اعتراف

اعتراف

27 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قبل البدء لا تنسوا وضع إعجاب والتعليق بين الفقرات رجاء💙

.

.

.

.

.

.

ليلا...

في غرفة الطعام، على طاولة العشاء الفاخرة حيث توزعت الوجبات المتنوعة، ما لذ وطاب على هذه الطاولة التي فقدت شخصين لم تكن تحلو الجلسة إلا بوجودهما معا.

تحدث سالم بهدوء وهو يرتشف بعض العصير:

_أين شِيم؟ ألن تتناول عشاءها؟

أجابته زوجته بهدوء وهي تسكب بعض الحساء الدافئ في صحنها:

_إنها مع كِنان يتناولان العشاء معا.

رفع حاجبه للأعلى ونظر لها من أسفل عينيه قائلا:

_ولم لا يتناولانه هنا؟

رمته بنظرات متعجبة، تملكها الذهول، وكأنها لا تصدق مع سمعته أذناها الآن، في حين ضيق هو عينيه باستغراب غير واعٍ بغرابة ما تفوه به بالنسبة لها متسائلا:

_ما بك؟

ابتسمت تزيل غشاء الذهول عن وجهها وهي تقول بنبرة حاولت إخفاء السعادة فيها:

_لا، لا شيء.

أما عند الشقيقين...

فوضعت شِيم عشاءهما على الطاولة الجانبية وقربت الكرسي قائلة وهي تشير للطعام:

_هيا لنأكل قبل أن يبرد.

ابتسم لها ثم أومأ برأسه وسم الله وأمسك ملعقة غرف بها بعض الحساء ثم احتساه ببطء لشدة سخونته ليتفاجأ بدمعة حارة تنزل على خد شقيقته التي مسحتها بسرعة وسمت الله لتأكل، لكنه وضع الملعقة جانبا وسألها بحاجبين معقودين وقلق جلي:

_ما بك أميرتي؟

ملأت البسمة وجهها وهي تجيبه ممسكة فطائر الدجاج:

_سعيدة!

حدجها بنظرات متعجبة ولم يعلق فلم يبدُ صوتها حاملا لأي ثغرة تدل على عدم مصداقية كلماتها بل بالعكس نبرة حديثها وملامح وجهها دلت على صدق سعادتها.

أغرقهما الطعام في صمت مطبق لم يبعده سوى فراغ الصحون من آخر لقمة وفراغ الكؤوس من آخر قطرة، ليشكرا الله على نعمه وعلى ما أطعمهما وساقهما ورزقهما من غير حول لهما ولا قوة.

أمسكت شِيم صينية الأطباق قائلة ببشاشة:

_سأضعها في المطبخ وأعود.

خرجت بها مسرعة، ووضعت الأواني في غسالة الصحون سريعا لتخفف الحمل عن الخادمة فهي ممتنة لها على كل مرة ساعدتها في إعداد عشاء لشقيقها دون علم والديها.

ما إن صعدت السلالم بنية العودة لغرفة شقيقها حتى استوقفها صوت والدها بنبرته الهادئة وهو يقول:

_شِيم، لي حديث قصير معك.

تشنجت ملامحها لا إراديا وانقبض قلبها لهذه الكلمات، كانت قلقة، بطريقة لا تفهم كنهها، ولا تعلم سببها، لكنها تخشى أن يكون للأمر علاقة بكِنان، فخلال تلك الثلاث أشهر كانت تقطع الحديث مع والدها قبل بدأه، وبعد خروج كنان من ذاك القبو المزعج، صارت كثيرة التواجد معه في غرفته، تهتم به، وترعاه وكأنها أمه وليست شقيقته التي تصغرها بأكثر من عشرة أعوام.

ازدردت ريقها بصعوبة وسألت:

_الآن؟

_نعم

أجابها باختصار متجاوزا لها ذاهبا نحو غرفته مارا بغرفة كِنان التي كان بابها شبه مغلق ليمنع تسلل الدفء للخارج، تبعته ابنته بخطى مترددة حتى دخلت للغرفة خلفه لتجده يجلس على حافة السرير، حدجته بنظرة مطولة غلبها القلق في انتظار ما سيقوله، ليبتسم بسخرية معلقا:

_أتخافينني؟

أجابت بتوتر:

_كلا.

_إذا ما بك شِيم؟ لقد تغيرتِ كثيرا يا ابنتي.

أنهى كلماته بهدوء ثم تابع بابتسامة صغيرة:

_لا أظنني حرمتك من شيء، هل طلبتِ مني شيئا ورفضت؟

فكرت لثوانٍ قبل أن ترد، طبيعته الهادئة هذه تخيفها حقا، لا يمكنها قراءة ما يفكر به، ولا معرفة ما تعابير وجهه التالية لكنها قالت بصدق بنية احتمال جميع عواقب كلماتها:

_حرمتني من أشياء يا أبي!

نظر لها بذهول وربما علم مقصدها لكنه سأل كمن لا يعلم، بنبرة تشي باهتمام لا يُدرك إن كان صادقا أو مصطنعا:

_وما هي؟

زفرت بضيق مجيبة في محاولة كبح دموعها التي اغرورقت بها عيناها:

_حرمتني السعادة، من النوم ببال مرتاح؛ بسبب القلق المستمر، ومن... سندي ومتكئي بهجة أيامي؛ أخي الذي لم يكن سيئا معك يوما، آذيته لأجل مال فانٍ، آلمته لأجل ثروة مصيرها الزوال... ألا تعلم مقدار الألم الذي سببته؟ ألا تدري كم يُحبك كِنان؟ وحتى مع ما فعلته لم يدعُ عليك يوما، لم يظهر لي سخطه منك، بل كان دائما يطلب مني البر بك لأنك أبي!

حاجباه المرفوعان وعيناه المتسعتان فضحتا دهشته، أكانت تكتم كل هذا؟ أما زال لديها في قلبها ما تقول؟ بل تسلل سؤال لئيم لداخله؛ هل تكرهه؟

طأطأت شِيم رأسها عندما أخذت دموعها تغرق خديها وقد كانت تنتظر تلك الصرخة التي ستجعلها تنهار بالكامل، لكن ذاك لم يكن، بل سؤال واحد وجهه لها بنبرة لم تقل دهشة عن ملامح وجهه:

_ألديك شيء آخر لقوله؟

ابتسمت بانكسار دون أن ترفع رأسها وهي تجيبه:

_كلا.

حل الصمت كضيف ثقيل لوهلة على قلبها بعد إجابتها هذه؛ أما والدها فكان يدرس الموقف في صراع بين قلبه وطمعه، رفع رأسه نحوها وقوس ظهره للأمام قليلا شابكا يديه على فخذيه قائلا بنبرته المعتادة:

_وما الحل برأيك؟

سؤالها حرك شيئا داخلها، نظرت له باستغراب، لم تفهم مقصد سؤاله، فتابع بحدة استترت برداء الهدوء واستقوت بنظرات واثقة وجسد ثابت لا يهتز:

_أليس من حقي أن أحصل على هذه الثروة؟ ألستُ من ربى وعمل بجد كي أمنع شعور فقدان الأب من التسلل لقلبه؟ ثم ماذا؟ ثم لأنني طلبت منه ما أنا أستحقه أكثر منه رفض؟ أي جحود هذا بربك؟ أي نكران للجميل الذي فعله؟

أجابته من بين دموعها في محاولة الثبات، بنبرة تُقطر ألما:

_أوربيته لماله؟ ماذا إن لم يكن والده -رحمه الله- يملك أية ثروة؟ هل كنت ستتركه مهملا وكأنه ليس روحا تتنفس؟ أم أن طمعك بالمال قد أعمى بصيرتك؟

ارتجفت كل أوصالها في لحظة إتمام كلماتها.

مهلا... ما الذي تفوهت به للتو؟ لقد تعدت حدود الاحترام بقولها، ازدادت دموعها انهمارا وانعقد لسانها في جوفها برعب تنتظر صفعة، لكمة، أي شيء يؤدبها، لكن والدها اكتفى بنظرة حادة ربما كانت كافية وحدها ببث ارتعاشة في جسدها، مشيرا للباب قائلا بنبرة حملت بين الحدة والهدوء كاتما لغضبه:

_اخرجي.

خرجت بخطوات مرتجفة من الغرفة وقابلت والدتها في الممر فلم تلقي لها بالا رغم سؤال الأخرى القلق لها، اتجهت بحركة غريزية لغرفة شقيقها، دفعت الباب لينتبه لها وقد أفزعه بكاءها واحمرار وجهها، لكنها لم تترك له مجالا لقول أي شيء؛ إذ ارتمت في حضنه وتشبثت بقميصه وأخذ نشيجها يزداد بينما هو يمسح على رأسها بأسى، غير عالم بما جرى إلا أنه على يقين أن للأمر علاقة بوالدها، وهذا ما زاد من قلقه عليها.

أردف بصوته الحنون بعد تنهيدة صغيرة نمت عن حزنه لحزنها دون أن يعلم أن حزنها عليه هو:

_هدئي من روعك يا أميرتي، كل شيء سيكون بخير، اهدئي، اهدئي، أنا هنا، بجانك يا شِيم، أنا سندك، وعضدك، فاطمئني واهدئي.

ازداد تشبثها به أكثر وهي تقول بين شهقاتها بصوت مرتجف منخفض لم يكن واضحا تماما:

_لم يكن هكذا، لم يكن سيئا، ماذا جرى؟ لماذا أصبح هكذا؟ لماذا؟ لماذ؟!

_لا بأس، شِيم، لا بأس، سيعود شخصا جيدا مجددا، علينا بالدعاء له.

هدأت لوهلة لكنها لم ترفع رأسها، لا زالت متشبثة به بقوة، ثم سألته بحيرة:

_ألا زلت تحبه؟ رغم كل ما فعل؟ ألا تكرهه؟

ابتسم بهدوء ماسحا على شعرها قائلا:

_لا أكرهه، ربما لم أعد أحبه كما كنت، لكن لن أنسى كل تلك الأعوام لأجل ثلاثة أشهر صحيح؟ كلنا نملك جانبا سيئا لكن لا يعني ذلك أننا سيئون بالكامل يا أميرتي.

رفعت رأسها له بدهشة وقد تجمدت بقايا دموع في عينيها، هذا الفتى يذهلها حقا، كانت تنظر له بصمت، بشيء من التعجب، فابتسم وهو يمسح دموعها بإبهامه وقال بعد أن خطف نظرة للساعة الحائطية:

_هيا، لقد قاربت الساعة منتصف الليل، عليك النوم.

زمت شفتيها بتذمر منصاعة لقوله متوجهة بخطى بطيئة نحو الباب لتخرج لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة خارجا التفتت بجسدها نصف التفاتة قائلة مع ابتسامة هادئة رسمت على شفتيها:

_أظن أنني لو حمدت الله ألف مرة على كونك أخي ما أوفيت ولا كفيت، فالحمد لله حتى يرضى!

أسعدت كلماتها قلبه فأردف:

_الحمد لله الذي جعلني لك ملجأ بعده يا شِيم.

كادت الدموع تترقرق مجددا في عينيها لكنها استجمعت قواها قائلة بمرح مُصطنع:

_تصبح على خير!

_وأنت من أهل الخير أميرتي.

اختفت عن ناظريه لتخرج تنهيدة حزينة من بين شفتيه وهو يفكر في سبب هذا الانهيار الذي دخلت عليه به، ما الحديث الذي دار بينها وبين والدها لتنهار هكذا؟

أما هي فعادت لغرفتها تحمل بعض الراحة في قلبها، لترتمي على سريرها بإهمال وتغمض جفنها مستسلمة للنوم الذي التهمها بسرعة مريحا إياها من ضجيج أفكارها.

✿✿✿

كان سالم سارحا في أفكاره بعد أن تركته شِيم بعد نظرته تلك التي قذفها بها لتعديها حدود الحديث بينهما، فدخلت عليه زوجته لتجده في حالته تلك، كان الذهول جليا على وجهها، لكنه تلاشى برؤية شرود زوجها وسألته بقلق بدى جليا في صوتها:

_ما الذي جرى بينكما؟

لم يجبها بل ألقى عليها بسؤال ساخر:

_هل أخطأت؟

لم تجبه، فالإجابة كانت واضحة تماما؛ لذلك اكتفت بالصمت، فهي أكثر من في هذا البيت علما بأنه معمي البصيرة إذا غضب.

_قولي شيئا.

جلست جانبه بصمت فأطلق قهقهة قصيرة ساخرة مجيبا نفسه على السؤال:

_نعم، فهمت.

وقف مغادرا فسألته بقلق:

_إلى أين؟

_لا أعلم.

خرج دون أن يترك لها مساحة لطرح أي أسئلة أخرى، لحقت به، لتراه يترجل سيارته ثم ينطلق حيث اللا وجهة، شيعته بنظراتها بحزن، ثم دلفت للداخل مجددا تحمل هما أثقلها، توجهت لغرفة ابنتها وأطفأت أنوارها ثم غطت ابنتها جيدا، بعد ذلك ذهبت لغرفة ابنها وقبل أن تدخل سمعته يتلو بعض آيات الله بصوت هادئ، فتوقفت مكانها تستمع لقراءته بإنصات، متجردة من كل أفكارها، هائمة في معاني هذه الآيات التي يتلوها، لم تكن تسمعها لأول مرة، لكن عندما تضيق بنا الحياة نشعر أن كل حرف، كل كلمة موجهة لنا... فكيف إن كان كلام الله؟

ما إن توقف حتى طرقت بخفة فسمعت إذنه لتدخل وتجد تعابير ذهول على وجهه دون أن يقول شيئا، فسألته باهتمام أموي وكأنها تحاول أن تعوضه على كل لحظة فقد وجودها معه فيها، على كل لحظة استسلمت لجبنها من مواجهة زوجها، لكل لحظة فضلت الصمت على حديث قد ينقذه:

_لم لا زلت مستيقظا يا بني؟

أجابها بلطف:

_لم يزرني النوم بعد يا أمي.

_أتشكو من شيء؟

هز رأسه نافيا بامتنان راسما ابتسامة مطمئنة على شفتيه:

_نِعم الله تحيطني من كل جانب... أنا بخير.

لم تعلق على كلماته فرفع بصره نحوها متسائلا:

_هل أنت بخير؟

حركت رأسها بإيماءة صغيرة ثم قالت بشرود:

_أشعر بالعجز فقط.

حدق فيها باهتمام:

_يمكنك إخباري إن كان ذلك سيخفف عنك.

ابتسمت بحزن وجلست على حافة السرير قائلة بنبرة منكسرة:

_كِنان، سامحني يا بُني، سامحني على كل ثانية تركت وحدك.

أمسك يدها برفق وشد عليها مؤكدا:

_أسامحك يا أمي دون أن تطلبي ذلك، ثم إنك لم تفعلي ما يوجب اعتذارك.

أبكتها كلماته فأخذت تقاوم دموعها التي سالت على خديها كنهرين لا ينضبان؛ أما هو فأخذ يطبطب على يدها برفق متمتما بكلمات مهدئة لها، يخبرها أنه يحبها ويجلها، أنه ليس غاضبا منها على الإطلاق، أن لا شيء يستحق أن تبكي لأجله، أن تذرف عليه دموعها؛ حتى هو!

تحدثت من بين شهقاتها بصوت خنقته العبرات:

_كان علي أن أكون ملجأ كل من في البيت، أن أُصلح ما أُفسدَ، ألا أسمح ليوم أن ينقضي حاملا معه شجارا ولو صغيرا، لكن بدل ذلك وقفت وقوف المتفرج، أتخذ الصمت رداء، أرى عائلتي تتفكك رويدا رويدا ولا أتحرك، لا أفعل شيئا... إني والله لأم فاشلة!

عاتبها بنبرة هادئة وكأنه ما عاد يقوى على المواساة، فهو أحق من الجميع بهذه الطبطبة، لكنه في الوقت ذاته الأنسب لفعلها:

_لا تقولي ذلك أمي، أعلم أن الحمل أثقل مما تطيقين فلا تلومي نفسك.

_ولكن بسبب صمتي وعجزي أنت...

قاطعها بنبرة هادئة:

_أنا بخير

تابع مع شبح ابتسامة يشجعها بها:

_كوني قوية يا أمي... فقوتي من قوتك.

حدقت فيه بصدمة، عجزت عن النطق، توقفت الكلمات داخل حلقها، ارتجف فؤادها وكأن مسؤولية جديدة أُضيفت له، كانت تنظر لابنها بعينين يتصارع فيهما الألم مع الانكسار، وشفتاها ترتجفان كمن لعب به البرد رغم دفء الغرفة، بدت له كطفلة بسبب احمرار خديها وأنفها وعينيها الممتلئتان دمعا.

مسح دموعها برقة مردفا بصوت صادق:

_سيكون كل شيء على ما يرام

ابتسمت برفق وهزت رأسها بإيماءة كطفلة صغيرة.

✿✿✿

في منزل عائلي بطابق واحد، تسللت رائحة شيء محروق إلى أنف ذاك الذي كان يعبث بهاتفه، لكن تلك الرائحة عكرت صفوة مزاجه وتوجه نحو المطبخ ليجد أخته ذات الخمسة عشر عاما تمسك إناء يحوي بيتزا سوداء متفحمة والأدخنة تخرج من الفرن ليقول بضيق وغضب:

_ثراء أيمكنك صنع شيء دون قتلنا؟

عبست في وجهه ولم تجب فقذفها بنظرات غاضبة لتقول بنبرة مالت للتهديد:

_ساعدني لأخفي هذه الفوضى قبل عودة والدي.

رفع حاجبه بدهشة، تأمره وهو أكبر منها بخمس سنوات تقريبا؟ من تظن نفسها؟

_يا فتاة احترمي حدودك.

رمته بنظرة تهديد قاتلة ثم ابتسمت بخبث قائلة:

_إذا سأخبر والدي عن الفتاة التي تُحدثها.

_هِيه ثراء هل جننتِ؟؟

هزت كتفيها بملل قائلا:

_عليك أن تشكرني لأنني صابرة على عدم إخبارهما.

رمقها بنظرات تقطر حقدا ثم اقترب يساعدها في تنظيف الفوضى التي أحدثتها في محاولة فاشلة لصنع البيتزا.

بينما كانا يوشكان على إنهاء كل شيء أتاه اتصال لتنظر له شقيقته بطرف عينها قائلة بسخرية:

_حبيبتك؟

_اصمتي.

قالها بحدة ثم أجاب على المكالمة لينقلب الغضب بسمة مما جعل الأخرى ترمقه بازدراء وهي تتوعد أنها ستجد فرصة لفضحه، فقد انسل من أمامها ليتحدث براحته مع تلك التي تزعم حبه، سألته بدلال وخضوع في القول:

_ألا تريد أن نلتقي؟

أذهلته كلماتها وأردف بنبرة حادة غريزيا:

_أمجنونة أنت؟

قالت بملل:

_ما بك؟

_لا بد أن النعاس قد سلب عقلك، اذهبي للنوم وكفاك هذيانا.

كاد يغلق الخط لكن سؤالها المتكرر أزعجه:

_مُنذر، متى ستأتي لخبطتي؟

_قُلت لك مرارا أنني سآتيك بعد الجامعة.

أتاها صوتها المدلل:

_ولكن!

_لست مستعدا الآن يا ريم.

_هذا ليس عُـ...

قاطعها بحدة:

_أقسم أنني سأحظر رقمك إذا لم تتوقفي عن إزعاجي.

_يا لك من قاسٍ!

قالتها بغيظ وأغلقت في وجهه ليلتفت خارجا من غرفته لكن تفاجأ من أخته التي كانت تقف على باب الغرفة عاقدة يديها أمام صدرها وهي ترمقه بنظرات استحقار:

_مُقرف.

_أتريدين الموت؟

ابتسمت بمكر تجيبه:

_لا زلت صغيرة... أنصت، صوت إغلاق أبواب سيارة، لقد وصلا، سأذهب لاستقبالهما.

أنهت كلماتها وهي تضحك باستفزاز ليشد هو على قبضته بقوة ود لو لكمها بها.

✿✿✿

بعيدا عن القصر، أوقف سالم سيارته أمام البحر، نزل واقترب من الشاطئ لتصطدم به نسمات الهواء الباردة، ثم تتسلل رائحة البحر لأنفه، علها تفيقه من شرود أفكاره المضربة، ليعود للواقع الذي لم يكرهه كهذه المرة قط، ربما هو يدرك منذ البداية أن سجنه لكِنان خطأ، قسوة، لكن... لا يريد أن يعترف أن السبب بحد ذاته لم يكن مقنعا، فلا زال يرى أنه الأحق بالمال.

أخذ يتأمل البحر بذهن شارد وعقل مضطرب لا يهتدي للصواب أو ربما يتجاهله كلما تجلى أمامه.

.

.

.

.

.

.

يُتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قبس من نور

المؤلف البروء
2026/02/07 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة