مائدة تجمع... وجراح تُكشف
فى الطابق الأول شقة سليمان،
كانت رائحة رمضان تمتزج برائحة البيوت الدافئة. لم تكن مجرد رائحة طعام، بل كانت رائحة الذكريات، التجمعات، والترقب.
نزلت علياء ومنة منذ الصباح، وكأنهما فراشتان تدوران في فلك حماتهما فريال، التي كانت تتحرك في المطبخ بخبرة . وخلفهما، نزلت ليال، خطواتها أصبحت أكثر ثقة، تحمل في قلبها حباً هادئاً ورغبة في أن تكون جزءاً حقيقياً من هذا المشهد الذي لطالما حلمت به.
كان المطبخ خلية نحل دافئة. أزيز الزيت في المقلاة، صوت السكاكين وهي تقطع الخضروات بإيقاع منتظم، وبخار الطعام المتصاعد الذي يحمل معه روائح القرفة والبهارات.
كانت ليال تقف أمام وعاء كبير، تقلب محتواياته، فجأة، شعرت بيدٍ دافئة وحانية تستقر على كتفها. لم تكن بحاجة لأن تستدير لتعرف أنها فريال.
"عاملة إيه يا حبيبتي؟" سألت فريال بصوتٍ ناعم، فيه بحّة حنان. "مبسوطة؟"
التفتت ليال، وابتسامة صافية أشرقت على وجهها. "الحمد لله يا تيتا. مبسوطة أوي."
تغيرت ملامح فريال، وكأن غيمة من حزن قديم عبرت فوق وجهها. "أنا... أنا مش عارفة أقولك إيه على اللي فات..."
قاطعتها ليال بسرعة، لكن بلطف، ووضعت يدها فوق يد جدتها.
"أنا مبسوطة يا تيتا، وده الأهم. يمكن ربنا أراد كل ده يحصل علشان أحس بقيمة العيلة، أو يمكن ما كنتش هبقى ليال اللي واقفة قدامك دلوقتي... شخصية بتعافر، يمكن... بس بتعرف تثبت نفسها."اخترقت كلمات ليال القوية قلب فريال. سحبتها إلى حضنها بقوة، حضنٌ كان يجب أن يمنح لها منذ سنوات. شعرت ليال بارتعاشة خفيفة في جسد جدتها، ثم دمعة ساخنة سقطت على كتفها.
"يا حبيبتي يا بنتي... حقك عليا.""إيه يا جماعة كل الحب ده؟" قال عمر، وهو يسند جسده على إطار باب المطبخ. "طب سيبولنا شوية!"
"بس يا بارد!" قالت ليال، وهي تضربه في كتفه بمرح. "تعرفي يا تيتا، عمر أكتر واحد بيغلس عليا... عايزك تقرصيله ودانه!"
"بس يابنتي!" قال عمر، وهو يضحك. "أنا أكبر منك!"
"العب بعيد يا بابا!" ردت ليال، "ده كله ما يجيش 10 دقايق، هتعمل فيهم كبير؟"ابتسمت فريال ابتسامة حقيقية، وهي ترى روح الدعابة والمشاكسة التي لم ترها في ليال من قبل، وشعرت بقلبها يمتلئ بالدفء.
سمعت علياء ضحكاتهم، ونادت بصوتٍ عالٍ: "ليال! تعالي اعملي العصاير علشان تلحق تسقع!"
"حاضر يا ماما، جاية..." ردت ليال، وهي تتوجه لداخل المطبخ.
"وسع يا عمر، شوفلك حتة تقعد فيها!"بينما انشغلت ليال،
توجهت فريال إلى الصالون لتجلس مع زوجها سليمان. كان الصالون هادئاً، وصوت تلاوة سليمان الخافت يملأ المكان بالسكينة. لكن فريال شعرت بجدار جليدي يفصل بينها وبينه.
جلست بجانبه، فأبعد عينيه عنها في حركة بطيئة ومقصودة، وعاد يركز في المصحف.
"مش ناوي ترجع تكلمني... حتى علشان خاطر الأيام المفترجة دي؟" قالت فريال بصوتٍ هادئ، تُحاول مد جسر فوق الهوة التي بينهما.
أغلق سليمان المصحف ببطء، ووضع يده عليه. "صدق الله العظيم." نظر إليها، وكانت عيناه تحملان خيبة أمل عمرها ثمانية عشر عاماً.
"عايزة إيه يا فريال؟ نرجع زي زمان؟ إزاي وأنا كل ما أبص في وشك أحس إن مراتي، عشرة عمري، خانتني وكانت بتضحك عليا؟ ما كنتش صعبة عليكي... 18 سنة ذل وقهر وعدم اهتمام؟ يا شيخة، ده أنتِ كنتي بتقولي البنت كبرت قبل أوانها."
"كانت..." بدأت فريال في الحديث، لكنه قاطعها بحدة.
"مهدداكي؟" قال سليمان، وصوته يحمل مرارة السنين.
"من أول يوم مهدداكي... وأنتِ اللي سبتي لها الحبل على الغارب لغاية لما برطعت في البيت كله."في تلك اللحظة، علا صوت أذان العصر من المسجد القريب، وكأنه يضع حداً لهذا الجدال المؤلم.
"استغفر الله العظيم..." قال سليمان، ثم وقف. "أنا نازل أصلي العصر في الجامع."
خرج من الصالون ليجد عمر وسليم وأمير يجلسون أمام التلفزيون.
"عمر، تعالَ معايا عشان نصلي العصر في الجامع... وأنت يا أمير وسليم، يلا بينا."
عادت الشمس تغرب، وبدأ الجو في الخارج يكتسي بلون الغروب البرتقالي الدافئ. عاد سليمان والأولاد من الصلاة، ودخلوا إلى المنزل ليجدوا الصالون قد امتلأ بالفعل. كان معتز وأشرف وكرم يجلسون يتسامرون، بينما كانت يارا وأولاد معتز يلعبون بهدوء في ركن من الأركان.
تبادل الجميع التحية، وارتسمت ابتسامات هادئة على الوجوه. كان الجميع يُدرك أن هذا التجمع الأول بعد انكشاف السر ليس مجرد إفطار رمضاني عادي، بل هو محاولة حذرة لترميم ما كسرته الأيام.
بعد لحظات، نزلت تاليا من شقتها. كانت خطواتها مترددة، وعيناها تتجنبان التواصل البصري مع أي شخص.
سلمت على الموجودين بصوت خفيض، ثم اتجهت مباشرة نحو المطبخ، وكأنها تبحث عن ملجأ من نظرات الجميع التي شعرت بها كالأشواك.
في المطبخ، كان الجو دافئًا بروائح الطعام المنبعثة. دخلت تاليا على استحياء، ووقفت عند الباب. "سلام عليكم."
ردت عليها السيدات جميعًا، ونظرت إليها فريال بحنان.
"تعالي يا حبيبتي اقعدي،" قالت فريال، وهي تُشير إلى كرسي فارغ بجانبها.
جلست تاليا، ويدها تُداعب حافة الطاولة بتوتر. "محتاجين مساعدة؟"
كانت كلماتها أشبه بالهمس، وكأنها تستأذن للوجود في هذا المكان.
تقدمت ليال، وعلى وجهها ابتسامة دافئة. "إيه رأيك تعملي السلطة؟ أنا هقوم أعمل الجلاش."
أعطتها ليال وعاءً كبيرًا من الخضروات، ثم توجهت لتبدأ في تحضير صينية الجلاش.
"عاملة إيه يا تاليا؟" سألتها علياء، بصوتٍ هادئ ومليء بالرقة.
"الحمد لله يا طنط."
"وعاملة إيه في دراستك؟" سألت منة، وهي تقلب طبقًا من الطعام.
"كويسة... يعني،" قالت تاليا، وهي تُخفض رأسها.
لاحظت ليال التردد في صوت تاليا، فاقتربت منها قليلاً. "لو عايزة مساعدة في أي حاجة، قوليلي. أنا بحب أذاكر علم النفس، لو تحبي."
"لا شكرًا،" قالت تاليا بسرعة، وهي ترفع رأسها لثوانٍ لتنظر إلى ليال. كان في عينيها مزيج من الإحراج والامتنان.
"بعرف أضبط نفسي قبل الامتحانات."
لم تُصر ليال. فهمت أن تاليا تحتاج إلى مساحة، وأن كل خطوة نحوها يجب أن تكون محسوبة. أكملت عملها، لكنها كانت تراقب تاليا من طرف عينيها، وهي تتمنى أن يأتي اليوم الذي تنهار فيه الجدران التي بنتها حول نفسها.
وبينما كانت ليال تُشكل أوراق الجلاش، وفريال تُقلّب في أطباقها، وتاليا تُقطع الخضروات في صمت، كان المنزل يُعيد بناء نفسه، قطعة قطعة.حان وقت إفطار المغرب. علا صوت الأذان، وجلس الجميع حول المائدة العامرة بكل ما لذّ وطاب. الأجواء مبهجة، والضحكات تملأ المكان. الجميع يشعر بالسعادة، حتى جاء اتصال لهاتف أشرف فجأة.
اعتذر أشرف، وابتعد قليلاً عن المائدة. "عن إذنكم، ده علي."
على الهاتف، تغيرت ملامح أشرف. وجهه شحب، وعيناه اتسعت في صدمة. "لا حول ولا قوة إلا بالله... طب هي عاملة إيه دلوقتي؟... الزيارة مسموحة؟... مش هدخل ولادي مستشفى السجن يا علي! أمهم هي اللي عملت في نفسها كده... هاجى اطمن، غير كده لا."
أنهى أشرف المكالمة وعاد إلى المائدة، بينما كانت تاليا قد قامت بسرعة، ووجها شاحبٌ من القلق. "ماما مالها؟"
تنهد أشرف بتعب، وجلس. "تعبانة، وفي المستشفى... وحالتها خطيرة... بيقولوا كانت رافضة الأكل وحالتها النفسية وحشة."
"عايزة أشوفها!" قالت تاليا بصوتٍ مُرتجف.
"لا." قال أشرف بحزم.
"سامحها يا بابا... علشان خاطرنا طيب." قالت تاليا، ودموعها بدأت تلمع في عينيها.
"لا... مش هقدر." هز أشرف رأسه بيأس.
التفتت تاليا إلى الجميع، ووجهت كلامها إلى جدها سليمان. "جدو... قوله يسامحها... طب يخلينا نشوفها!"
"اتكلمي عن نفسك!" قاطعها أمير فجأة، ووقف من مكانه. "أنا مش عايز!"
نظر إليه الجميع في ذهول، فترك أمير المائدة ودخل لغرفة ليال، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً.
كانت ليال جالسة، تُقلب الطعام في طبقها ببطء، وكأنها في عالم آخر. لقد عادت بها الذكريات إلى الماضي... إلى طفولتها. تذكرت كيف كانت تتمنى أن تعاملها سلوى بلطف، أن تضمها إلى صدرها، أن تقول لها حتى سبب القسوة.
خرجت من شرودها على صوت تاليا، التي كانت تُهزها من كتفها. "ليال! ممكن تسامحيها؟ وتخلي بابا يودينا نشوفها؟ هو بيحبك وهيسمع كلامك."
نظرت ليال إلى تاليا، ثم إلى الوجوه المحيطة بها. كانت تبتسم، تتحدث، تُحاول أن تُعافر لتتجاوز ماضيها، لكن ليس إلى هذه الدرجة. هزت رأسها بلا، ثم قالت بصوتٍ خافت "أنا آسفة... مش هقدر."
"أنا عارفة إن ماما كانت بتعاملك وحش ومعتبراكي..." قالت تاليا، وهي تُحاول إيجاد الكلمات المناسبة.
"خدامة في البيت!" قاطعتها ليال بمرارة، وضحكت ضحكة قاسية.
"مش قادرة تقوليها؟ بس أنا كنت بعمل كده علشان أساعد... اللي اسمها أمي! كنت بحاول... أو أفكر إنها معتمدة عليا عشان أنا الكبيرة. بس..."
توقفت ليال، ونظرت إلى عيني تاليا مباشرة.
"لقيتك بتكبري وأنا برضه اللي بعمل كل حاجة. كنت بسأل نفسي ليه أنا؟ طب عملت حاجة ضايقتها؟ طب هي متضايقة إنها خلفتني؟... يمكن أي أم بتفضل طفل على طفل... بس ليه أنا؟ حتى أمير..."
تذكرت ليال كيف كانت سلوى تهتم بأمير، وكيف كانت تدافع عنه.
"بس نرجع نقول إن برضه انا اللي كانت مهتمة بيه وواخدة بالى منه... سلوى ما كانتش بتحب غير نفسها!"
"حتى أنتِ أو أمير، كانت فخورة بس إنها جابتكوا... ديكور في البيت لازم يبقى شكله حلو. لكن فعل واهتمام وأمومة... مفيش!" قالتها وهي تلهث، وكأن كل كلمة تخرج معها قطعة من روحها، قبل أن تنفجر دموعها التي حبستها لسنوات.
"فما تعمليش فيها إنك البنت اللي مهتمة وحابة تشوف أمها...وتطلبى منى اسامحها ، لأنك حتى انتى من جواكى مش مسمحاها ..."
لم تنتظر ليال ان ترد تاليا، فقد قامت من مكانها، وتركت المائدة، وقلبها يرتجف.
لقد عادت إلى الواقع، حيث الجرح لم يُشفى بعد، وحيث الماضي يرفض أن يُدفن.
بعد انفجار ليال العاطفي، خيم صمت ثقيل على مائدة الطعام. كانت الكلمات القاسية، ولكن الصادقة، لا تزال تتردد في أرجاء المكان. قام سليمان ببطء من مكانه، ووجهه يملأه الأسى والحكمة.
"خدها يا أشرف،" قال سليمان، صوته يحمل ثقل السنين.
"بس يا بابا..." بدأ أشرف يعترض، وهو ينظر إلى ليال التي كانت تنهار.
"خدها تشوف أمها... وخليها تشوف آخرة الظلم إيه."
كانت كلمات سليمان ليست مجرد أمر، بل درسًا قاسيًا في الحياة. يريد أن يرى أبناؤه، وبالأخص ليال، أن العدالة لا تأتي دائمًا من القانون فقط، بل أيضًا من أفعال الإنسان نفسه.
"ماشي..." قال أشرف، مُستسلمًا. "بكرة..."
قبل أن يكمل، كانت تاليا قد قالت بصوتٍ خافت، هزيل، ومليء باليأس.
"مش عايزة..." ثم رفعت عينيها إلى أشرف، وصرخت "مبقتش عايزة!"
لم تستطع تاليا تحمل المزيد. كذبة أمها، وانفجار ليال، ورفض أمير. كل شيء كان ينهار حولها. سقطت دموعها بصمت، ثم تركت المائدة وصعدت إلى شقة أبيها، تاركة وراءها صدمة جديدة.صمتٌ يُفسّر... ونهايةٌ مؤلمةبعد رحيل تاليا، تفرق الجميع. لم يعد أحد يمتلك القدرة على الكلام أو الأكل.
"منها لله..." قال معتز بصوتٍ منخفض، يملأه الغضب. "نكدت علينا... وحتى وهي مش موجودة."
نظرت فريال إلى زوجها سليمان، وأدركت أخيرًا حجم الألم الذي كان يحمله. كان الصمت الذي بينهما ليس فقط بسبب غضبه منها، بل بسبب خوفه على العائلة التي أوشكت أن تتفتت بسبب كذبة.
انقضى اليوم الثاني من رمضان، ولكنه لم يكن كباقي الأيام. كانت آثاره واضحة على وجوه الجميع وقلوبهم. لم تكن مجرد نهاية ليوم طويل، بل نهاية لمرحلة كاملة من الإنكار والأوهام. لقد بدأت العائلة ترى أن جراحها تحتاج إلى أكثر من مجرد لم شمل؛ تحتاج إلى مواجهة الماضي بكل قسوته. فهل ستكون هذه المواجهة هي بداية الشفاء، أم بداية تفكك جديد لا يمكن إصلاحه؟
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel