حالة روتينية

حالة روتينية

30 3

قسم الطوارئ - وقت الفجر

بدأ ضوء رمادي شاحب يتسلل من النوافذ العالية للقسم، معلنًا عن وصول الفجر. كان ضوءًا باردًا، يمتزج مع إضاءة المستشفى البيضاء ليطرد آخر بقايا الظلام والظلال. انتهت الليلة تقريبًا.

هدأ قسم الطوارئ بشكل ملحوظ. تم نقل الأب والأم من عائلة الحريق إلى العناية المركزة منذ فترة. غادر حشد الأقارب المنهار برفقة كريم، الذي وعد بالبقاء معهم حتى الصباح. حتى أمجد ومروان اختفيا، على الأرجح يكتبان تقاريرهما في صمت في غرفة الأطباء، يتجنبان مواجهة أي شخص.

سمعت صوت الأذان الخافت قادمًا من مسجد قريب. بعد دقائق، رأيت سمير وهاني، وبعض المسعفين ورجال الأمن، يغادرون القسم بهدوء في مجموعات صغيرة.

"ذاهبون للصلاة،" قالت نهى التي كانت تقف بالقرب من محطة العمل، وهي تراقبهم يغادرون. كان صوتها متعبًا وخاليًا من السخرية.

لم أعلّق. لم تكن الصلاة تعني لي شيئًا سوى أنها طقس آخر، آلية أخرى يستخدمها الناس لمواجهة الفوضى.

الآن، أصبح القسم هادئًا بشكل مخيف. لم يبقَ سوى أنا، ونهى، وممرضتان أخريان في منطقة الفرز، وصوت همهمة الأجهزة الإلكترونية البعيدة. إنه الهدوء الذي يأتي بعد المعركة، الهدوء المليء بالأشباح.

جلست على مقعدي في محطة العمل الرئيسية، أشعر بثقل المناوبة كلها يضغط على كتفي. لقد كانت ليلة طويلة من الفشل البشري.  لقد رأيت كل خطاياهم تتكشف أمامي. وتعاملت معها جميعًا. لقد سيطرت على الفوضى، وأعدت النظام، وأصدرت أحكامي.

شعرت بإرهاق شديد، لكن تحته كان هناك شعور عميق بالرضا. الرضا البارد والقاسي لشخص أثبت تفوقه. لقد نجوت من هذه الليلة، ليس فقط كطبيبة، بل كشاهد وحكم.

كنت أحدق في الشاشات الفارغة أمامي، وأنا أسترجع أحداث الليلة في عقلي، أرتبها في قصة منطقية، قصة يكون فيها كل فشل له سبب، وكل سبب هو ضعف شخص آخر. قصة أكون أنا فيها البطلة الصامتة، النقطة الثابتة.

كنت غارقة في يقيني المطلق.

قسم الطوارئ - حوالي 6:00 صباحًا

كنت أراجع التقارير النهائية للمناوبة، وصوت تكتكة الساعة على الحائط هو الصوت الوحيد الذي يكسر همهمة الأجهزة.

في تمام الساعة السادسة صباحًا، دخل شاب يرتدي معطف الطبيب الأبيض النظيف. كان رامي، أحد المتدربين الجدد في الفترة النهارية. كنت أعرفه بالوجه، فهو دائمًا ما يصل قبل موعده بساعة كاملة. علمت لاحقًا أنه يأتي من مدينة مجاورة، ويصر على الوصول مبكرًا ليتجنب الزحام، وليترك انطباعًا جيدًا. كان يحمل ذلك الحماس الساذج للبدايات، الرغبة في التعلم وإثبات الذات التي تآكلت لدينا جميعًا منذ زمن طويل.

"صباح الخير دكتورة إيمان،" قال بابتسامة مشرقة لا مكان لها في هذا الوقت. "مناوبة هادئة الليلة؟"

نظرت إليه من فوق شاشة الكمبيوتر. "ليس تمامًا،" قلت ببرود.

اقترب وعيناه تلمعان بالفضول. "سمعت أنكم استقبلتم حالة حريق كبيرة. هل كل شيء بخير؟ هل يمكنني إلقاء نظرة على التقارير؟"

كان مثل جرو متحمس. يريد أن يرى كل شيء، أن يعرف كل شيء. هذه الرغبة في المعرفة، التي كانت يومًا ما دافعي أنا أيضًا، أصبحت الآن تبدو لي مزعجة وساذجة.

"التقارير لم تكتمل بعد يا رامي،" قلت، وأنا أعيده إلى مكانه بلطف. "مناوبتك لم تبدأ رسميًا. يمكنك أن تجلس بهدوء حتى يأتي بقية فريقك."

"بالتأكيد دكتورة،" قال، وبدا عليه بعض الإحراج. أخذ مقعدًا في زاوية، وأخرج كتابًا وبدأ يقرأ.

راقبته للحظة. كان يمثل كل ما تركناه خلفنا: الأمل، والطموح النقي، والإيمان بأن الطب يمكن أن يصنع فرقًا. وفي تلك اللحظة، لم أشعر تجاهه بالاحترام، بل شعرت بالشفقة. لم يكن يعرف بعد أن هذا المكان لا يكافئ الحماس، بل يسحقه.

عدت إلى تقاريري، متجاهلة وجوده.

وبعد حوالي نصف ساعة من وصوله، تحطم هذا الصمت. لم يكن صوت سيارة إسعاف. كان صوت وقع أقدام تركض بقوة في الممر، وصوت صراخ مكتوم.

وقفت أنا ونهى على الفور. ووقف رامي أيضًا، وعيناه متسعتان، جاهز للمساعدة.

ثم ظهر سمير عند مدخل القسم، يحمل الطفل المصاب بين ذراعيه.

"غرفة الفحص! الآن!" صرخ سمير، وصوته أجش ومختلف. كان غضب المنقذ.

اندفعت أنا ونهى للمساعدة، وأدخلنا الطفل إلى أقرب غرفة فحص.

"ماذا حدث؟" سألت وأنا أبدأ في قطع ملابس الطفل الممزقة لأرى حجم الإصابات.

"كلاب ضالة،" قال سمير وهو يلهث، يداه ترتجفان قليلاً من الأدرينالين. "كان خارج المسجد... خرج مسرعًا قبل والده... هاجمه احد الكلاب."

نظرت إلى الجروح. كانت عميقة وقبيحة. عضة في سمانة الساق، وأخرى في الساعد. لم تكن تهدد الحياة بشكل مباشر، لكنها كانت سيئة وتحتاج إلى تدخل فوري.

"والده قادم خلفي،" أضاف سمير، وهو يمرر يده على شعره بعصبية.

في تلك اللحظة، رأيت سمير بشكل مختلف تمامًا. طوال الليل، كان غضبه موجهًا للداخل: ضد العجز، ضد الأخطاء، ضد زملائه. لكن هناك في الخارج، عندما واجه خطرًا حقيقيًا وفوضى حقيقية، تحول غضبه إلى درع. أصبح قوة حامية. لم يصرخ في وجه العجز، بل لكمه في وجهه وأنقذ طفلاً.

"عمل جيد يا سمير،" قلت، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أعني فيها كلمة ثناء أقولها لأحد زملائي طوال الليل. "اذهب واغسل يديك. نحن سنتولى الأمر من هنا."

هز رأسه، لكنه لم يغادر. بقي واقفًا عند الباب، يراقب، لكن نظرته كانت مختلفة. لم تكن نظرة الحكم، بل كانت نظرة المسؤولية. كان هذا الطفل "حاله" بطريقة لم تكن أي حالة أخرى له الليلة.

بدأت أنا ونهى في تنظيف الجروح وتقييمها. كانت حالة روتينية من الناحية الطبية: تنظيف، مضادات حيوية، وربما بعض الغرز. حالة يمكن التعامل معها بسهولة.

لكن وصولها بهذه الطريقة، محمولة بين ذراعي سمير الذي تحول إلى بطل للحظات، غير شيئًا في جو القسم. لقد كسر رتابة الإرهاق وأدخل عنصرًا من الواقع الخام وغير المتوقع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حالة طوارئ

المؤلف Mo0S
2026/01/02 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة