في جامعة "الترتيل" الخاصة رفيعة المستوى وجيدة السمعة : عظماء من رجال الأمن والأجهزة الشرطية كانوا بحرم الجامعة منذ الساعة 6 صباحاً يحيطونها بسيارات شرطة مهيبة العدد وعرباتٍ غاسقة السواد مريبة تعود للقوات الخاصة؛ أولائك أصحاب البدل السوداء والوجوه القاسية.
لم يكن ما يحدث متوقعاً لطلاب الجامعة؛ إذ لم يكن هذا بيومٍ عادي في جامعة الترتيل، خاف أغلبهم وسرحوا في خيالهم لمعرفة ماذا قد يكون كل هذا؟
من بين كل الأماكن في حرم الجامعة كانت كلية الإقتصاد والتجارة الأكثر ضجةً وصخباً.. الطلاب وقعوا تحت التحقيق العشوائي من غير مقدمات ولا تنسيق
كان البعض يغضب لوضعه تحت مجهر التحقيق والمساءلات ويتوعد باللجوء لوليِّ أمره رفيع المقام والمكانة في الحكومة، والبعض الآخر يخاف ويرتعب، والأغلبية من الفتيات كُنَّ يَبْكِين.
من بين كل رجال الأمن والشرطة كان الأعلى منصباً وقدرةً في العاصمة : المحقق الحكومي "عدنان الطويل" يمشي في ممر القاعات في كلية الإقتصاد، بخطواتٍ طويلة، ضارباً الأرض بحذائه الضخم وعالي الصوت وضاماً يديه خلف ظهره بإستعلاء، وتطاولٍ يليق بطول قامته
يلحق به من عاونه من رجاله وأصحاب الشأن في أياً كان ما يحدث في هذه المعمعة، ضخام أقوياء البنية وقساة الملامح، يجعلون من صورة عدنان أقوى وأجمح وهم يحاولون اللحاق بقدميه الطويلتين.
ما عدا إثنان يثابران حتى يجاري كلٌ منهما الجماعة ويصلا تقدم عدنان.. أحدهما شابٌ متوتر الخطوات يحزمُ أمتعته بصعوبة خلال جريه فيمسك حقيبته بينما تسقط مراراً وتكراراً من كتفه ويحمل دفتراً بالكاد يقرأ منه لسرعة المشي ويسكب فيه القليل من القهوة التي يحملها على ذات اليد.. تراه غير محترفٍ في عمله ومبتدئاً من النظرة الأولى وبذات الوقت تستشعرُ براءةً وضُعفَ شخصية من خلال ملامحه.. والأخرُ بدينُ الجسد قصيرٌ يتصبب عرقاً ويُسارعُ أنفاسه جارياً ومرتبكاً، لا يبدو من رجال الحكومة.. ولكنه عميد الجامعة ويبدو متوسلاً لعدنان رغم تجنبِ عدنان له، عدنان الذي يعبسُ وجهُهُ كالتمثال ويرفع أنفه كالملك.
"قليلاً فقط إسمعني.. كل ما أريده يا حضرة المحقق أن تجد لي مخرجاً أمناً مما يجري" قال العميد
"كان كلُ شيءٍ يجري طبيعياً ووفقَ المعتاد وليست أول مرة يزورنا بروفيسور زائر من خارج البلاد" قال العميد مجدداً
يرد أحد رجال عدنان : هذا ليس أي بروفيسور زائر؛ فهو الأستاذ "غريب بعيدوچ" رمزٌ من رموز دولة "بعيدستان" والتي لا تُعد صديقةً مقربةً لنا نحن دولة "المصابيح"
رجلٌ أخر من رجال عدنان يقول : كل ما كان عليك فعله هو إستقباله لمدة أسبوع واحد حضرة العميد والآن أفسدت الأمر.. لو مس شيءٌ شعرة واحدة من شعره الأشقر سيكون هذا سببَ حربٍ كافياً لهولاء العُجمِ.
غيرت هذه الكلمات نظرة العميد من مرتعب إلى مخلوع الروح وأزاح النظر من كِلا الرجلين وعاود النظر بإرتعاب للمحقق عدنان الذي ينظر نحو الأُفُقِ بثبات أثناء مشيه السريع.
"أتوسل إليك سيدي عدنان لستُ مستعداً للوقوف أمام القانون بعد كل هذه السنوات التي انشأتُ فيها الجامعة بتلميعِ صورتي وتحسينها للحكومة" قال العميد بمسكنة
"سأتعاون مع التحقيق بكل ما أملك فقط دع هذه المرة تبدو كخطأ البروفيسور الأحمق" قال العميد مسرعاً وهو يتشبثُ بزراع المحقق عالياً ويناظره من الأسفل
بدأ المساعد الشاب المبتدئ يُطالع ما يجري مستاءًا لحال العميد وينظر لظهر المحقق عدنان ومعطفه الطويل الأسود الذي يبدو كظلٍ في وقت العصر وقفازاه أبيضا اللون الملتقصان ببعضهما يتحركان صعوداً ونزولاً لثبات خطوات المحقق وكأنهما يسخران من جميعِ من بخلفه.. إلى أن توقف فجأة.
سقط العميد وبدأ يفتح عينيه ويُعدِل نظاراته، إرتبك الجميع وصاروا ينظرون للمحقق وهو يقف من باب أحد القاعات يراقب بسرعة ويسعى ينتقل للتالية ويفعل نفس الشيء إلى أن وصل لقاعة فيها تصفيقٌ حار وحماس من الطلاب بالرغم من أنه صباح باكر.
فنظر عدنان للعميد الذي لحقه متأخراً وبدأ عدنان يقول في نفسه : "ما بال هذا الحشرة؟ لا يجول في خاطره إلا مصالحهُ الشخصية والتأمين على نفسه، وذلك في وقتٍ قد تبدء فيه سلسلة من المشاكل الدبلوماسية بسبب إهماله وتغاضيه عن إجراءاتِ إستضافةٍ عادية"
خاف العميد من نظرة المحقق وبدأ يحركُ أعينه في الجوار متهرباً من الحكم عليه بالمهمل، فهو مدركٌ لتجاهله للبروفيسور الزائر
قال المحقق مكلماً نفسه مرة أخرى : "يوجد داخل هذه القاعات طلابٌ واعدون يُقَدِرون أساتذتهم ويصفقون لأدائهم وأساتذة يقفون أمامهم يستحقون هذا التصفيق ولكن مالي أرى هذا الأحمق عميداً لجامعة الترتيل المرموقة.. مظهرٌ أخر من مظاهر فساد البلاد.."
بات المساعد الشاب ينظر داخل القاعة متأملاً بفضول منظر التصفيق وصوته الذي دام طويلاً وبعدها ينظر للأستاذ الذي يكتب على اللوح.. حتى أدرك المساعد الشاب أن الجميع قد غادر فأسرع مهرولاً ليلحق بهم
صار الممر هادئً خالياً من صوت الخطوات العالي والمُقلق..
فذهب الرجال السابقون لمكتب العميد ليواصلوا حل قضية إختفاء البروفيسور الزائر
بينما..
في نفس القاعة التي صدر منها التصفيق العالي والنشاط كان الطلاب ينتظرون مواصلة الأستاذ لكلامه الذي كان كفيلاً بجعلهم يصفقون، فقد أوقفه مؤقتاً أثناء كتابته على اللوح والآن أستدار وصار ينظر للممر ووجده خالياً
فتح الأستاذ ذراعيه للجمع وصار يواصل تدريسه بلغةٍ تبدو كأنها مخلوطة بلهجة أجنبية.. ولكن مفهومة
في مكتب العميد طلب المحقق عدنان عدة أشياء من أعضاء مكتب العميد والذي كان وسطهم العميد نفسه.. إذ قال : "أريدُ قائمةً بجميع الأشخاص في الجامعة، جميع الإداريين، جميع الأساتذة، جميع الطلاب، جميع الحراس، جميع العمال، كلُ زائرٍ منذ بداية الفصل الدراسي، وكل من حاول الدخول أو طلب الدخول وكلُ من له شأنٌ أو مصلحة لدخول الجامعة أو ما شابه"
أضاف المحقق عدنان قائلاً : "وخريطةً لكل مباني الجامعة بلا إستثناء، ووصفاً دقيقاً لكل زاوية في الحرم الجامعي"
"وأيضاً لا شأن لكم بالبيانات في كاميرات المراقبة بعد الآن فهي تخصنا من الآن فصاعداً.. "
نظر عدنان وحدق في وجوه الجميع بتهديدٍ وإستعلاءٍ فقال : "إنها أخر فرصة لكم للتعاون معنا فأحسنوا إستخدامها وإلا أدخلتُ القوات الخاصة عليكم وجعلتُ طعمَ أيامكم مثل الموت"
هاب الجميع كلمات المحقق وهموا بالتحرك وتنفيذ الأوامر واحداً تلو الأخر..
ترن الهواتف في المكتب كثيراً فكان الأهالي قلقين يريدون الإطمئنان على ما يجري وما هو حال أبنائهم وماذا قد يكون كل هذا..
في تلك الأثناء..
وفي الكافتيريا..
زفر المساعد الشاب ما في صدره وهو يحتسي كوباً ورقياً من القهوة بادياً على وجهه أن العمل مع المحقق عدنان لا يجلبُ له سوى الإرهاق
يقول لنفسه : "أين يمكن أن يكون شخصٌ جاء من المطار مباشرةً للجامعة، لا خرج منها يوماً ولم يكن له غيرُ بضع محاضرات يؤديها ويعود ليرتاح في فندقٍ يلاصق الحرم الجامعي مباشرةً؟!"
نظر الشاب ناحية مجموعة من الشجيرات سارحاً، فميَّزَ من بين المحادثات المتضاربة في الكافتيريا مجموعة من الطلاب يدردشون على النحو التالي:
"كيف لرجلٍ من بعيدستان أن يعلم كثيراً من الأمور بهذا الشكل"
"بدا لي تافهاً لحظة دخوله"
"متى تكون محاضرته التالية؟"
"مؤسف أنه لم يعد ليناقش أفكارنا التي دوناها"
أدرك المساعد من ما سمعه أنه تناقض أن يتكلمون بهذا الحماس عنه وآخِرُ ظهورٍ للبروفيسور غريب كان بالأمس..
فكان في حديثهم شيءٌ من الحماس والنشاط، فجعل هذا المساعد يحس أنهم كانوا نفس الطلاب في القاعة ذات التصفيق سابقاً؛ فزاد فضوله ووضع كوب القهوة وذهب ليقاطعهم.
"عذراً على مقاطعتكم، سمعتكم.. ولم أقصد التنصت لكن سمعتكم بشكل عرضي تتحدثون عن محاضرتكم.. بخصوص هذا الأستاذ هل كان نفسه الذي أدى محاضرةً صباح اليوم في القاعة 301؟"
أجاب طالبٌ يجلس طرفاً : "نعم هو نفسه"
حاول طالب أخر بدت الحيرة على وجهه سؤال المساعد في شأن وجوده هنا : "لماذا لا زلت هنا حضرة المحقق أليس عليك الإنصراف؟"
رد المساعد مستغرباً وهو يشعر بعدم الترحيب، فبدا وكأنه يضايق الجالسين : "آسف جداً لست متكاسلاً أو متهرباً من العمل ولكن إحتجت كوباً من القهوة وأكرر إعتذاري لمقاطعتكم-
قال نفس الطالب مسرعاً : "لا ليس هذا ما أعنيه أيها المحقق بل قصدت أنكم أتمَمْتُم مهمة البحث عن بروفيسور غريب بالفعل هذا الصباح أليس صحيحاً؟"
"ماذا تعني أيها الشاب؟ لم نجده بعد!" رد المساعد مستغرباً.
رد الطالب قائلاً : "أظن أني متأكد أنكم رأيتموه في قاعتنا هذا الصباح فقد كنت أنظر لوجهك وأنت عند باب القاعة تراقب الأستاذ"
ترتبت على وجه المساعد ملامح غريبة وكأنه نسيَّ شيئًا وأشار بأصبعه للطلاب الجالسين ليمهلوه لحظة، ولكنه بدأ بالجري بسرعة، وجعل الكل في حيرةٍ وإستغراب
جرى المساعد وجرى
جرى يصطدم بكل من وقف في طريقه
وجرى يلتطم بزوايا الممرات حتى وصل ممر القاعات الذي كانوا فيه مؤخراً، وصدم في الممرِ عاملَ النظافةِ أزرقَ الملابس حتى وقعا
سارع المساعد بالوقوف وهو يُكثرُ الإعتذار، ورفع نظارات عامل النظافة وأعطاهُ إياها وجرى قبل أن ينوي عامل النظافة الوقوف حتى..
وصل عند قاعة 301 وصار ينظر في الأنحاء باحثاً عن البروفيسور.. لم يميز المساعد أي من الحاضرين في القاعة على أن يكون أستاذاً؛ فجميعُ أساتذة جامعة الترتيل يرتدون رداءً موحداً يميزهم.
فزع من بالقاعة من سرعة المساعد ونظره السريع في الأرجاء، بدا لهم غريباً ومثيراً للفضول، وصاروا يتلفتون لمعرفة ما يجري..
خرج المساعد من القاعة خجلاً وهو يعتذر وقرر التوجه للمحقق عدنان لإطلاعه عن الأمر.
في هذه الأثناء كان المحقق عدنان مشغولاً في مكتب العميد مع كل المساعدين وتحقيقهم في القضية من أصغر تفاصيلها إلى أكبرها..
صنع المساعد طريقه للمحقق عدنان
أصر المساعد الشاب أن يكلمه، لكن المحقق عدنان لا يعطيه وجهاً حتى، وببرود وبطئ يرد عدنان على المساعد الشاب قائلاً : "ليس لدي ما أنشغلُ به معك يا "مهتدي".. لست مؤهلاً للعمل ضمن فريقي من الأساس، ولا خبرة لديك في مثل هذه القضايا، أنت هنا معنا لتفوقك الأكاديمي فقط لا غير"
يرد المساعد الشاب، الذي قد أدركنا إسمه أخيراً وهو مهتدي، شابٌ بريء الملامح، ضعيف الشخصية، متوسط الطول، له صوتٌ صادق وجذاب فيقول للمحقق : "هذا أمرٌ طارئ يا سيدي، يبدو أن فصلاً كاملاً قد شهد حضور بروفيسور غريب هذا الصباح!!!"
إلتفت الجميع في صمتٍ مفاجئ وهم يرددون أسئلة متشابهة : "ماذا تقول؟".. "أمتأكدٌ مما تقوله؟".. "أصحيحٌ كلامك؟"
إلتفت المحقق عدنان ببطئ وبكلتا رجليه وكامل جسده، ليقابل مهتدي، ولينظُرَ في وجهه، وبدأ يحقق في ملامح وجهه، أهو صادقٌ أم غير ذلك؟
ويقول عدنان لمهتدي بعزم : "أَرِنِي ما تقول !"
وبعد حين أصبح الجميع حاضرين؛ كلٌ من المحقق عدنان ومعاونيه، وعميد الجامعة وأعضاء مكتبه، وبالإضافة لجميع طلاب الفصل الذين كانوا في القاعة 301 ينتظرون محاضرةً، لكن مهتدي تدخل وأفسدها عليهم إذ كان متيقظاً كما يجب..
والمحقق عدنان بات واقفاً أمام اللوح يسمع شهادة الطلاب واحداً تلو الأخر وهم على مقاعدهم، وأنصت عدنان محاولاً حل قضية إختفاء البروفيسور غريب.. لكن يجد جميع شهادات الطلاب متوافقة وتثبت لنا الآتي..
كان الأستاذ يبدو شاباً في أواخر العشرينات يرتدي رداء الأساتذة الذي لم يكن مناسباً له ولا لهيئته
يلبسُ نظارةً بعدسات واسعة، وله لحية خفيفة عند حواف وجهه، كان وسيماً حسب وصف الطالبات الإناث.. له عدة خواتم يزين بها أياديه.. يرتدي سلسلة ذهبية وواضحة على رقبته.. لم يكن أشقر الشعر تماماً كما شاع عنه من بقية الطلاب في الكلية.. بل كان شعره ناعماً يبدو بنياً محمراً، ووصفه بالبرتقالي لن يكون ظلماً.. يبلغُ طوله ما يقاربُ 180 سنتيمتراً، وكان يافع البنية الجسدية رغم ذلك كان صوته صاخباً وجهوراً وكثير الإبتسام والضحك..
هذا الفصل الوحيد الذي إختلف وصفه مع حقيقة شكل بروفيسور غريب وما شاع عن وصفه حول الكلية، كان غريب رجلاً أشقر الشعر في الأربعينات من عمره، لم يملك وجهاً يوصف بالوسيم ولا المميز، ولا حتى لحيةً أو شارب.. كان بشوشاً لكن منخفض الصوت لا يؤدي أداءً بارزاً في المحاضرات حتى يصفق له الطلاب.
أسئلة عديدة ترددت على بال الجميع عند سماعهم لوصف الطلاب..
من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يحلُ مكان البروفيسور الزائر؟ وأين قد يكون موجوداً في هذا الوقت؟
تجادل الأغلبية مع الطلاب مشككين في صحة وصفهم خلال الجلسة حتى أوشك الطلاب على المغادرة.. وفي كل هذه الأثناء جال في تفكير المحقق عدنان سؤالٌ مهم.. وهوَ كيف كان لهذا الرجل أن يؤدي محاضرةً تروق لكل هذا الفصل وهو ليس بأستاذٍ حتى.. وحتى وإن كان أستاذاً كيف يقنع جميع من هنا من الطلاب أنه أستاذ أجنبي من بعيدستان بدون إثارة ذرة من الشك
كان عدنان لا يحرك ساكناً طول مدة الجدال والتساؤلات، وألتفت عدنان محدقاً في اللوح خلفه فجأة، فصمت الجميع بعد ذلك، ساد الهدوء التام القاعة على غير العادة.. أثار الفضول الجميع فصاروا يحدقون باللوح كما يفعل المحقق عدنان
وجد المحقق الكثير من مصطلحات الإقتصاد في اللوح مكتوبة بالعربية، ونسبة واضحة من الكلمات كانت بلغة بعيدستان، وهي نادرة الورود والظهور في بلاد المصابيح وغيرُ مألوفة للكثيرين.
لم يفهم الطلاب منها شيئاً ولا حتى المحققون..
ومن بين الجميع،
شخصان فقط كانا يفهمان معنى هذه الكلمات على اللوح
وهما المحقق عدنان
والشخص الذي كتبها.