هَذَا غريبْ، كلُّ مَا يحدُث هنَا غريْب لدَرجَةٍ تصِيبنِي بالجنُون.
_" أَلن تدْخُلي؟ " تمتَمَ بصوْتٍ مكتوْمَ بعُد أنْ عبَر تلْكَ الشَّجرةِ كمَا لوْ أنَّها بيت.
_" أنتَ دَاخِل الشَّجرة! " تجهَمتْ ملامحَه قليلًا قبْل أن تسترخِي وهوَ يجيبني: " لا، أنَا فقَط فِي بعْدٍ آخرْ، وهذِه الشَّجرة هِي بابه، ألَا تريدِين معرفَة أيْن يعيْش كرسلُوخ؟ "
_" لَا أريْدُ الدُّخول " حَاولتُ جعْل كلَامي يبدُو طبيعيًا لكنّ الشّك كَان ملؤهَا، أظنُّ أنني أصبْت برهابٍ تجاهَ أبوابِ البعْد، تبًا!
صدَر نفسٌ مستهزئٌ منْ تحتِ أنفاسِه قبْلَ أنْ يردِفَ: " ألسْتِ قويَّة يَا ليْليث، إنْ ضمَرتُ لكِ شرًا ألَن تستطِيعِي صدَّه؟ "
_" بَلى، سأستَطيعْ " تمتمتُ وأنَا أتوجَّه وأخطوْ عنْد باْبِ الشَّجرة.
آنتظَرتُ أنْ يتبدَّل كلُّ شيء، أنْ أعودَ لأكونَ فِي ألادْ آغونْ فِي الزِّنزانة ربَّما.
_" مَا الذِّي_" شعَرتُ بجَسدي أخفّ بكثيْر ممّا كَان عليهِ، وبالضّياء البرتُقالي ينعكِس علَى عينَاي.
تحوَّلت الشَّجرة العادِية التِّي مرَرتُ منهَا إلَى شجرَةٍ باسِمة، نظَرتْ إليَّ بعينَيهَا البنيتينْ تزامُنًا معْ سمَاعِ صوتٍ فِي عقْلِي: " إشتقْت إليكِ! "
آقشَعرَّ جلدُ رقبتِي وأنَا أسمَعُ هذَا الصّوت يرتطِم بقلْبي مباشرَةً، صوتٌ مؤلوْف وعنْدما آستدَرت لمْ تعدْ للشجرَة ملامحٌ ولَا عاْد الصَّوت منْ جديْد.
مرّرت نظريْ علَى فلَاد وكَانت ملامحُه عاديَّة لا يعكرُها شيء، فقرّرت الصَّمت والتَّفكير فيْما حَصل عنْدما أنتهِي منْ هذِه الجوْلة.
_" هَذا جزءُ المملكَة الأكثَر سحرًا، يحتَوي علَى أغلَب المخلوقَاتِ السِّحرية، يمكِن معرفةُ ذلكَ منَ النَّظر إلَى هذِه الخليَّة " ثمّ أشاْر إلَى خليةٍ حمْراء معلقةٌ بشجرةٍ أوراقهَا حمرٌ بجزوعٍ دعجاْء لونهَا.
_" وما الذِّي تحتَويهِ هَذه الخليَّة؟ "
_" جنيَّات سودَاء " أجَابنِي ثمَّ باشَر بالتَّقدم خارِجًا منَ الغابَة فتَبعتُه.
_" لمَا تنَادِيني ليلِيث، بينمَا عندَما رأيتُك فِي القصرِ السُّفليْ نادَيتنِي كاتْريْنَا؟ "
تمتمْت لهُ بآستغْرابْ فقَد شغَل هذَا الأمْر جزءً منْ تفكِيرِي.
_" لَم أكُن منْ ناديتُكِ بكاتْرينَا، بلْ كَانَ آزَايِل شيطَانِي، لكِن يمكِنني مناْداتكِ بكَاتريْنا إِن أردتِي هَذا " نفْيتُ برأسِي بهدوءْ رافضَة، إنْ كَانَ آزَايلْ لمْ ينطُق بإسم ليليثْ بلْ جعلَ فلَادْ منْ ينادِينِي بذَلك، فهَذا يعودُ لأمْرٍ يخصُّه لا أريْد التَّدخل فيهْ.
آسْتوعبتُ لتوِّي بأنَّني أنَاقشهُ بموْضوعِ رفقتنَا المقدَّرة، كززتُ علَى أسنانِي أطحنهُما معًا، يَا للإحراجْ أبْدو سهْلة المَنالِ هكَذَا!
نظَرْت إليهِ فوجَدتهُ يقضمُ باطِن وجنتِه بشيْءٍ منَ التَّوتر؟
_" هَل تظُنيْن أنَّ ليِليثْ تكْرهُ آزاْيِل؟ " أردَف بشرودٍ لِي فأجبتهُ بالنَّفي: " عندَما رأتْكَ علَى_"
_" أصمُتي! " باْغتنِي صوتُ ليلِيثْ بقسوَة فِي دَاخِلي.
_" التَّنانِينْ تتحرَّك كاترِينَا، إنَّها فوقنَا وهِي تتوْقُ لسمَاعِ رابطَةٌ تخصُّ الشَّياطِينْ لتذْهَب وتخبِر الإمبراطوْرة سيلِين وعندَها ستعوْدِين لتتعفَني فِي زنْزانتِك! "
ألقَيت بنظْرةٍ علَى السَّماء فلَم أرَى أيَّت تنانِين تذْكَر، لكنَّني سمعْت هديرًا قويًا للريَاح فأَدركْتُ بأنَّها محقَة.
_" لمَا يتخِّذ شيطانُك هيئتك؟ " تمتَمت لهُ وأنَا لاْ أزَال أنظُر للسمَاءِ.
_" لأنَّني تعرفتُ عليهِ منذُ سنَواتٍ طوَال، أظنُّ أنَّني أعرفُه منْذ الثَّآنية عشرَ من عمْرِي. "
_" و هَل تثِق به؟ "
_" أكْثر منْ نفْسِي " أجَابَني بثقَة، كمَا لوْ أنَّه يدركُ أنَّ رأيهُ لَن يتغيَّر أبدًا، كمَا لوْ أنَّه يدرِك أنَّ ثقتَه لَن تتهزْهزْ.
" الثِّقة بَينَ الفَردِ وشيطَانهِ هِيَ ثقةٌ لاْ تضمَحلُّ أبدًا، وَلاْ يسَاوِيهَا شيء، فلَا يمكِنُ لكَيانِك أنْ يخونكِ، أوْ أَن يفكِّر بتَركك. هَذَا أحَد البنودْ التِّي وضعتهَا الإمبرَاطورَة سيْلِين لتوَازنَ كفَّة الشَّر فِي العَالَم "
رَائِع، رغمَ أنَّني أشكْ بأنَّ نسبَة الشَّر قلَّت فِي العَالمِ بسبَب بنوْدِها.
_" صحِيح! هَل البُعدُ هَذا مخْتَلف لدَرجَة أنَّ الشَّمس شاْرقةٌ بِهِ؟ " سألتهُ مردفَة، لأنَّني أتذَكَّر بأنَّني آستيقَظتُ منَ النَّوم كالمنومَة، وكَان لَا يزَالُ السَّواد يسيطِرُ علَى المكَان.
_" نوْعًا مَا_ هنَا يعِيشُ كرْسلوْخ! " صَاحَ وهوَ يأَشرُّ عَلَى جحْرٍ عمِيقٍ يقبَعُ وسطَ شجرتَينِ بيضاوتَي الأجزُع حمْراءُ الوَرقْ.
_" هَل يعِيشونَ بشكِل متفرِّق أم كجمَاعة؟ "
_" بشَكِل متفرِّق، لكنَّهم يجتمِعُونَ كلَّ شهرٍ، ليقوْموْنَ بشيءٍ أسمُه مبَارزَةُ الرَّفيق، حيثُ يتَبَارزُ أكْثَر منْ ذكَرْ كرْسلوخْ ضدَّ بعضهِمْ والذِّي يربحْ يأخُذُ الكَرسلوْخ الأنثَى المقدَّرة لَه، يفعَلوْنَ هذَا فِي سبِيلِ رؤيَة الأكْثَر إستِحقَاقًا للأنْثى، وبعْدَها يتبارَزُ الخَاسرونَ إلَى أنْ يبقَى واحدٌ منهُم يجِب أنْ يقُومَ بالإنتظَارِ لسنةٍ أوْ أكْثَر ليتزَاوَجَ أخيرًا معْ الكرسلوْخ الأنْثَى المقدَّرة لَهُ كعِقَابٍ لَه علَى خسَارتِه " إبتَسمتُ بخفَّة، إذَن الكِرسلوْخ الخَاصْ بِي لدَيهِ رفيقَة مقدَّرة.
_" إنتَظرْ، كَيفَ عرفتَ أنَّني إلتقَيتُ بكرْسلوْخ؟ " أشَاحَ بوجههِ عنِّي وتحمْحَم بشيءٍ منَ التَّوتر.
_" كَيفَ تظنِينَ أنَّ كائنًا مثْلَ كرسَلوخْ إستطَاعَ الخرُوجَ فِي هذَا الوقْتِ لبُعدِ المملكَة؟ " آنبلَجَت مقلَتَاي بصدْمة شعرتُهَا تستَقرُّ فِي دَاخِلي، أيقُولُ بأنَّه منْ أخرجَه ليهاجِمنِي هَل كَان ينوِي قتْل_لا لا كنْتُ أنزِفُ وقتَها بشكْلٍ كثيْف، لوْ لَا سحْرُ كرسلوْخْ لأُصبتُ بمضَاعفَاتْ خطِيرة.
هُوَ بعَثهُ لإنقَاذِى!
إبتَلعتُ ريْقِي بصعوبَةٍ وأنَا أشعُر بالدَّينِ يكَادُ يخنِقنِي، لمَا بعثَه لإنقاْذي؟ هَل يرِيدُ أنْ أكُونَ مدينَةً لهُ؟ هَل هذَا بسبَبِ آزَايِل، هَل أجبرَه علَى فعلِ هذَا؟ لمَا قدْ يفعَل هذَا إنْ لَم يكُنْ لصاْلحِه!
أرْفُض تصدِيقَ أنَّه قامَ بهَذَا الأَمرِ آنطِلاقًا منْ رغبةٍ داخليَّة تذكِّره بأنِّي بوسآندِرِه، رفيقتُه، أَرفضُ كونَهُ يتقبَّل الأمْرَ حتَّى، أرفُضُ كونِي أملِكُ رفيقًا أصلًا!
وعِندَهَا تذكَرتُ تلْكَ الأًصفاَد المملوْءَةِ بالسِّحرِ التِّي كَانتْ تشِلُّ حركَتِي، كَانَت موضوْعةٌ فوْقَ رأْسِي وبالتَّالِي كَانتْ يدَاْي دائمًا تتجِهُ لفوْقِ.
هَل يجِبُ أنْ أقبَل بكَونِي لاْ شيْءَ سوَى قربَانًا لأَحدِ الأَبَاطِرة؟ أنَّني لَا أمْلِكُ أيَّة كينونَة تخُصُّني؟ أمْ أنَّ هَذَا بسبَبِ أنَّني لَا أقبَلُ بأَن يكُونَ هنَالِكَ شخْصٌ بجَانِبِي؟
آبتَلعت ريْقِي بصعوْبةٍ وأنَا أعيْدُ النَّظر إلَى الطَّريقِ أمَامِي، هَل مَا حَصَل فِي المَاضِي سيَظلُّ يلاْحقنِي حتَّى عنْدَما أشعُرُ بأنَّني بخيْر؟
ألَن يملَّ منْ إنسانَةٍ لَا تحمِلُ فِي جوْفهَا سوَى فراغٌ مرّْ؟ فراغٌ لَا تستَطيعُ ملأَهُ أبدًا مهْمَا حاولَتْ، ستظَلُّ تشعُرُ بأنّ هنَالِك شيئٌ متراوِيٌ خلفَ ظلالِ الزَّمانِ لَن تستطِيعَ أنْ تصِلَ إلِيهِ أبدًا!
_" أنَا أعتذِر عنِ السُّلوكِ الهمجِيّْ الذِّي آتخذهُ آزَايِل فِي حقِّك، أرَادَ أنْ يعرِفَ مدَى قوَّتِك وسرعتِكْ لكنَّ طريقتَهُ قاسيَّة نوعًا مَا " أدَرتُ وجهِي إليهِ بسرعة، أيقصِدُ عندَمَا تقاتَلنَا بجَانِبِ الزِّنزانة؟
نسِيتُ كلُّ مَا كنْتُ أفكِّر بِهِ عنْدَما شعَرتُ بالألمِ فجأةً فِي مؤخرَةِ رأْسِي، فِي المكَانِ الذِّي نطحتُه فِيهِ، وأدركتُ حينَهَا أنَّ الجرحُ لمْ يلتئِمْ بعد!
_" قوَاكِ لَا تزَالُ ضعيفةً منْذ خرجْتِي منَ الزِّنزانة " فاجئنِي صوتُ ليلِيثْ الحَاد فِي ذهنِي.
_" هَذا مزعِجْ! لا دَاعِي لتفزعِينِي هكذَا! " صحْتُ بآنزعاْج وعنْدَها رفعَ فلَاد نظرهُ إليَّ بدهشة وآستغرَاب: " مَع منْ تتحدثيْن؟ " أردَف لِي.
_" لَا أحَد، كمَا أنَّ لَا دَاعِي للإعْتِذَارِ لِي، أخبرْه فقَط أنْ يقوِّم سلوْكهْ، قبْلَ أنْ أتصرَّف أنَا " عندَمَا أردفتُ بكلامِي رأيتُ شبحَ إبتسامةٍ يرتسِمُ علَى وجهِه قبلَ أنْ تختفِي.
_" وعدتُكِ بالذَّهابِ لمهجعِي، وهَا نحنُ ذَا! " لمْ يكُد يكمِل كلامَه إلَّا ولَاحَ أمَامَنا كوخٌ خشبِيٌّ أسوَدْ يرتمِيْ فرقَ شجرةٍ بيضَاءُ اللَّونِ أوراقهَا دعجَاء.
_" هَذَا بيتُكْ؟ "
_" نعَمْ، مَاْ باْلُ ملامِحِكِ المستغْرِبة هَذِه؟ "
أجَابنِي بتهكُّمْ وهوَ ينظُرُ إليَّ.
_" لَ_م أقصِد مَا فهمتَهُ لتوِّك! كُنتُ أتساءَلُ منْ بابِ الإستغْرَابِ لَا أكَثر. تعْرِفْ.... منزِلكَ يبدُوْ بسيْطًا وأكْثر توَاضعًا ممَّا ظنَنت! "
_" وَ مالذِّي طَرَء علَى مخيِّلتَكِ بخصوْصِ منزِلِي، هَل ظننْتِي أنَّك ستَريْنَ قصرًا؟ " صمَتتُ لهنينةٍ ثمَّ أجبتُه: " نعَم، هَذا مَا توقَعته "
_" أزِيلِي منْ رأْسِكِ تلْكَ التَّكهنَات، أنَا هَارِبٌ رسمِيٌّ منْ الأبَاطِرة. الحُصوْلُ علَى منزِل هُو أقوَى رفاهِيَّة يمكِنُ أَنْ أحْصُلَ عليهَا..." تمتمَ آخِرَ جملةٍ بخُفوْت كَمَا لوْ أنَّه يحدِّث نفْسَه بهَا.
تنهَدتُ بثقلٍ وأنَا أسبِقُه إلَى منزلِه أو كُوخِه، يقبعُ الكُوخُ علَى رأْسِ الشَّجرة، يتدلَى منهَا غصنٌ ضخمٌ أبيضُ شاحبٍ يبدُو متينًا، أمْسكْتُ بنهَايتِهِ فتداْعَى لِي ملمسُهُ الخَشِنُ وعندَها تسلقتُهُ.
لَحِقَ بِي فلَادْ يتسلَّق الغصنَ أيضًا، وعندَمَا وصلنَا إلَى أرضيَّة الكُوخِ فتِحَ البَابُ بغتةً. وعنْدَما ألقَيتُ نظرَةً إلَى الدَّاخِل لمْ أَرَى إنْسِيًّا فِي الدَّاخل.
_" إنَّه الكُوخ، يستقْبلنِي " خَالَجَ تفكِيرِي صوتُهُ الرَّخيمُ ورَائِي.
الكُوخُ يستَقبِلُه؟ هَذَا شاعريٌ نوْعًا مَا....
تجَاوزنِيْ يدْخُلُ إِلَى الكُوخِ، فتبِعتُهُ وعَينَايَ تكَادَانِ تنبلِقَانِ منْ شدَّة جمَالِ مَا أرَى.
كَانَ الكُوخُ يبدَأُ بممَرٍ طوِيلٍ نوْعًا مَا، تتوَاجَدُ عَلَى جدَارِهِ القُطنِيِّ بلوْنِ الدَّم لوحَاْتٌ لشَخْصيَاتٍ أدْرِكُ منْ ملَابسِهَا أنَّها نبيْلَة، وعَلَى الأَرْضِ تفرَدُ سجاْدَةٌ حمْرَاءَ رسِمَ عَليْهَا بخطُوطٌ ذهبيَّةٌ منمَّقة إِسمًا لَمْ أتوَقعهُ " أثيْنَا إبنَةُ المعْركَة " قرأتُ العِباْرةُ وتوجَسدتُ خيفةً وأنَا أكمِلُ سيْرِي.
أثينَا إبنَةُ المعرَكَةِ... يكَادُ هَذَا الوَصفُ لَا يشبِهُ أبدًا مَا سمعتُهُ عَنْهَا، أدْرِكُ أنَّها إحدَى حكَّامِ وأباطِرةِ اللُّويد، وأعْرِفُ أنَّها آشتهَرَتْ بعدْلِهَا وحكمَتِهَا، لَا بفروْسيتِهَا وقوَّتها!
مَرَرتُ بالمرَّر وأَنَا أحَاوِلُ نِسيَانَ العِبارَةِ التِّي بعثَتْ بشعُورٍ غَيْر مؤلوْفْ إلَى قلْبِي،
كمَاْ لوْ أنَّني ضُربْتُ بعلْمٍ وإدْرَاكٍ كَشفُوْا الغطَاءَ الذِّي كَانَ موصودًا عَلى بصيْرتِي.
أَو ربَّما أنَا أهْذِي فقَطْ لأنَّني لَمْ أنَم بشكْلٍ جيِّد منْذُ يومِينِ. وعندَهَا لاْحتْ فكْرَةٌ رسَمتْ إبتسامَةً ساخرةً عَلىْ وجهِي، متَى أصْلًا نِمتُ بشكْلٍ جيِّد؟ بالسِّجن؟ هراْء ...
أكمَلتُ توَغلِي وَأنَا أدْعِي أَن أستَطِيعَ إكمَالَ جولتِي بسرْعةٍ، لأَعوْد لآحتِضانِ ذلِكَ السَّريرِ القُطنِي والنَّوم.
_____
الهَوَاءُ الشَّدِيد والثلج الذِّي ينزُلُ بقوَةٍ ضرَب جرْحَ رأْسِهِ الذِّي لَا يزَالُ يضخُّ بالدِّماء، فتمَهَّل بمشْيِهِ وَهُو يطَالِعُ تِلْكَ الحُصونُ التِّي تحَاوطُهَا ريَاحٌ هائلَة.
خَرجَ عدَّة أشخَاصٍ منْ حصْنٍ واْحِد، وآصطفُواْ بخطٍ واْحِدٍ منحَنييْنَ بآحتِرامٍ لشخْصٍ بانَتْ عَلَى ملامحِهِ الجديَّة وعَلىْ جسَدِه المرونَة، ولوَّحُو بأيَاديهمْ بشكْلٍ دائِريٍّ قبْلَ أنْ يشكِّلوْا زوبعَاتٍ هوائِيَّة آخْتلفَت أشكَالُ كينُونتِهَا الدَّاخليَّة، كلٌّ منْهَا تضُخُ بنوعِ طاقَةٍ مختلفٍ عِنِ الآخَرْ.
لمَحهُ أصلَعُ الرَّأس الذِّي آستنتَجَ بكَونهِ قائدَهمْ، وآقترَبَ منهُ وكمَا توقَعْ صوْتُ خطُواتِهِ لَا يسمَعُ حتَى، مرونتُهُ تشبِه مورنَة الأفعَى! آستقَرَّ أمَامهُ يزدَرقُهُ ينظَراتِه الصَّارمَة قبْلَ أَنٌ يقُولْ: " دَامْيَانْ هَادِيس، تعْرِفُ أَنَّ وجُودكَ بممْلكَةِ الرِّيَاحِ ممنُوعْ، ومقَاطعتَكَ لتدْرِيبِنَا يزِيدُ منْ عقَابِك لدَينَا "
_" سيِّدُك مدينٌ لِصانِعِي، ولَا بدَّ بأنْ يردَّ هذَا الدَّينِ وإلَّا فإنَّه يُشيْرُ ويحرِّض عَلىْ قيَامَةِ حرْبٍ أخْرَى بينَ الأباطِرة " نَبَس دَامْيَان منْ تحتِ أسنانِهِ بوعِيدْ قبْل أنْ تنْتَشرَ إبتسامَةٌ وديعَةٌ علَى ثغْرِه.
إبْتعَدَ القَائِدِ عنْ طريقِهِ وأشَارَ لأحَدِ المتدَربيْنَ بأَنْ يرْشِدَ دَامْيَانْ إِلَى الحُصنِ الخَاصْ بالمعلِّم، المَوجُودْ فوْقَ سلسِلةْ جِبالِ مَاهَا الجنُوبيَّة.
ثُمَّ عاْدَ وأدَار بوجهِهِ ليقاْبِل داْميَانْ ونَبَس ببُرودْ: " الطَّريقُ منْ هنَا إِلىْ حصْنِ المعلِّم ستستغْرِقُ أيَّامًا، وأنَا عَلَى علمٍ بأنَّ الشَّياطِينَ أمثَالَكَ لا تطِيرْ. لِذَا سنَختَمُ يدُكَ بحِبرِ المتدَربيْنْ ليستطِيعَ المتدَرِّب تشوِيْ أنْ يدمِجَ طَاقتَهُ مَعْ ختْمِكَ لتستَطيعَ الرِّياحُ حمْلَك "
أذْعَنَ دَامْيَانْ ودَخَل حُصنَ المتدَربيْنَ ليُخْتمْ، وهُوَ ينظُرُ إلَى مَاْ حوْلهُ بشيْءٍ منَ الخبثِ والدَّهاء.
_____
_" إذًا أنْتَ ستأتِي معِي؟ " سألتُه بآستغرَابٍ وأنَا أرَاهُ يدْخُلُ الشَّجرَة معِي لنعُودَ إلَى البعْدِ الأصْلِيِّ للممْلكَة.
_" نعَمْ، دَامْيَانْ وموْركِي يعرِفونَ بوجُودِي بالفِعل "
_" لكِنْ مَاذَا لَو رآكَ الحرَّاس؟ ألَن يقْبضُواْ عليْكَ؟ " تمتمْتُ وأنَا أطَالِعُ النُّجومَ بجَانِب القمَر البرتُقاليِّ المنطفِأ.
_" لَنْ يحْصُل هَذَا، والآنْ هيَّا إلَى الكُوخْ، أرَاهِنُّ أنَّ العمَّة صوفيَّا قَدْ آستيقَظتِ الآنْ " مرَّرتُ بعيْنَيَّ عليْهِ بآستغْرَاب، مِن أينَ لَهُ أنْ يعْرِف صوْفِيَّا؟
_" قدْ تتسائَلينَ مِنْ أينَ لِي أنْ أعْرِفَها. حَسنًا إنَّها تعتنِي بِي منْذُ عمْرِ الثَّانيَة عشَر، هِي منْ دلتنِي علَى البعَدِ الآخَر للمملكَة، وهِي منْ ساعدتنِي عَلىْ بنَاءِ الكُوخِ " قَالهَا وظَهَرتْ عَلَى مَلامِحِه آثَارٌ للحَنينِ والإمتنَانْ.
أتسَاءَل حقًا منِ الذِّي قدْ يجعَل شخْصًا مثلَهُ هدَفًا أساسِيًّا للأبَاطِرة، لكنَّني تذكَرتُ بأنَّني أيضًا كذلِكْ، رغمَ أنَّنِي لَمْ أفعَل شيئًا، الأبَاطرَة يحبُّونَ اللَّعبَ بحيواتْ المخْلوقَاتِ أجمَع....
وَصلْنَا إِلَى الكُوخِ، وعندَمَا أوشَكْت عَلَى فتْحِ البَاْب سمِعتُ صوْتَ آرتطَامٍ ينبعِثُ منَ الدَّاخِل.
فأسرَعتُ أفتَحُ البَابَ بسرعَةٍ متوقعَةً بوجُودِ شخْصٍ غَيرَ مرحَبٍ بِهِ هنَا.
_" أُوهْ عزِيزتِي كَاتْرينَا! ما الذِّي تفعليْنهُ بهَذَا الوقْتِ خارجًا، الشَّمسُ لَمْ تنْشُر سنَاهَا بعْد! " إقتَربتْ السَّيدَة صوفيَّا منِّي علَى عجَلْ وهِي تنظُرُ إليَّ بقَلقْ، فآنتَشَر شعُورٌ دافئٌ فِي عرُوْقِي ليستَقرَّ فِي قلْبِي. أَنْ يقلَقَ عليَّ شخْصٌ مَا، كَانَ منَ المُحَال، لكِنِّي الآنْ وجدْتُ منْ يسأَلُ عنِ آختفاْئِي ويشغِلُ بالَهُ بِي!
_" فْلاْد أنْتَ هنَا أيضًا؟ هَل هوَ منْ أخذَكِ بهَذَا الوقت؟ هَلْ ورطَكِ بالمَشاْكِل؟ " كَانَت كلمَاتهَا تتدَفَّق دونَ توقُف، حتَّى حسبتُ بأنَّها لَا تأخُذُ وتتنَفَّس الهوَاءَ مثلَنَا.
_" لَا تقلقِي سيدَة صوفيَّا، خرجْتُ باللَّيلِ لأرفِّه عنْ نفْسِي قليلًا، فقَد كَانَ الجوُّ خانقًا جدًا فِي الكُوخِ. أمَّا عنهُ هُوَ فكَانَ يتجوَّل خارجًا كمَنْ لَا بيْتَ لهْ! " شعَرتُ برأْسِي يحترِقُ إثْر نظراتِهِ الحَارقَة فآبتسمْتُ بخفَّة، مَا كَانَ عليْهِ أنْ يخِيفنِي بثعلبِ الفهرَاكِ عندَما كنَّا فِي كوخِهِ!
قَالَ لِي بأنَّ قتْلَ ثعلبِ فهرَاكٍ بمثاْبةِ حكْمِ موتٍ صعبٍ عَلىْ قاتِله. قائلًا بأنَّ الفهرَاكَ نادِرٌ بالمملكَةِ لدرجَةِ أنَّنيْ وبِسبَب قتْلِي لَهُ سأسجَنْ وسأعْدَمُ فِي السَّاحةِ الكُبرَى للمدِينَةِ لأكُونَ عبرة، لَمْ أكُنْ سأعْرِف بأنَُه مجرَّد كَاذبٌ لوْ لَا شبحُ الإبتسامَةِ الذِّي أظهَرهُ عندَمَا رأَى دَهشتِي.
_" هَذَا الفتَى. كَم مرَةً قلتُ لَكَ بأنْ لَا تخرجَ فِي اللَّيلِ، أَلَا تدْركُ بأنَّ الحرَّاس لاْ يزالُونَ يجوبوْنَ الأفُقَ بحثًا عنْكَ! " صَاحَت بِهِ وقَد آمتلَأَ صوتهَا بالخَوفِ والرُّعْب عليْهِ.
كزَّ علَى أسنانِهِ بقوَّةٍ قبْلَ أنْ يدخُلَ
إلَى أحدَ الغرَفِ متجَاهِلًا إيَّاهَا.
وَضعَت السّيدَة صوفيَّا يدَهَا علَى رأسِها تمسِدُه بإرهاْقٍ قبْلَ أنْ تنحَنِي، وتمْسكَ بالوعَاءِ البلورِيِّ الأسودِ الذِّي وقعَ ساْبِقًا.
_" سأعدُّ الإفطَارَ الآنَ ليكُونَ جاهِزًا عندَمَا يستيقظُونْ، إذهَبِي ونَالِي قسطًا منَ الرَّاحَة فعينَيكِ غائرتانِ فِي وجهِكِ عزِيزتِي " أذعنْتُ لأمْرِها الذِّي كَانَ بمثابةِ طردٍ لطيفٍ منْ قبلِهَا وتوجَهتُ إلَى غرفتِي.
آتضَجعْتُ عَلَى السَّرِيرُ ومرَّرتُ بنظَرِي علَى الطَّاولةِ الصَّغيرَة قبالَتهْ، حَيثُ سكَنتْ تلْكَ الجنيَّة نائمَةً بحنُوّْ. لَمْ أدرِكْ حتَّى الآنْ لمَا لَا تزَالُ هنَا، لكنَّها ظريفَةٌ لذَا لَا يمكِننِي القوْلُ لوجُودِهَا لَا!
كُنتُ أريْدُ سؤاْلَ السَّيدةِ صوفيَّا عنْ زلةٍ قدْ وقعَتْ بهَا. لِمَا تأوِي مجرمًا تحتَ جناحِهَا رغْمَ أنَّها زعمَتْ أنَّها المحطَّة الأخيْرة قبْلَ أنْ نقَابِلَ الأبَاطِرةَ؟
ألعلَّ عاطِفتهَا لَمْ تسمَحْ لطِفلٍ مثلَهُ بالمَوتِ هكَذَا، فآوتهُ تحْتَ جنَاحهَا، أوْ لربَّما هِي تسحَبُه لفخٍ خطِيرٍ وذريعتُه بالمَشيِ واعيًا نحْوهُ هُو ثقتَهُ بهَا!
أنَا أفكِّر كثيْرًا، لقَد قاْلتْ لِي لتوِّها أنْ أرتَاحْ وهَا أنَا ذَا أرمِي الشُّكوكَ بِلَا قيودٍ تكبَحُ تزعزُعَ ثقتِي بغيْرِي. أليسَت هِي مَن آستقبلتنِي بوجهٍ قلقٍ خوْفًا عليّْ؟ فلمَا أرميهَا بتهمٍ لَا تشبِهُ مكنونُهَا أوْ مَا تكُونهْ؟
شَعَرتُ بالظَّلامِ ينزِلُ صطوَتهُ عَلَى جفنَايَ يغلقُهُمَا، وبجسَدِي يستكِينُ مسترخِيًّا وقَدْ كفَّ ذهنِي عَنْ نسجِ الأفكَارِ ودَعانِي لأرتَاح.
____
_" أَنتِ لَستِ كبعْضِهمْ كَاتِي! أنتِ طفلَتِي " بصوتٍ رقيْقٍ نسَجَتْ تلْكَ السَّيدَة كلمَاتهَا ترمِيهِم بحنوٍّ عَلَى مَسامِعِ طفلتِهَا الوحِيدة.
_" وكَيفَ لَا أكُونُ كالبَعْضِ وأكُونُ طفلتَكِ؟ أكَونِي آبنتَكِ يرفعُنِي شأنًا وقدرًا ومنزِلَةً بالنِّسبَةِ إِلَى غيرِي؟ " ردَّت الطِّفلةُ التِّي لَمْ تتجَاوَزِ الستَّةَ منْ عمْرِهَا عَلَى أمِّهَا بتسائلٍ وحيرَةٍ. فكَيفَ لهَا بمجرَّدِ أنْ تكونَ آبنةً لهَا أنْ يرفَعُ قدرُهَا تلقائِيًا؟
_" أنْتِ إبنَةُ الأَرْضِ والطَّبيعَةِ قبْلَ أنْ تكُونِي آبنةً لِي، كَمَا أنَا! وبنَاتُ الطَّبيعَةِ لَاْ يكونُونَ كغيرهِمْ منَ البنَات! فالطَّبيعَةُ تخْتَارُ لكلِّ إبنتٍ لهَا قدْرَة، وهذه القدْرَة تبقَى راسخَةً لدَى الإبنَةِ مدَى الحَيَاةْ، حتَّى لوْ دفنَتْ وأضحَت رمَادْ، ستبقَى قدرتهَا ملازمَةً روحُهَا إلَى يومِ الفنَاء. " سكَنتْ لهنينَةٍ قبْلَ أنْ تتابِعَ بنبرتِهَا الرَّقيقة.
_" وأنتِ مَا الذِّي تفضلينَهُ يَا آبنَتِي؟ "
_" الأَرِض " ردَّت الطِّفلة بنبرَةٍ جديَةٍ هادِئَةٍ، كمَا لوْ أنَّها لَم تعُدْ تلكَ الطِّفلة، بَل أضحَت أكْثرَ نضجًا وآتزَانًا. لقَد آكتشَفتْ أصلَ الوجُود!
____
آنْقشَعَت الشَّمسُ مِن رحْمِ الظَّلاْم لتنِيرَ طرِيقًا ضبابِيًّا ترَاكَمتْ عليْهِ الأزمَان.
_" كَاتْرينَا، هيَّا يَا عزيزَتِي. لقَدْ أنهَى الجمِيعُ إفطَارهُم بينمَا أنتِ نائمَة! " طَرَق صوتُ السَّيدَة صوفيَّا ذهنِي يوقظُنِي منْ غفوَتِي.
فرَجتُ عينَاْي أتثاؤَبُ نعَسًا، قبْل أنْ أومئ لَهَا بخفوْت، وأستقِيمَ وأنَا أمدِّد يدَايَ متعَبَة.
توَجهْت إلَى الحمَّامِ المراْفقِ للغرفَةِ أدْخلهُ، ورأيتُ حينهَا حوضًا خشبيًّا يمتَلكُ أغصانًا مدندَلةٍ، قبضتُ علَى حاجبَايَ بآستغرَاب: " سيِّدة صوفيَّا؟ كَيفَ أشغِّل المَاءَ فِي هَذا الحَوضِ؟ "
أتَت السَّيدةَ صوفيَّا مسرعةً وهِي تدْخُل إلَى الحمامْ: " أوْه عزِيزَتي، أنظُري هنَا وآحفظِي مَا سأقولُهُ لَكِ. هَذَا الغُصنُ علَى اليمِينْ إنْ لمستِهِ سينزِل لكِ مَاءً فاترًا، أمَّا الغصُن علَى اليَسارِ ينزِلُ مَاءً ساخِنًا، لذَا إلمِسيْ الإثنَينِ وسيمتلِاُ الحوْضُ بمَاءٍ معتدِل قريبٍ إلَى السُّخونَة. وكَذلِكَ يوجَدُ صوابيْنُ عدَّة فِي درْجِ المغسلَةِ، أنصَحكِ بصابونٍ عطريٍّ إسمُهُ فرانِدرجْ، يبعَثُ برائحةٍ ذكيَّةٍ كمَا أنَّه يجعَل حرارَةَ الجسمِ خمْس درجاتٍ، وهذَا مناسِب لحرارَة هذِه المملكَة! "
نبسَت وهِي تحمِل صَابونَةُ فرانْدرجِ، التِّي كَانَت تشبِهُ كلَّ شيْءٍ إلَّا صابونَة. كَانَت تلمعُ كالبلوْرِ وتعكِسُ شتَّى الألوانِ عَلى الأعْينِ.
أمْسكْتهَا بيدِي معْ خروْجِ السَّيدة صوفيَّا منَ الحمَّام، فبدَأتُ بخلعِ ملابِسيْ المدمَّاتِ ودخلْتُ الحوْضَ مَع لمِسيْ للغصنيْن حتَّى بدَأَ الحوْضُ يمتلأُ بالمَاءِ الخَارجْ منهُما.
أوقَعتُ الصَّابونَة فِي الحوْضِ فآنتَشرَ أريجٌ داعَبَ أنْفِي وقلبِي فِي آنٍ واْحِد. جلستُ فِي الحوْضِ بعْد أنْ آمتلَأ وبدَأتُ بفركِ جسمِي منْ آثَارِ الدِّماءِ الجَافَة بآشمئزَاز، لطَالمَا كرهتُ ملمَسَ الدِّماء ورائحتَهُ ولونُهُ الأحمَر القَانِي. الذِّي لَا طالَمَا آلتَصقَ فِيَّ أثنَاءَ فتْرةِ سجنِي.
تذَكَرتُ الحمَّامَ الذِّي كنتُ أستحمُّ فِيه كُلَّ ثلاثَةِ أيَّام فِي السِّجْن. لَا يمكِننِي تسمِيتهُ بالحَمَام، كَانتِ الدِّماء والصَّدءُ يملَآنِهِ لأنَّه كَان منصَّةِ تعذيبٍ مسبقًا. ولَم يكلِّفِ الشَّياطيْن أنفسهُم عنَاء تنظِيفِه حتَّى.
فعندَمَا كنتُ أدخُل إليهِ كَانَ يسمَحُ لِي بثلاثَةِ دقائِقِ فقَط للإستحمَامْ، منْ شعْريْ إِلى أسفَل قدمَايْ، وكَانتْ هنالِكَ صابونَةٌ يملؤهَا الشَّعْر برائحَةٍ نتنَة لكنَّني كُنتُ لاْ أزَالُ مجبرَةً علَى آستخدامِها لتنظِيفِ نفْسِي منْ دمائِي التِّي كَانتْ تخْرجُ منْ جرَاحِي الغَيرِ معالجَةٍ إثْر التَّعذيبِ الشَّديدِ.
لمِستُ إحدَى النُّدوبِ التِّي كَانتْ تزَيِّنُ ظهْرِي بشيْءٍ منَ الحنِينْ، أنَا لسْتُ حزينَةً منْ كميَّة التَّعذيبِ والظُّلمِ الذِّي تعرَّضتُ لَهُ، بَل سعِيدَة لأنَّ النُّدوبَ ستكُونُ تذكَارًا إلَى مدَىْ مقَاومتِي ورَفضِي لإذْلالِ نفْسِي مقاْبِلَ الحريَّة الكَاذبَة.
خَرجتُ أخيرًا منَ الحوْضِ أمسِكُ المنْشفةَ ألفُهَا حوْل جسدِي وخَرجْتُ منَ الحمَامِ أتجِهُ إلَى الخزانَةِ أفتَحهَا.
قابَلتنِي العشَراتِ منَ الأثوابِ البنيَّة فأخذْتُ واحِدًا بشكْلٍ عشوائِيٍ أفردُهُ علَى السَّريرْ لأتبيَّنَ مِن مَاهيَّته.
كَانَ ثوبٌ جلدِيّ مؤلفٌ منْ قميصٍ ذوْ جيوبْ وبنطالٌ طويلٌ مزركَش، حتَّى حسبتُ نفْسِي لوهلَةٍ فِي إحدَى الصَّحارِي الأمريكيَّة!
أنزلتُ المنشفَة عنِّي وأسرعتُ باللِّبسِ، وبعدهَا خرجتُ مسرعةً إلَى مطبخِ الكوْخِ الذِّي كَانَت تنبعِثُ منهُ رائحَةً شهيَّةً.
_" هيَّا هيَّا، لتلحَقيْ برفاقِكِ " قالَتْ السَّيدة صوفيَّا وهِي تضَعُ أمَامِي أطباقًا عدَّة.
أَسرعتُ بغرفِ الطَّعامِ فِي ملعقتِي والأكْلِ عنْدَما سمعتُ أصواتهُم اللَّاهثةَ منَ الخَارجْ، لقَد كَانوْا يتبارزُون!
عندَمَا أنهيتُ وضعتُ الأطبَاقَ فِي المغسلَةِ وخرجْتُ مسرعةً مقابلَةً للجميْع.
_" وأخيرًا خرجْتِ، تعاْلِي لنَرَى مدَى قوَّتكِ، نزَالٌ سريعٌ بينَكِ وبيْنَ سيرِينَا. سأكوْنُ الحَكَم " صَاحَ إيليَانْ بحمَاسْ وهو يجرُّنِي وراءَهُ لأصبِحَ مقاْبِل سيرينَا.
قَابلتنِي بآبتسامَةٍ بينمَا شعرهَا الأحمَر يرتطِمُ بوجههَا إثرَ هبوبِ الرياح العليلَة .
_" أتفضِّلينَ أَنْ تبدَأِي بتعارُفٍ لائقٍ منْ خلالِ نزالٍ ودِيّْ؟ " شعرْت بشفتايَ تنحنِي بشبهِ آبتسامةٍ إثْر كلامِهَا، ثمَّ أومئتُ لهَا بآستمتاْع.
_" جيِّد، هَذا مَا أحبُّه! " صاحَتْ بعنفوَانٍ وقوَّة قبَلَ أنْ تتقدَّمُ راكضةً وهِي توجِّه لكمَةً نحْوَ وجهِي.
آنحنَيتُ بسرعَةٍ قبْل أنْ أشكِّل بيدِي قبضةً لألكمُها علَى معدتهَا، لكنَّها سرعانَ مَا آبتعدَتْ بلمْحِ البَصرِ عنِي، آبتسمْت بلهَاثْ وصفرتُ بعدَها بإعجَاب وأنَا أباْشر التَّقدم منهَا. إنَّها سريعَة، أسرَعُ منْ أيِّ شخْصٍ قابلْتُه، وأخِيرًا خصمٌ يستَحِق العنَاء!
آستخدَمتُ نفْس طريقتهَا بالموَاجهَة وعندَما آنحنَت تتفادَى لكمَتِي مددْتُ برجْلِي خلفَ قدمِهَا لتسقُطَ بعنْفٍ علَى الأرْضِ.
وقفَتْ من فوْرِها وهِي تبتَسمْ بآنفعال، وتقدَّمت ترمِي لكمَاتْ عدَّة آستطَعتُ ردَّها جمِيعًا، إلَّا واحدَة آستقرَّت فِي معدتِي تجعلنِي غيرَ قادرَةٍ علَى التَّنفس. آستقمتُ بغَضَب وبزقتُ دمًا مَالحًا قبْل أنْ أقرِّر أن أنقِل هذَا النِّزال منْ وديّْ إلَى عنيْف.
ركَضتُ نحْوهَا وعندَما وجَّهت آنتباههَا بالكَامِل علَى قبْضتِي الموجَهة نحْو معدتهَا، غيَّرت مسارَ قبْضتِي فِي اللَّحظَة الأخيْرة جاعلَةً إيَّاه يستقرُّ فِي وجهِهَا، وعندمَا وقعَتْ وحاولَت الوقوْف أسرعْت أحاْصرهَا برجلِيّْ أستقرُّ فوقهَا ولكمْتهَا بجَانبِ وجههَا لتستقِرَّ قبضتِي علَى الأرْضِ.
_" حَسنًا لقدْ فُزتِ " أردَفتْ بينَ لهاثِها بتعَب قبْل أنْ أبتعدَ عنهَا مرهَقةً وبائسَة، قدراتِي تراجَعتْ كثيْرًا، لسْتُ بالقوَّة التِّي كنْتُ أمتلكُها لسْت بالصَّلابة التِّي آعتدْتُ آرتدائهَا.
عضضْتُ لسانِي بغضْبٍ وبقليلٍ منَ اللَّوم. مَا كَانَ عليَّ مواجهتهَا بهذِه الطَّريقة، الغَضَبُ يستعرُّ كالبركَانِ فِي بدنِي، وهَذَا ليسَ جيدًا.
عدتُ لأقتَربَ منهَا ومددْتُ يدِي لأساعدِهَا علَى الوقوف، بزَقتْ الدَّم قبلَ أنْ تمْسكَ بيدِي واقفَة: " سمعْت بأنك لم تتدرَّبي منذ ثلاثِ سنوَات، لكنَّ مستواكِ لَا يوحِي بذلِك قطعًا! " تنهدتُ بخفوتٍ ناظِرةً إليهَا.
_" صدقينِي إن قلتُ لكِ بأنَّ مستواْيَ تراجَعَ للغاْية، لو كنْتُ أملِكُ القوَّة التِّي كنْت أمتلِكهَا منْذُ ثلاثِ سنوَاتٍ لمَا آستطعتِ الرَّمش قبْل أنْ تُهزمِي " أطلَقتْ ضحكَةً مرحَةً قبْل أنْ تمرِّر بنظَرهَا علَى البقيَّة.
كَانَ دامْيَانْ وديانَا فِي مواجهَةِ بعْضِهمَا، لكِنْ معْ إدخَالِ قوَّتهمَا الرُّوحيَّة. أغمَضَ دامْيَانْ عينيْهِ ولوَّح بيدِهِ دائريًّا قبْلَ أنْ ينبعِثَ منهَا لهَبٌ بنفسجِيٌّ أصبَحَ يحاوِطُ كفيَهِ وتقدَّم يبدَأُ بالهجوْم.
بدَورهَا قامَتْ ديَانَا بصنْعِ مَا يشبِهُ الوهَجَ الأزرَقَ ليحاوطَ كفيْها كذلِكْ، رمَىْ دَامْيَانْ عدَّة لكمَاتٍ تجاْهَ صدْرِها فصدتْهمْ بيدِهَا إلَى أنْ آندفَعَ إلَى الورَاء جرَّاء دفاْعهَا.
هَذِه المرَّة بدَأتْ هِي بالهجوْمْ جاعِلةً جسدَهَا بأكمَلهِ محاوطًا بالشُّعاعِ الأزرَق. ركَضتْ ثمَّ قفرتْ وبدأَت تركلُهُ وهِي بالهوَاء، آنبلجَت حدقتَايَ بصدمَة، هِي لَا تطِيرْ لكنَّها تستطِيعُ الطَّفوَ، هَذا فقَطْ مذْهِل!
حَاوَل صدَّ ركلاتِهَا وبالوقْتِ ذاتِهِ مهاجمتهَا بشعاعِهِ القَاتمْ، لكنَّها دفعتهُ بقوَةٍ ليستَقرَّ مستندًا علَىْ جزعِ الشَّجرةِ متعبًا ومتألمًا.
_" قلْتُ لَكْ، أنتَ شَابْ لكِن بقوَّةِ عجوْز " سخِرتْ ديانَاْ بمتعَةٍ وهِي تنظُرُ إليهِ بآزدِراءْ مزيَّف.
نظَرت إلَيَّ سيرينَا ثمَّ همَستْ " لقَدْ قالَ لَهَا بوقْتٍ سابِقْ أنَّ قوَّتهَا لَا تضاهِي قوَّتهُ عندَما كَان بالعاْشرة. أعرِف، أعرِف حتَّى أنَا لمْ أتوقَع منهُ قولَ هذَا، لكنَّه بدَا عدوانيًّا عليهَا فجأة وبدأ بإلقاْء الإهاناتِ عليهَا بشكلٍ متكرِّر. أمرُهُ غريب "
نظَرتُ إليهِ بآستغراْب، دَاميَان قطعًا ليْس هكَذَا، هُو لَيسَ عدوَانيًّا أَو ربَّما أنَا فقَط لَا أعرفُه بشكْلٍ جيِّد...
لكِنْ كَيفَ لهُ أنْ يهزَم بهذهِ السُّرعَة، لقَد أمْضَى سنواتٍ كأسطورةٍ خالِدَةٍ دمويَّة. هذَا لَا يوحِي بالخَيرِ أبدًا.
آبتعَدتُ منْ جانِبِ سيرِينَا لأتقدَّم مجابهةً دامْيَان: " هَل أنتَ بخيرْ؟ " سؤاْلي لمْ يكُن مفادُه معرِفةُ حالِهِ، بَل تقدِيرِ مدَى هالتِهِ المنتَشرَة.
هالَتهُ كَانَت ساخِنَة وغَيرِ موضونَةٌ ممَّا أدَى لإزعاجِ هالتِي فآنكَمشتْ ملامِحِي وأخذتُ خطوةً نحْو الوَراءْ. كَانَت حارقةٌ كمَا لوْ أنَّها جائَت منْ قعْرِ الجحِيمْ.
_" بخَير، أظنُّ أنَّ أضلعِي تهشمَتْ. لكِن لاْ يزَالُ هذَا أفضَل منَ الموت " أردَفَ بتعَبٍ بينمَا أنظُرُ لهُ بقلَق. قلقٌ منهِ ليسَ عليه....
أومئتُ لهُ ثمَّ باشرتُ بالإبتعَادِ عنهُ، ثمَّ صدمتنِي ذكْرةُ اللِّقاء ليلةَ أمِس. لقَد آلتَقيتُ ببسآندْري؟
آرتَفعَ سائِلٌ حامِضٌ ليستقرَّ فِي حلقِي، هَذا غيْر حقيقِي...لا بدَّ أنَّني كنتُ أهذِي منَ التَّعب الشَّديدِ والأهوالُ التِّي خضتَها. آعترَانِي آشمئزازٌ ونفورٌ شدِيدْ.
ما كَان علَى الآمبرَاطوْرة سيلِين أَنْ تعوْدُ لنَشرِ تلْك التَّقاليْد، لاْ رفقَاءَ للشيَاطِين، هذَا مَا يجِب أنْ يكُونَ عليهِ الأمر!..
أنْ يكُونَ لديَّ نقطَة ضعف فوقَ كلِّ النُّقط التِّي أمتلكُها لهُوَ ظلمٌ بيِّن، نقطَةُ ضعفٍ قدْ تتسَبَّب بموتِي الذِّي لا طالَما عشتُ هاربةً منهُ.
هُو هارِب وأنَا قربَانٍ مرجُوّْ، وكلينَا يهرُب منَ المَوتِ، وجودُنا معْ بعْضٍ لَنْ يفيْد سوَى بزيادَةِ نسَب موتنَا وعذَابنَا، وهمَا تضادٌ غيرُ مرغوب.
كُنتُ أنوِي الدُّخولَ إلى الكُوخِ لولَا صوتُ حوافِرٍ قويٍّ جعلنِي أتفقَّد مصدَرَه. قائِدُ الحَرس الذِّي أخبرنِي بأنني سأقابلُ شخْصًا مَا هاْ هوَ يقابلنَا مستريحًا علَى حصَانهِ الفضِيِّ المدرَّع مثلهُ.
_" أهلًا بالجَميْع " رحّب بنَا بنبرةٍ بليْدةٌ قبلَ أنْ يخرِجَ عملةً نقديَةً منْ جيبِه ويضغَطٌ عليْهاْ.
ظهَر فجأةٌ مجسمٌ لشخْصٍ يتحرَّك فيْ إطارٍ بيضاويّْ شفاْف. تحرَّك الشَّخص الذِّي فيْ داخِل الإطارْ بشيءٍ منَ الكبريَاء والإزدرَاء وقَد خلَع سترتَهُ المترشحَةُ بالرِّيش ووضَعهَا علَى أريكَةٍ دمويَةٍ علَى يمينِه.
حوَّل بنظرِهِ إلينَا معْ آبتسامتهِ بشيءٍ منَ السُّخرية: " القَرابِين، يَا لهَا منْ وجُوهٍ مقززَة لأخرِّب يومِي بأكمَلهِ برؤيتِهَا.. "
مرَّرتُ بنظرِي علَى كلِّ منْ حَولِي وعندَما لمْ ألمَح فلَادْ تنفستُ الصُّعداءْ. لابدَّ أنَّ هذَا المتحكِّم المتقزِّز منْ أشكَالنَا ذوْ سلطَةٍ عليَّة قريبَةٍ للأباطِرة، لذَا منَ الجيِّد أنْ يتزامَن وجودَه معِ آختفَاءِ أدعجِ الخُصلات.
_" لَا أرَى فِي وجُوهكم أيُّ آمتنَانٍ علَى وصولكُم لمثلِ هذَا المكَان، أنتُم لستُم شاْكريْنَ حتَى! " لَنْ أكذِب علَى نفْسِي، كلمَاتهُ الوقحَةُ الدَّنئةِ لمْ تأثِّر بِي كمَا فعلَتْ نبرَةُ صوتِه، لَا أدْرِي كيفَ أصِفُ مَا أسمَع، لكِنَّ خفقَانُ قلبِي المرتجفْ يصِفُ رهبتِي وخوْفي...
_" هَل تظنُونَ أنَّكم ستطِئوْنَ مماْلكَ اللُّويْد الكُبرَى وأنتُم بهَذا الضِّعفِ والوَهَن؟..... علَى الأقَل صلِّبوا قامَاتكُم وتجَاهلُوا هويَّتكمْ كشياْطِينَ نجسَة، تصرَّفوا كمَا لوْ كنتُم مجنحِينْ أوْ مسخريْ الهواءْ أو حتَّى ثعالِب كشَعبِ المملكَةِ التِّي تدثرونَ بهَا!.." تمتمَ بآزدِراء وتشبعَت نبرتُهُ السَّعيريَّة بظلامٍ مقيْت.
_" منظَركمْ وحدَهُ معَ قامتكُم الهزيْلةَ يثيْرُ الإشمئزازَ فِي نفْسِي، لَن تجرؤوْا عَلى المثُولِ هكذَا أمَامَ الجبَابرَةِ منَ الأباْطرَة. ستغيرُونَ أنفُسكُم قلبًا وقالبًا لتُصبحُوا فِي مقامٍ يخولكُمْ منْ رؤيَةِ الأباطِرة فقَطْ، وبعدَهَا سنناقِشْ كيفيَّة تأهلكُمْ لتكُونوْا جنودًا أقويَاء تحْت أمرتهِم. " ضحَكَ بسخريَةٍ قبْلَ أنْ يكْمِل " رغْمَ أنَّني أشكُّ بمقدرتكُم علَى ذلِك..."
جُنودْ! يَا إلاهِي ظننْيتُ أنَّهم سيضحُونَ بنَا أوْ أنَّهم سيقتلوننَا بعْدَ أنْ يستنزفُوا قوانَا...لكِن أنْ نكُونَ جنود؟ هَذا يبدُو أسوَءَ
مِن المَوتِ حتَّى!
_" ستتدربوْنَ هنَا، وسنبعثُ بعْض المقاتِلينَ كلُّ شهِر. ستقاْصُ قدراتِكُم علَى ثلاْثة، (القوَّة، الذَّكاء، التَّفاني) وإنْ لَمْ تكُونُوا بالجَدارةِ التِّي نتوقعهَا سيتمُّ معاقبتكُم، آعتزمُوا الفوزَ وحَسب فلاْ وجوْدَ للخسَارةِ فِي قاموسنَا." تحوَّلت لهجتهُ للجديَّة من السُّخرية، لا وجُود للخسارَةِ فِي قاموسِنَا، يقْصد قاموسهُم، قاموْس الجبَابرةِ الظُّلامْ الذِّين يتملكُونَ مَا يسمحُونَ ليدهِم بلمْسِه.
كلُّ مَا سمعتُهُ فِي صغريْ كذبَة، كيفَ قامَ الأباْطرةُ بصنعِ ممالكَ رائعَة، كيْف سنُّوا القوَى والأنظمَة والعدِل. رغْمَ أنَّهم صنعُوا أممًا وتركُوهُم يهيمُونَ فِي ممالِكَ سودَاءَ مظلمَة. آرتفَعَ فطُورَ الصَّباح مِن بطنِي يجْعلُ الحمْضَ يحتلُّ فمِي. لمْ يفعلوْا هذَا بمفردهِم لقدْ فعلتْ ذلِك بِي أيضًا، أوجدتنِي وذهَبتْ كمَا لوْ كنْت مجرَّد حفنَةٍ مِن الرَّماد تناثَرت فورَ تكوُّنها.
كِدتُ أنْسَى شكلَهَا أصلًا، كلُّ ما أتذكَرهُ بِهَا هوَ ظلُّها الأبيضْ وملامِحَها المشوشَة التِّي كَانَت تنْقبِض دائمًا بخوْفٍ عندَمَا تراْنِي. أظنُّ أنَّ ماْمَا كَانَت تكرهنِي وتخَافنِي، مزِيجٌ لَمْ أكُنْ لأعطِيهِ لأَحدٍ عنْ قصِد....
آختَفى المجسَّم ذوْ الإطَارِ البيْضاوِيّْ مِن أمَامَنا، وحوَّل قائِد الحَارسِ بنظَرِهِ عليْنَا بشيْءٍ منَ الشَّكِ الغيْر معلَنْ قبْلَ أنْ ينطَلقَ بحِصانِهِ مخلفًا وراءَهُ سربًا منَ الرِّمال الطَّائرَة.
شعَرتُ بهالَةٍ غاضِبةٍ تصدُرُ منْ ورائِي وعندمَا آلتَفتْتُ رأيتُ إيليَانْ يتابِعُ بعينيهِ رحِيلَ قائِدِ الحَرَس بملامِحَ لاْ تفسَّر، كَانَتِ الهالَةُ حولُهُ لاْ تتموَّجْ بلْ كَانَت تنْفجِرُ محدثةً وهجًا خفيفًا: " يجلبونُنَا ثمَّ يخبروننَا بعيوبنَا التِّي صنِعتْ مِن قبلِهمْ، أيُّ تناقضٍ هذَا! " جهَرَ بغضبٍ وأنهَى كلامهُ بصرخَةٍ معَ لمعاْنِ أعينِهِ البنيَّة باللَّونِ الأَصفَر.
رأيتُ سيريْنَا الذِّي مَاثلَ فِيهِ لونُ شعرهَا وجهِها منَ غضبهَا تقتَربُ منهُ قائلةً: " لَا ترهِق نفسَكَ بالحَدِيثِ عنْ أشخَاصٍ لَا يرونَنَا سوَى حثالَةٍ ناطِقة، بَل أشهِر بغضبِكَ نحوهُم. آستخدِم قبضتَكَ أيُّها الذَّهبيّْ! "
_" أظنُّ أنَّ الإذعانَ لأوامِرهمْ هوَ سبيْلُ نجاتِنَا، مَاذَا سنخْسرُ إنْ أصبحْنَا أقوَى وأكْثرَ فطْنة؟ لنتصرَّف بوعْيٍ أكثَر! " أردَف موركِي يمرِّر يدَهُ علَى شعرهِ الأبيَضْ معَ آقترَابهُ منِّي فكشَّرت فِي وجْههِ آخُذ خطوَةَ أمَانْ إلَى الخَلف.
_" سنخْسَرُ ولائنَا موْركِي، أنْت ستكرِّس قوتكَ وفطنتكَ لهُم، هَل تظنُّ أنَّك مَا إنْ تدخُل أراْضِي اللُّويدْ ستستطِيعُ الخرُوجْ؟ إسأَل منْ جرَّب...." نطَقتْ ديَانَا بهمجيَّةٍ قبلَ أنْ تخْفتَ عنجهيتهَا فِي نهايةِ جملتهَا، وعندَها آستطَعتُ رؤيَةَ ندبةٍ تتواْجدُ خلْفَ أذنِهَا بالضَّبط، تمتَدُ منْ قلْبِ خصلاتِهَا الشَّقراْء الشَّاحبَة إلَى جوَارِ شحْمةِ أذنِها. فآرتَعشتْ فرائِسي حيْنَ فكَّرت بكيْفَ حصَلتْ علَى هذه النَّدبة.
_" التَّهوِيلْ منْ شأنِ العدوِّ هوَ أوَّل سبُل خسارتنَا، نحْنُ عندَمَا نفكِّر بهِم نرتجِفُ خوفًا مَاذَا عنْ معادَاتهِم؟ لنجْعَل ألسنتنَا معتادَةٌ علَى ذكْرهمْ أولًا وبعدَهَا سنفكِّر بمجابهَتهمْ " كَانَ راييْفنْ منْ تحدَّث هذِهِ المرَّة بعينيهِ البنيَّة الدَّاهيَة، وقدْ أعجبنِي مَا قالَهُ للغايَة، أوَّل سبلِ النَّجاة هِي منادَاة عدوَّك بإسمِه!
_" مَاْ تقولُه ذكِيّْ ويمكِننَا تطْبيقُهُ عندَمَا لاْ يكُونُ عدوَّك أحدَ الأباطِرة!! هلِ فكَّرتَ بمَا قلْته حقًا؟ أنْتَ تقوْل أنْ أعتبِر الأبَاطرَة والذِّي يعتبرونَ آلهَةً عندَ الكثيريْنَ مجرَّد عدوّْ! إنْ كَانَ أحدُ الأباطِرةُ عدوَّك فأنْتَ وغدٌ ميِّت وسلالتَكَ أيضًا! كفُّوا عنْ وضعِ هرَاْء المجابهَةِ الكاذِبةِ فِي رؤوسنَا، نحنُ لسْنا آلهَة! " آنفجَرتْ رافيْنْ براييفنْ، وللسخْريَة كَانُوا يمتلكُونَ نَفسَ الأحرُفِ فِي أسمائهم!
كَلامهَا لاْ يخْلو منَ الصَّوابِ، لوْلاْ قولهَا بأنَّني لاْ شيْءٍ كنتُ سأصادِقهَا، هَذهِ السَّمراء الألفاريزيَّة!
_" جدَالكُم المحْمومُ هَذَا يثبِتُ كلامَ ذلِكَ البرجْوازِيّْ عنَّا بأنَّنا حفنةٌ نجسةٌ أقرَبُ لحيواناْتٍ ناطِقة، لِذَا كفَى كلامًا بلَا معْنَى ولنتَصرَّف كمجموْعةٍ ستموْتُ حقًا. " آنْسَابَ كلامُ فاْرينَا بأعينهَا الخضْراءِ الهادئَة فِي أذنِي آنسيَابَ نهرٍ جارٍ وشعرتُ بهِ كتهويْدةٍ تطلِقُ سراْحَ أعصابِي المنقبِضة.
_" كَلامهَا صحِيحْ، إنْ تصرَّفنَا بهنجعيَّةٍ لَنْ نتمكَّن منِ آستخْلاصِ هدفنَا الحقيقيّْ هنَا، لنسايرهُمْ لبَعضِ الوقْتِ وعندَما نكُونُ مستعدِينْ سنسلكَ دربَ البَحثِ والتَّحقيق " كَانَ آرتِر بنبرتِهِ الخجُولةَ هوَ منْ تحدَّثَ هذِهِ المرَّة وقدْ مرَّر يدِه علَى رقبتِهِ يفركُهَا بحَرَجْ.
أحسَستُ بنظرَاتهمْ تستَقرُّ عليَّ فجْأة فصحْتُ مستهجِنة: " دَامْيَانْ لمْ يبدِي برأيهُ بعِد! "
_" رأيُ دَامْيانْ معروْف، لقدْ حثَّنا علَى الصَّبرِ لنتكْتشفَ مَا يكِيدُ لنَا. لكِن رأيُكِ لمْ يفصَحْ لنَا بعِد " كَانَت القائلةُ فاريْنَا ولأنَّ كلامهَا هدئنِي منْذُ وهلَةٍ آثرتُ الإجابةَ عليْهَا.
_" أقُوْلُ بأَنْ لاْ نخْفضَ حذَرنَا عنْ كلِّ مَا سيؤمروننَا بِهْ، لاْ بأِس ببعْضِ المخاْلفاتِ منَ اليومِ للآخَر...ولاْ بأسَ أيضًا بأنْ نستغلَّ مَا يدربوننَا عليهِ لنصبِحَ أقوَى " قلتُ بمَا لديَّ فرأيتُ الإبتسامةَ ترتسمُ علَى وجوههُم كمَا لوْ أنَّ شعارِي بتمردٍ خفيفْ وبآنصياعٍ كاذِب أعجبهمْ، أظنُّ أنَّه كَانَ عليَّ التَّكلم بوقتٍ أبكَر قليلًا...
_____
حمَلتْهُ الرِّياحُ فوقَ سلسلَةِ جبَالِ مَاهَا الجنُوبيَّة إلَى حصنِ المعلِّم الأكْبَر "تشِي جيَانْغ".
كَانَ الحِصنُ خشبيٌّ أحمَر داكِنْ، معْ قرميدٍ أسوَد. وزيِّن سقفَ حائطِ المدْخلِ بأجراسٍ معدنيَةٍ ترتَطمُ ببعضِها بشدَّة إثْر الرِّياحِ القويَّة.
أطْرافُ دامْيَانْ قدْ تجمدَت منَ البرْدِ فأسرَع يدخلُ الحِصنَ ثمَّ القاعةَ الأساسيَّة بعْد رحيْل المتدَرِّب الذِّي ختَمَهُ، مرَّر نظَره علَى الختمِ فرآهُ يندثِر معْ رحِيل واضِعه، فتنهَّد بخفوتٍ معْ وصولِهِ أخيرًا إلَى القَاعةِ الفرعيَّة.
جسَدٌ صلبٌ كَانَ يراقِب الأفقَ بشيْءٍ منَ الحنِينْ، وطاقةٌ هائلةٌ آلتَفتْ حوْلَ جسدِهِ ومَا يقرَبُه فشعَر دامْيَانْ بالبرْدِ ينقُرُ فِي عظامِهِ فجأَةً معِ آستدَارَت المعلِّم جيانِغ ليقابلَه بملامِحَ جامدَةٍ صارمَة.
بَاشَر دَامْياْن بالكَلاْم: " أتيْتُكَ هنَا لتفِذَ الوَعدَ القدِيمَ، وعْدَ الحَربِ الثَّانِية. " مرَّر جيانْغ بنظَرهِ عليْهِ وقدْ آنقبضَتْ ملامِحُه بغتَةً.
_" الوُعُودُ المحفوظَةُ تقصِد. نعَمْ أذكُر أنَّ الإمبراطُورْ هَادِيسْ قدْ أعلمَنِي بأمرٍ كهَذَا، إذًا أنتَ هوَ خليفَتهُ، الشَّخص الذِّي سأعطِيهِ قوةً محرمَةٌ عليْه؟ " نَبَس بخفُوتْ وهُو يَرى أنَّ كلمَاتهُ لاْ تهزُّ فِي الضَّيف شعرةً حتَّى.
_" يبدُوْ أنَّ الخَرَف قدْ تمكَّن منْ أعقَلِ أفرَادِ عشيْرةِ الرِّياْح، أسمِي هوَ دَامْيَانْ، دَامْيانْ هادِيس. وأنَا هوَ الورِيثْ الذِّي سيأخُذُ هبةً وقوةً مقدرَانِ لهُ، لَا محرمتَانِ عليهِ كمَا تزعُم. " قاْلَ بسخريَةٍ بينمَا ينقُلُ بأنظارِهِ حوْل القاعةِ الفسيْحة كمَا لوْ أنَّها تستحِق المشاهَدة أكْثر منَ صاْحبهَا.
شعَر دَميانْ بتغيِّر كثافةِ الهوَاء حولَه فآرتسمَت آبتسامَةٌ عابثةٌ علَى وجهِه قبْل أنْ يمرِّر بنظَرهِ أخيرًا عليْه، وقدْ أُعجِب بملامِح الغضَب المكبوتَةِ علَى وجهِ هذَا الجيانِغ.
_" فقَط لأنَّ الآمبراطُورْ أمَر بذلِك، لوْلاْ ذلكِ
لَم أكُن لأعطِيكَ هبةً ورِثتْ لأجْيالٍ لوضيعٍ مدلَّل! " صاْح المعلِّم بآستهجَانْ فرمقَهُ دامْيانْ بمَللْ : " لا أهتَمُ فعلًا بمدَى آستحْقاقِي لهذِه الهبَة كمَا تقوْل، أنهِي مَا أمِر إلَيكَ أيُّها العجُوز. "
آقتَربَ المعلِّم منهُ : " مدَّ يدَكَ! " أعطَاهُ دَامْيانْ يدَهُ، فوضَعهَا فوْقَ يدِه معْ إغلاْقِ عينَيهِ ونبسِهِ بكلمَاتٍ عدَّة. وازَنَ دَامْيانْ كمَّ القوَّة الرُّوحيَّة فيهِ وأفرَغَ جزءً ليمتلِأَ بالهبَةِ الجدِيدة.
فتحَ المعلِّم عينيهِ فآنتفضتَا بشعاعٍ أزرَقَ وعندَهَا آقتَحَمتْ دامْيانْ قوَةٌ كبيرَةٌ جعلتْهُ يشعُرُ بسكاكِينَ عدةَ تختَرقُ قلْبهُ، فأغلَقَ علَى فمِهِ يكتِمُ ألمَهُ رغمَ أنَّه بدأَ يشعُرُ بجسَدِهِ يبْردُ ويشحَبُ بشكْلٍ مخِيفْ.
أدْرَكَ دامْيانْ حينَهَا أنّ جيانِغْ يعطِيهِ قوةً كبيرةً علَى أمَل أنْ لَا يستطِيعَ تحمُلهَا فيسْقطُ جثةً هامِدة. آبتسَمَ بشرَرٍ لحظَتهَا وأرَاد أنْ يضحكْ لوْلا الألمِ الذِّي لاْ يزَالُ يهجمُ عليهِ بقوَّة.
شعَر دامْيَانْ بدمَاءٍ قاتمَةٍ تسقُطُ منْ فمِهِ مرتطِمةً بالأرْضِ معْ توقفِ الألمِ فجأَةً، ولمْ يستَطِع فتْح مقلتيهِ أصلًا فسقَطَ علَى الأَرضِ محَاولًا التَّحركْ أوْ أخذَ نفسٍ حتَّى!
سمِعَ خطُواتِ جيانِغْ تقتَربُ منهُ قبلَ أنْ يتحدَّث بآستمْتاعْ : " أنَا أكْرَه المتغطْرسيْنَ كثيرًا ياْ دَامْيانْ، خصيصًا الشيَاطِينَ منهُم، وللأَسفْ أنتَ مزيْجٌ منْ كلِّ مَا أكرَهه. قدْ تظنَّ أنَّ بموتِكَ سأموْت علَى يدِ الآمبراطوٌر هادِيس ربمَا. لكِن لاْ تقلَق عزيزِي دَاميَانْ! لقَد نسجْتُ حكَايةً محبوكَةٌ ومدعمَةٌ بالدَّلائِل التِّي تشيْرُ علَى أنَّ جسدكَ الضَّعيفْ ولعيشِهِ سنينًا كصلصَالٍ رخوٍ لمْ يستَطِع آستيعَابَ كميَّة القوَةِ التِّي دخلتْ جسدَهُ. أتَرى! "
ومدَّ قدمَهُ يركُل الملْقَى أمَامهُ علَى الأرْضِ بآشمئزَاز : " لاْ أدرِك كيفَ لآمبراطُورٍ عظيمٍ مثلَ هادِيس أنْ يقرِّر أنْ يكُونَ حاكِمًا علَى مسوخَ مثلكُم؟ كَانَ يمكِنه أنْ يمْلكَ مملكَتنَا مثلًا، لكِن يا للأَسف كَان يفتقِد للبصيْرة.."
_" فاْقدُ البصيْرة هوَ أنْت أيُّها العجُوز " آلتَفتَ جِيانِغ بسرعةٍ إلَى الوَراْء، كَانَ يجِب علَى هذَا الدَّمْيانْ أنْ يكُون ميتًا الآنْ! : " كَيف آستطَع_" لمْ يستطِعْ إكمَالَ جملتَهُ لأنَّ دامْيانْ وجَّه لهُ لكمَةً بنفسجيَةٍ حادَّة جعلتْهُ يخرُّ أرضًا مصدومًا بعدهَا متألمًا بعدهَا ميِّتًا.
_" وأنَا كذلِك أكْرهُ المتغطرِسين..." نَبَس دامْيانْ فوقَ جثتهِ قبْلَ أنْ يحمِل نَفسهُ ويغادِر الحِصنَ الذِّي دخلَه باردًا وخرجَ منهُ دافئًا...
__
السَّلام عليكُم.
أعرف إن الفصِل قصيْر بسْ حرفيًّا شغفِي بالحَضيضْ وموْ قادرَة أخِّلي فصلْ يتجاوَز ال٥٠٠٠ كلمَة💔.
رأيكُم بالشَّخصيَات؟
شو قصة دامْيان هاديس وداميان غوبران، ومين تفضلون من بينهم؟
القرابيْن العشرة؟
ماضيْ كاتريْنا؟
حدِيثهَا مع فلاد؟
فلاد؟
أدري فلاد ما ظهر كثير بس هذا لصالحِه، خروجه عن القصة خلال المبارزة الصباحية كان من حظِه، وللأسف ما قدر يشارك معهم بالحدِيث.
طِّيب شيطان فلاد آزايل، رأيكم عنه، وليش يا ترى أسم الرواية على أسم شيطان البطل؟
دمتم برعاية الرَّحمن🌸
Raya_writer