_"لا تستطِيعُ فعلَ أي شيء!"
_"أنتَ مجرَّدُ نكِرة، لا فائدَة من وجودِكَ ومن آستهلاككَ الهواءَ الذِّي تستنشقه!
_"لمَا لا تموتُ فقطْ، وتريحُنَا من حملِكَ الثَّقيلِ على قلبِنَا!"
_"أنتَ تتعبُنَا!"
ضرَبتنِي الأصواتُ من كلِّ فوجٍ تستقِرُ في كينونَتِي.
أسمعها داخِلِي فقط، تأخذُ كلَّ جوانِبِ مخيِّلتِي وأفكاْرِي.
لمَن هذَا الصَّوت؟ ومن هوَ من يتلقَى هذِهِ الحمَّمْ من الكلمَات القاتلة؟
حاولتُ فتحَ مقلتَايْ لكنَّنِي لم أفلحْ!
حاولتُ تحريكَ يدايَ، النَّبس ببعض الكلِمَات محاولة الوقوف ولم أنجح!
أحسسْتُ بفراغٍ كبيرٍ يحتَّلُ صدرِي وبسؤالٍ لا جوابَ لهُ.
من أنَا؟ ولما لا يمكنُنِي التَّحرُّك!
_"أنتَ مجرَّدُ مسخٍ لا يمكِنُه رؤية حقيقتَهُ!" كانَ صوتَ آمرأة، كانتْ نبرتُهَا ساخطَةٌ وكأنَّمَا تريْدُ الفتكَ بمنْ تقصِدُ.
سمعتُ صوتَ قهقهاتٍ ساخرةٍ من فاهِ رجلٍ قبلَ أنْ يقولَ "المسخُ هُوَ منْ يقتُلُ آمَالًَا حملتْهَا الرِّياح ،هُوَ من يدمِّر قلبًا آعتادَ اللِّجئَ إليهِ ،هُوَ من ينعتُ النَّاس بألفاظٍ ويرمِي كلامًا بلا أيِّ معنَى ،ألفاظًا تناسبُهُ هوَ أكثرَ من غيرِه. أليس كذلك يا أمَّاه؟ ألَا تريْنَ نفسَكِ تجسيْدًا لهذِهِ الكلمَات ومثلًا يضربُ بِهَا؟ ألَا تدرِكيْنَ للحظَةٍ أنَّنِي لا أكنُّ ذرَّة حقدٍ لكِ، وكلُّ ما يجوْل في داخِلي تجاهَكِ هو الشَّفقة لا غير؟ شفقَةً علَى إنسانٍ لا يمكنُهُ رؤيةَ حقيقَتَه العاريَّة من أيِّ تصنُّع. لا يمكِنُه النَّظَر إلَى المِرآةِ ليرَى وجههُ المشرَّبِ بالخبثِ والشَّر. يرَى نفسَهُ ضحيَّةً مسكينَةً لا تستَطِيعُ الإتيانَ بكلمَةٍ ومع ذلكَ لا بأسَ عندهَا إنْ شتمت بأحقرِ العباراتِ وأكثرهَا تجسيدًا لنفسهَا."
_"أيُّهَا العاْقْ! كيفَ تجرؤ على الإتيَانِ بهذهِ الكلمَاتِ عليَّ! أنَا أمُّكَ!"
_"لنْ أختارَ أن أكونَ إبنَكِ أبدًا إنْ صحَّ لِي الآختِيار"
سمعتُ صوتَ خطواتٍ تتقَّدم منِّي إلَى أنْ أحسستُ بأيدٍ دافئَةٍ تحيطُ خصرِي وترفعنِي إلَى أنْ توسدْتُ حضنَهُ، يمسكُ بيدَايَ يرميهِمَا خلفَ رقبتِهِ ويمشِي بيْ ببطءٍ.
يتمُّ حملِي من قبلِ شخصٍ لا أعرفُهُ.
أعيشُ في جسدٍ لا يتحرَّكُ، أحاوِلُ البحثُ بين ذكرياتِي المشوشة عن حقيقتِي ومن أكونُهُ.
لا أتذكَّرُ من أنَا ،لكنَّنِي أشعُرُ بالطِّمأنينَةِ تنسابُ علىْ قلبِي تهدِّأُ من روعِي.
شعرتُ بشفتَاهُ تستَقِّرُ علَى جبينِي، تجعَلُ الحرارَةَ تتدَّفقُ فينِي.
لا شكَّ أنَّ وجنتيَّ بلونِ الحممِ البركانِيَّة الآن.
يصبَحَ الجوُّ حارًا، رغمَ أنَنِّي لا أرتدِي ثيابًا ثقيلة عليّْ.
عندَمَا فصلَ شفتيهِ عنِّي آستطعتُ فتحَ مقلتَايَ لكنِّي لمْ أرَهُ.
بل رأيتُ شخصًا ذوْ شعرٍ أسوَد قاتِم وأعينٌ قرمزيَّة قانيَّة يضرُبُ وجنتَيَّ بخفَّة وينَادِي بإسمٍ مألوف.
_"كاترينا! هيَّا آفتحِي عينيْكِ جيِّدًا"
كاترِينَا؟ شعرْتُ بالضَّبابِ حولِي ينقشِعُ وبذاكرَتِي تتزاحمُ بذكرياتٍ قديمَة.
كاترِينَا هوَ أِسمِي، ذو الشَّعر الغرابِيُّ الذِّي يقفُ أمامِي هو مورْكِي، إلى أنَّه ليسَ غرابِيًّا حقًا.
آنشرَحَ صدرُه يبتسِمُ لِي بخفوتْ "أخيرًا آستيقظَتِ الأميرة" قالَها بارتياحٍ وهو يطبطبُ على وجنتيَّ بنبلٍ.
_"أنتِ بخيرٍ الآن، كاتي؟" شعرتُ بلمحةِ قلقٍ تتسرَّب منهُ فابتسمْتُ له أومئُ له بإرهاق.
_"أنَا بخير" صدَر صوتِي ضعِيفًا ومُرهقًا من قعر حلقِي كأنَّنِي كنتُ في سباتٍ لأعوامَ عدَّة.
أمسَكَ بيدِي يوقفنِي ويجعلُنِي أستندُ على جسَدِهِ كيْ لاْ أقعْ.
أحسسْتُ بالرَّجفة تسكُنُ جسدِي، فأخذتُ شهيقًا تلاهُ زفيرًا مراتٍ متتاليَّة.
شهيق زفير.
أغمضتُ عينَايَ وأحسَسْتُ بالغضَبِ يشعُّ من عينَايَّ، آلتفتْتُ إلَى موركِي وقدْ دُبَّ فينِي بطاقةٍ لا علمَ لِي من أينَ أتَتْ، لكنَّنِي آمتصصتُهَا أجعلُ جسدِي كلَّه يتجرعْهَا بسخاءٍ، شعرتُ بالدَّهشَةِ تصدر منهُ وهوَ ينظُرُ لِي بذهول.
_"عينيْكِ ياْ كَاتِي إنَّهمَا قرمزيّتان!" نظَرتُ لهُ بآستهزَاءِ، ما الذِّي يقوله؟
_"ما الذِّي تقصد_!" رأيتُ يدَاهِ تتشحانِ ببعضهمَا البعْض قبل أن يفرقهمَا مظهِرًا كريستالًا أزرقَ يشبِهُ المرآة وأعطانِي إيَّاه.
_"يا إلهي !" كانَ كلامَه صحيحًا لقدْ كانتْ مقلتَايْ تتوهجَانِ بلونٍ أحمرَ مشِّعٍ.
لجمَتُ من الصَّدمة.
_"هل تعرِفُ ماْ هوَ الشَّيء الذِّي جعلنِي أغيبُ عن الوعي، ولمَا مقلتَايَ تتوهجاْنِ بلونِ القرمزِيِّ بحقّ خالق الجحيم!
_"لقدْ لمستِي عن طريق الخطأ كروغِي السِّحر الخاص بالفيدْمِي ،هذَا ما جعلَكِ تغيبينَ عن الوعْيِ لثوانٍ معدودة، أمَّا بالنِّسبة للون عينيكِ فصدقينِي لستُ أدرِي"
ثوانٍ معدودَة؟ رفعتُ حاجبايَ بعدم تصديقْ،أنَا بالتَّأكيدِ لمْ أعِش ذلك الحلمْ على أنَّه حقيقة لثوانٍ فقط
لقدْ شعرتُ بِهِ لسَاعاتٍ.
ويا إلهي عندَمَا لامَس ثغرهُ جبِيني بقبلَةٍ حنونَةٍ أحسَستُ بالأرضِ تنصهِرُ من تحتِي وبمشاعِرِي تطفحُ على السَّطح. شعرتُ بالتَّلامُس بينِي وبينَه يمحِي كلَّ وجعٍ وألمٍ بِي ويزهِرُ دَاخِل صدرِي رياضٍ من الحدائِقِ المورِدة بشتَى أنواعُ الوروْدِ وألوانِهَا التِّي تسلُبُ الفؤاْدَ علَى حينِ غفلَةٍ.
كانتْ مثلَ جرعَةِ حياةٍ لشخْصٍ آعتادَ الموتَ في حياتِهِ، مثلَ قدحٍ من المَاءِ البارِدِ لرجلٍ أنهكَهُ العطشُ وأرهقه، كانت بالنِّسبة لِي دواءٌ يمسِدُ علَى روْحِي ويحنو عليْهَا.
ياْ لهُ من حلمٍ غريبْ، وجميل. سأشكُرُ كلَّ فيدْمِي تمرُّ عينَايَ عليهَا منَ الآنِ وصاعِدًا.
_"ما باْل تلكَ الإبتسامُة التِّي تتوسَّدُ شفاهَكِ أيتُهَا الشَّيطانَة الحدِقة؟" اندثرتْ فقاعَةُ حلُمِي عندَمَا سمعتُ ما قالَهُ موركِي، نظَرتُ إليْهِ وأنَا أعاوِدُ طمسَ ما تسرَّبَ من مشاعِرِي التِّي أزهرَتْ منذ لحظاتٍ فقط.
آسفة يا عزيزَتِي لكن ما باليَدِ حيلة.
_"لا شيء يذكَر يا مورك. وهل تعلَمُ سببَ وضعِ الفيدمِي لكروغِي فِي سيرِت نيْفرا؟" كنتُ أحاوِل التَّهرُّب من سؤالِه ولأنَّنِي أشعُرُ بالفضول، وأشكُّ أنَّ موركِي لا يدْرِي، إنَّه أذُنِ مملكَةِ آلاد أغون التِّي تسمعُ كلَّ شيء.
حرَّكَ رأسَهُ بتفكِيرٍ ثمَّ قال"ربَّمَا أكونُ سمعتُ عن طريقِ الخطأِ طبعًا،نقاشًا بينَ أباطرَةِ عالمِنَا،وربَّمَا سمِعتُ عنْ طريقِ الصُّدفةِ كوفِيتْ وهوَ يحادِثُ أفاريْس
عنْ أباطِرة اللُّويد اللَّذِينَ تمادُوا بأوامرهِمْ حتَّى وصلتْ إلَى سيرِتْ نيفْرَا،وأمروا الفيدمِي بصنعِ دوائِر سحرٍ قويَّة سميَّت بالكورغِي نسبةً إلَى أصل أباطرة اللُّويد (بلاد الإغريق)،لكنْ سببَ الوضعِ لا أعرِفه،وهذَا يزعجنِي إنَّ مهاراتِي في تراجع هل حقًا بدأتُ أشيخ؟"
_"لا تقلقْ لا تزالُ في الثَّامنة والعشرينَ من عمرِك،إلَّا إذا كانتْ خلايَا مخِّكَ قد قررَّت أنَّ هذَا هوَ الوقتُ المناسِب للتَّقاعد"
لاْ أصَّدق أنَّه يقول شيئًا كهذَا.
موركِ ليسَ مجرًّد شيطانٍ كانَ مسجونًا بالسَّابق لكنَّه صاحِبُ أقوى حاسة سمعٍ في الممْلكَةِ بأسرِهَا وأنَا لا أمْزَح!
كلُّ ما كانَ يريْدُ الأباطِرَةَ سماعَهُ كانَ يروَى بآذانِهمْ من ثغرِهِ،كلُّ معلومةٍ عن الأعداءِ،الأشخاص،حتَّى المدنيِّين من الشَّياطِين.
يمكنُكَ التَّأشيْرُ عَلَى أيِّ غروسكَا في الشَّارع وسيخبرُكَ بتاريخِهَا كامِلًا وكم لديهَا من الأولادِ ومنْ هم أجدادُها.
إلى أنْ آرتكَبَ غلطَةً كلّفته الكثيرُ عندمَا أكتشفوا فيْ أحدِ المرَّآت أنَّه يفشَي بمعلومات منهم إلى الأعداء وتمَّ كشفُ ذلك من خلالِ جاسوسٍ كانَ يتربَّص بِهِ بأمرٍ منَ الإمبراطور كوفِيتْ،لأنَّه شعر أنَّ تحرُّكات موركِي فيْ الفترة الأخيرة صارت مريبةً.
وآنتهَى بِهِ الأمْرُ في السِّجنِ البلَّورِيِّ،ولا أعرِف كيفَ خرجَ حقًا لكنَّها بالتَّأكيد قصةٌ شيِّقة سأحبُّ سماعهاْ في ماْ بعد.
_"إنَّهما الإمبراطور كوفيت والإمبراطور أفارِيس،أحفظ هذَا رجاءً فأنتَ لا تزاْلُ في جسَد ماركوْس"
بالطَّبعِ يجبْ أنْ ينتبِه إلَى ما يقولُه،عدمْ قولِ الأباطرة قبلَ ذكر أسمهم سيعرِّضك لسجنٍ في الواحةِ الزَّمنيَّة الصَّفراء،وبحالة موركِي سيكوْنُ العقابُ أقسى رجعةً لأنَّه قد سجنَ سابقًا.
رغمَ أنَّه متخذٌ جسدَ الأفيستر ماركوْس إلا أنَّه معرَّضٌ للكشفِ فيْ أيِّ لحظَة،بالطَّبعِ سيلاحظُونَ إختفاء الأفيستر المسؤول الأوَّل عن السُّجناء الأخطر عن ساحةِ المدعوِّين في حفلِ الأباطرة السَّنويّْ.
وسيدُّبُ الشَّكُ في أفئدتهِم إلَى أن يقرروْا معرفَة المكان الأخير الذِّي شوهِد فيه،والذِّي يكونُ السِّجنِ البلَّوريّْ رقمُ ثلاثة،والتِّي تقبعُ بداخِلِهِ الآن على ظنِّي جثَّةٌ مسلوخةٌ عن جلْدِها،وبجانبها أكوامٌ من العظامِ والجلدِ المتعفِّن.
علمْتُ هذَا عندَمَا كنتُ في السِّجنِ،لأنَّني سمعْتُ خبرَ مجيئ الأفيستر ماركوس للسِّجنِ البلَّوريّْ ليسمِع السَّجين بعقوبتهِ التِّي ستقعْ عليه،بعدَ أن آكتشفَ الغوسبِد المزيْد من الجنايَات التِّي قامَ بِهَا،فيُحكَم عليهِ بقشطِ لحمِهِ وتليينَ عظامِهِ وهوَ داخِل قدرٍ من البلَّور السَّامْ الذِّي يسمَّى بالسُّميرت.
لأنَّه ينتَشِلُ أيَّ قدرٍ من القوى المعالجَة في جسدِ السَّجين،فيشعُرُ المحكومُ عليْهِ بكلِّ ذرَّةِ كمدٍ فيْ باطِنِه،بانصهارِ الجلْدِ عنهُ وببقاءِ اللحمِ عليْهِ فقطْ،لحمٌ مشوِيّْ إن صحَّ التَّعبير.
يشعُرُ بتآكُل روحَهُ من شدَّة الوجعِ،وباندثارِ شخصِهِ فيهِ وليسَ بيدِه سوى النَّحيب والرَّثاء علَى نفسِه لأنَّ لا أحدَ سيفعَل.
