صباح ثقيل

صباح ثقيل

18 0

الفصل الرابع: صباحٌ ثقيل وخطط يائسة وصدمة جديدة

في الطابق الأول، حيث شقة فريال وسليمان، كان صباح اليوم يحمل ثقلاً خاصًا رغم محاولات الهدوء. في غرفة الطعام، التي كانت تزينها مائدة إفطار بسيطة لكنها أنيقة، جلس معتز بالفعل يتناول إفطاره بهدوء. كان ضوء الشمس الخافت يتسلل من النافذة، يلقي بظلال دافئة على المكان.

فتح باب الشقة ودخل سليمان يتبعه أشرف، وما زالت علامات الضيق تكسو وجه الأخير.

"صباح الخير يا معتز،" قال أشرف وسليمان بصوتٍ واحد.

"صباح النور،" رد معتز بابتسامة خفيفة، ثم تابع بنبرة ساخرة، "صاحيين بدري؟ ولا صحيتوا على المنبه العائلي المعتاد؟"

لم يعلق سليمان أو أشرف على سخرية معتز، فقد كانا قد اعتادا عليها. "ادخل يا أشرف شوفلك قميص وتعالى أفطر،" قال سليمان لابنه، محاولًا تغيير مجرى الحديث.

"حاضر يا بابا،" أجاب أشرف وهو يتجه نحو غرفة النوم ليبحث عن قميص.

جلس سليمان على رأس المائدة، وبدأ يتناول إفطاره بهدوء. بعد لحظات، دخلت فريال إلى غرفة الطعام وهي تحمل ليال الصغيرة بين ذراعيها، وجه ليال ما زال شاحبًا بعض الشيء، لكن عينيها بدتا أكثر حيوية الآن وهي تنظر حولها بفضول.

"صباح الخير يا ماما،" قال معتز وهو يمد يديه لياخذ ليال من والدته. "أهلاً بأجمل بنوتة في الدنيا." بدأ يلاعب ليال، محاولًا إضحاكها بوجوه مضحكة.

"صباح النور يا حبيبي،" ردت فريال وهي تبتسم لابنها. "صاحي لوحدك كده يعني، من غير ما تغلبني ."

"وهو في حد ما يصحاش من خناقة مليون ديسيبل دي يا ماما؟" علق معتز ضاحكًا وهو يداعب ليال، "دي مواعيد مضبوطة أكتر من أي منبه."

في هذه اللحظة، خرج أشرف من غرفة النوم وقد ارتدى قميصًا مكويًا، لكن ملامح وجهه ظلت تحمل بقايا الغضب. جلس على المائدة وبدأ في تناول الطعام، ثم التفت إلى والدته. "ماما، اتكلمي مع أختك وبنتها. أنا جبت آخري... أنا زهقت بجد! لولا ليال كنت طلقتها وريحت دماغي." خفض صوته قليلاً وهو يتابع بمرارة، "بس بقول حرام، البنت تتربى من غير أمها... لأني حتى لو سبتهالها هتهملها برضه. أنا في حيرة يا ماما، حيرة ما يعلم بيها إلا ربنا."

تنهدت فريال، وهي تعلم أن كلام أشرف صحيح، وأن السر الذي تحمله هو سبب جزء كبير من هذا الضيق. "معلش يا حبيبي، اهدى أنت بس، اقعد أفطر كويس، وأنا هكلمها حاضر. هتكلم سلوى وعايدة تاني."

لم يمضِ وقت طويل حتى فتح باب الشقة مرة أخرى، ودخل كرم الذي كان قد لاحظ الباب مفتوحًا. "صباح الخير على الكل!" قال كرم بابتسامة وهو يرى عائلته مجتمعة حول مائدة الإفطار. سلم على والديه وإخوته.

"صباح النور يا كرم،" رد الجميع.

كان معتز لا يزال يلعب مع ليال بحماس، وعندما رأى كرم، لمعت في عينيه فكرة. "استنى يا كرم! خدني في طريقك للجامعة!"

"تمام يا حبيبي، أنا نازل أهو،" أجاب كرم.

قام معتز من مكانه، وأعطى ليال لأشرف، الذي لم يكن متحمسًا لأخذها. ابتسم معتز بوداع لليال. "يلا سلام يا بطلة، أشوفك بكرة إن شاء الله." ثم قام مع كرم ليغادرا المنزل ويتجها نحو الجامعة.

في شقة الطابق الثاني، كانت سلوى قد جلست بعد مغادرة أشرف ووالديه، تشعر بثقلٍ لا يطاق. تنهدت بعمق، فقد شعرت بالراحة من مغادرة ليال، وفي نفس الوقت بالضيق من تدخل فريال. "يا رب، الحمل ده مبهدلني، ومش عايزة أعمل أي حاجة... بس هي كمان معاها حق." همست لنفسها، عيناها تحدقان في الفوضى من حولها.

أمسكت سلوى بهاتفها، واتصلت بأمها عايدة. "أيوة يا ماما، أنا زهقت! البيت مقلوب وأشرف بيزعق، وماما فريال جاتلي الصبح... عايزة ألم الدنيا دي، بس أنا مش قادرة. لازم تجيلي النهاردة يا ماما، ضروري. وكمان، تشوفيلي أي واحدة تيجي تنضف الشقة دي. أنا خلاص، مش قادرة أعمل أي حاجة."

بعد مكالمة قصيرة، لم يمضِ الكثير من الوقت حتى دقت عايدة الباب. دخلت عايدة، وهي تحمل حقيبة يد كبيرة، وتلقت سلوى بترحابٍ ضعيف. نظرت عايدة حولها إلى الفوضى المنتشرة في الصالون والمطبخ المفتوح. "يا بنتي، إيه اللي عملتيه في الشقة ده؟ ده منظر؟"

"معلش يا ماما، قلت لك تعبانة،" ردت سلوى وهي تجلس على الأريكة بتعب.

"طيب طيب، قومي انتي ارتاحي، وأنا هتصرف. اتصلت بالست أم فتحي، جاية على الضهر تنضف الشقة وتظبطها." قالت عايدة وهي تبدأ بلملمة بعض الملابس المبعثرة، في محاولة لفرض بعض النظام على الفوضى.

بعد أن انتهت علياء من ترتيب شقتها في الطابق الثالث، والتي كانت دائمًا مرتبة ومنظمة، وحرصت على نظافة كل زاوية فيها. كانت قد ألبست عمر ملابسه النظيفة، وأعدت له ألعابه. شعرت بالحاجة للنزول إلى حماتها فريال، فقد كانت تجد راحة في صحبتها، وشوقًا خفيًا لليال التي أصبحت جزءًا من روتين يومها بعد حادثة الرضاعة المشتركة.

أخذت علياء عمر بين ذراعيها ونزلت به إلى الطابق الأول، إلى شقة فريال التي كانت مليئة بالدفء والترتيب، حيث رائحة البخور والقهوة تمتزج مع عبير الطعام. وجدت فريال تجلس في الصالون الواسع، تحتسي قهوتها بهدوء، بينما ليال كانت تلعب على سجادة ملونة، محاطة ببعض ألعاب الأطفال القديمة.

"صباح الخير يا ماما ،" قالت علياء بابتسامة، وعمر يضحك في حضنها.

"صباح النور يا حبيبتي، ادخلي يا علياء، تعالي اقعدي." رحبت فريال بها بحفاوة، وسرعان ما أخذ ليال وعمر يلعبان سويًا على السجادة، وهما يصدران ضحكات بريئة تملأ المكان بهجة.

جلست علياء بجانب ليال، وبدأت تلاعبها وتطعمها بعض قطع الفاكهة الصغيرة التي كانت معها لعمر. "والله يا ماما، قلت لكرم آخد ليال أهتم بيها مع عمر... البنت محتاجة رعاية." قالت علياء بحسرة، وهي تنظر إلى ليال بعينين مليئتين بالحنان.

نظرت فريال إلى علياء بابتسامة تحمل في طياتها الكثير من الألم والسر الخفي. "ولا يهمك يا بنتي... ليال أمها تهتم بيها. ربنا يهدي النفوس." قالت فريال ذلك بنبرةٍ ثقيلة، وهي تعلم تمامًا أن أم ليال الحقيقية هي من تجلس أمامها، وأن هذا الحنان الذي تظهره علياء هو نداء الفطرة الذي لا يُمكن كتمه. لكنها مجبرة على الصمت، وعلى دفع ليال بعيدًا عن يد الحنان الحقيقية، لتظل أسيرة لهذا السر الملعون.

توالت ساعات النهار بطيئة وثقيلة على سلوى، التي استسلمت للإرهاق. قامت أم فتحي، عاملة النظافة، بتنظيف الشقة تحت إشراف عايدة، التي كانت توزع التوجيهات من حين لآخر. ومع حلول المساء، بدت الشقة أكثر ترتيبًا، لكن توتر سلوى لم يهدأ. بعد أن تناولت سلوى عشاءها مع عايدة، وتأكدت أن أشرف لم يعد بعد، استلقت على سريرها محاولة الراحة.

............... 》》》

في الطابق الثاني، حيث شقة أشرف وسلوى، كانت عقارب الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل، عندما تحول الألم الخفي إلى صرخات تملأ المكان. استيقظت سلوى على تقلصات عنيفة وغير محتملة. الألم كان أقوى من أي شيء شعرت به من قبل، كأنه يمزق أحشاءها.

"يا ماما! مش قادرة! بطني بتتقطع!" صرخت سلوى بصوتٍ مبحوحٍ من الألم، والدموع تنهمر على وجهها الشاحب.

هرعت عايدة، التي كانت تنام في الغرفة المجاورة، مذعورةً على صوت ابنتها. رأت سلوى تتلوى على السرير، والقلق يرسم خطوطًا حادة على وجهها. انتبهت عايدة إلى البقعة الحمراء التي بدأت تتسع أسفل سلوى.

"يا لهوي! يا سلوى! دي ولادة ، لازم نروح المستشفى حالًا!" صاحت عايدة برعبٍ، وهي تحاول أن تساعد سلوى على النهوض، بينما قلبها يخفق بقوة، تفكر في السيناريوهات الأسوأ.

..................》》》

نزلت عايدة السلالم المظلمة بسرعة، ودقت باب شقة فريال وسليمان في الطابق الأول بعنف. لم يمضِ وقت طويل حتى فتح سليمان الباب، وعلى وجهه علامات النعاس والقلق.

"إيه يا عايدة؟ في إيه؟" سأل سليمان.

"سلوى! بتولد بدري يا سليمان! مش قادرة تتحرك! لازم نروح المستشفى حالًا!" قالت عايدة بصوتٍ مرتجف، والدموع تملأ عينيها.

في لحظات، استيقظت فريال على الصوت. ارتدت ملابسها بسرعة، بينما سليمان اتصل بـأشرف ليخبره بالوضع الطارئ. لم تكن ثوانٍ، حتى وصل أشرف  وهو يهرول، وجهه شاحب من القلق والخوف.

"في إيه يا ماما؟ سلوى مالها؟"

"بتولد يا ابني، شكلها ولادة بدري،" أجابت فريال، وهي تحاول تهدئته.

صعد الجميع إلى شقة سلوى. بصعوبة بالغة، حمل أشرف سلوى، التي كانت تصرخ من الألم، بينما ساندتها عايدة وفريال. نزلت العائلة السلالم على عجل، واتجهوا نحو سيارة أشرف التي كانت تنتظرهم بالأسفل. انطلقت السيارة مسرعة في شوارع القاهرة الهادئة في هذا الوقت المتأخر من الليل، متجهة إلى أقرب مستشفى.

............》》

وصلوا إلى المستشفى في دقائق قليلة. سرعان ما دخلت سلوى إلى غرفة الطوارئ، وتلاها الأطباء والممرضات. وقف أشرف، فريال، سليمان، وعايدة في الممر خارج غرفة العمليات، تملؤهم حالة من القلق والتوتر. كانت فريال تنظر إلى عايدة، وتعبير صامت يمر بينهما، فخلف هذا القلق على سلوى، كان يكمن قلق آخر على سر دفين ربما يهدده هذا الموقف الطارئ.

بعد فترة من الانتظار الذي بدا وكأنه دهر، خرج الطبيب من غرفة العمليات، وعلى وجهه مزيج من الجدية والإرهاق.

"مبروك، المدام سلوى جابت بنت،" قال الطبيب.

تنفس الجميع الصعداء. "الحمد لله،" قالت فريال.

"بس الولادة كانت بدري حوالي شهر ونص، والطفلة وزنها قليل جدًا وحالتها... حالتها حرجة. لازم تفضل في الحضانة لحد ما تستقر حالتها." أضاف الطبيب بجدية.

شعر أشرف بالإحباط، فالتاريخ يعيد نفسه بطريقة ما، لكنه حاول أن يتمالك نفسه. "يعني إيه يا دكتور؟ مش هتكون كويسة؟" نبرة صوته كانت تحمل قلقًا على ابنته التي طالما كان يأمل فيها، وعلى زوجته أيضًا.

"إن شاء الله هتكون كويسة، بس محتاجة رعاية مكثفة ومتابعة دقيقة في الحضانة لفترة. ادعولها." قال الطبيب ثم غادر.

نظرت فريال إلى عايدة، ثم إلى أشرف الذي كان يطأطئ رأسه بحزن. تذكرت فريال جيدًا كيف كان الوضع مع ليال، وكيف كانت ولادة الطفلة الأولى لسلوى أيضًا تحمل مشكلة صحية. هل هذا قدر العائلة؟ أم أنها تداعيات الأسرار؟

متنسوش الفوت 🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة