كافيتريا المستشفى
تركت أمجد ومروان في الظلام وعدت إلى الأضواء القاسية لقسم الطوارئ. شعرت بحاجة إلى الابتعاد عن كل شيء لبضع دقائق. توجهت إلى الكافيتريا الصغيرة في نهاية الممر، والتي تكون شبه مهجورة في هذا الوقت من الليل.
من عند المدخل، رأيتهما. هاني يجلس على إحدى الطاولات، يحدق في كوب من الشاي أمامه. نهى تقف بجانبه، تمسك بكوب قهوة ورقي وتتحرك بحركة عصبية. توقفت في الظل عند المدخل، أراقبهما دون أن أعلن عن وجودي.
"هل سمعت؟" بدأت نهى بصوت خفيض لكنه حاد. "طفل من عائلة الحريق... مات."
رفع هاني عينيه من كوبه ببطء. "سمعت." قالها بنبرة مسطحة، ثم ارتشف من الشاي.
"يقولون إن أمجد ومروان كانا يعملان عليه،" تابعت نهى، وكأنها لا تستطيع احتواء كلماتها. "دكتور 'الأزمات' ودكتور 'الفرص'. فريق الأحلام. ومع ذلك، مات الطفل."
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح ثم اكملت. "هذا يثبت كلامي. في النهاية، كل هذا الركض والصراخ لا يغير شيئًا. إما أن تعيش أو تموت."
انتظرت أن يرد هاني، أن يوافقها، أن يعارضها، أن يقول أي شيء. لكنه فقط هز كتفيه هزة خفيفة.
"مأساة،" قالها بنفس النبرة التي قد يعلق بها على حالة الطقس.
بدا الإحباط على نهى. كانت تريد شريكًا في سخريتها، لكنها لم تجد سوى الفراغ.
"مأساة؟ هذا كل ما لديك لتقوله؟" قالت بحدة. "ألا تشعر بأي شيء؟ ألا يغضبك أنهم سيحصلون على كل الاهتمام والتعاطف، بينما نحن..."
"وماذا تريدين مني أن أفعل يا نهى؟" قاطعها هاني أخيرًا، وصوته لا يزال هادئًا ولكن به لمسة من التعب. "هل أذهب وأصرخ معهم؟ هل أكتب تقريرًا عن مدى حزني؟ لقد مات. انتهى الأمر. ستشرق الشمس غدًا، وستأتي حالات أخرى. هذه هي الحياة."
حدقت فيه نهى للحظة، ثم هزت رأسها باشمئزاز. "أنت ميت من الداخل يا هاني."
"ممكن،" قال وهو ينهي الشاي الخاص به. "لكنني على الأقل أنام متصالحا مع نفسي."
نهض وتركها واقفة وحدها، ثم مر من أمامي عند المدخل دون أن يلاحظ وجودي تقريبًا.
شعرت مرة أخرى بذلك المزيج من الازدراء والإحباط. هذان هما مثالان للضعف البشري أمامي: واحدة تقتات على المرارة والحسد، والآخر غارق في مستنقع من الكسل الروحي لدرجة أنه لم يعد يشعر بشيء.
توجهت إلى آلة صنع القهوة.
بينما كنت أقف في انتظار أن يمتلئ الكوب، كنت أفكر. أمجد ومروان تحطموا بالفعل. نهى وهاني يعيشان في سجن من صنع أيديهما. سمير يقاتل معركة خاسرة مع غضبه. وكريم يتغذى على مشاعر الآخرين.
وأنا؟ أنا أراهم جميعًا. أرى عيوبهم، وأرى خطاياهم. وأنا الوحيدة التي تقف ثابتة. الوحيدة التي لا تزال تسيطر على نفسها وعلى كل شيء حولها.
أخذت كوب القهوة الساخن. لم أشعر بالحرارة. شعرت فقط بالبرود المطلق ليقيني.
استدرت وعدت إلى القسم. لقد رأيت ما يكفي. رأيت الضعف البشري في أنقى صوره. وهذا، بطريقة غريبة، جعلني أشعر بالقوة.
قسم الطوارئ، قرب منطقة الانتظار - بعد قليل
بعد أن تركت الكافيتريا، توجهت مباشرة نحو المنطقة المجاورة لقسم الولادة. في خضم فوضى الحريق، أردت التأكد من أن حالة الولادة قد تم تسليمها بشكل صحيح.
وجدت دكتور كريم يقف في الممر، يتحدث بهدوء مع إحدى الممرضات من قسم الولادة. كان يبدو هادئًا ومسيطرًا على الوضع كعادته.
"دكتور كريم،" ناديت. التفت نحوي بابتسامته الهادئة.
"دكتورة إيمان. لا تقلقي، لقد تم نقل السيدة سارة بنجاح. كل شيء على ما يرام معها ومع الطفل. لقد أشرفت على الأمر بنفسي."
"جيد،" قلت. ثم لفت انتباهي شيء آخر. غرفة الانتظار الرئيسية، التي كانت شبه فارغة معظم الليل، كانت الآن ممتلئة. حشد من الناس، حوالي عشرة أو خمسة عشر شخصًا، يقفون ويجلسون في قلق واضح. أجداد، أشقاء، أقارب... إنها بقية عائلة الحريق. لقد وصلوا جميعًا.
وكان كريم هو من "يديرهم". كان يتحرك بينهم، يتحدث إلى هذا بهدوء، ويضع يده على كتف ذاك. كان هو نقطة الارتكاز في بحر من القلق.
توجهت نحوه. "هل تم إبلاغهم؟" سألت بصوت خفيض، وأنا أعرف الإجابة بالفعل.
هز كريم رأسه ببطء، وتغيرت ملامحه إلى قناع من الحزن المدروس. "ليس بعد. الأب والأم لا يزالان في حالة حرجة. و... بخصوص الطفل... كنت أنتظر انتهاء كل الإجراءات. لا يمكنني إلقاء خبر كهذا على حشد كامل دون استعداد. إنها لحظة حساسة للغاية."
فهمت تكتيكه على الفور. هو لم يؤجل الخبر لأنه صعب. هو أجله لأنه كان يبني المسرح. كان ينتظر اللحظة التي يصل فيها قلقهم إلى ذروته، اللحظة التي يكونون فيها أكثر هشاشة، لكي يتدخل هو، ليس فقط كناقل للأخبار السيئة، بل كـ "صخرة" يمكنهم جميعًا الاعتماد عليها. كلما زاد عددهم، زادت أهمية دوره، وزادت كمية الامتنان والاعتماد التي يمكنه امتصاصها.
"أنت محق،" قلت ببرود، وأنا أجاريه في لعبته. "أنت أنسب شخص لهذه المهمة. هم يحتاجون إلى وجه واحد يثقون به الآن."
كانت كلماتي تحمل معنيين. المعنى الظاهري هو أنه يمتلك المهارات اللازمة. لكن المعنى الذي فهمه هو، هو أنني أرى مسرحيته وأسمح بها، لأنها تخدم غرضًا عمليًا في السيطرة على الحشد.
"سأقوم بذلك الآن،" قال، وكأنه تلقى الإذن الذي كان ينتظره. "بمجرد أن يخبرني أمجد أن كل شيء جاهز لتسليم... الجثمان."
راقبته وهو يعود إلى الحشد، يستجمع تعابير وجهه الحزينة، ويستعد لأداء دوره الأعظم هذه الليلة. إنه لا يستمتع بألمهم، بل يستمتع بكونه الشخص المحوري في دراما ألمهم.
شعرت بالازدراء مرة أخرى، لكنه كان ازدراءً متعبًا هذه المرة. لقد سئمت من هذه العروض. سئمت من هذه الأنانية المقنعة في صورة تعاطف.
استدرت بعيدًا عنه. كان يجب أن أعود إلى العمل الحقيقي.
Mo0S