أين غريب؟

أين غريب؟

14 0

مع صوت طرق الطباشير على لوح القاعة، وبين صخب أصوات التصفيق..

"صفقوا.. صفقوا أيها الأوغاد"

يُحادثُ نفسه..

"صفقوا أيها الضعفاء مثيري الشفقة! .. مثيري الإشمئزاز! .."

يضعُ الطبشورة..

بعد إنهاء لوحته الأكاديمية..

المعجزة لعقول الطلاب ممن حضرو..

مُضيفاً لكلماتٍ بلغةٍ غريبة، وهو متأكدٌ أن الحضور أجمع لن يفهم منها شيئًا..

"والآنَ سأجعلُ أَنامِلَكُم وكُفوفَكُم النّاعِمَةَ البَريئَةَ، التي اعتادَت على الرُّفَهِ والبَذَخِ والتَّرَفِ... تتلوّى تحت وطأة الهيبةِ التي سأُسقِطها عليها، بقوة الحُجّة وسحرِ البيان، بعقلٍ يسبق العصور، ولسانٍ لا يُجارى."

وبعد أن لمح بطرف عينه باب القاعة... ووجده خالياً من المتطفلين،

وأنصت لهدوء الممر،

تأكد من مغادرة الجمع،

وهم غافلون عن مسرحيته الصغيرة..

إبتسم مغتراً

وإلتفت للحاضرين..

فاتحاً ذراعيه واسعاً، في حركة خاطفة تفيضُ فخامة، واشتعلت في عينيه لمحة جنونٍ ووحشية كاسحة..

هنا بدأ الطلاب وقف التصفيق إنتباهاً لما سيقول الأستاذ تالياً، وكلهم أذانٌ صاغية.

"إياكم! ..." يحدث نفسه ثانيةً

ثم ملأ صدره نفساً عميقاً

"إياكم والتوقف! ...سأجعلها تحترق وتخور من الألم والتعب! " يحدث نفسه مجدداً

وأطلق صوته الجَهُورِيَّ يجلب الصَّدَى في الأنحاء..

فأنسابت كلماته كالسيل المتدفق، لا يقوى أحدٌ على صدها.. كان كلامه نحو الآتي:

"لن يكون من شأن طلابٍ واهِمين- أعني واعدين مثلكم! أن يبنوا لبلدهم ولا حتى لأنفسهم إقتصاداً ولا تجارةً إن فعلتم ما يُمليه عليكم الغير.

إتباع التعليمات والطبخ حسب الكتاب لن يأتي إلا بنتائج من سبقكم، ويتبعُ ذلك أن تأتي نفس المشاكل والتعقيدات التي نراها دائرةً حول السوق العالمية والسوق المحلية..

جربوا ما لديكم من أفكار.. لا يتردد أحدكم في فكرة فقط لأنه يخشى أن يخسر بعض جنيهات، لأن الجنيهات التي تخسرها في تجاربك ليست إلا ثمن المعرفة التي ستنالها من تجربتك.. أجل! يا طلاب.. هو بيدكم.. المستقبل الذي يتردد على أحلام يقظتكم وترجونه دائماً أن يصبح حقيقة.. لكن ليس على يد كتابٍ يكتبه الغير أو نُظُمٍ يضعها الأسبقون! "

كان الحضورُ مندهشين من حديثه، فخورين وممتنين لحصولهم على فرصة الاستفادة منه، فأغلبُ ظنهم أن شخصاً من بعيدستان لن يضيف لهم شيئاً جديداً، وقبل ساعاتٍ كانوا جاهزين لخيبة الأمل ومضيعة الوقت إذ لا تُعدُ تلك البلاد منشأً للعقول التي قد تضيفُ لبلاد المصابيح فائدة

فكان لهم ذلك الأمر فريداً ومؤثراً.. يخدم حوجة عقولهم في تلك المرحلة من مسيرتهم المهنية

فخرقوا حاجز الصمت والإنتباه والتفكر.. الذي حال بينهم لتقديرهم هذه المحاضرة.. وشرعوا في التصفيق والهياص، والبهجة تعلو وجوههم

وهو كنجمٍ يعلو المسرح.. قَبِل الثناء والتقدير والاحترام بكل سرور وأغتر بنفسه وتبسم

وجدها فرصةً مناسبة ليعبث بمكتب الأستاذ في زاوية القاعة.. كان فوضوياً ومستعجلاً..

سحب أوراقاً ونظر إليها بإستحقاق.. كأنها جائزة ينالها بعد مسرحية أتقنها وتفانى فيها.

ولكن وجد الطلاب واقفين فجأة ويتجهون نحوه بحماس

هذا وارد.. فلهم رغبة في إلتماس المزيد من نصائحه أو إرشاداته بصفته شخصاً نال وأستحق إحترامهم..

لم يعجبه ذلك ومضى ناحية مخرج القاعة بخفة، ولما وجد أن الجميع سيدركه لا محالة، صاح قائلاً:

"لم ينتهي عملي بعد يا أعزاء..

نسيتُ شيئاً وسأسرع وأجلبه معي..

في هذه الأثناء فلتُدونوا عندكم أفكاركم الخاصة التي سيعرضها علي كل طالبٍ منكم فور عودتي وسنناقشها معاً جميعاً قدر المستطاع"

أثار هذا حماسهم وكان أيضاً جديراً بإلهائهم عن سحبته الماهرة والماكرة

التي خرج بها وأتجه نحو غرفة عمال النظافة يقضي عندها حاجة.. فكانت في نهاية الممر ومجاورة للقاعة التي خرج منها

أحد الطلاب كان على غير البقية الأكثر حماساً بما سمعه في المحاضرة، وأفرط في الحركة وردود الأفعال..

مما أزعج زميله وصديقه المقرب، الذي كان على غير البقية الأكثر ريبةً بما سمعه في المحاضرة، وكان خاملاً منغمساً في التفكير ولم يكن له إسهامٌ في التحية والتصفيق أبداً

كان الأولُ يُدعى فؤاد والثاني يُدعى نبيه

وبينما يسرحُ نبيه في اللوح أمامه، كان فؤاد يكتب على دفتره ويثرثر مُطْبِقاً الكلمات مع بعضها وهو يكلم نبيه..

فؤاد : "أليس من حُسن حظنا أننا جئنا اليوم يا نبيه؟ أنت لا تُصدق يا صديقي.. كنت مُصراً على الغياب هذا الصباح، عليك شُكري لأني أصررتُ على مجيئنا وحضور المحاضرة.. يا رجل لم يسبق أن رأيت أستاذاً يفهمني كهذا الأستاذ، أنا سأكون أول من يعرض عليه أفكاري، أم علي أن أكون الأخير؟ كيف يقدر على مناقشة الجميع، نحن كثيرون.. لكن هو شخصٌ فريد من نوعه، قد يقدر على كل شيء لا أدري، ماذا عنك نبيه؟ لا أراك تكتب.. ألا تملك أفكاراً كثيرة أم ماذا؟ "

نبيه : "لا شيء مما يجري يبدو إعتيادياً يا فؤاد.. لدي مئة سؤال عما يجري.. لماذا البروفيسور غريب الذي إختفى ليلاً فجأة، يظهر فجأة! وهو يؤدي محاضرته المفروضة في وقتها.. ولماذا لا تزال الشرطة محاصرةً لحرم الجامعة حتى إنتهت المحاضرة.. "

رفع فؤاد رأسه ونظر لنبيه وبعدها للنافذة يتأكد من كلام نبيه ويقول : "أنت على حق.. لماذا طال تواجدهم إذا وجدوه بالفعل....

.. فليكن يا رجل! ركز على هذه الفرصة، قد نجدُ نفسنا بين عقودٍ وشركاتٍ وأملاك في ليلة وضحاها، إذا ما إغتنمنا خبرة البروفيسور غريب.. و (أستثمرناها) أفهمت قصدي؟"

لا يُغير ذلك في وضع نبيه شيئًا، فقد واصل الغوص في التفكير فقط لا أكثر..

...

مضى الوقت ولم يعد للطلاب أستاذهم..

فهو في دورة المياه يُجري إتصالاً، بعد أن كان في غرفة عمال النظافة قبل لحظات

عبر الهاتف : "لقد تأخرت! لماذا لم تخرج سريعاً؟! الآن الشرطة تحيط المكان ولا مجال للهروب الآن..

ماهر أنت بحاجة إلى الخروج في أقرب وقت.. هل وجدت المستندات؟ لماذا لا ترد"

هو ماهر نفسه

نجم المسرحية والضيفُ الخفي على جامعة الترتيل، الذي كان سبب المتاعب والفوضى في هذا اليوم منذ بدايته

" لماذا لا ترد أجبني! " صاح الصوت عبر الهاتف مجدداً

رد ماهر له : "ليس من اللطيف الصراخ على شخصٍ سهر الليل كله ليقوم بعمله يا عُلجُوم.. هذه ستكون ساعاتٍ إضافية بالمناسبة، فلتتذكر ذلك عند إقتسامك لحصتي من الغنيمة"

(إتشي تشي تشي.. تشي تشي تشي) هكذا ضحك ماهر في نهاية رده وهو يتلفت في دورة المياه، أثناء جلوسه في حجرة الحمام..

علجوم : "أنت لست بكامل قواك العقلية يا أحمق-

"ءاسمعك تسبني يا علجوم؟" رد ماهر مقاطعاً له

بصوتٍ خافت وبه تهديد،

بينما يخفض رأسه عابساً

رد علجوم : " أعذرني يا ماهر ولكن أنت غافلٌ عن شيءٍ خطير.. في تلك الجامعة يتواجد الطويل! "

" عدنان الطويل؟؟!! " رد ماهر بإستغراب.

علجوم : "الآن وقد علمت ما يجري، أصبحت تدرك أن لهوك بالجوار ليس في صالحنا، أترك كل ما تفعله وأخرج وألتقي بسفيان في نقطة اللقا-

.. أغلق ماهر المكالمة وأصبح واقفاً ويضحك ضحكته الغريبة كالمعتوه المختل، ومن كان ماراً بجوار دورة المياه أصبح مستغرباً من هذه الضحكة الغريبة

في الكافتيريا

وهو يرتدي ملابس الأستاذ.. دخل لغرفة الطباخ بخفة من الباب الخلفي، وتفاجئ الطباخ وعمال المطبخ من ظهوره فجأة في المطبخ

وقال الطباخ : "أهلاً بالأستاذ! هل هنالك شيء أساعدك به؟"

رد ماهر متوتراً : "لا يا عزيزي فقط سأدخل غرفة التخزين لأستعير بعض الثلج، فأشعر بالصداع منذ بداية اليوم"

يضعُ الطباخ يده في جيوبه ويتلفت ويقول للعمال :

"أين وضعنا مفاتيح المخزن يا رجال، أسرعوا فليس للأستاذ أن يضيع وقته هنا! "

مد عاملٌ المفاتيح للطباخ، وأراد الطباخ تسليمها للأستاذ أو ماهر بالتحديد، لكن يجده قد إختفى بسرعة ولا يجده، مما جعله يظن أنه غادر المطبخ والكافتيريا.

كان المطبخ فسيحاً ولا يمتنع الطلاب عن دخوله لأن به الكثير من المجالس لتناول الطعام.. كان واسعاً ومزدحماً بالطلاب في وقت الإفطار.. وما يحيط المطبخ باقي الكافتيريا وملحقاتها من أكواخ ومقاهي صغيرة

لكن في غرفة المخزن.. التي تتواجد قُرب زاوية المطبخ،

كان الباب يُصدر تكتكة ودقدقة سريعة من القفل.. حتى أصبح الباب يُصدر صريراً وهو ينفتح، بعد أن إخترقه ماهر بأداة متعددة القِطع تشبه المطوة..

دخل وحمل كيساً من مكعبات الثلج على الرف مباشرة وهو يدخل

وصار يقول : "لم أكن أكذبُ بشأن الصداع! كنتُ ساهراً طول الليل أبحثُ عن مخبأ المستندات خاصتك يا بروفيسور غريب"

أظهر ماهر ملامح إستغرابه وقال : "أتسمعني بروفيسور غريب؟ لا أسمع صوتك أنا الآخر! "

ذهب ماهر مسرعاً لركن المخزن وهو يهلع ويقول :

"لا تفكر حتى بالموت أيها الخنزير القذر! موتك لن يتسبب في حربٍ كبيرة بين البلدين فقط! بل سيقوم علجوم بطردي أيضاً! ولو حدث ذلك سأجعل جثتك طعاماً لكلاب الشارع الضالة!"

أثناء كلامه وتهديده كان قد وصل لعجول لحمٍ معلقة، أزاحها لينظر للبروفيسور غريب، وهو مقيدُ الأطراف، مكموم الفم، وعاري البدن، ينظر لماهر بخوف، وهو يمضغ كلماته عاجزاً عن طلب الرحمة، ففمه مكموم بالقماش

ضحك ماهر وقال : "أهل المصابيح لا يأكلون الخنازير أبداً، فليس من الصواب إبقائك هنا طويلاً"

ضحك بصوتٍ أعلى وقال :

"لكنِ لستُ على ملتهم، فلا أمانع أكلك أبداً!

فأنت أيها الأشقر تسببت لي بالكثير من المتاعب عندما وضعت مستنداتك السرية في مكتبٍ بقاعة عشوائية..

اوه لكن لحظة لم تكن عشوائية!

تضعُها في القاعة التي ستحاضر طلابها في الغد، لتبقى قُرب ناظريك وتحرسها.. وأنت تتعمد وضعها في داخل الجامعة كي لا يسعى إليها أمثالي في الفندق..

لكن لسوء حظك أني من تم إرسالي لهذه المهمة"

ختم ماهر كلامه مفجراً ضحكة فائقة، وأرهب ذلك غريب وجعل أنينه وضجيجه يزيد، وهو يدمع خائفاً

وما قاطع ضحك ماهر كان إهتزاز هاتفه، الذي كان في وضع إهتزاز فقط، وأهتز منبهاً له بمكالمة من علجوم

يرد ماهر بسرعة على الهاتف وهو ينظر بإتجاه باب المخزن : "ماذا الآن؟ "

علجوم يقول بسرعة : "لدينا مشكلة.. القوات الخاصة سوف تدخل"

أغلق ماهر الهاتف ونظر لغريب وقال : "حسناً لا وقت لدي للترفيه عنك سيد غريب لذا فلنعد للعمل"

أصبح ماهر يجر غريب من قدميه بلا مراعاة.. وعندما وصل لباب المخزن.. تأكد بأن الجميع مشغول وغافل عن وجوده.

وصار ينظر في أنحاء المطبخ

وأصبح غريب يراقبه خائفاً

وأخرج من جيبه مقلاع حجارة كالأطفال..

تبدل خوف غريب بالحيرة والتساؤل فور رؤيته يخرج شيئًا كهذا

جعل ذلك غريب يحتار أكثر ويراقب بتركيز أكثر..

ثم نظر غريب في إتجاه أحد حوائط المطبخ، وهو نفسه الذي كان يحدق به ماهر بتركيز

لم يخطر على بال غريب أن ماهر كان يقيس الأبعاد بينه وبين صندوق الحريق المعلق على ذاك الحائط

حتى أخرج ماهر حجراً صلباً وثبته على المقلاع وهو يشد ويصوب

فور تصويب ماهر نحو الصندوق بدقة، أصاب الهدف ..

، إنتشر الإنذار والمياه إنهمرت فوق الجميع

فعلاً كما خطط.. أصبح الجميع يتلفت ويحاول معرفة مصدر الحريق

وتستر ماهر ماسكاً رهينته داخل المخزن كي لا يلمحه أحد

وعندما وجد الجميع أن المطبخ ليس مصدر الحريق أصبحوا ماضين نحو الخروج من الجامعة في حالة هلع، مع وجود بعض الناس الهادئة التي أرشدت الناس لتخرج بهدوء..

عند خلو المكان، وبقاء ماهر وغريب وصوت الإنذار ومياه الإطفاء..

نظر ماهر لغريب وجره من على الأرض بإهانة..

سحبه وهو مدرك للمكان الذي سيضع فيه هذا المخطوف

.

...

.

في بوابة الجامعة بين الإزدحام والفوضى..

كان الخروج معضلة للطلاب.. لوجود حراسة مشددة من القوات الخاصة.. التي كان إقتحامها للجامعة حداثة غير مرغوبة ومروعة للجميع..

فقد منعوا خروج الطلاب لأنهم لم يبدؤوا عملهم حتى، وقاطعهم هذا الحريق المفاجئ..

لكن كان لقوات الشرطة الحرية في الدخول والخروج في أي وقت..

مع أسلحتهم المرعبة والكثيرة التي لا تتماشى مع جامعة الترتيل المسالمة..

كانت الصدمة

عندما ظهر ماهر أمام رجال الشرطة وحده بين الزحام

وهو منفرد بدون غريب

لكن..

لم يعني ذلك شيئًا لهم ولا للقوات الخاصة.. فهو مجهول الهوية والوجه.. بل لا يؤمنُ أحد بأنه ذو شأنٍ في ما يجري

فدعك من أن يدركوا أنه ماهر الماكر

أخرج من جيبه هوية أمنية فجأة للحارس من بعيد

وقال : "أنا من رجال المحقق عدنان، لقد إبتلت ملابسي وأثقلت من سرعتي، على كلٍ سأخرج لأجفف حالي وأعود"

لم يمعن الحارس في ما يحمله ماهر ويعرضه لهم، لكن في وسط الزحام والوضع المتأزم، كان مقنعاً كفاية، وأيضاً للحراس مشكلة أهم للقلق بشأنها وهي إخلاء الطلاب

خرج ماهر أخيراً.. وهو يحمل ملابساً مبتلة

مودعاً صفارة إنذار الحريق..

ومودعاً الزحام وضجته..

ومودعاً كيد الشرطة وحصارها وصفارات سياراتهم..

ومودعاً الجامعة التي سهر فيها ليلة طويلة والصباح الذي تلاها..

يكفكف أكمام قميصه الأبيض الطويل، ويسعل فجأة

يقول لنفسه : "كان صداعاً والآن أصابني البرد"

حك أنفه وتلفت فوجد طريقه لأحد الأزقة وألتفت نحوه مسرعاً..

أسرع وأسرع وأنفرد، ثم ألصق ظهره بالحائط وأخذ نفساً عميقاً، لم يكن له مجالٌ أن يتنفسه وهو داخل جحيم القوات الخاصة..

وأخرج من بين الملابس المبتلة، ظرفاً بلاستيكياً بداخله أوراق ومستندات، قال ماهر لنفسه : "كانت ليلةً طويلة"

وصل ماهر بعد مشيه الطويل لشارعٍ بعيد عن الجامعة، ووقف أمام محل سباكة كبير، لكن مغلقٌ أبوابه، به لافتة كبيرة مكتوبٌ عليها "الخبراء".. كانت هذه نقطة اللقاء لماهر

أثناء وقوفه كان يرتجف برداً، ويحك ذراعيه بيديه ليدفء نفسه.. كان يصعبُ عليه الوقوف في الجو البارد، فكانت الشمسُ فاترةً في يومٍ شتوي.. في بدايات شهر ديسمبر..

فأبصر سيارة أجرة من بعيد وصار يلوح لها بلهفة..

عند توقفها..

دخلها مستعجلاً

وسأله السائق فور جلوسه : "إلى أين نتجه سيدي؟"

رد عليه ماهر بسرعة : "إلى أمك!"

إنفجر السائق ضحكاً وأصبح يسخر في ضحكه..

ونظر السائق لماهر وقال : "أحدهم كان سيبيت في سجنٍ فدرالي الليلة!"

رد عليه ماهر : "هذا ليس أمراً يدعو للضحك يا سفيان"

سعُل ماهر وأكمل قائلاً : "لا أعملُ مع علجوم كما تعمل معه أنت، إن تم الإمساك بي فسوف أوشي بكم جميعاً ولن أتردد"

سفيان : "أنت ماهر.. لم ولن يمسك بك أحد من قبل ولا بعد، لن يهتم أحدٌ من القوات الأمنية بعلجوم إذا كنت تحت قبضتهم ومكبلاً.. فهذا حدث تاريخي! أكبر بكثير من القبض على جماعتنا"

صمت ماهر وصار يتأمل كلام سفيان، وبدأ ينظر في النافذة متأملاً منظر البحر، فكان يقود سفيان في الشارع الموازي لبحر "الأزرق" متجهاً شمالاً

وصلت السيارة لأحد الأحياء البعيدة..

هذا الحي منفصلٌ عن المدينة نوعاً ما..

فبينما يرغد أهل المدينة بالنعم وراحة البال..

كان سكان هذا الحي يتعايشون مع الفقر والتشرد..

فرق إجتماعي كبير بين هذا الحي والمدينة الكبيرة..

يتمثل هذا الفرق أيضاً في صورة إتساخ ودناءة مباني الحي الصغيرة وكثرة الخِيَّم البيضاء.. ونظافة وعلو بنايات المدينة الرافهة والفخمة..

مما يجعل في المشهد.. إلفة لصورة راسخة في عقولنا..

ندركها ولكن ما رددناها ولا فكرناها بما فيه الكفاية..

ألا وهي..

حيثما يوجد الكثير من الترف والرفاهية في بيوتنا..

توجد في زوايا هذا العالم.. بيوت وخِيام تفتقر للحياة.. رغم وجود من يحيا فيها من أشخاص

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المُحتال

المؤلف GravaStarr
2025/12/08 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة