته حتى اختفت أسفل تلك السلالم التي يفصلها عن باب غرفته ممر عريض بعض الشيء، حدق في الصينية لوهلة ثم ابتسم بخفة وهو يتذكر شِيم كيف كانت تساعده على الأكل، اليوم لن تفعل ذلك فليست بجانبه الآن، وأيضا لكونه استعاد بعض صحته التي سلبه إياها الجوع والبرد والتفكير.
مد يده اليمنى للتُست المدهون بمربى البرتقال وسمى الله ثُم قضم قضمة تلتها جرعة حليب وهكذا حتى أكمل إفطاره ليحمد الله كثيرا على تغير حاله فسبحان الله مبدل الأحوال كيف بدل حاله من فرج لضيق ليقربه إليه ويخبره ألا تكون آماله بالخلق، فلما وجه شطره نحو القبلة ودعا الله وناجاه وتضرع إليه في فترة ضيقه؛ بُدل حاله من ظلمة القبو لنور غرفته... ربما أكثر ما تعلمه خلال الثلاث أشهر القاسية أن يتمسك بالأمل، حسن الظن بالله، لقد شعر حقا بطعم المناجاة في جوف الليل، التذلل لله الواحد الأحد، ولقد تعلم الصبر، الصبر الذي به يمكن للمرء تجاوز أقصى الابتلاءات.
تعلم كيف أن الصبر على الابتلاء عبادة، وأن الله لا يترك عبدا أحسن الظن به ووكله أمره، وأن الظلم مهما طال فلا بد لظلامه أن ينجلي ويتسلل في بادئ الأمر قبس من نور الأمل ثم يليه النور كاملا، هكذا الحياة، يوم لك، وأيام عليك، سترى البؤس والشقاء والكد، وسترى الفرح أيضا، لكنها دار شقاء وهذه صفتها، وما النعيم الحقيقي سوى في جنة عرضها كعرض السماء والأرض، في النظر لوجه الخالق الكريم، في مجالسة الأنبياء والصالحين، في شربة من حوض النبيء، ولقاء من فارقونا في الدنيا ونأمل أن يكون لقاؤنا معهم في الآخرة، في جنة الفردوس الأعلى.
لم يمضِ كثير وقت على شروده داخل أفكاره حتى دخل عليه سالم بملامحه الجامدة التي لا تدري منها بما يشعر، غاضب؟ سعيد؟ حزين؟ ضائق صدره؟ لن تعلم فهو يخفي أكثر مما يبدي.
رفع كِنان بصره تجاه زوج أمه بصمت، لم يزح نظره ولم يفعل الآخر ذلك أيضا، بل جلس على الكرسي قبالة السرير واستمر التواصل البصري لدقائق قليلة بدت طويلة حد الضيق، ولا أدري أأقول لحسن حظ كِنان أم لسوء حظه أن تحدث سالم أخيرا قائلا بلهجة أقرب للأمر:
_عند عودتك للعمل؛ حذاري أن تتفوه بحرف واحد.
استطرد بنبرة أكثر هدوءا لكن بعينين أكثر حدة تكادان تخترقان وجه كِنان:
_لم أغير رأيي في أمر التنازل.
لم يعلق الشاب واكتفى بالصمت كعادته كلما حدثه لكن سالم هذه المرة لم يخرج ويتركه ليفكر، بل بقي جالسا ينتظر رده، ينتظر تعليقا، كلمة، حرفا يخرج من شفتي الذي أمامه.
_إلى متى ستظل صامتا؟
لم يجبه في بادئ الأمر وكأنه يفكر في ما سيقول، ثم رسم ابتسامة هادئة على ثغره موجها عينيه صوب عيني الآخر مباشرة... ربما كنوع من التحدي!
_حتى تيأس.
قالها ببساطة متحديا زوج أمه، ثم صمت قليلا وأردف ببطء ببطء موقعا على كل حرف «يا عم»
رفعة الحاجب الأيمن والنظرة التي حدق بها الرجل كانت تشي بتعجبه الشديد من هذه الكلمة، ولا يمكنه البتة إنكار شدة وقعها عليه وإن لم يُبدِ غير تعجبه، ثم علق ساخرا:
_إذا ثلاثة أشهر كانت كفيلة بجعلك تنسى لفظة أبي؟
ابتسم كِنان بمرارة ولم يجب، ما الداعي للسؤال؟ وما المهم في الإجابة؟ هل ستغير شيئا؟ هل ستجعل سالم يصرخ نادما عن أفعاله؟ لا؟ إذا لمَ يجيب؟!
وقف سالم ليغادر هذه المرة، ربما استيأس حقا منه، ألقى عليه بنظرة أخيرة ثم غادر ليتركه ليغرق في بحر أفكاره من جديد.
✿✿✿
نزلت سلسبيل من السيارة بعد شجار أُخوي معتاد مع سند الذي يستمتع بإزعاجها، لكن لم يكن ذلك كافيا لتعكير مزاجها أو غضبها الشديد منه، فقد شفع له اليوم إصلاحه للطاولة وسهره على ذلك.
توجهت حيث رفيقتيها وقد لاحظت ارتخاء ملامح شِيم وعلامات انشراح صدرها فيما كانت تستمع لثرثرة عائشة التي لا تتوقف، سلمت عليهما ثم سألت شِيمَ وقد كشف ثغرها عن ابتسامة لطيفة:
_تبدين سعيدة، أهناك جميل خبر عن شقيقك؟
هزت رأسها بنعم وهي تقول بنبرة هادئة:
_الحمد لله.
اكتفت بهاتين الكلمتين فقط، فهي تخشى زلة لسانها وإفراغها لكيس الحقائق الذي يكاد ينفجر لشدة كتمانها؛ أما الفتاتان فلم تنهالا عليها بالأسئلة أو الاستجوابات، فإجابتها كانت واضحة منذ البداية، هي لا تريد الخوض في هذة الحديث، فلِم يرغمانها؟
سرْن متجاورات نحو صفهن، ثم جلست سلسبيل وعائشة معا كالعادة فمنذ المرحلة الإعدادية تجلسان معا، في حين جلست شِيم في الكرسي الأول أمامهما مع فتاة انطوائية قليلة الكلام، لم تتبادل شِيم معها أطراف الحديث إلا مرات قليلا، وكانت كثيرة الالتفات لعائشة التي تحدثها في الحصص فتتعرضان لعقاب المعلمات اللاتي يوقفنهما في آخر الفصل، كل في زاوية؛ أما سلسبيل فلم تكن معهن لأنها وبمجرد بدء الحصة تقوم بتفعيل وضع التركيز التام فتتجاهل همسات عائشة وتنهداتها بين الحين والآخر.
مضت الحصص كسابقتها من الحصص الماضية، لم يكن بها شيء مميز سوى تلك الابتسامة الصغيرة التي كانت تستقر على شفتي شِيم مع شرودها المتكرر -الذي اعتدن عليه-، لكن لم يسألها أحد، ربما كان الأمر أشبه بـ التدخل في أمور لا تعنيهن، حتى المعلمات فرحن لتقلص هالة الكآبة المحيطة بها، وكم سعدن بسماع صوتها من جديد وهي تلقي بمشاركاتها على مسامعهن بحماس تارة وبهدوء تارة أخرى.
انقضى اليوم الدراسي على أمل أن تكون قادم الأيام بمثل انشراحه، خرجت الفتيات الثلاثة نحو الساحة الأمامية بعد أن شاركن في مسابقة الرسم، كانت شيم وسلسبيل قد شاركتا بشغف وحماس؛ أما عائشة ففعلت ذلك لتمضية الملل والوقت الذي من المفترض أن تقضيه بانتظارهما فليست من مفضلي الرسم عكس صديقتيها.
بدأت عائشة الحديث بنبرتها الحماسية-التي اعتادتاها- بعد أن وقفن في الساحة الأمامية حيث ينتظرن جميعا أهاليهن:
_احزرا!
نظرتا لها باهتمام لتقول سلسبيل بلطف:
_ماذا؟
رمقتها عائشة بملل:
_قلتُ احزرا لا اسألا (تابعت بنبرتها السابقة) لن تتوقعا!
علقت شِيم بتفكير:
_وجدتِ خلوة قريبة للالتحاق بها؟
أجابت بأسى:
_كلا، ليس هذا.
فكرت سلسبيل:
_سيعود عمك من السفر قريبا؟
هزت رأسها نافية لكنها ابتسمت قائلة:
_اقتربتِ سيلا.
تساءلتا معا
_للأمر علاقة بعمك؟
_بالضبط!
سألت سلسبيل:
_اتصل بك واعدا إياك بهدية؟
_كلا!
ضيقت شِيم عينيها بشك وهي تفكر بشيء يجعل صديقتها بهذه السعادة:
_هل ستسافرين له؟
صفقت عائشة يديها معربة عن حقيقة الأمر قائلة:
_أصبتِ!
كان التفاجؤ جليا على ملامحهما وتساءلتا معا:
_متى؟
_بعد أسبوع؛ أي بعد أن نكمل امتحانات الفصل الأول
_ماذا عن دراستك؟ (علقت شِيم بتعجب)
_أسبوعين لن يؤثرا على مستواي -إن شاء الله- وأبي سيستأذن من الإدارة (تابعت بابتسامة عابثة) ثم أن لدي صديقتين سترسلان لي ما يفوتني صحيح؟
ابتسمت شِيم بمزاح قائلة:
_وإن لم نفعل؟
رمقتها بتذمر قائلة:
_عودي لكآبتك شِيمو، لا أحب هذا الجانب اللئيم منك.
ضحكت المعنية بالكلام بخفة وكذلك سلسبيل، لتفر قهقهة صغيرة من ثغر عائشة التي قالت بعد ثوانٍ بنبرة أكثر رزانة:
_أبي أيضا سيأخذ إجازة من عمله، سأذهب أنا وهو وأمي.
ابتسمت سلسبيل:
_تبدين متحمسة عائش
_أكثر مما تتوقعين، لم أرَ عمي وزوجته وجها لوجه منذ ست سنوات.
تابعت بعفوية وهي تنظر لشيم:
_ألم تشتاقي لكِنان رغم قصر الوقت الذي مضى؟
وكزتها سلسبيل بخفة عندما لاح على ملامح المقصودة حزن دفين لم تفلح في إخفائه رغم إجابتها الملحقة بابتسامة باهتة:
_بلى.
_شِيمو، أشعر أنك تخفين عنا شيئا.
نظرت لها شِيم بتعجب لتؤكد سلسبيل وكأنها أرادت فتح الحديث منذ وقت طويل لكنها لم تملك الجرأة الكافية لذلك:
_منذ اختفاء كِنان شيء ما تغير فيه، ليس اختفاء سعادتك فقط، بل شيء أعمق، سر ما يثقلك.
لاح شبح ابتسامة حزينة على شفتيها وهي تقول بلطف:
_أيمكننا إغلاق هذا الحديث؟
زمت عائشة شفتيها بسخط لشعورها أن صديقتها لا تثق بهما كما يجب في حين تنهدت سلسبيل بيأس وحزن على حال رفيقتها ودعت في قرارة نفسها أن يجمع الله الشقيقين ويطمئن قلب الفتاة.
✿✿✿
_ألا زلت تراسلها؟
أجابه بتذمر وهو يضع هاتفه جانبا بعد أن قرأ الإشعار الذي وصله:
_بلى.
_لكنك تعلم أن...
قاطعه بنبرة غلبها الملل وقد حفظ الجملة التي سمعها للمرة المئة هذا الأسبوع:
_حرام، كم أخبرتني بهذا؟
_منذر، اتقِ الله، لا تعنها على خيانة الله ووالديها بسبب ما يسمى الحب يا رجل!
تأفف الآخر غاضبا وقد ضرب الطاولة التي يجلسان عليها في الكافتيريا بقبضته بقوة:
_ألا يمكنك الاهتمام بشؤونك؟ تتحدث ليس وكأنك لست مدمنا للأغاني، أو لم تفعل حراما في حياتك!
تنهد سَند بضيق بعد هذه الكلمات وهو يقول بهدوء محاولا ضبط أعصابه:
_يا رجل لم أقل أنني لا أُذنب، لكنني أجاهد، وعليك أن تفعل ذلك أيضا.
_فلتدعُ لي بالهداية إذا.
أنهاها بغضب وهو يمسك هاتفه ليغادر تاركا الآخر يصارع نفسه، هو لا ينكر ذنبه، يعلم أنه يستمع للموسيقى بشكل إدماني، لكنه يحاول، يحاول أن يبتعد عن هذا الطريق، عن هذا الجانب، وأيضا... لا يريد أن يكون وحده، بل يريد أن يسير في طريق الهداية مع صديقه الوحيد، أن يشدا بأيدي بعضهما ويوقظ كل منهما الآخر حين غفلته، لكن مُنذر يُكابر، لا يريد الاعتراف بالخطأ، ولا يريد أن يفتح قلبه لكلمات صديقه وكم حدث بينهما من شجار بسبب ذلك.
هذا الحديث كان روتينا يوميا لهما، يتشاجران حول هذا الموضوع، ثم يذهبان للعمل بعد الجامعة وكأن شيئا لم يكن، ثم يتكرر الأمر في اليوم التالي وهلم جرا...
ولكن هل سيصبر سَند على الأمر بالمعروف؟ وهل سيصبر مُنذر على سماع نفس الكلمات لفترة طويلة؟
أخرج سَند زفيرا حادا، ثم رتب الكراسي كما كانت، وتوجه نحو قاعة محاضرته التالية، كان شارد الذهن، عقله يعمل كطواحين تقلب الأفكار دون كلل أو ملل، ربما يتفنن هذا العقل في إثارة ضيقه، فإضافة إلى همه الذي يسببه له عناد صديقه، فإن قلبه مشغول بأمر كِنان، الشاب الذي اختفى فجأة عن الأنظار، في يوم كان عاديا للجميع.
وقتها ذهب سند لعمله بعد الجامعة كما يفعل دائما، وجد المركز التجاري مغلقا، لم يفهم سبب ذلك، لكنه حدث نفسه باحتمالية تأخر كِنان في فتحه، فالمركز يخص كِنان بكل ما فيه من بضاعة وسَند ومُنذر يعملان كباعين فيه.
اتصل الشاب بمالك المبنى لكن حتى مع تكرر الاتصالات لم يحصل على رد، ولم تكن هذه عادة كِنان، مع ذلك استسلم وعاد للمنزل، ليجد الهم مستقرا على وجه شقيقته فسألها عن السبب لتخبره باختفاء شقيق صديقتها، باختفاء كِنان منذ ليلة أمس، ويبدو أن عائلته لم تعلن عن ذلك سوى فجر اليوم طالبة من الشرطة معاونتهم في البحث عنه، في تلك اللحظة فهم سَند سبب إغلاق المحل وانتابه القلق على ذاك الشاب، فالجميع يشهد له بدماثة خلقه فمن الذي ينوي يكيد له الأذى؟
بعد يومين أو ثلاث من تلك الحادثة أتى اتصال لسَند من سالم يخبره فيه أن المحل فُتح مجددا ويمكنه العودة للعمل هناك، تعجب الشاب كثيرا من ذلك، وشعر ببعض الشك يراوده فلم يكن ذلك منطقيا، أن تسير الأمور على طبيعتها، وتعمل المراكز التجارية المتنوعة التي كانت صفا واحدا ومالكها لا أثر له فهذا شيء يثير الاستغراب حقا، وربما تساءل الناس عن ذلك لكن أحدا لم يهتم كثيرا، غير سَند المولع باكتشاف الحقائق وإزالة الغموض عن الأشياء المحيطة به.
✿✿✿
دخلت شِيم للمنزل بعد أن ودعت السائقة بابتسامة هادئة، ثم ركضت للداخل بحماس لتلتقي بشقيقها، رمت حقيبتها في غرفتها بإهمال ثم توجهت لغرفة شقيقها بسرعة، طرقت للباب وما إن تناهى إلى مسامعها إذنه حتى دخلت وألقت عليه السلام بصوت بشوش وجلست على الكرسي تسأله باهتمام:
_هل تناولت فطورك؟
_نعم يا أميرتي لا تقلقي... كيف كان يومك الدراسي؟
ابتسمت بسرور وهي تجيبه:
_كان أجمل حالا من سابقه من الأيام، الجميع لاحظ ابتسامتي، قالت عائشة أن وجهي ازداد نورا وكأنني مصباح تم إشعاله فجأة.
ضحكت على تشبيه صديقتها لها فابتسم بلطف ممازحا:
_الحمد لله، إياك وإطفاء المصباح مجددا.
قالت بعفوية:
_أنت الزر الخاص بتشغيل وإطفاء هذا المصباح!
ثم سألته بنبرتها المهتمة:
_كيف صحتك؟ هل زارتك الحمى مجددا؟ هل تشعر بأي شيء؟ أخبرني بكل شيء، لا تخفي شيئا!
_الحمد لله على نعمه.
_لا تخفي شيئا!
ضحك بخفة مستسلما:
_أنا في نعم الله يا أميرتي، أشعر بإرهاق وأن عظامي قد كسرت جميعها، لكن الحمد لله.
ترقرقت دمعة على خدها بسرعة فطبطب على رأسها قائلا بخفوت:
_لا تبكي، الابتلاء نعمة يراها الناس نقمة، ثم إنني والله في حال أفضل من الأمس وسابقه فلا تقلقي علي ولا تحزني فلن أكون بخير ودموعك تنهمر لأجلي.
تابع بنبرة حانية وهو يقول مطمئنا:
_لدي يقين أن الأمور ستتحسن، علينا بالصبر فقط، فما بعد الضيق إلا الفرج وما تعسرت إلا لتيسر، فاطمئني، اطمئني!
مسح الدمعة التي تماسكت كثيرا قبل نزولها بإبهامه وهو يمنحها نظرات تقطر حنية، فابتسمت وقد انشرح صدرها؛ لا زال هو من يهون عليها ويسندها حتى وهو صاحب المصاب.
ـــــــــــــــــــ
يتبع...