تاليا تتألق...وليال تتلاشى

تاليا تتألق...وليال تتلاشى

19 0

الفصل السادس: سبوع تاليا... بتاليا تتألق وليال تتلاشى

امتلأت شقة أشرف وسلوى في الطابق الثاني بضجيج وبهجة مصطنعة استعدادًا لسبوع تاليا.

كانت الأنوار المتلألئة والزينة الملونة تتدلى من السقف، ورائحة البخور والحلويات تملأ الأجواء. في منتصف الصالون الواسع، الذي بدت عليه علامات الترتيب بعد مجهود عايدة وعاملة النظافة، وُضعت طاولة كبيرة عليها "الغربال" المزخرف، محاطًا بمختلف أنواع الحلوى والمكسرات.

وصل الأهل والأصدقاء تباعًا. كانت نورا، أخت أشرف، من أوائل الواصلين برفقة زوجها محمود وأطفالهما، مريم ذات السبع سنوات وكريم ذو الخمس سنوات. "يا ألف مبروك يا سلوى، ربنا يجعلها قدم السعد عليكم!" قالت نورا وهي تحتضن سلوى بحرارة.

"الله يبارك فيكي يا حبيبتي، عقبال ما نفرح بأولادك،" ردت سلوى بابتسامة مصطنعة، بينما كانت عيناها تلمعان بالفخر بتاليا التي كانت نائمة في سريرها الصغير المزخرف.

مريم وكريم، الأطفال الأشقياء، سرعان ما انخرطا في اللعب مع عمر، ابن كرم و علياء، الذي كان يشاركهما الفرحة بوجود أطفال آخرين. أما ليال، فقد جلست في زاوية بعيدة من الصالون، ترتدي فستانًا باهتًا، وعيناها تتبعان الأطفال وهم يلعبون، دون أن تجرؤ على الانضمام إليهم. كأنها كانت تدرك، بحدسها الطفولي، أنها لا تنتمي إلى هذا المشهد.

...............

وصلت مروى وعلي، أخواه سلوى، برفقة بعض أفراد عائلتهما. "مبروك يا سلوى، ألف مبروك يا حبيبتي،" قالت مروى وهي تقبل أختها بحرارة، ثم نظرت إلى تاليا في سريرها.

"تبارك الرحمن، زي القمر."

"الله يبارك فيكي يا مروى، عقبالك أنتِ وعلي،" أجابت سلوى.

كانت عايدة تراقِب المشهد بعينين ثاقبتين. عندما رأت معتز يدخل، أشرقت ملامحها. معتز، الشاب الوسيم الذي لم يتزوج بعد، كان هدفها التالي. كانت عايدة ومروى تتبادلان النظرات، وتلميحات خفية، وكأنهما تتفقان على خطة.

اقتربت عايدة من معتز. "إيه يا معتز، مش ناوي تفرحنا بيك بقى؟ كل الشباب اللي في سنك اتجوزوا وعملوا أسر. شوف مروى، زي القمر، ومستقرة، وبنت أصول."

لم يلاحظ معتز التلميحات فقط، بل شعر بثقل هذه النظرات والكلمات. تنهد داخليًا، وحاول أن يبتسم مجاملةً. "لسه بدري يا خالتي، النصيب لسه ما جاش."

بعد قليل، حاولت مروى الاقتراب من معتز بحجة تقديم الحلويات. "إيه يا معتز، أخبارك؟ الجو ده مش بتاعك خالص، باين عليك بتحب الهدوء."

ابتسم معتز ابتسامة باهتة. "أه، بحب الهدوء فعلًا."

كان واضحًا أنه يتجنب الخوض في أي حديث شخصي. لقد تعب من محاولات عائلة سلوى المستمرة لربطه بمروى. في سره، كان يقول:

"توبة من دي عيلة! ربنا يستر." كان يعرف جيدًا كم المشاكل التي تسببها سلوى، ولا يريد أن يدخل في دوامة مشابهة.

بينما كانت أجواء السبوع صاخبة، كانت علياء تجلس بهدوء مع فريال، وعيناها لا تفارقان ليال. كانت تحاول أن تبتسم، لكن قلبها كان ينقبض كلما رأت ليال وحيدة، لا تشارك في فرحة الأطفال الآخرين. كان عمر يلعب بحيوية، لكن ليال كانت تبدو وكأنها شبح طفلة، لا يُلتفت إليها.

"مش عارفة ليه يا ماما فريال، قلبي بيتقطع عليها،" همست علياء لفريال، وهي تشير برأسها نحو ليال.

تنهدت فريال بعمق، وتذكرت السر الذي يربطهما بليال. "معلش يا بنتي، دي قسمة ونصيب." كانت كلماتها تبدو باردة، لكنها كانت محاولة لإخفاء الألم الذي تشعر به كلما رأت ليال مهملة.

"يا ريت كرم كان وافق أخدها تعيش معانا،" قالت علياء بحسرة، بينما كانت تاليا في سريرها تتلقى تهاني الجميع وضحكاتهم.

كانت ليلة سبوع تاليا حافلة بالمظاهر الخادعة. احتفال صاخب لطفلة حديثة الولادة، بينما طفلة أخرى، هي في الحقيقة شقيقتها التوأم، تُترك في الظل، تائهة في زحام المشاعر المتضاربة والأسرار المدفونة.

《《《  ........... 》》》

مرت الأيام، وتحولت الشهور إلى عام كامل، لتكتمل تاليا عامها الأول. في شقة أشرف وسلوى، كانت تاليا محور الكون. كل اهتمام سلوى، وكل حنانها، كان مُنصبًا على طفلتها الجديدة. ملابس جديدة كل يوم، ألعاب متطورة تملأ الأركان، وابتسامات وقهقهات تُقابل كل حركة من تاليا. كان عيد ميلادها الأول مناسبة للاحتفال الصاخب، كأنها تعويض عن كل ما فات.

على النقيض تمامًا، كانت ليال، التي أتمت عامها الثاني، تتلاشى ببطء في خلفية المشهد. إهمال سلوى لها تزايد بشكل ملحوظ. لم تعد ليال جزءًا من اهتمامات الأم، ولا حتى من أحاديثها. كانت تاليا تتلقى كل الكلمات والأغاني والضحكات، بينما ليال كانت تقضي أيامها في صمتٍ، تتنقل بين غرفة الأطفال الباردة وبين شقة فريال في الطابق الأول، دون أن تجد من يتحدث إليها بانتظام في منزلها.

هذا الإهمال ترك بصمته الواضحة على ليال. فبينما بدأ عمر، ابن علياء، في النطق بكلماته الأولى، "ماما"، "بابا"، "كُرَة"، كانت ليال لا تزال صامتة. لم تنطق بكلمة واحدة، عيناها الواسعتان تراقبان العالم من حولها دون أن تشارك فيه لفظيًا.

...........》》》

في شقة فريال، حيث كانت ليال تقضي معظم وقتها الآن، لاحظت فريال هذا التأخر في النطق بقلبٍ يعتصر ألمًا. كانت تحاول التحدث معها، لكن ليال كانت تجيبها بنظرات صامتة فقط.

"يا سلوى، البنت دي كده مش بتتكلم خالص! عمر ابن علياء بقى بيتكلم وبيرغي، وليال ساكتة خالص!" قالت فريال لسلوى ذات يوم على الهاتف، بنبرة تحمل يأسًا واضحًا.

"يا خالتي هي كويسة، يمكن بس بتتأخر شوية،" ردت سلوى ببرود وهي تدغدغ تاليا التي كانت تضحك في حضنها. "وبعدين أنا مش فاضية دلوقتي، تاليا تعبانة شوية وعايزة أوديها للدكتور."

تنهدت فريال بعمق، ثم حاولت التحدث مع عايدة، لكن عايدة كانت دائمًا ما تدافع عن ابنتها وتبرر إهمالها بالقول إن "لكل طفل وقته".

أدركت فريال أن المحادثة مع سلوى وعايدة لم تعد تُجدي نفعًا. لم يبقَ أمامها سوى شخص واحد يمكن أن يُحدث فرقًا. في المساء، عندما عاد أشرف من العمل، ذهبت إليه فريال إلى شقته.

"يا أشرف، أنا لازم أتكلم معاك في موضوع ليال. البنت دي مش بتتكلم خالص يا ابني، بقالها سنتين وما نطقتش كلمة واحدة. أنا خايفة عليها يا ابني، خايفة تكون فيها حاجة." قالت فريال بنبرة ملؤها القلق، عيناها ترقبان رد فعله.

نظر أشرف إلى ليال التي كانت تجلس بصمت في زاوية الغرفة، وشعر ببعض القلق هو الآخر، لكنه كان غارقًا في مشاكل عمله وتوتره مع سلوى. "فعلاً يا ماما، أنا لاحظت ده. تفتكري ممكن يكون عندها مشكلة؟"

"مش عارفة يا حبيبي، بس لازم تعرضها على دكتور تخاطب. يمكن يكون عندها نقص في حاجة، أو محتاجة مساعدة،" قالت فريال بإصرار.

وافق أشرف. "تمام يا ماما، أنا هحاول أخدها بكرة للدكتور."

................ 》》》

بالفعل، بدأ أشرف يأخذ ليال إلى طبيب تخاطب. بعد الفحص، جاء تشخيص الطبيب ليعزز ما كانت فريال تشعر به.

"البنت عندها نقص في المعلومات، يا أستاذ أشرف. يعني مفيش حد بيتكلم معاها بشكل كافي، ما حدش بيحكي لها قصص، ما حدش بيشجعها على النطق. هي كويسة، بس محتاجة حد يتفاعل معاها باستمرار."

في هذه الأثناء، في الطابق الثالث، كانت علياء حاملاً مرة أخرى، ولكن حملها لم يمنعها أبدًا من الاهتمام بـعمر، الذي كان يزداد ذكاءً ونشاطًا. كانت حريصة على قضاء وقت كافٍ معه، تتحدث إليه وتلاعبه، مما ساعده على التطور بشكل طبيعي وسريع.

مع تزايد إهمال سلوى، أصبحت ليال تقضي معظم وقتها عند فريال. أصبحت شقة فريال هي الملجأ الحقيقي لليال. كان معتز يقضي وقتًا طويلاً معها، يحدثها ويلاعبها الألعاب التعليمية، بينما كانت فريال وسليمان يتحدثان إليها بهدوء، يروون لها القصص، ويحاولون تعليمها نطق الكلمات البسيطة. كانت فريال تكرر لها الكلمات بحنان، وتُظهر لها الأشياء في المنزل وهي تُسمي كل واحدة باسمها. كان أشرف يأخذها من عند والديه وهو راجع من الشغل ليلاً لتصعد وتنام في شقته، لكن هذا الوقت القصير لم يكن كافيًا لتعويض كل ما تفقده من اهتمام الأم.

ليال، ببطء شديد، بدأت تتجاوب. أصوات خافتة، محاولات للنطق بكلمات بسيطة، تلتها ابتسامة خجولة عندما تنجح في تقليد صوت. كانت عملية بطيئة ومضنية، لكن الأمل بدأ يدب في قلوب فريال ومعتز وسليمان، الذين أصبحوا هم أهل ليال الحقيقيين في هذا المنزل الكبير.

فوت بليز 🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة