ثوانٍ قاتلة

ثوانٍ قاتلة

31 3

قسم الطوارئ - حوالي 2:00 صباحًا

الساعتان التاليتان كانتا ضبابًا من الأوامر الطبية، وصوت أجهزة المراقبة، ورائحة الجلد المحترق. في غرفة الإنعاش الخاصة بي، كانت المعركة مع موت الأم شرسة. حروقها كانت تغطي أكثر من 60٪ من جسدها، وكان الحفاظ على استقرار علاماتها الحيوية أشبه بمحاولة بناء سد من الرمال أمام فيضان.

لكنني نجحت. ببطء، وبدقة لا ترحم، تمكنت من السيطرة على الوضع. تم تنبيبها، وتأمين خطوطها الوريدية، وبدأت سوائل الإنعاش تتدفق في جسدها. استقرت أخيرًا. لم تكن قد خرجت من دائرة الخطر بعد، لكنها كانت على قيد الحياة.

خلعت قفازاتي الملطخة، وشعرت بذلك الرضا البارد الذي يأتي بعد معركة صعبة. خرجت من الغرفة لأول مرة منذ ساعتين، وأنا مستعدة لإصدار المزيد من الأوامر.

لكن الصمت الذي استقبلني كان غريبًا. لم يكن هدوء السيطرة، بل كان صمتًا ثقيلًا، مشحونًا بشيء ما.

ثم رأيتهما. أمجد ومروان يخرجان من غرفة صدمات الأطفال. لم يكونا يتجادلان الآن. كانا يسيران ببطء، مطأطئي الرأس. اختفى حماس أمجد، وتبخر طموح مروان. لم يبقَ سوى رجلين مهزومين.

سمعت أمجد ينادي نهى بصوت أجش ومكسور. "نهى... أبلغي المشرف... لدينا حالة وفاة. الطفل الأصغر... لم ينجُ."

تجمدت في مكاني.

مرت نهى من أمامي، وجهها خالٍ من تعابيرها الساخرة المعتادة، وحل محله صدمة حقيقية.

في تلك اللحظة، رأيت ضابط شرطة يقف بهدوء في زاوية، يدون ملاحظات.

"دكتورة إيمان،" قال بهدوء. "هل يمكنكِ أن تخبريني بما حدث؟"

"أنا أحاول أن أفهم ذلك بنفسي،" أجبت. "ماذا تعرف عن الحريق؟"

"ماس كهربائي في غرفة الأطفال، على ما يبدو،" قال الضابط وهو يقلب في دفتره. "الأبوان كانا في الطابق السفلي. عندما صعدا، كانت الغرفة مشتعلة. الأب حاول الدخول لإنقاذهم... ولهذا السبب حروقهم أسوأ."

أغلقت عيني للحظة. ثم فتحتهما ونظرت نحو أمجد ومروان، اللذين كانا يقفان الآن في صمت، يتجنبان النظر إلى بعضهما البعض.

لم أكن بحاجة لتقرير رسمي لأعرف ما حدث. أعرف هذين الرجلين. أعرف "خطاياهما". لم يقصرا في العلاج. أنا متأكدة من أنهما استخدما كل مهاراتهما بمجرد أن بدآ العمل.

لكنهما فعلا شيئًا أسوأ.

لقد تجادلا.

تلك الدقائق الثمينة التي أضاعاها في البداية، مروان يحاول فرض نفسه، وأمجد يقاومه... تلك الدقائق كانت الفرق. في حالات الحروق الشديدة لدى الأطفال، كل ثانية تهم. التأخير في تأمين مجرى الهواء، التأخير في بدء الإنعاش بالسوائل... هذا التأخير هو القاتل.

لم يكن خطأً طبيًا. كان خطأً أخلاقيًا. كان نتيجة مباشرة لجشع أحدهما وشراهة الآخر.

شعرت بغضب بارد يتصاعد في داخلي. ليس حزنًا على الطفل، بل غضبًا على هذا الفشل الذريع. هذا الضعف البشري المقيت الذي أدى إلى هذه الكارثة.

توجهت نحوهما بخطوات ثابتة. كانا سيعرفان ما فعلاه. وسأكون أنا من يخبرهما بذلك.

خلف قسم الطوارئ - بعد الساعة 2 صباحًا

"معي."

لم تكن جملتي أمرًا بقدر ما كانت استدعاءً لا يمكن رفضه. لم أنظر إليهما حتى، بل استدرت وتوجهت نحو باب الخروج الخلفي، وأنا أعرف أنهما سيتبعانني.

قدتهما إلى المنطقة الخلفية للمستشفى، بعيدًا عن مدخل سيارات الإسعاف، إلى حيث تقف حاويات النفايات الضخمة. المكان شبه مظلم، لا يضيئه سوى مصباح أمني وحيد يلقي بظلال طويلة ومشوهة. رائحة المطهرات في الداخل استبدلت برائحة القمامة الخفيفة والهواء البارد.

توقفت واستدرت نحوهما. كانا يقفان كالتلاميذ الذين تم ضبطهم متلبسين. أمجد، الذي كان يزدهر في الفوضى قبل ساعتين، بدا الآن منكمشًا على نفسه، يداه في جيوبه. مروان، الذي رأى في هذه المأساة فرصة، كان وجهه شاحبًا ونظراته تائهة في الأرض.

لم أبدأ بسؤال "ماذا حدث؟". فأنا أعرف ماذا حدث.

"هل تعرفان ما هو أسوأ شيء في هذه الليلة؟" بدأت بصوت هادئ، بالكاد أعلى من الهمس. "ليس موت طفل. نحن نرى الموت كل يوم. نحن نعيش معه."

صمتُ، وتركت كلماتي تترسخ.

"أسوأ شيء هو أن موته لم يكن ضروريًا. لم يكن حتميًا. لم يكن نتيجة للمرض أو للإصابة وحدها."

رفعت عيني من واحد إلى الآخر. "لقد كان نتيجة مباشرة لكما."

رأيت أمجد يفتح فمه ليعترض، ربما ليدافع عن الإجراءات التي اتخذوها. أسكتته بنظرة واحدة.

"أنت يا أمجد،" قلت وأنا أنظر إليه مباشرة. "أنت لا تحب إنقاذ الناس. أنت تحب الأزمة. تحب الأدرينالين. الحالة بالنسبة لك ليست إنسانًا، بل هي جرعتك التالية. وعندما حاول أحدهم مشاركتك فيها، شعرت وكأنها إهانة شخصية. لقد أردت المجد كله لنفسك."

ثم التفت إلى مروان، الذي كان يتجنب نظراتي. "وأنت يا مروان. أنت لم ترَ طفلين محترقين. أنت رأيت "حالة نادرة". رأيت فرصة للنشر، فرصة للترقية، فرصة لإضافة سطر جديد ومثير في سيرتك الذاتية. لم تتدخل بدافع إنقاذ حياة، بل بدافع تعزيز مسيرتك المهنية."

اقتربت منهما خطوة. "لقد وقفتما تتجادلان على "من يملك" هذه المأساة. أضعتما ثوانٍ، وربما دقائق، في صراع تافه على الأنا. وفي قسم الطوارئ، نحن لا نقيس الوقت بالدقائق، بل بالأرواح."

صمت مرة أخرى.

"اذهبا الآن،" قلت أخيرًا، وصوتي بارد كالثلج. "اذهبا واكتبا تقاريركما. استخدما كل المصطلحات الطبية الصحيحة لتبرير ما حدث. لكنكما ستعرفان الحقيقة. وستعيشان معها."

لم أقل لهما إنهما فاشلان كطبيبين. لقد قلت لهما إنهما فاشلان كبشر. لم تكن إدانة مهنية، بل كانت إدانة أخلاقية مطلقة.

استدرت وعدت إلى الداخل، تاركًا إياهما واقفين في الظلام مع "خطاياهما" التي كشفتها لهما. لم أشعر بالحزن أو بالأسف. شعرت بالوضوح. شعرت بأنني أرى العالم على حقيقته، وأنني الوحيدة التي تقف فوق كل هذا الضعف.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حالة طوارئ

المؤلف Mo0S
2026/01/02 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة