عيون لا تنام

عيون لا تنام

11 0

الفصل الثاني ــ عيون لا تنام

استمرّت المدينة في صمتها المريب، كأنّها تنتظر الضربة التالية.

في قسم الشرطة، كان المحقق رامي ناصر يغرق في بحر من الصور والتقارير، عيناه محمرّتان من قلّة النوم. الرمز الذي رآه على يد الظل، ذلك الحرف "س" المرسوم بدقّة، كأنه محفور بالنار. لم يفارق ذهنه. بحث في قواعد البيانات عن جرائم سابقة، عن توقيعات مشابهة، لكن النتائج كانت صفرًا. لا شيء. كأنّ القاتل ولد من العدم، أو من أعماق المدينة التي لا يعرفها أحد.

في تلك اللحظة، دخل الضابط الشاب، يحمل ملفًا جديدًا. كان وجهه شاحبًا، كأنه رأى شبحًا.

“سيدي... في جريمة ثانية. نفس الطريقة. الضحية رجل في الأربعين، وجدوه في حديقة مهجورة قرب النهر. ضربة واحدة، وعلى الحائط... نفس البقعة. ورمز "س" على يده.”

أغلق رامي عينيه، يشعر بالبرد يتسلّل إلى عظامه. همس لنفسه:

“مش صدفة... هيدا سلسلة. والقاتل بيعلن عن نفسه.”

ترك المكتب وانطلق نحو مسرح الجريمة الجديد. الطريق كان مظلمًا، والأمطار الخفيفة تبلّل الشوارع، تحولها إلى مرايا سوداء تعكس أضواء السيارات كأشباح. في الحديقة، كانت الشرطة قد أغلقت المكان، لكن الروائح كانت نفسها: دم، رطوبة، ورائحة شموع محترقة خفيفة، كأنّها تتبع القاتل أينما ذهب.

اقترب رامي من الجثة.

الرجل كان ممددًا على ظهره، عيناه مفتوحتان، وابتسامة غريبة مرسومة على شفتيه ابتسامة ليست سعيدة، بل كأنها قناع من الرعب المجمد. على صورة أخرى على الشاشة الذهنية لرامي: الضحية الأولى كانت لها نفس الابتسامة.

“القاتل بيترك توقيعًا نفسيًا كمان”، قال للضابط.

“مش بس الدم والرمز... بيخلي الضحايا يموتوا وهم يبتسموا. كأنه بيسرق خوفهم قبل حياتهم.”

فجأة، سمع صوتًا خافتًا من بين الأشجار. خطوات؟ أم مجرّد الريح؟ أخرج مسدسه، وتقدّم بحذر. لم يكن هناك أحد، لكن على الأرض، وجد شمعة صغيرة، نصف محترقة، ضوءها أخضر باهت، يتلألأ في الظلام كعين لا تنام.

في الوقت نفسه، كانت ليلى في غرفتها، تحاول التركيز على دراستها، لكن الأخبار عن الجرائم الجديدة وصلت إليها عبر الهاتف. الحيّ أصبح كابوسًا حيًّا: الجيران يغلقون أبوابهم مبكرًا، والأطفال لا يلعبون في الشوارع. جلست أمام نافذتها، تراقب الشارع الفارغ، وفجأة لاحظت شيئًا: ظلًّا يتحرّك ببطء أمام العمارة المقابلة.

رجل طويل، يرتدي معطفًا أسود، يحمل شيئًا في يده — شمعة؟

قلبها خفق بقوة. تذكّرت حلمها، الرجل في المنتصف، الضوء الأخضر. همست:

“مش توهّم... في حدا عم يراقبنا كلنا.”

في اليوم التالي، قرّرت ليلى أن تذهب إلى الجامعة رغم الخوف. في طريقها، مرّت على دكّان العم فؤاد مرة أخرى. الكرسي لا يزال فارغًا، لكن الجريدة مفتوحة على صفحة جديدة:

“القاتل الغامض يضرب مجددًا... هل هو شبح المدينة؟”

توقفت، ثم سمعت صوتًا من الداخل. العم فؤاد كان جالسًا في الظلام، يهمس لنفسه.

“يا بنتي... ابتعدي عن الظلال. اللي عم بصير مش جديد. من زمان، والمدينة بتخبّي أسرارها تحت الأرض.”

سألته بصوت مرتجف:

“شو تعرف يا عم؟ مين هالقاتل؟”

رفع عينيه نحوها، عينان مليئتان بالأسرار القديمة:

“القاتل مش واحد... هو اللي فقد كل شي، وصار يسرق من الآخرين. اسمه يبدأ بـ"س"، وقلبه محترق من شمعة قديمة. ابتعدي، قبل ما يشوف الضوء في عيونك.”

تركتْه وهربت، قلبها يدق كالطبول. في الجامعة، لم تستطع التركيز. خلال الفسحة، جلست في المكتبة، تبحث عن أي شيء يتعلّق بجرائم قديمة في المدينة. وجدت مقالة قديمة من 2008:

|“طفل يفقد أمه في ظروف غامضة... قرية صغيرة تهزّها مأساة.”

الصورة كانت لطفل صغير، عيناه هادئتان بشكل مرعب. اسمه: سامر.

شعرت ليلى بالبرد. تذكّرت الظلّ الذي يتبعها، الشمعة الخضراء. همست:

“هو... هو اللي عم يراقبني.”

في المساء، عاد رامي إلى القسم، يحمل الشمعة التي وجدها. في المختبر، اكتشفوا أن الشمعة تحتوي على مادة غريبة، تسبب هلوسات خفيفة، وتجعل الضحايا يرون أشياء قبل الموت — ربما تلك الابتسامة الغريبة.

ثم جاء الاتصال: جريمة ثالثة. هذه المرة، قريبة جدًّا من حيّ ليلى.

انطلق رامي، لكن في طريقه، مرّ بحيّ ليلى. رأى فتاة تخرج من العمارة، تمشي بخوف. كانت ليلى. توقف السيارة، نزل:

“آنسة، الحيّ خطير هالأيام. روحي لبيتك فورًا.”

نظرت إليه، عيناها مليئتان بالرعب:

“أنتوا الشرطة... صح؟ في حدا عم يتبعني. رأيته... رجل بالمعطف الأسود، مع شمعة خضراء.”

ابتسم رامي ببرود:

“كلنا بنشوف أشياء هالأيام. بس خلّيكي آمنة.”

لكن في أعماقه، علم أنها جزء من اللغز.

في تلك الليلة، جلس سامر في غرفته المظلمة، ينظر إلى صورة قديمة لأمه. الشمعة الخضراء تحترق أمامه، يهمس:

“المدينة بتنام... بس أنا لا. والضوء في عيونها... هي التالية.”

فجأة، سمع خطوات في الخارج. رفع رأسه، ابتسم ابتسامة باردة. الهمس عاد:“الصيد بدأ.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَاتِلُ مَدِينَةِ

المؤلف كَاتِبَة سَارة🕯️
2025/12/11 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة