الحيّ الذي لا ينام

الحيّ الذي لا ينام

14 0

الفصل الاول ــ الحيّ الذي لا ينام

كانت ليلى تعرف صوتَ الحيّ كما تعرف نَفَسها.

في الصباحات الباردة، حين يخرج البخار من فمها كأنها تُطلق سحابة صغيرة من تعب الأيام، كانت تسمع صياح البائعين في الأزقة، وارتطام الأبواب الحديدية، وصوت امرأة تُنادِي ابنها من خلف نافذةٍ متّسخة بالزمن.

ذلك الحيّ، الواقع بين حيٍّ راقٍ وآخر مهمل، ظلّ معلّقًا بين عالمين، لا هو منسيّ تمامًا، ولا مزدهر كفايةً ليُلفت النظر.

كلّ شيء فيه رماديّ: الجدران، الناس، حتى الأحاديث.

تسكن ليلى مع عائلتها في الطابق الثالث من عمارةٍ قديمة، واجهتُها مغطّاة بشقوق دقيقة تشبه تجاعيد وجهٍ عجوزٍ لا يشيخ أبدًا.

والدها موظف متقاعد، يقضي يومه أمام شاشة صغيرة يشاهد نشرات الأخبار التي لا تتغير. أمّها تُدير البيت بصمتٍ رتيب، تشكو من الأسعار أكثر مما تشكو من التعب.

أما ليلى، فكانت تحاول النجاة من ذلك الخمول بقدرٍ من الحلم؛ حلمٍ صغير فقط، أن تكتب روايتها الأولى، أو أن تغادر الحيّ يومًا ما إلى مدينةٍ أخرى.

في طريقها إلى الجامعة، كانت تمرّ على الزاوية نفسها كلّ صباح: دكّان “العم فؤاد”، بائع الجرائد القديم.

رجلٌ نحيل يلبس قبعة رمادية ويجلس على كرسيٍّ خشبي مائل.

تراه كل يوم تقريبًا في الوضعية نفسها، كأن الزمن اختار أن يتوقف عنده.

كان يبتسم لها بابتسامةٍ باهتة، ثم يُلقي عليها تحيّته المعتادة:

“صباح الخير يا بنت الجامعة. الأخبار اليوم كلها متشابهة.”

فتردّ بابتسامةٍ متعبة:

“يمكن لأن العالم ما عاد يقدر يدهش حدا.”

تتابع طريقها بعدها وهي تراقب الأطفال يركضون إلى مدارسهم، والسيارات الصغيرة التي تشبه بعضها حتى في أصواتها.

كانت الجامعة تبعد مسافة عشرين دقيقة مشيًا، وذاك الوقت القصير كان مساحةً لتفكيرها الوحيد في اليوم.

تفكر في مشروع تخرجها، في قصيدة كتبتها ولم تُكملها، وفي ذلك الشعور الغامض الذي يرافقها منذ أسابيع؛ شعورٌ خفيف، لكنه مزعج، كأنّ أحدًا يراقب خطواتها من بعيد دون أن يظهر.

لم تُخبر أحدًا عن ذلك.

ربما هو توهّم، أو قلق الامتحانات، أو مجرّد صوت الريح بين الأبنية الضيقة.

لكن في أعماقها، كانت تعلم أن الحيّ تغيّر في الفترة الأخيرة.

الوجوه نفسها، الأصوات نفسها، لكن شيئًا غير مرئي بدأ يتسرّب بينهم: صمت غير مألوف بعد منتصف الليل، ونظرات متبادلة بين الجيران حين يُفتح بابٌ في ساعةٍ متأخرة، وكأن الجميع يعرف سرًّا واحدًا لا يُقال.

ذلك المساء، عادت ليلى متأخرةً قليلًا.

كانت السماء مغطّاة بغيوم ثقيلة، والريح تدور حول الزوايا بصفيرٍ طويل.

حين وصلت إلى باب العمارة، لاحظت أن الضوء في السلم مطفأ، والمصباح المعلّق يتدلّى كأنه سينكسر في أي لحظة.

صعدت الدرج بحذر، تمسك الدرابزين البارد وتسمع صدى خطواتها يتردّد ببطء.

وحين وصلت إلى الطابق الثاني، مرّت أمام بابٍ مفتوح نصف فتحة.

من الداخل، رأت ظلّ امرأةٍ تجلس على الأرض وتبكي بصوتٍ خافت.

توقفت لحظة، ثم قالت بتردّد:

“خالتي نادية… إنتِ بخير؟”

لكن المرأة لم تُجب.

فقط ظلّت تهتزّ كتفاها في الظلام.

تابعت ليلى طريقها إلى شقّتها.

حين دخلت، وجدت أمّها تقلب قنوات التلفاز بوجهٍ متجهّم.

سألتها:

“في شي صاير بالحي؟ شفت خالتي نادية عم تبكي.”

ردّت الأم دون أن تنظر إليها:

“بيقولوا ابنها ما رجع من مبارح بالليل.”

ثم أضافت ببرودٍ غريب:

“بس يمكن مع أصحابه، الله يهديه.”

لكن نبرة صوتها كانت مضطربة، والقلق واضح في عينيها.

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيءٍ يضيق في صدرها.

ذاك الشعور القديم عاد مجددًا — المراقبة، الصوت الخافت في رأسها الذي يهمس أن شيئًا في هذا الحيّ ليس طبيعيًّا.

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيءٍ يضيق في صدرها.

ذاك الشعور القديم عاد مجددًا — المراقبة، الصوت الخافت في رأسها الذي يهمس أن شيئًا في هذا الحيّ ليس طبيعيًّا.

في اليوم التالي، استيقظ الحيّ على همهمةٍ غير مألوفة.

تجمّع الناس عند مدخل الشارع الصغير، قرب الحاويات القديمة.

كانت سيارات الشرطة مصطفّة، وضوءها الأزرق ينعكس على وجوه المتجمهرين.

اقتربت ليلى بخوف، تتسلّل بين الناس، حتى لمحت شيئًا على الأرض مغطّى ببطانية رمادية.

سمعت أحد الجيران يهمس:

“لقوه من الفجر… الله يرحمه.”

لم تجرؤ أن تسأل أكثر.

تراجعت بخطواتٍ بطيئة، والبرد يزحف في أطرافها.

كانت تسمع صوت أنفاسها وهي تركض نحو بيتها، لا تدري لماذا تهرب، لكنها شعرت أن الدم في جسدها صار أثقل من العادة.

في المساء، عاد العم فؤاد إلى زاويته، لكن من دون الجرائد هذه المرة.

كان يجلس بصمتٍ، يراقب الناس بنظرةٍ فارغة.

وحين مرّت ليلى من أمامه، قال بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع:

“هيدي مو أول مرة، يا بنتي.”

توقفت، نزلت نظراتها نحوه، ثم سألته:

“شو قصدك؟”

لكن الرجل رفع يده كمن يطلب الصمت، وأدار وجهه نحو الطريق.

تركتْه ومضت، غير قادرة على طرد تلك الجملة من رأسها.

في تلك الليلة، لم تنم ليلى.

الريح تصفر في الخارج، وصوت الباب الخشبي للغرفة يهتزّ كلما تغيّرت سرعة الهواء.

كانت تتقلّب في سريرها، تفكر في الشاب الذي وجدوه صباحًا، في دموع خالته نادية، وفي كلمات العم فؤاد.

عندما أغلقت عينيها أخيرًا، رأته في حلمٍ غريب:

شارعها مظلم، والمصابيح منطفئة كلها عدا واحد، فوق رأس رجلٍ يقف في منتصف الطريق.

كان يلبس معطفًا أسود، ووجهه مغطّى بالظل.

حين اقتربت منه في الحلم، رأت في يده شمعة مشتعلة، والنور المنبعث منها أخضر باهت، كأنه ضوء لا ينتمي إلى هذا العالم.

قال لها بصوتٍ بعيد:

“المدينة لا تنام، فقط تُخفي وجوهها.”

استيقظت فجأة، تتصبب عرقًا،وقلبها يخفق بقوة.

نظرت إلى الساعة، كانت الثالثة صباحًا.

على الحائط، لاحظت شيئًا لم يكن هناك من قبل — نقطة صغيرة من الضوء الأخضر، تتحرك ببطءٍ فوق الزجاج.

اقتربت منها بخوف، لكن الضوء اختفى كما ظهر.

وقفت في منتصف الغرفة، تسمع فقط دقات قلبها، وتحاول أن تُقنع نفسها أن ما رأته مجرد انعكاس من الخارج.

ثم همست لنفسها:

“بكرا كل شي بيتضح…”

لكنها لم تعلم أن “الغد” سيكون بداية السقوط في عالمٍ لم تعرفه من قبل، عالمٍ يعيش تحت المدينة، في الظل.

في صباح اليوم التالي، بدا الحيّ أكثر صمتًا من العادة.

الناس يتحدثون همسًا، والعيون متعبة، حتى الأطفال ذهبوا إلى المدرسة بوجوهٍ جامدة.

في طريقها إلى الجامعة، لم تجد العم فؤاد هذه المرة.

كرسيّه الخشبي بقي مكانه، فوقه جريدة مفتوحة على صفحة الحوادث.

اقتربت لتقرأ العنوان، فوجدته يقول:

جريمة غامضة تهزّ حيًّا صغيرًا في أطراف المدينة”

وتحت الصورة، جملة صغيرة بخطٍ باهت:

“الضحية تُركت وعلى وجهها أثر ابتسامة غريبة.”

تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، وشعرت بالبرد يسري في أطرافها.

الهواء كان يحمل رائحةً خفيفة تشبه الشموع المحترقة.

رفعت عينيها إلى السماء الرمادية، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف:

“يا رب… شو عم بصير بهالحي؟”

ثم تابعت طريقها، دون أن تلاحظ الظلّ الذي مرّ خلفها، بهدوءٍ شديد، كأنّه اعتاد أن يسير وراءها منذ زمن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَاتِلُ مَدِينَةِ

المؤلف كَاتِبَة سَارة🕯️
2025/12/11 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة