حقد مستعر

حقد مستعر

15 0

الفصل التاسع والعشرون: حقد مُستعر... وسقطة مُدوية

لم تستطع سلوى كبت حقدها المتزايد تجاه ليال. فكل يوم يمر، ترى ليال تزدهر، بينما هي تتقوقع في عزلتها وشقتها التي أصبحت سجنًا لها. اعتبرت سلوى ليال السبب الرئيسي في طلاقها وفي انهيار حياتها، مُتجاهلة تمامًا أفعالها وأخطاءها.

في إحدى الظهيرات، بينما كانت ليال تصعد الدرج المؤدي إلى شقة عمها كرم في الطابق الثالث، خرجت سلوى فجأة من شقتها في الطابق الثاني. كانت نظرتها تحمل شرًا لم تُخفه. أغلقت سلوى الباب خلفها بقوة، ووقفت أمام ليال، تُعرقل طريقها.

"رايحة فين يا ست ليال؟" قالت سلوى بنبرة تهكمية، وعيناها تُفحصان ليال من رأسها حتى أخمص قدميها.

نظرت ليال إليها بهدوء، وقد اعتادت على هذا الأوتر. "طالعة عند عمو كرم وطنط علياء."

ابتسمت سلوى ابتسامة حاقدة.

"شكل رجليكي خدت على فوق أوي... لا وكمان واقفة تردي عليا! فين الأيام اللي كنتي بتترعشي وإنتي بتتكلمي معايا؟ شكلك قويتى دلوقتي يا ليال!"

"حضرتك عايزة حاجة يا ماما؟" قالت ليال بصوتٍ هادئ، محاولة إنهاء المواجهة.

"لا شوفي الاحترام! ولا كأنك السبب اللي خلاه يسيبني ويسيب عياله علشانك!" قالت سلوى بحدة، وكأنها تُذكر نفسها بمنبع غضبها.

رفعت ليال رأسها، وقد نفد صبرها. "مظنش إني السبب يا ماما... حضرتك اللي كنتي مهملة... ومخلياني شايلة البيت كله. والاسم مهتمة بتاليا وأمير... بس أنتِ ما بتهتميش غير بنفسك!"

كانت هذه الكلمات كالصاعقة على سلوى. ليال، تلك الفتاة الضعيفة الخاضعة، أصبحت تُحاسبها!

"عن إذنك، علشان طنط علياء مستنياني،" أضافت ليال بحزم، وحاولت أن تمر بجانب سلوى.

لم تستطع سلوى تحمل هذه الجرأة. اشتعل الغضب في عينيها.

"أنتِ بتقولي إيه؟ أنا مهملة؟ ومبتهتمش غير بنفسي؟" صرخت سلوى،

واندفعت نحو ليال. أمسكت شعرها بقوة، وراحت تهزها بعنف. "أنتِ مين أنتِ علشان تحاسبيني!"

"آه... براحة يا ماما، سيبيني شعري!" صرخت ليال بألم، وهي تُحاول الإفلات من قبضة سلوى القوية.

كانت سلوى في حالة هيستيرية، لم تعد تُفكر. دفعت ليال بقوة نحو الدرج، وصرخة ليال امتدت في الفراغ.

فقدت ليال توازنها، وبدأت تتدحرج على السلم، درجًا تلو الآخر، حتى سقطت عند قدمي أمير، الذي كان صاعدًا للتو من الطابق الأول، وقد رأى بأم عينيه كيف أن أمه تضرب أخته ليال وتدفعها لتسقط على الدرج.

...................》》》《《《 ......................

تجمد أمير في مكانه، عيناه تتسعان في رعب وهو يرى ليال مُلقاة بلا حراك عند قدميه. لم يكن يتخيل أبدًا أن أمه سلوى يمكن أن تفعل شيئًا كهذا. كانت ليال صامتة، لا تتحرك، وهناك بقعة داكنة بدأت تنتشر ببطء على الدرجة تحت رأسها. سلوى تقف في الأعلى، تتنفس بصعوبة، وقد حل الرعب مكان غضبها الأعمى وهي ترى ما فعلته.

"ليال!" صرخ أمير بصوت خفيض مُرتجف، ركض نحوها وجثا على ركبتيه. حاول لمسها بخوف، لكنه ارتجف عندما رأى الدم.

"ليال! ردي عليا!" هتف أمير، وعيناه تدمعان.

نظر أمير إلى أمه سلوى الواقفة على الدرج. كانت نظراته مزيجًا من الصدمة والخوف والاتهام الصارخ. هذا ليس ما اعتاد عليه من أمه.

"ماما... إيه اللي عملتيه ده؟ ليال... ليال مبتردش!" قال أمير بصوتٍ عالٍ مُرتعش، غير مصدق لما شاهده.

في هذه اللحظة، فتحت علياء باب شقتها في الطابق الثالث بعد أن سمعت صوت سقوط مدوٍ وصراخ أمير. خرجت لتجد ليال مُلقاة بلا حراك على السلم، والدماء بدأت تتجمع حول رأسها، وسلوى تقف في منتصف الدرج، وجهها شاحب، وأمير ينظر إليها بصدمة وذعر.

"يالهوى! إيه اللي حصل؟!" صرخت علياء، وهرعت نحو ليال، قلبها ينقبض بشدة عند رؤية الدماء.

"ماما زقتها... ماما ضربتها وزقتها يا طنط! ليال وقعت ودماغها اتخبطت!" قال أمير بصوتٍ عالٍ، وهو يُشير بإصبعه نحو أمه سلوى، وكأنه يُدينها أمام الجميع.

صُدمت علياء من كلمات أمير ومن مشهد ليال. نظرت إلى سلوى التي كانت تقف مكانها كالصنم، مُتجمدة من الخوف والرعب من نتائج فعلتها الشنيعة.

"سلوى! إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟!" صرخت علياء في وجه سلوى، وهي تُمسك ليال برفق، مُحاولة رؤية حجم الإصابة.

لكن سلوى لم ترد. كانت كلمات أمير "ماما زقتها" تتردد في أذنيها، تُدرك أن ابنها الصغير قد شهد على فعلتها البشعة، وأنها قد كشفت وجهها الحقيقي أمامه.

اندفع صوت صراخ علياء إلى شقة فريال في الطابق الأول. خرجت فريال وأشرف وسليمان ومعتز ومنة على عجل. وجدوا ليال مُلقاة على السلم والدماء حول رأسها، وعلياء تُحاول مساعدتها وهي تبكي، بينما أمير يقف بجانبها وعيناه مُعلقتان على أمه سلوى الواقفة في الأعلى.

"إيه اللي حصل يا علياء؟ ليال مالها؟!" سأل أشرف بقلق شديد، صوته يرتجف خوفًا على ابنته.

"سلوى... سلوى زقتها يا أشرف! أمير شافها! دماغها بتنزف!" قالت علياء بصوتٍ مُرتعش، وهي تُشير إلى سلوى، ثم إلى أمير.

"ماما زقت ليال... ليال وقعت جامد!" قال أمير بصوتٍ عالٍ، وقد بدأ يبكي بانهيار من الصدمة والخوف.

نظر أشرف إلى سلوى، وفي عينيه غضب ممزوج بخيبة أمل لا حدود لها. لم يكن يتخيل أنها يمكن أن تصل إلى هذا الحد من العنف والجنون تجاه ليال، حتى بعد أن عرف السر وطلقها بسبب أفعالها.

سليمان وفريال ومعتز ومنة تبادلوا نظرات الصدمة. سلوى لم تعد تمثل خطرًا على ليال فحسب، بل أصبحت خطرًا على نفسها وعلى سمعة العائلة. السر ، بات الآن على وشك الانفجار العلني بطريقة لم يتوقعها أحد.

حمل أشرف ليال بحذر شديد بين ذراعيه. "للمستشفى حالاً!" صرخ سليمان، وهرع الجميع خلف أشرف الذي كان يركض بها نحو المصعد. كانت ليال تُمسك به بقوة، وقد وجدت فيه ملاذها الوحيد.

أما سلوى، فقد ظلت واقفة في مكانها، وحدها على الدرج، تنظر إلى ابنها أمير الذي بدا وكأنه يراها لأول مرة، . كانت هذه اللحظة هي بداية النهاية الحقيقية لسلوى، فقد فقدت سيطرتها، وفقدت ما تبقى من احترام أبنائها وكرامتها، وأصبحت على شفير كارثة حقيقية تُهدد بفضح كل شيء.

...................》》》《《《 ......................

في مستشفى "....." الخاص، كانت الأجواء مشحونة بالقلق والتوتر. وصل أشرف إلى قسم الطوارئ وهو يحمل ليال بين ذراعيه، رأسها ينزف بغزارة، بينما تتبعه العائلة المصدومة. علياء كانت تهرول بجانبه، دموعها تختلط بدم ليال على يديها.

سرعان ما هرع الأطباء والممرضون لاستقبال ليال. وُضعت على سرير متحرك ونُقلت إلى غرفة الفحص. بقيت العائلة في الخارج، تُصلي وتنتظر.

بعد دقائق بدت كأنها ساعات، خرج طبيب الطوارئ، وجهه يحمل تعابير جادة.

"ليال تعرضت لارتجاج في المخ وجرح عميق في الرأس،" قال الطبيب بصوتٍ هادئ لكنه يحمل وقارًا.

"هنحتاج نعمل أشعة مقطعية فورًا، وفي احتمال كبير إنها تحتاج عملية جراحية لإيقاف النزيف الداخلي. والمشكلة الأكبر إنها فقدت كمية دم كبيرة ومحتاجة نقل دم عاجل."

تنفس الجميع بصعوبة. "فصيلتها إيه يا دكتور؟" سأل أشرف، صوته بالكاد يخرج.

"فصيلتها O سالب، ودي فصيلة نادرة. محتاجين متبرع فورًا."

نداءُ الدم... واندفاعُ العائلة

اندفع كرم على الفور. "أنا فصيلتي O سالب يا دكتور! أنا أتبرع!"

"وأنا كمان O سالب!" قال أشرف، متقدمًا.

نظر الطبيب إلى الاثنان. "هنحتاج كيسين دم مبدئيًا، وهنعمل فحوصات توافق قبل أي حاجة."

أُخذت عينات الدم من كرم وأشرف على الفور. الدقائق مرت ببطء قاتل. كانت علياء تبكي في صمت، تُمسك بيد فريال التي كانت تُرمل دموعها أيضًا. سليمان كان يُحاول الحفاظ على هدوئه، لكن القلق كان يُرسم على وجهه بوضوح.

بعد لحظات قليلة، عاد فني المختبر يحمل النتائج.

كانت ليال ما تزال في غرفة الطوارئ، والحاجة إلى الدم ملحة.

"يا جماعة، أي حد منكوا ممكن يتبرع؟" سأل الممرض، محاولاً كسر حاجز الصمت والصدمة.

..................

بعد هذه اللحظة، انفجر معتز بالغضب، متجاهلاً وجود الجميع. كانت عيناه تشتعلان وهو ينظر إلى الأبواب المغلقة التي أُخذت خلفها ليال.

"سلوى دي لازم تتحاسب! إيه كانت عايزة تقتلها؟! مادا الى ناقص... ده جنان!" صرخ معتز، صوته يرتجف من الغيظ.

"أنا شايف يا بابا... أنا شايف إن لازم كرم يعرف إنها بنته! !"

لم يكد معتز يُنهي جملته حتى انفتح باب غرفة الانتظار ودخل كرم كان قد ذهب لإجراء بعض الأوراق الخاصة بالمستشفى، وعاد الآن ليجد هذا المشهد المُروع.

"أنت بتقول إيه يا معتز؟ مين اللي بنتي؟" سأل كرم، صوته يرتفع، بينما كانت عيناه تتنقلان بين معتز والجميع، مُحاولاً استيعاب الموقف.

تنهد سليمان بعمق، وأدرك أن اللحظة التي طالما خشوا منها قد حانت. لم يعد هناك مجال للتأجيل أو الإخفاء. فما حدث لليال، كان أكبر من أن يُدفن مرة أخرى.

"خلاص يا كرم... خلاص يابنى ،" قال سليمان بصوتٍ حازم، وهو يُقابل نظرة ابنه المصدومة.

"سلوى معادش ينفع يتسكت عليها بعد اللي عملته ده."

نظر سليمان مباشرة في عيني كرم، وأطلق الكلمات التي ستُغير حياته إلى الأبد.

" كرم... ليال بنتك! توأم عمر!"

دوت الكلمات في أرجاء الغرفة، كالقنبلة التي انفجرت في وجه كرم. تجمد في مكانه، وجهه تحول إلى الشاحب ثم الأحمر القرمزي. عيناه اتسعت في ذهول، نظر إلى أشرف الذي كان يُخفض رأسه بحزن، وإلى فريال التي كانت دموعها تنهمر.

"بنتي؟... توأم عمر؟" تمتم كرم، وكأن عقله يُحاول معالجة المعلومة الصادمة. بدأت صور ليال تتوالى في ذهنه: شبهها بعمر ويارا وسليم، انصياعها المفرط، نظرات الخوف في عينيها، معاملة سلوى القاسية لها. كل شيء بدأ يقع في مكانه، مُشكلاً حقيقة مُرة ومؤلمة.

اندفع كرم نحو أشرف، أمسكه من ياقته. "كنت عارف يا أشرف؟! كل ده وأنت ساكت؟!"

"عرفت متأخر يا كرم! والله ما عرفت إلا من فترة قصيرة جداً!" قال أشرف، محاولًا إبعاد يد أخيه.

"ولما عرفت، طلقت سلوى وجبت ليال تعيش مع امك وابوك عشان أحميها!"

توجه كرم بنظرة حادة إلى فريال.

"وأنتِ يا أمي... ازاي قدرتي تسكتي؟ دى دمي ولحمي! دي بنتي!"

"والله يا ابني حاولت أتكلم... حاولت كتير! بس سلوى كانت بتوعدني بخراب البيت،" قالت فريال بدموع، وهي تُشير إلى شقة سلوى في الطابق الثاني.

"كانت بتقولي هتكرهونى وسليمان يطلقني،....خفت تاخد عيالك وتمشى ...."

نظر كرم إلى سليمان بنظرة لوم وخذلان.

"وأنت يا بابا؟ كنت عارف؟"

أومأ سليمان برأسه بتعب، "السر ده... كان لازم يفضل مدفون يا كرم. عشان البيت ميتخربش. عشان محدش يكره حد."

" يتخرب البيت !" صرخ كرم، وقد بلغ غضبه ذروته.

"بنتي... بنتي أنا! قاعدة تتعذب السنين دي كلها وأنا مش دريان! وأمي وأخويا عارفين وسكتوا؟!"

"علياء... يا ريت ...محدش يقولها يا جماعة، لما نطمن على ليال على الاقل.،" قال كرم بصوتٍ مُتعب، وهو يُشير إلى الجميع بعدم إخبارها في هذه اللحظة، رغم أن الحقيقة كانت تنهش روحه. لم يكن يريد أن يُضيف صدمة أخرى إلى هذا الموقف المؤلم.

كانت الغرفة مليئة بالصدمة والغضب والندم، والحقيقة الصارخة التي كُشفت للتو.

بينما في العمارة ، الطابق الثاني، كانت سلوى تُراقب من نافذتها، ابتسامة خبيثة ترتسم على وجهها،لم يبدى عليها اى ندم ، فقد تحقق ما كانت تتمنى.

تفاعل وكومنتات كتيير ❤️❤️❤️❤️

وفوت 🌟 🌟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ليال

المؤلف Angel
2025/11/17 مكتملة
قائمة الفصول (32)
الفصل 1: بداية الاسرار
2025/11/17
الفصل 2: رضاعة
2025/11/17
الفصل 3: صدى الخلافات
2025/11/17
الفصل 4: صباح ثقيل
2025/11/17
الفصل 5: تاليا تصل ... وليال تهمل
2025/11/17
الفصل 6: تاليا تتألق...وليال تتلاشى
2025/11/17
الفصل 7: "ماما" اخرى
2025/11/19
الفصل 8: تاليا .... ليال
2025/11/19
الفصل 9: تباين
2025/11/19
الفصل 10: أين مكانى؟!
2025/11/19
الفصل 11: مواجهة جديدة
2025/11/19
الفصل 12: غرفة الاحلام
2025/11/19
الفصل 13: الفرح
2025/11/19
الفصل 14: تداعيات التهديد
2025/11/19
الفصل 15: مأساة ليال
2025/11/19
الفصل 16: عبء
2025/11/19
الفصل 17: صرخة
2025/11/19
الفصل 18: واقع ...مرير
2025/11/19
الفصل 19: وقاحة بلا حدود
2025/11/19
الفصل 20: عودة الضحة
2025/11/19
الفصل 21: نضوج مبكر
2025/11/19
الفصل 22: صراع الكليات
2025/11/19
الفصل 23: ملاحظات تتراكم
2025/11/19
الفصل 24: بحث عن الحقيقة
2025/11/19
الفصل 25: بداية الحرب
2025/11/23
الفصل 26: القنبلة تنفجر
2025/11/23
الفصل 27: كشف المستور
2025/11/23
الفصل 28: ثقل السر
2025/11/23
الفصل 29: حقد مستعر
2025/11/23
الفصل 30: الحقيقية المرة
2025/11/23
الفصل 31: بداية جديدة ١
2025/11/23
الفصل 32: بداية جديدة ٢
2025/11/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة