الفصل الثاني: رضاعة الأسرار والبيت الكبير
في المنزل العائلي الكبير الذي يضم أجيالًا تحت سقفٍ واحد، كانت الحياة تسير بظاهرها الطبيعي، بينما تخبئ الأقدار بين طياتها أسرارًا ثقيلة. في الطابق الأول، يعيش فريال وزوجها سليمان، وهما عماد الأسرة، ومعهم ابنهما الأصغر معتز الذي لم يتزوج بعد. الطابق الثاني كان من نصيب أشرف، الابن الأكبر وسند البيت، وزوجته سلوى. فوقهما، في الطابق الثالث، استقر كرم، الأخ الثالث في ترتيب الأبناء بعد نورا المتزوجة خارج المنزل، وزوجته علياء. أما الطابق الرابع، فكان بانتظار معتز، أملًا في زواجه قريبًا.
بعد شهور قليلة من ولادة ليال، عرفت سلوى أنها حامل مرة أخرى. هذا الخبر، الذي كان من المفترض أن يجلب الفرح، أصبح حجةً لها لإهمال ليال. كانت تتلكأ دائمًا، "أه يا خالتي، أنا تعبانة، الحمل ده مبهدلني،" تقول سلوى لفريال التي كانت تزورها في شقتها الفسيحة ذات الأثاث الكلاسيكي الأنيق، تلاحظ بعينيها الخبيرتين شحوب ليال وضعفها الواضح.
"يا سلوى، البنت ضعفت، لازم تهتمي بيها أكتر،" نصحتها فريال بهدوءٍ، لكن بنبرة تحمل قلقًا خفيًا لا تستطيع إظهاره كاملاً. كانت كلماتها تخرج بصعوبة، فهي تعلم أن ليال ليست ابنة سلوى الحقيقية، وهذا السر كان يكبل لسانها ويمنعها من التدخل الصريح.
"حاضر يا خالتي، عينيها الاثنين،" تجيب سلوى بلامبالاة واضحة، وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ، بينما تومئ لها أمها عايدة التي كانت شبه مقيمة مع سلوى في تلك الفترة. "متخافيش يا فريال، أنا هخلي بالي منها." لكن فريال كانت ترى بعينيها كيف أن ليال لم تعد ترضع بشكل كافٍ. وجه الطفلة الصغيرة أصبح أكثر شحوبًا، وعيناها تبدوان أكبر من حجمهما في وجهها النحيل الذي بدأ يظهر عليه علامات الإهمال.
.........
في أحد الأيام المشمسة، اجتمعت العائلة كلها في صالون شقة فريال بالطابق الأول، حيث الأجواء دافئة ومفعمة برائحة القهوة. كانت الأجواء صاخبة بضحكات الأطفال وأحاديث الكبار، فريال وسليمان يتحدثان في أمور البيت، بينما نورا وزوجها كانا يمازحان معتز، الذي كان منهمكًا في تصفح هاتفه.
فجأة، بدأت ليال، التي كانت في حضن جدتها عايدة، في البكاء بصوتٍ عالٍ لا ينقطع، وكأنها تشكو من الجوع أو الألم. "يا رب، البنت مش مبطلة عياط،" تمتمت سلوى وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ، متظاهرة بالإرهاق الشديد وتتجنب النظر لعين ليال الباكية.
في هذه الأثناء، كانت علياء قد ذهبت إلى غرفة كرم القديمة في شقة فريال، وهي غرفة بسيطة مزينة بذكريات طفولته وصوره المعلقة على الجدران، لترضع عمر بهدوء.
سمعت فريال بكاء ليال المتواصل، فنظرت إلى سلوى التي كانت تتحاشى النظر إليها، وكأنها تنتظر أن ينتهي هذا الموقف المحرج. "يا علياء، معلش يا بنتي، ممكن ترضعي ليال معاكي؟ واضح إنها جعانة وسلوى تعبانة ومش قادرة،" قالت فريال بصوتٍ هادئٍ لكنه يحمل إلحاحًا لا يمكن رفضه.
لم تتردد علياء لحظة، فقلبها الحنون لم يحتمل بكاء الطفلة. "طبعًا يا خالتي، تعالي يا حبيبتي،" قالت علياء بحنان وهي تأخذ ليال من عايدة، وتضعها بجانب عمر لترضع. كانت هذه هي المرة الأولى التي ترضع فيها علياء طفلتها الحقيقية بعد شهور من التبديل، دون أن تعلم ذلك السر الذي يجمع بينهما.
نظرت سلوى إلى المشهد بضيقٍ شديد، شعرت بغصةٍ في حلقها ورغبةٍ عارمة في انتزاع ليال من حضن علياء. "يا ماما، أنا عايزة آخد ليال،" همست سلوى لعايدة بنبرة مليئة بالضيق والتوتر.
لكن عايدة، التي كانت أكثر حنكة ووعيًا بخطورة الموقف، أمسكت بيد سلوى وضغطت عليها بخفة، هامسة في أذنها بكلمات حاسمة، "اسكتي يا سلوى، إوعي تنطقي كلمة. ده خير لينا كلنا. كدة بقوا إخوات في الرضاعة قدام الكل. ومفيش حد يقدر يقول يتجوزوا لما يكبروا، ونفضل في أمان ومحدش يكشف السر."
اتسعت عينا سلوى وهي تستوعب كلام أمها، فخطة عايدة بدت كطوق نجاة. "صح يا ماما، عندك حق!" قالت سلوى وهي تشعر ببعض الارتياح الممزوج بالدهشة من هذه "الثغرة" غير المتوقعة في خطتهما. "اهتمي انتي بس باللي في بطنك دلوقتي، وسيبك من أي حاجة تانية،" أضافت عايدة، لتؤكد لسلوى أن عليها أن تركز على حملها الجديد، وأن هذا التطور في العلاقة بين الأطفال قد يكون حماية لهن من انكشاف السر المدفون.
وهكذا، أصبحت ليال وعمر، وهما الأخوان البيولوجيان، أخوين بالرضاعة أيضًا، في مشهدٍ يمزج القدر بالسر، ويزيد من تعقيدات الحكاية الخفية في هذا البيت العائلي الكبير الذي يضم بين جنباته أكثر مما يظهر.
Angel