الشمعة التي لا تُطفأ

الشمعة التي لا تُطفأ

10 0

الفصل الثالث — الشمعة التي لا تُطفأ

تك... تك... تك...

صوت قطرات المطر على الزجاج كان منتظمًا، كأنه ساعة لا تكذب.

ليلى فتحت عينيها في الظلام، قلبها يخفق قبل أن تعرف السبب.

الساعة على الجدار: 03:33.

نفس الوقت الذي استيقظت فيه قبل ثلاث ليالٍ، حين رأت النقطة الخضراء على الحائط.

هذه المرة، لم تكن النقطة على الحائط.

كانت على مرآة غرفتها.

نقطة صغيرة من الشمع الأخضر، مشتعلة لوحدها، تتراقص كعينٍ تراقبها.

لم يكن هناك شمعة. لم يكن هناك فتيل.

فقط لهبٌ أخضر صامت، ينمو ببطء، كأنه يتنفّس.

اقتربت ليلى بقدمين ثقيلتين، يدها ترتجف وهي تمتد لتمسحه.

لكن الشمعة لم تكن ساخنة.

كانت باردة... كجلد ميت.

وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعها اللهب، سمعت صوتًا من خلف المرآة:

”ما تطفيهاش... هيي اللي بتحميكِ.“

التفتت بسرعة.

الغرفة فارغة.

لكن على الأرض، أمام الباب، كانت هناك شمعة خضراء كاملة، غير مشتعلة، وورقة صغيرة مطوية تحتها.

فتحت الورقة بيدين ترتجفان.

بخطٍ دقيق، مكتوب باللون الأخضر نفسه:

”الضوء في عيونك أخضر.

لو طفى... رح أضطر أحرقك مع المدينة.

— س”

في تلك اللحظة، انطفأت النقطة في المرآة.

وسمعت خطوات في الرواق...

لكن الباب كان مغلقًا من الداخل.

لم تستطع ليلى أن تتحمل كلّ هذا.

فأسرعت للهرب من تلك الغرفة، قلبها يدقّ كالطبول في صدرها، وكأنّ الجدران نفسها تضيق عليها.

فتحت الباب بعنف، اندفعت إلى الرواق المظلم، حيث يتردّد صدى أنفاسها كأنّه صرخة مكتومة.

لكنها، بينما كانت تهرب، اصطدمت بالخالة نادية.

كانت الخالة واقفة في منتصف الرواق، كأنها شبح من ليلة أخرى، عيناها منتفختان من البكاء، ويدها تمسك بثوب ابنها القديم — قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة صغيرة... خضراء.

نادية لم تنظر إليها مباشرة. كانت تهمهم، صوتها مكسور كزجاج متشقق:

“ابني كان يقول نفس الكلام قبل ما يموت... عن شمعة خضرا. كان يقول إنها بتحميه... بس هيي اللي أخدته.”

انصدمت ليلى. الكلمات ضربتها كصفعة باردة.

تراجعت خطوة، ثم أخرى، عيناها تتسعان.

“مين... مين قالك هالكلام؟”

همست، لكن صوتها اختفى في الظلام.

نادية رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت إليها بعينين فارغتين:

“ما حدا قالي... أنا شفتها. في عيونه قبل ما يموت. الضوء الأخضر... كان جوّاه.”

تركتها ليلى وجريت.

لا تعرف أين تذهب.

السلم، الباب، الشارع — كل شيء يدور حولها كحلم مريض.

الشوارع كانت مظلمة، والمصابيح تتأرجح تحت الأمطار الغزيرة، تضيء للحظات ثم تُطفأ كأنها تخاف من شيء.

الهواء مرعب، يحمل رائحة الرطوبة والدم القديم، وصوت الأمطار يشبه أصابعًا تطرق على تابوت.

كل خطوة من ليلى كانت تُصدر صوتًا في الماء، كأنها تترك أثرًا... أثرًا يُرى.

فجأة، سمعت همسًا آخر.

ليس من الريح. ليس من المطر.

كان قريبًا جدًا، كأنه يخرج من أذنها:

“لم تستطعي الهروب... الهروب لا يجدي نفعًا.”

توقفت ليلى فجأة.

المطر ينهمر على وجهها، يخلط دموعها بالماء.

التفتت يمينًا، يسارًا لا أحد.

لكن في الزقاق المقابل، رأت ظلًّا طويلًا يتحرّك ببطء، يخرج من تحت ضوء مصباح مكسور.

كان يحمل شيئًا في يده... شمعة خضراء مشتعلة.

النور يتمايل، يرسم على الجدران وجهًا... وجهًا يبتسم.

”المدينة كلها بتشوفك... بس أنتِ اللي ما بتشوفي.”

الظل اقترب خطوة.

ليلى تراجعت، ظهرها يصطدم بحاوية قمامة.

فجأة، انطفأت الشمعة.

وساد صمت تام.

ثم...

سمعت صوت سيارة تقترب بسرعة.

أضواء الشرطة الزرقاء تقطع الظلام.

توقفت السيارة، ونزل منها رامي ناصر، ممسكًا بمظلة سوداء، عيناه حادتان كسكين.

“آنسة! شو عم تعملي هون بهالوقت؟ الحيّ محظور!”

ليلى لم تجب. كانت تنظر إلى الزقاق الفارغ.

الظل اختفى.

لكن على الأرض، حيث كان يقف...

كانت هناك بقعة شمع أخضر، لا تزال تذوب ببطء تحت المطر.

رامي اقترب، رأى البقعة، ثم رفع عينيه إليها:

“هيدي... مش أول مرة بشوفها.”

في تلك اللحظة، سمعت ليلى الهمس مرة أخيرة، هذه المرة من داخل رأسها:

“اللعبة بدأت... والدور الجاي... ليكِ.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَاتِلُ مَدِينَةِ

المؤلف كَاتِبَة سَارة🕯️
2025/12/11 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة