عندما مررنا بالبوابة، لاح على وجوهنا نبض ووهج كهرمانيٍّ صافٍ. كنتُ أعلمُ أنَّ مملكة الثعالب تتدرَّج حسب لون فراء أصحابها: البنيّْ، البرتقاليّْ، والقليل من الأحمر والأسود والأبيض. لم تكن المرة الأولى التي أزور بها هذه المملكة، لكنني لازلتُ أُبهر من شدة نقاء ألوانها وهالتها الدافئة.
عندما كنا في مملكة المجنحين، كان الجو ضبابيًّا باردًا يقشعر الأبدان، وكانت الهالة تتذبذب من أجنحتهم مخلفةً اضطراباتٍ في مستوى التوتر النفسي لدينا. أما هنا فالدّفء يتمركز فيّ ويبعث نوعًا من الحنين إلى صدري، ذكرياتٍ طوى عليها الزمن ورثاها.
يُلاح أمامنا غطاءٌ متشابكٌ من الأشجار الكهرمانية، أشجار بيستيا، والتي تعني "الوحش". اسمٌ لا يليق بمظهرها الخارجيّ الدافئ الذي يدفق بموجاتٍ دافئةٍ حنونةٍ للمكان. لكنه يليق بقدرتها القاتلة.
لديّ تاريخٌ مريعٌ مع هذه الشجرة القاتلة.
رمقتُ من حولي وقد كانت ملامحهم تفيض بالدهشة والإفتتان، لم يكونوا مستعدين لمجابهة مثل هذا الجمال الأخّاذ للنفس.
قبضتُ على نواجذي بحيرةٍ وأخيرًا حططتُ بنظري على كاترينا، كاتي، التي لم ألمح على وجهها أيّ ذهولٍ أو انبهارٍ، بل كانت ملامحها جامدةً مبهوتةً وكأن دماءها أخذت تُسكب من جسدها أمام نظرها.
ازدادت حيرتي وودتُ لو أتجرأ على التقدّم ومعرفة ما يشدهها، إلا أنني أنا من شُدِهَ عندما تراخى جسدها وكادت أن تصطدم بالأرض لو لا يد داميَان التي أمسكتها في حينها.
اقتربتُ منه وأنا أبتلع ريقي وأبلل شفاهي التي جفّت فجأةً كما لو كنتُ في أرض يباب أتوق لنهلة ماءٍ.
"أ...أنت من فعلها؟" قبضتُ حاجبيّ عندما اخترق صوت داميَان شرودي المضمحلّ. نظرتُ إليه بامتعاض، هل يظنُّ أنني من جعلها تفقد وعيها؟
"لا، لستُ أنا وحذارِ أن تلقي باتهامٍ دون النظر إلى مدة غبائه يا داميَان." ألقى نظرةً على وجه كاترينا ثم أعاده إليّ يبتسم بخفة. "ظننتكَ تحترم العجائز كالتي تقبع في حضني."
"لا تبدو كذلك لذا لن أعاملك وفقًا على ما تصدقه أيها الحكيم الذي يكبرني بسنة." تبدّلت ملامحه وأصبحت جدّية حازمة كما لو أنه ينهي النقاش ثم قال: "إن كنتَ لم تفعل، فإن ما أظنه حدث سيقلب حياة كاترينا رأسًا على عقب، للأسوأ..."
تنهدتُ بتعب، حياة هذه الفتاة لا تتوقف عن الوقوف في وجهها وإرهاقها أكثر في كل مرة. لكننا معها الآن لن نسمح لها أن تدمّرها أكثر مما فعلت.
"اتركْ كل شيء لأوانه داميَان، عسى أن تتبدّل الأقدار وتضحى رؤوفة بها، رؤوفة بنا."
حوّلتُ بنظري إلى غابة أشجار بيستيا، وشعورٌ غريبٌ نكز فقرات ظهري، شعرتُ بقوةٍ مهولةٍ تصدر من منتصفها، فتنهدتُ باضطرابٍ وأخذ الشعور يتفاقم في نفسي.
كانت الغابة كبيرة جدًا، بحجم القصر السفلي الذي كنا سجناء فيه، لذا لم أستطع تحديد تلك الطاقة التي تنبعث بشكلٍ حادٍّ ومزعجٍ.
أمعنتُ النظرَ وبلمح البصر لمحتُ شيئًا يتحرك بسرعة... مخلوقٌ كبير! "اهربوا!" صرختُ بصوتٍ كاد يمزق حنجرتي عندما لاحت إليّ أخيرًا هيئة هذا المخلوق. كان شبيهًا بالثعلب لكن بجلدٍ ممزوع وقامةٍ تصل إلى الثلاثة أمتار.
أخذتُ أركض دون هداوة، نظرتُ إلى داميَان الذي يحمل كاترينا، كاترينا التي أصبحت تنزف من جانب بطنها بشكلٍ مفاجئٍ وسريعٍ. ذعرتُ وأخذتُ أركض بشكلٍ أكبر. "كاترينا تنزف!" صحتُ بهذا عندما أصبحتُ على مقربةٍ من داميَان الذي توسّعت جفونه وأخذ يشتم تحت أنفاسه المتلاحقة.
وصلنا إلى أشجار بيستيا فتدثرتُ خلف إحداها بينما جلس داميَان يضع كاترينا برفقٍ على الأرض. إن أشجار بيستيا وإن لم تلمسها بشكلٍ مباشر، ستؤمن لك حمايةً كاملة، حيث أنها تخفي رائحة من يقبع بداخلها، ومن شكل هذا المخلوق لا يبدو أنه يستطيع تتبّع القوة التي تصدر من أجسادنا... على ما آمل.
"ما...ماذا يجب أن نفعل؟" نظر لي داميَان وأمسك قميصه بأسنانه يمزقه ويقربه من النزيف في بطنها الذي فاحت منه رائحة العفن والصدأ، ثم ربطه بشكلٍ محكمٍ، بينما أرى جسدها المتعرّق ينتفض بألمٍ وملامحها تنكمش بإرهاق.
وأخيرًا رفرفتْ بعينيها الغائرتين في وجهها ببطءٍ، فتحت زرقاوتيها المشبعتين باللون الأحمر من التعب، وأخذت تلقي بنظرها على الأرجاء بعدم استيعاب إلى أن ضربها إدراك بالكمد الذي جعل أنفاسها تُسرق منها.
حاولت الجلوس لكن داميَان كان أسرع منها فأمسك بيديها يعيد تلقيها على الأرض بلطفٍ وقال: "أنتِ لستِ بحالٍ جيدة الآن، تريّثي إلى أن يشفى سحركِ الجرح."
نفت برأسها والدمع ملأ عينيها بحزنٍ وقد انطفأ وجهها على حين غرّة.
"لقد ظهرت ليليث، ظهرت شيطاني وقرينتي، سيتم إخضاع كل قوة فيني إليها لتتكوّن بشكلٍ جيد. لا أعرف ما سبب إصابتي بهذا الجرح العميق، لكنه سيعيش معي لعدة أيام أخرى أيضًا."
تحدّثت بنبرةٍ منطفئةٍ وكأن الصمت هو من تكلّم لا هي، كأن شبحًا في خلفية المسرح نبس بكلماتٍ سمعها الجمهور لكن لم يستطيعوا رؤيته، كان صوتها مملوءً بمشاعر لم أدرك مدى عمقها، كأن الحياة سرقت منها آخر أمل لديها فيها.
لقد شعرتُ بالألم، كلنا فعلنا لكنني لم أفقد الأمل في هذه الحياة بعد، فلما تستسلم للحياة وشروطها بهذه السرعة؟ ما الذي ألجمها وأسكتها عن متابعة قول خطابٍ جليلٍ ينص على الحرية والتمرد؟
"ما الذي يعنيه هذا؟" نبس داميَان بما كنت أريد قوله، وكان هذا السؤال الذي أفاق كاترينا من جمودها وتصحرها واندفعت بكلماتها الجاهرة بعلوها الغاضبة التي أشدتنا: "ما الذي يعنيه هذا؟ هذا يعني أنني أنتقل من سجنٍ لآخر، من كابوسٍ إلى آخر. لا ألبث حينًا إلا لأركض بعدها. لا أتوقف هنيهةً إلا لأقاتل بعدها. لا ألبث لآخذ أنفاسي حتى تُسحب أنفاسي من جديد. أكتم وأكتم وأحاول مجاراة ما يحصل معي. صدمةٌ تليها الأخرى لا تتركني لأستوعب ما قبلها. قراراتٌ كثيرةٌ تجوب دواخلي لا أجد لها منفذًا ولا مخرجًا. قراراتٌ تحطّ عليّ لأنفذها وإن طالبتُ بتفسيرٍ بسيطٍ أغدقوا عليّ بالصمت. هل تظنون أن أكون قربانًا أمرٌ سهل؟ ولستُ أقلل من شأن آلامكم لكنني ومع احترامي لا أظنكم تحزنون على كونكم شيئًا يأخذ ويُعطى. لقد طالبتم بهذا لأجل مساعٍ تفيدكم، لكن ما هي مساعيّي؟ لمن أفعل هذا؟ لمن أكبح آلامي ولأجل ماذا؟ لديكم خيارٌ ولديكم حافةٌ وهدفٌ تتسابقون لأجله، لكنني لا أملك أنا لا أملك هدفًا ولَا حياةً ولَا صبوًا!"
ابتلعتُ ريقي وأحسستُ بكلماتها تضربني من كل جهةٍ تلومني تستحقرني تشمئز مني، ولم لا تفعل ذلك؟ ألستُ من خانها ولبس قناع اللطف وكسبت ثقتها التي لا أستحقها؟ ألستُ من خدعها؟ إذن لماذا أشعر بكل هذا الألم والندم الذي يدمي قلبي وينهشه دون رحمة؟
أنسيتُ كم كانت كاترينا فتاةً تكره من يستغفلها ويكذب عليها بشكلٍ خاص؟
كانت تقول أن يستغفل شخصٌ مجموعةً كاملة أفضل عندي من أن يستغفل شخصًا واحدًا في تلك المجموعة، لأن برأيها الموت مع الجماعة أرحم، وأن يكذب شخصٌ على جميع من حوله هذا يعني أنها صفةٌ متجذرةٌ به، أما إذا كذب على شخصٍ واحد فهذا يعني أنه يختصه وهذا يجعل كاتي حزينة.
أغمضت عينيها بإرهاقٍ والدموع أخذت تلطخ وجهها الحسن بهدوءٍ، كانت تتنهد بألمٍ وهي تنظر إلى كل شيءٍ عدانا، إلى أن خفّ نحيبها واستقرت عقدةٌ في حاجبيها وهي تنظر إلى مدخل الغابة.
كان ذلك المخلوق ينظر إلينا بجوعٍ ولعابه يلطخ الجنان تحته. كيف استطاع تتبعنا؟ ظننتُ أنه غير قادرٍ على استشعار طاقاتنا، كنت مخطئًا!
كان انتباهه موجهًا إلى من تقبع بجانبي، خصوصًا إلى الجرح في بطنها الذي لا يزال يسُكب دمًا بشكلٍ طفيفٍ. نظرتُ إلى داميَان بعدم حيلة، ماذا يجب أن نفعل الآن؟ ما هذه المصيبة التي اعترضت طريق مصائبٍ أكبر؟
قبضت كاترينا على يديها بقوةٍ وهي تدفعها إلى الأرض لتقف، كانت تقبض على شفَتَيْهَا خوفًا من إصدار أيّ نفسٍ وعندما وقفت نظرت إلى الرّبطة التي عقدها داميَان منذ قليل على جرحها و أخذت تنزعها وهي تكزّ على أسنانها بكمد، وأخيرًا أمسكت الخرقة وأخذت تلوّح بها أمام أعين الوحش الذي استحوذ ما بيدها على انتباهه وأخذ يقترب بهداوةٍ كأنه يمتلك وقت العالم بأكمله.
تفطّنت أنا وداميَان على ما تحاول فعله لذا سمحنا لها بالتقدّم إليه وتراجعنا أنا وهو ثم وقفنا متباعدين على نفس الخطّ.
"كرسلوخ، المخلوق الخالد الذي لا يموت، والذي عندما يقتل يتعلّم أساليب قتل قاتله. لا أنوي معاركتكَ أو مصارعتكَ، بل أنوي عقد اتفاقٍ يدور بيننا لتحقق ما تأرب إليه ولأحقق أنا سلامي الخاص. أنا على علمٍ أنك تفقه كل كلمةٍ أنبس بها أيها الثعلب الوحش، لذا أجبني بمأربك."
صدح صوتها قويًّا واثقًا رغم وقفتها المرهقة وظهرها المعقوف ألمًا.
نظر إليها ولمعت إحدى عينيه بلونٍ أحمرَ، إلى أن وصل قبالتها واقترب بفمه يشير إلى الخرقة كأنه يريد أن يعرف ما فائدتها بالنسبة له، نظرت إليه بذقنٍ مرتجفٍ لكنها حاملت على نفسها وأجابته: "إن احتجت مساعدةً في موقفٍ صعبٍ ليس عليك سوى أن تتقفّى رائحة دمائي، وأنا على ثقةٍ بأنك ستجدني، ولا تقلق أنا لا أخلف بوعودي أبدًا."
مال برأسه كأنه يفكر بعرضها ثم لمعت عيناه وتوسعت ابتسامته وامتدّ بفمه يلتقط الخرقة من بين يديها، ثم قام بما فاجئنا جميعًا، مال برأسه نحو رأس كاترينا وبدأ يداعبُه.
أحسستُ بترددها وخوفها وهي تنظر له بريبة، كما لو أنها لم تتوقع هذا الخضوع الكامل، خصوصًا من كائنٍ مثله، لكنها ما لبثت أن انسل ترددها واندثر ومدّت بيديها تداعب فروه المشوه وقالت: "شكرًا لك أيها الثعلب السحري، هل تسمح لنفسك بالذهاب؟"
كانت نبرتها واثقة وهي تأمره بالرحيل عنا فما لبث أن رفع رأسه بهدوءٍ ثم أخذت خطواته بالتراجع وخرج من كثف الأشجار، هذا إلى أن اختفى عن أنظارنا.
"من أين لك بهذه الخبرة والهدوء الغدِيقَيْنِ تجاه هذا الكرسلوخ؟" نظرت كاترينا إلى صاحب السؤال داميَان.
وقالت من تحت أنفاسها: "أمي لوديّة، لا أعرف من أيّ مملكةٍ هي بالتحديد لأنني لم يتسنَ لي الفرصة للعيش معها بشكلٍ كافٍ، لكنها علمتني الكثير من الأشياء ومنها أنواع الثعالب الموجودة في هذه المملكة، فيهراك، نوزاريك، زيفاروث ثم أخيرًا كرسلوخ. لدى أربعتهم ميزاتهم التي تميزهم عن باقي المخلوقات، وللمصادفة كانت أمي قد أعلمتني بكيفية التعامل مع الثعلب كرسلوخ، فهو يقبل عقد الصفقات ويعتبر من يلقي عليه باتفاقٍ مالكه لمدةٍ قصيرةٍ لستُ أعلم مدتها، لهذا أنتم محظوظون بالطبع لوجودي بينكم."
أردتُ إخبارها أنها محقَة وأنني خصّيصًا محظوظٌ بوجودها، لكنني لم أرد الكلام معها بشفافيةٍ فتهرب نفورًا مني ومن انفتاحي معها ناسيًا ما قمتُ به.
نظرَت كاترينا لجرحها بابتسامةٍ، كان الجرح يختفي تدريجيًا بطريقة سحرية، كما لو أن هنالك يدًا سحرية تمسد على الجرح وتطمره. "وهذه إحدى طرق كرسلوخ بقبول الوعد، جرعةٌ كبيرةٌ من السحر المعالج، الذي يشفي الجروح مهما كان عمقها أو تلوثها." قالت والابتسامة ترتمي على وجهها الذي زالت منه كل أجزاء الكمد.
__
"أنا داميَان هادِيس." قال بهدوءٍ ينظر بمقلتيه السماوية إلى ما يجول حوله، تنقبض قبضته كلما أمعن في التركيز فيما حوله، انعقد حاجبيه بحيرة.
ألم يكن مجرد تمثالٍ لا نبضَ فيه ولا روح؟ امتدت يده إلى صدره يقبض عليه لترتعش قبضته عندما شعر بالنبض يضرب يده، قلبه ينبض.
"أنا داميَان هادِيس، أنا داميَان هادِيس."
أخذ يردّد كل ما يتذكره، أو كل ما يخفق عقله من أفكارٍ متشابكةٍ لا يدرك منها شيئًا بعد.
أخذ يمشي مبتعدًا عن المكان الذي كان به نحو مرآةٍ كبيرةٍ توسطت الغرفة المهترئة التي كان محبوسًا بها، وعندما قابلها، رأى نفسه، شعرٌ أسودٌ متفحمٌ ومقلتين زرقاوين تشعان بشرٍّ مطلق.
وعندها أخذ يضرب رأسه بشدةٍ وهو يردّد: "سأقتله، سأقتله، سأقتله."
وعندما سالت دماؤه على الأرض فتح عينيه واقترب من الأرض وجهر: "داميَان غوبران، دماء ملوثة، دماء مباركة، يجب أن تُسال! داميَان غوبران يجب أن يُقتل، سيقتل على يدي! بدمي المبارك من الآلهة سأجعل دمه يهدر على بلده الميت."
أخذ صوته يرتفع شيئًا فشيئًا إلى أن اقترب من باب الغرفة الموصود بالسحر وأخذ يضربه بلا هداوة. وأفكاره تدور حول شيءٍ واحدٍ فقط، دماء داميَان غوبران.
__
أظنّ بأنني محظوظةٌ بمقابلة هذا الوحش فلولاه لما شُفيت جراحي التي أبت الزوال، لكنني أتساءل ولم أظهر هذا التساؤل على ملامحي. ما الذي يفعله كائنٌ وحشيٌّ ككرسلوخ في مكانٍ مكشوفٍ كهذا؟
توجد غابةٌ كثيفة ولا غبار على ذلك، لكنه يعيش في الأحراج والكهوف التي عادةً ما تكون عميقةً جدًا، أيكون هنالك كهفٌ هنا ولم تستطع عيناي رصده؟
أردتُ تجاهل الأمر، وعدم التفكير فيه، وعدم السماح للفضول بأن ينخر سوسه فيّ، لكنني لم أستطع، كما لم يستطع خافقي التوقف عن الارتجاف لهول ما حصل لي عندما وطئت أرض هذه المملكة.
ابتلعتُ ريقي وحوّلتُ بنظري إليهما وقلتُ: "عندما تجدون الفريق كله نادوني." لم أدع لهم وقتًا لقول لا، وسريعًا ما تعمقتُ في الغابة، كانت الأشجار تدندل أغصانًا طريةً صفراء، وفي كل غصنٍ عشرة أوراقٍ حمراء يبلغ طول الواحدة منها ثلاثين سنتيمترًا.
أدركتُ أنني قمتُ بخطأٍ فادحٍ عندما ذهبتُ وحدي، لأنني شعرتُ بهالةٍ قويةٍ تخرج من جذور الأشجار هذه، لكنني هنا، ولا أظن أن عودتي ستفيدني الآن.
هبّ نسيمٌ باردٌ يلامس بدني بثلوجته.
إن لم أكن مخطئةً فليست كل الأشجار هنا سحرية، دون هداوةٍ استشعرت الهالات وركضت لإحدى الشجيرات أتسلقها حتى وصلتُ لقمّتها، فإذا بقرص الشمس ينزل على استحياءٍ من قمّةٍ كان فيها، وبقمرٍ برتقاليٍّ محمرٍّ يتخذ مكانته عنوةً.
لم يحلّ الظلام الدامس كما ظننتُ، بل كان ظلامًا محتملًا يمكنني من خلاله متابعة مسيري دون خوف. قفزتُ من علو الشجرة إلى الأرض متابعةً مسيري، مشيت مسافةً لا بأس بها وإلى الآن لم ألمح جحرًا واحدًا أو كهفًا، وهذا ما كنت واثقة منه.
لم أستدعِ كرسلوخ الذي أصبح الآن وحشي الخاص لأن العقد لم يكتمل حتى الآن، ولا زلت متفاجئةً من تفاعله معي منذ سويعاتٍ بمثل هذه الحميمية!..
أرهفتُ بحفيفٍ خفيفٍ ورائي وبوهجٍ خفيفٍ يلوح من وراء حشائش الغابة، توقفتُ أكتم أنفاسي وأتقدّم حيث الوهج، وعندما قابلته قبضتُ عليه بقوةٍ ثم برفقٍ حذرةً من القبض على كينونته الهشة.
رفعته قبالة وجهي وقبضتُ على نواجذي أحاول كتم صيحة السعادة جرّاء رؤية هذا المخلوق الوهاج.
كانت جنّية متوهجة تسمى سلفاج، لديها شعرٌ برتقاليٌّ ممزوجٌ بالأبيض، تتوهّج أجنحتها السكرية بنصاعةٍ مبهرة. ربّتتُ عليها برفقٍ ثم وضعتها على كتفي، وكما أردتُ تمامًا أنارت لي الطريق ليصبح الليل أقل خطورةً مما كان عليه.
إن كانت معي والأشجار الغير مسحورة حولي، فأظن أنني سأبيت هنا الليلة.
اقتربتُ من شجرةٍ كبيرةٍ وأمسكتُ بالغصن المدندل منها ثم انتقلتُ إلى آخر حتى وجدتُ غصنًا ثخينًا أستطيع الاستلقاء عليه حتى يمضي الظلام وينبلج السنا.
وضعتُ الجنية على معدتي وعقدت يداي خلف رأسي.
لمَ نبست ليليث بتلك الكلمات؟ ولمَ الآن تحديدًا؟ لقد أبقت فاهها مغلقًا حتى ظننتُ أن ليس لديّ شيطانٌ يكمن في داخلي.
تجوّلت بعيناي قاصدةً القمر وخاطبته:
"ألديكَ يا بهيّ الطلة فكرةٌ عن ما يحدث في هذا العالم الواسع؟ ألستَ ترى كل شيء؟ فأنت كبير ووجهكَ يؤنس روح كل مكسور، أفلا تخبرني عن أحاديث العاشقين تحت نوركَ الخافت، أفلا تبوح بأسرارٍ رويت بهمسٍ تحت ناظريك؟ هل لك أن تخبرني بما يحصل معي؟ رغم أن ما حدث معي كان تحت مقلتي الشمس، ولكنني أسأل عسى أنك قد سمعت بعد الثرثرة التي تجري بين الشمس والغيوم غالبًا، أولستَ كذلك؟"
ابتلعتُ ريقي لأرطب حلقي وأغمضتُ عيناي لأنام، إن استطاع النوم أن يجدني ويأخذني معه.
__
"إن كان الموت هو من يلاحقك لنجوتِ... بفضلي."
"شاهدتُكِ كثيرًا وها هو الوقت الذي أظهر فيه، اسمي ليليث."
"أنتِ تسمعينني، هذه بدايةٌ جديدةٌ لعهدٍ جديد."
"ستسمعين صوتًا ينبش دواخلكِ، وستخالينَهُ أنتِ."
"لكنه صوتي، صوتي الذي سيتمازج مع مصالحكِ فأنتِ وأنا، جسدٌ واحد."
"نفسٌ واحدة وروحٌ واحدة، هكذا تنبأ الشيطان الأول."
"الشيطان الأول، سيد الجحيم، هاديس."
"لديه ابنٌ جديد، سنحذر وسأحميكِ، خاطري لعيشٍ أفضل."
__
أزعجتني الحرارة القوية التي شعرتُ بها فجأةً، لذا فتحتُ عيناي.
كان الليل لا يزال قائمًا، وهبوبٌ خفيفٌ لرياحٍ باردةٍ منعشةٍ أعلمني أن الشمس ستظهر من جديد بعد دقائق معدودة، لذا استقمتُ من جلستي ورأيتُ الجنية نائمةً قربي، فتعجبتُ، لمَ لم ترحلْ؟
لكنني على أية حال حملتها ثم قفزتُ من الشجرة، وبدأتُ بالركض.
نبضات قلبي تتنافس فيما بعضها وحرارتي تزيد بارتفاعها، لكنني لم أبطئ سرعتي بل أسرعتُ أكثر حتى لم أعد أشعر بجسدي.
"ليليث، ليليث، ليليث!"
"أين أنتِ عندما أحتاجك!"
أخذتُ اتجاهًا لولبيًا وشعرتُ بسرعته تزيد من خلفي، يا إلهي! تسلقتُ شجرةً بسرعةٍ ثم أصبحتُ أقفز من واحدة إلى أخرى، دون التحقق من مكانه، وعندما لمحتُه تحتي أصبحتُ أزيد من ارتفاعي وأقفز.
قضمتُ على وجنتاي بحيرة، كيف يمكنني الهروب من هذا الفيهراك!
زدتُ من ارتفاعي حتى وصلتُ للقمة، لكن هذا لن يساعدني أبدًا، خصيصًا عندما شعرتُ بشعاع السنا يلامس مكاني، احتل الذعر قلبي، أهكذا سأموت؟ على يد ثعلب سيأكل ظلي ويقتلني في وسط غابةٍ قاتلة!
عندها فقط هدأت أنفاسي وأصبحتُ أراقب الشجر السحري هنا، الفيهراك يموت إذا لمس جلده سحر شجرة بيستيا سيتحول إلى رماد!
لكنني سأموت جرّاء السحر أيضًا!..
"لا لن تفعلي."
سمعتُ الصوت يصدر من داخل عقلي، إنها ليليث! هذه المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها دون تشويش، دون أي حوادث دون أحلام.
"سحر البيستيا لا يؤثر على أبناء أرضها كاترينا، أنتِ نصف لوديّة تذكّري ذلك."
ذلك صحيح! الجينات التي يمتلكها شعب اللّويد تتمازج مع جينات أرضها، كيف لم أنتبه لذلك!
قفزتُ على شجرة بيستيا، وانتشلتُ إحدى فروعها الكهرمانية فلم يصبني شيء، لذا تشجعتُ وأمسكت بفاكهة بيستيا، انتشلتُ قشرها البرتقالي، فلاح إليّ شكلها الأصفر اليابس.
عدتُ إلى الشجرة التي كنتُ عليها، لأقابل تحتي فيهراك وهو يفتح فاهه كأنه يستعد لابتلاعي، أمسكت بالفاكهة بعد أن أمسكت ببذورها الثقيلة ورميتها بيدٍ ماكرةٍ عليه.
رأيتُ جلده يتعفّن ببطءٍ، إلى أن وصل إلى وجهه ثم فجأةً، تفتت وطار مع الرياح التي أصبحت أقوى فجأةً.
وصلتُ إلى الأرض، وقد طغاها سناء الشمس أخيرًا، فركتُ عيناي عدة مراتٍ وعندما فتحتهما نظرتُ إلى كتفي فرأيتُ أن الجنية لا تزال معي، ما خطبها؟ لمَ لا تهرب، أليست تخاف من هذه المخلوقات؟
لاحظتُ أن أجنحتها أصبحت مائلةً إلى السواد أكثر من الأصفر، لكنني لم ألقِ بالًا بل حملتها بيدي: "ألا تريدين الذهاب؟ لقد حلّ الصباح." همستُ بجانب جسدها الصغير، لكنها أمسكت يدي تقبض عليها بلطفٍ، كما لو أنها لا تريد الذهاب.
تنهدتُ بخفوت، إن كانت لا تريد الذهاب فلا بأس. خفق رأسي فجأةً فجلستُ على وجه السرعة وضغطتُ على رأسي بقوة، ثم سمعت صوت معدتي فأخفضتُ رأسي بإحراج.
لا أصدق أنني أحرج أمام جنّية! رفعتُ رأسي ورأيتها تمسك بيدي تشدني بقوة، احتلت الحيرة ملامحي، إلى أن فهمتُ ما تصبو له، هي تريد أن توصلني إلى مكان!
تبعتها عبر طريقٍ مأهولٍ نوعًا ما إلى أن أوصلتني إلى شجرةٍ معينة، وأصبحت تشير إليها بشدة، اقتربتُ من الشجرة أكثر حتى لاحت لي فاكهةٌ أرجوانية داكنة، فقبضتُ عليها أنتشلها من الجذع، مسحتها بيدي وقضمتُ منها.
طعمٌ حامضٌ حلوٌ احتل حاسات ذوقي، فأخذتُ القضمة تلو الأخرى بنهم، شعرتُ بصداعي ينقشع وبمعدتي تمتلئ.
هممتُ بالذهاب، ووضعتُ الجنية على كتفي.
اتبّعتُ الطريق نفسها التي أتيتُ بها، وعندما وصلتُ أخذتُ أتّبع الطريق الأيمن، لأنني شعرتُ بهالةٍ مألوفةٍ تنبعث من هناك.
"إلهي الرحيم، إنها هنا!" سمعتُ صياح موركي حالما لمحتني، وعندما اقتربتُ أكثر رأيتُ أن الجميع موجود، ويبدو على وجوههم التعب والكمد.
"لقد قلقنا عليك كثيرًا، خصوصًا عندما استشعرنا هالةً قوية غير مألوفة منبعثة من الغابة." قالت ديانا بارتياح وقد أصبحت قبالتي. ابتسمتُ بخفوت: "رغم أنه خصمٌ صعب إلا أنني بخير."
"صحيح! أين هم الحراس؟" تساءلتُ عندما لم ألمح أحدًا منهم بالجوار.
قال داميَان وقد بدت نبرته مؤنبة: "لقد انسحبوا فجأة، لأن أمرًا طارئًا قد استعجلهم، وقيل لي أن عليكِ أن تقابلي شخصًا." فرّجتُ عيناي بإدراك، لقد أخبرني ذلك الحارس أنني ملزومةٌ بمقابلة أحدهم!
"ألم يخبرك أين ذلك الشخص أصلًا!"
هتفتُ بعصبية فلاح التوتر على وجهه قبل أن ينفي برأسه باضطرابٍ واضح. إنه يكذب! لكن لمَ؟
بدّدتُ أفكاري بعيدًا لبرهةٍ: "أين نمتم الليلة؟" ردّ عليّ إيليان بإرهاق: "لقد دلّنا الحراس على كوخٍ كبيرٍ، استطعنا النوم به، في الحقيقة كنا لنظل نائمين لو لا قلقنا عليك وهمّتنا للبحث عنك."
يا لهم من شياطين نبلاء! "لنتوجه إليه إذن." نبستُ فرأيتهم بالفعل يمشون باتجاهه، فمشيتُ معهم.
وعندما وصلنا فُتح الباب بغتةً، ليقابلنا جسدٌ غير مألوف لامرأةٍ بلغت من العمر دهرًا، قبضتُ حاجبيّ بحيرةٍ وما كدتُ أنطق بكلمةٍ إلا بها تدنو مني، وكانت الدهشة تأخذ حيزًا من ملامحها إلا أنها استطاعت إخفاءه ببراعة.
"لا بدّ أنك كاترينا، الفتاة التي كانوا يبحثون عنها." كانت نبرة صوتها عفوية تتناغم طبقاتها كلحنٍ موسيقيٍّ رقيق، أخفضتُ جدار الحذر ورددتُ على كلماتها بودٍّ: "هذا صحيح."
"أنا صوفيا، العجوز التي ترعى هذا الكوخ الكبير، ولقد أُمرتُ بالاعتناء بكم، إلى أن تصلوا إلى ممالك اللّيود الكبرى." أومأتُ بخفوتٍ، وبعدها فتحت الباب لنا لندخل.
جلسنا على أريكةٍ دائرية لا حواف لها، فكنا مقابلين لبعضنا ننظر إلى بعضنا بحيرة. وكانت السيدة صوفيا قد خرجت من البيت لابتياع بعض الأغراض من أجل العشاء، وقد قالت أن نتصرّف كما لو أننا بمنزلنا. من يخبِرها أننا ما عهدنا أن نعيش في منزلٍ؟
انتظرتُ أن يتطوّع شخصٌ منهم لبدء حديثٍ ما، ولكن هذا لم يحدث، لذا قررتُ البدء أولًا: "نحن عشرة قرابين، ويجب أن نكون أكثر ليونةٍ مع بعضنا إن أردنا أن نكتشف ما يحصل معنا، سأبدأ أولًا، اسمي كاترينا ليونديس، عشتُ لاثنين وعشرين عامًا، أكملوا على هذا النمط."
"إيليان لفاردِسْ، عمري خمسة وعشرين عامًا."
"آرثر جودوين، عمري أربعة وعشرين عامًا."
"رافين ألفاريز، عمري ثلاثة وعشرين عامًا."
"داميَان غوبران، عمري تسعة وعشرين عامًا."
"موركي سانغريل، عمري ثمانية وعشرين عامًا."
"ديانا أندريا، عمري سبعة وعشرين عامًا."
"سيرينا دارفال، عمري أربعة وعشرين عامًا."
"رايفن درولف، عمري ستة وعشرين عامًا."
"فارينا فايكروس، عمري سبعة وعشرين عامًا."
أنهى الجميع تعريفهم لأنفسهم. إذن نحن خمسة بخمسة.
"ما الذي تودون فعله عندما نصل إلى أراضي اللّويد الكبرى؟" طرحتُ تساؤلي على الجميع، ليجيب عليّ المدعو رايفن بهدوء: "لا أظنّ أننا سنكون أحرارًا داخل نطاق تلك الأراضي لنقرّر ما سنفعله حتى."
"منطقي، لكن ألم تستشعروا ولو لوهلةٍ مدى تهاونهم بالتعامل معنا؟" قالت سيرينا بنبرةٍ مضطربةٍ حائرة: "أنتِ محقة، شعرتُ كما لو أنني زائرٌ وسائحٌ لهذه العوالم، لا قربانَ مرجوّ!" ردّ عليها آرتر يوافق قولها بنبرةٍ مستغربة.
"هنالك شيءٌ كبيرٌ يجري ونحن على جهلٍ به، ولستُ أشكّ بأنه يخصنا كليًّا." نظرتُ إلى المدعوة فارينا التي حملت نبرتها شيئًا من التفكر.
نظرت إليّ ديانا بعمقٍ ثم فرّجت عن فاها تخبرني بشيءٍ كانت قد فطنته لتوها: "لقد قال لنا قائد الحرس أن من ستقابلينه يا كاترينا لن يأتي إليكِ، بل أنتِ من ستذهبين إليه، قال أن مساركِ سيتلاقى معه، هو من سيرشدكِ وأنتِ من ستتجهين."
"إذن لن أحمل نفسي عبء البحث عنه، لقد تعبتُ حقًا." نظر إليّ إيليان بقلقٍ وقد بدى كما لو أنه يفكر بشيءٍ وكانت قد لمعت مقلتيه بلونٍ أصْفرَ ناصع، أو ربما تراءى إليّ الأمر.
"ماذا لو كان فخًا! لمَ قد يريد شخصٌ ما، شخصٌ مجهول، الحديث معك!" نبس موركي بصوتٍ خافت، قلق، ومتعثر، لكنني لم أجبه. أولًا لأنني آثرت الصمت على الحديث مع أمثاله، ثانيًا، لستُ أدري جواب تساؤلاته حتى!
"أظن أن علينا التريث، حالما يحدث الأمر سنعلم ما يُكاد لنا في الظل." وأخيرًا تحدث داميَان ملقيًا كلماته علينا.
الوحيدة التي ظلت صامتةً هي رافين ألفاريز، كانت ملامحها ساكنةً وأفكارها مبعثرة، الهدف الأول الذي أبتغي التحقق منه، أو المشتبه به الأول...
تنهدتُ براحةٍ وأنا أستلقي على السرير، رغم أن عضلاتي تنصهر تحت وطأة التعب إلا أنني أشعر بالأمان الشديد، لسببٍ مجهول.
لقد حلّ الليل مع مجيء السيدة صوفيا، وكانت قد جلبت معها بعض المكونات واختفت في المطبخ إلى أن خرجت حاملةً معها طبقًا كبيرًا وضعته على طاولةٍ قرب مكان جلوسنا، ثم نادتنا لنجلب الملاعق والصحون وأخذت بعدها تغرف لنا، ونحن نأكل بجوع.
قالت لنا أن ما نأكله هو مزيجٌ من الإسبانولا المحمر مع الأعشاب الفيروزية اللامعة، شعرتُ بالطعم يعلق في مخيلتي قبل فمي، كان مزيجًا حارقًا بين اللذوعة والملوحة، مزيجٌ قد راق لحواسي.
وأخيرًا اتجه كلٌّ منا للنوم، وقد كان لكل شخصٍ فينا غرفته الخاصة الفسيحة حقًا.
أغمضتُ عيناي مبتسمةً لشعور التعب الذي استولى على جسدي يرخيه، وأخيرًا شعرتُ بالنوم يحملني بين ذراعيه عاليًا.
لكنني شعرتُ بأنني أتحرك، كما لو أنني لا أملك سلطةً البتةَ على جسدي. كنتُ أصرخ من الداخل وأحاول التوقف لكن جسدي لا يأبه بتوسلاتي. فتحتُ باب الغرفة التي كنتُ فيها وخرجتُ وعقلي ذاب في مكانٍ غير مرئيٍّ لا يُرى ولا يأمر.
أصبحتُ خارج الكوخ وجسدي لا يزال يتحرك من تلقاء نفسه، تابعتُ المشي إلى أن وصلتُ إلى منحدرٍ حادٍّ وبجانبه صخرةٌ كبيرةٌ يقبع شخصٌ عليها لكنني لم أستطع رؤيته.
"آزايل!" صوت ليليث بداخلي ألجمني، وكنتُ أخيرًا قد عدتُ لأسيطر على جسدي. فأعدتُ رأسي إلى ما فوق الصخرة وقلبي لا يتوقف عن طرق الطبول في أذني.
شعرٌ أسودُ فاحمٌ، وبشرةٌ بيضاءُ وأعينٌ دعجاء لونها، إنه هو، البشريّ الشيطان، الشخص الذي استحوذ على جسد داميَان والذي أثار الرعب في قلوب الأباطرة. سقط قلبي، خصوصًا عندما قفز من الصخرة ليقف قبالتي وملامحه تظهر شيئًا من اللين: "أهلًا بكِ في عريني، كما وعدتكِ كاترينا." ثم أمسك بي على غفلةٍ يدفعني نحو الوراء ليوقعني وإياه من فوق المنحدر.
كنتُ أقع من منحدرٍ جبليٍّ وذلك الشيطان يمسك بي إلى أن أفلت وثاقي عندما لامست أقدامنا الأرضَ بقسوة. ابتعدتُ عنه بمسافة آمنة وعقدتُ حاجبيّ أنظر له بتفكر.
"هل أنت هو الشخص الذي كان عليّ مقابلته؟" ارتخت شفتاه بابتسامةٍ وأومأ برأسه بخفوت.
"إذن، ها أنا هنا." نظرتُ إليه، وحاولتُ كبح ذلك الصراخ الذي يصدر من داخلي، على أن الشخص الذي أمامي هو بوسآندري الأبدي، الرفيق والزوج، لم يكن يجدر للشياطين أن يمتلكوا رفقاء، ظننتُ أن الإمبراطورة سيلين قد وضعت هذا الوسم الساخط في مملكتنا بأمرٍ من الإمبراطور زيوس.
"أنتِ هنا..." قال يبعدني عن أفكاري عنوة، بنبرةٍ غير مصدقة تمامًا.
__
قلتُ وأنا أنظر إلى ياقوتتيها اللامعتينِ، بوسآندري، ورفيقتي أمامي، ابتلعتُ ريقي لأبلل حلقي الذي كان قد جفّ فجأةً، أو ربما هو الشعور بالتموجات الحمراء التي تطوف حولنا، فتشبكنا برباطٍ لا ينكسر.
"أنا فِلاد، وهذه المرة الأولى التي أقابلكِ فيها بنفسي الحقيقية، مرحبًا." قلتُ كلماتي ومشيتُ مبتعدًا عنها لأراها تلحقني بمشيةٍ ثابتة.
أعدتُ ناظريّ إلى الأمام وأنا أدخل إلى باب تلك الشجرة. يجب أن لا أطيل النظر إليها، فلستُ معتادًا على الجمال الخالص، لستُ معتادًا على هذه النظرات المندفعة ولا الأعين الياقوتية.
__
السَّلام عليكمْ
ماْ رأيكمْ بالفصلِ وما الذِّي آستنتجتموهُ منْ ما قرأتوه؟
كاترينا؟
فارينَا؟
راييفنْ؟
سيرينَا؟
ديانَا؟
موركِي؟
دامْيان؟
راْفينْ؟
آرتِر؟
إيليان؟
العجوز صوفيا؟
أرجوْ أنْ تعلقواْ بينَ الفقرات💞
أنيروْا سمائي بنجومكم
دمتمْ بحفظْ الرَّحمن.
Raya_writer