وبمَا أنَّ موركِي ساكِنَ الزنزانة البلّورية هنَا، يمكِننِي آستنتاج صاحب الجثة القابعة بداخِله،جثَّة الأفيستر ماركوْس.
لتقاسِي روحَهُ الويْلَاتِ فِي قعرِ السَّعير.
سعيدَةٌ لأنِّي أعلَمُ أنَّ هذَا هوَ ما قاساهُ من عذابٍ وويلاتٍ تشفِي الغليلَ وتداويْهِ.
_"كلامُكِ بِهِ شيءٌ من المنطِق،ولكن هل تستهينينَ بقدرتِي علَى قتلهِم واحدًا واحدًا،أنتِ لا تعلمِين أنَّنِي تقصدْتُ كشفَ نفسِي.هل ظنَنتِ أنَّنِي لنْ أكْشفَ أنَّ هنالِكَ صعلوق واهنٌ يلاحقنِي؟إنَّه مكشوفٌ مثلَ سفيتْ التِّي تنيرُ سمائنَا نهارًا"نظَر إليَّ بتجهُّم يلوِي بفمهِ بعدمِ آستسغاء كأنَّه لا يصدق أنَّنِي لم ألاحظْ أنَّ ما قيلَ ليسَ سوىْ خدعةٌ ذكيَّةٌ منه.
نظرْتُ لهُ بحنقٍ وتنهدتُ بثقْلٍ قبلَ أن أجيبهُ"أنَا أعرفُ بالفعْلِ أنَّها مجرَّد خدعة،أنَا أتسائلُ عن سببِ قيامكَ بها؟لما تسبّب لنفسكَ هذهِ المتاعِب،ما المغزى من كلِّ ما تفعله؟"
تلاقَ حاجبيهُ بتجعيدَةٍ منزعجة،يبدو أنَّه لا يريْدُ التَّحدث عن الأمر.
لمَا يذكُر الأمر إنْ كانَ لا يريْد إكمَال ما بدأ به؟
صررتُ علَى سنونِي أطحنهَا ضدَّ بعض.ما الذِّي سيمنعُ فضولِي من النَّخرِ في لُبِّي؟
_"تبًا لكْ"كانَ ذلك ما نبستُ بِهِ أخيرًا بعدَ أن تركتُ جانبهُ أمشيْ باتجاهِ جانبِ السَّاحة الذِّي يقعُ يمينَهَا،أنظُرُ إلَى الأبوابِ الأَربعة التِّي تقعُ علَى مقدرةِ مقلتايَ للرئيّة.
_"مير،بيوسليَدنِي،فيداؤوشتِي،رازني"
سمعتُ صوتَ موركِي وخطاهُ قدْ حطَّت في جانبي.آلتفتتُ بوجهِي نحوَه بعدَم فهم،ما الذِّي قالهُ للتَوِّه؟
"ياْ لهَا من تعابير!"قالَهَا ويدَهُ تحطُّ علَى رأسِي يبعثرُ شعرِي.صفعْتُ يدَهُ أزيحهَا عن شعرِي بانزعاجْ،أكرَهُ أيْ تلامُسْ يحطُّ علَى أيِّ جزءٍ منِّي.
"ضع يدكَ عليَّ لمثلِ هذَا الغرَضِ وسأقطعهاْ"آنكمشتْ ملامحهُ بخفوتٍ عندمَا أدركَ أنَّنِي لا أمزحْ.
تحمحمَ ونبسَ بخفوتٍ بعدَ أنْ وضعَ يدَه على جانبهِ وعادَت الملامِحُ المستمتعةِ تتوسَّد وجههُ بإيرامٍ"إنَّها أسماءُ الأبوابِ الأربعة،لأبعادِ المملكة الأربعَةِ"
نظرتُ إليهَا بآستهزاء "ألمْ يجدوا أسماءَ أفضل من هذِه؟دعنِي أحزر،الكالدنِي همْ من وضعوا الإسم؟لأنّهم من الواضحِ لِي أنَّهم يحبُّونَ الأسماء الطَّويلة الّتي لا تملكُ معنىْ،روسيّين بامتياز"
_"هل تسخرينَ من الأدباء الرُّوسيّينَ الآن؟" قالَ بعدمِ تصديقٍ كأنَّه مندهِشٌ من ما أنبس به.
_"حاشَى،لكنَّنِي لا أحبُّ الرُّتوش الغريبة والغير مفهومة الذِّي يضعونها في رواياتهم وسحرهم أيضًا"
_"أنتِ روسيَّة يا كاترينَا!" قالَ بصرامةٍ وهو يذكِّرنِي بأصلِي.
_"من أمّْ لودِيَّة" قلتُ أصحِّح لهُ ما قالَه.
ليسَ الأمرُ وكأنَّنِي أكره الرَّوسيّين،أنا أحبهم حقًا من أنسهم إلَى جنِّهم،لكنَّني مجرَّد ناقدة.
_"أكمل لِي ما هوَ بعدُ المملكة الرَّابع؟ألم يكونوْا ثلاثة فقط؟" قلتُ بتوترٍ وآرتباكْ،أنَا فقط خائفة من أن ألجمَ للمرّة المئة اليوم.
_"بلى،لكنَّ عالمُنَا لمْ يعُد من عوالِمْ الأرض السَّبع،كيف أصوغُهَا لكِ...لقدْ تغيَّر الكثير"آستبحتُ الصَّمتَ ملاذًا لِي،وهوَ يكمِلُ حديثَه بعدَ أن إختفى كلُّ أثرٍ للمرحِ والخبث في نبرته التِّي سادَت عليهَا الجديَّة.
_"لقدْ ترقينَاْ في مستوانَا للغاية،لمْ نعدْ مجرَّد (أونِي) كمَا كانَ يلقبنَا سكَّان عوالِم السَّماوات السَّبع وأباطرتِهمْ رغمَ الفساْدِ المنتشرِ لدينا،تمكَّن الغوسبود من تنميَّة مكانةِ عالمِنَا عنْ طريقِ الإعلانِ عن المخلوقاتِ القويَّة فيهِ،أي نحنُ الشَّياطين.لمْ نعدْ مجرَّد وحوْشٍ غيرْ عاقلةٍ تشتهِي تلويثَ العالَمِ بالدِّماء،لقد أصبحنَا أكثرَ حضارةً وتطورًا،أصبحْنَا أقوياءْ معْ فكرٍ دهِيّْ،مع تطوُّر نسلُ الشَّياطينْ غير العاقلينْ وتسَاوِيْنَا كلُّنَا من ناحيَّة العقل.لكنَّهم ليسوْا وحدهمْ من تطوَّروا،فنحنُ تطوَّرنَا أيضًا،نحنُ القرابين؛ستلاحظينَ في ما بعدٍ أنَّ سمعكِ ونظرُكِ وذكائكِ آزدادُوا أضعافًا مضاعفة،وبقدْرَةٍ فريدةٍ ستصنعينهَا وتتحكَّمينَ بهَا كمَا تشائِين،وقلتُ في ما بعدْ لأنَّ قواكِ لا تزَالُ تتأقلَّم وتتعرَّف على روحِكِ من جديد"
إذًا،لقدْ تطوَّر عالمِي الذِّي أعيشُ فيهِ دونَ أنْ أدرِكَ حتَّى.
لا أعلَم هل أبكِي أو أضحكْ على فكرَةِ أنَّنِي سجنتُ وغابَتْ عنِّي أحاديثُ الدُّنيا وما عليْهَا،هلْ أرثيْ نفسِي علَى فقدانِي توقيتِي؟هَل أدثرُ نفسِي بترابِ الحزنِ والأسى؟أوْ أنَّنِي سأكتفِي بابتلاعِ الألَمِ جرعاتٍ متتاليَّةٍ حتَّى يصبِحَ المرُّ حلوًا وأعتاد؟وهَل سأعتاْدُ حقًا؟لن تتمزَّق حنجُرتِي بصرخةِ قهرٍ؟هل سأتمكَّنُ من أبتِلَاعِ شكواْيَ في داخِلِي إلَى أنْ تنفجِرَ بصوتٍ مزَلزِلٍ لنْ يسمعهُ أحدٌ سوايَ،ولنْ يتأذى منْ شظايَاهُ إلَّا أنَا؟
بلَّلتُ شفتاْيَ برِيقِي وابتَلعتُ غصةً تخنقنِي إلى قعرِي "وكيفَ يكُونُ البعدُ الرَّابعِ يا موركِي؟"حاولتُ رفعَ صوتِي بمستوى طبيعِيّْ لكَيّْ لا تظهَرُ أيَّة غصةٍ على غفلَةٍ منِّي.
_"هل تريدِيننِي أنْ أرِيكِ؟"احتلَّتُ الحيرَة ملامِحِي،ما الذِّي يقصدُه؟
_"نعم"وافقتُ لأرَى ما يملكُ في جعبتِه.
أغمَضَ عينَاهُ وآقتربَ منَ الأرضِ باسِطًا يدَيْهِ عليهَا،بدَأَ يمسِدُهَا علَى شكْلِ دائِرة،آقتربْتُ منهُ أكثَر أمعِنُ النَّظَرَ إليهِ وإلَى ما يفعله،فرَّجتْ عينَيهِ على وسعهَا وقد أحاطهاْ وهجٌ أحمرَ فاتِنٍ،بدَأ يمسِدُ على الأرضِ بسرعَةٍ لذَا نقلتُ ببصرِي إليهَا وصعقتُ ممَّا أرَى...
كنْتُ أنَا والكالدُونِي آرتِر نتقاتَلُ بحماويَّةٍ داْخِلَ هذِهِ الشاشَّة المدوَّرة،كانَ هذَا منذُ ساعاتْ!كانَتِ الرَّؤيَةُ تأتِي من جانِبِ الزِّنزانَةِ الأيسرْ حيثُ كانَ يقفُ موركِي!نظَرتُ إليهِ وقدْ ألجمَ لسَانِي عن النُّطقِ من الصَّدمَةِ فلمعتْ عيناهُ باستمتَاعٍ وابتسَمَ لِي بخبث.
_"لمْ أقلْ أنَّ مملكَتنَا وحدَهَا من تستَطِيعُ إنشاء بعدٍ رابعٍ لها.آكتشفتُ أنَّنِي أستطيْعُ البحثَ في ذكرايَاتِي ونقلُ ما أتذكَرهُ إلَى أرضِ الواقِعِ بكلِّ دقَّة،ما رأيكِ بهذهِ المهارَةِ يا كاتِي؟"
لا زلتُ أنظُرُ لهُ بدهشَة،قبلَ أنْ أطلِقَ العنانَ لشفاهِي بالحديثِ بمَا لجمهَا "هذَا مدهِشْ يا مورْكِ!لقدْ عشتُ كفايَّةً لأرَى هذِهِ المهارَةَ بأمِّ عينايَ"خرجَ صوتِي غريبًا متأججًا بعواطِفَ مريبة لم أدرِكْهَا.
وضعَ يدَهُ علَى الأَرضِ يلمِسُ الدَّائرة،ليندثِرْ ذلكَ المشهَدُ ويتطايَرُ مع الهواءِ كالرَّمادِ.
_"أنَا...هل سأحصُلُ علَى هبةٍ أنَا أيضًا؟"كانَ جسدِي ساخنًا وأنَا أحاول طمْسَ شعورِ الحسَدِ والغيرةِ في داخِلِي.
_"من يدْرِي؟"رفعَ كتفيهِ بعدمِ يقينٍ وهوَ ينظُرُ إليَّ.
لمْ أستغسْ ذلكَ الطَّعمُ المرُّ فيْ فمِي،كانَتْ الغيرة تستحوذ عليَّ
كاْنَ أذُنُ الأباطرةِ في ما قبلُ،وعندَما ارتكبَ خطئًا لا يغتفرُ سجنَ لفترةٍ قصيرة،وتمكَّنَ من الهرَبِ بمفردِهِ وحصلَ علَى مهارةٍ أيضًا!
لمَا يحصُلُ علَى هذهِ الميِّزات؟ولمَا يعرفُ كلَّ شيءٍ بينمَا لمْ أكُنْ أعرِفُ التَّقويمَ السَّنويْ حتَّى!
بمَا يفضَّلوهُ عليَّ؟هل لأنَّه الأدهَى؟الأذكَى؟الأقوَى؟
لطَالَمَا كانَ موركِيْ علَى لسانِ كلُّ جنِّيٍ،كانَ الأفضَلُ دومًا حتَّى بعدَ دخولِهِ السِّجنِ،لا يزالونَ يفضلونَهُ ويرعونهُ،بينمَا يعاملونَنِي كأنَّنِي طفرةٌ خرجَتْ من رحمِ مسخٍ وكتَبتْ عليهِمِ العذَاب،لمَا آختارتْهُ الفيدمِي لتمزُجَ سحرهَا معْ قوَّة الشَّياطِينَ ليكُونَ هوَ المحظوظُ الذِّي سيظفَرُ بِهَا.
هَلْ أنَا حقًا لا شيء؟أعنِي أنَّنِي أتنفَّس وأتألَّم وأفكِّر لذَا أنَا موجودة.لكِن هل قيمَتِي سترتفِعُ؟
يوجَدُ الأفقَ والسَّهْلَ والقاعْ،لم أكُنْ موجودةٌ في نطاقهِم قط،كنْتُ دائِمًا ظلًا لظلِّ شخْصٍ مَا،كانَ ظلِّي يتدارَىْ بِي لأنَّنِي شفافَةٌ أكثَرَ منهُ،كلُّ شيءٍ يستطِيعُ المرُورَ مِنْ خلالِي،لكنَّك لن تستطِيعَ رؤيَةَ دَاخِلي أيضًا،لأنَّنِي أعكِسُ ما لدَيكَ ومَا تملكهْ،أصبحُ مرآةً عندَمَا يقابلنِي شخصٌ،فأصبحَ هُوَ ومَا يحبُّه،لذَا الآنْ سأصنعُ قالِبَ مورْكِي وأتجسدَهُ،هذَا سيسهِّلُ آختفاءِ تلكَ المشاعِرِ المزعجَةِ منِّي،لقدْ نسيتُ مَاهيَّتِي عندمَا كنتُ في زنزانَةٍ قطرهَا مترينِ،لكنَّنِي سأعودُ كمَا كنتُ،سأنَالُ رضىْ موركِي ثمَّ رضىْ كلُّ شخصٍ يقابلُنِي.
هُوَ الأفضلْ لذَا يجبْ أنْ أكونَ آنعكاْسًا لشَخْصِهِ.
_"مَا هذا الذِّي أفكِّر به!"نبسْتُ بصدمَةٍ عندَمَا آستفقتُ منْ تصنُّمِي ومنْ أفكَارِي الغريبَة هذهْ.
_"ما بكِ؟وما الذِّي تفكِّرينَ بهْ؟"نبسَ موركِي بصوتٍ متسائِلٍ وهوَ ينظُرُ لِي بتعجُّب.
_"شعرتُ بالغيرة من ما تمتلكُه ومن كمِ الفوائِد العائدةِ إليكَ"قلتُ بمَا لدَيَّ بكلِّ شفافيَّة ليسَ وكأنَّنِي سأخافُ البوحَ بمَا يجولُ في خاطِري.
_"لا هذَا لَيسَ فقطْ ما جاْلَ فيكِ يا كاترينَا،بوحِي بمَا لديكِ" أنظُرُوا لهذَا المتغطرِس،ألَمْ أطلبْ منهُ قولَ ما في جعبتهِ عنِ السَّبب الذِّي جعلهُ يسجِنُ نفسَهُ،وهو رفض؟وهوَ لا يطْلُبْ بل يأمُرْ،يا للثقَةِ.
_"أفكارٌ عن العدَمِ والوجوْد،وعنْ اقتناءِ شخصيَّة من يقابلُنِي" آرتفَع حاجبيهِ بإدراكٍ وهمهمَ متفهِمًا.
_"هذِهِ شخصيتُكِ كاترينَا آرتداءُ شخْصَ أعدائِكِ لتصبح قالبًا واحدًا،لا بدَّ أنَّ أثرَ الكروْغِي لمْ يذهَبْ بعد،هِيَ تأثِّرُ نفسِيًّا عَلىْ قوالِبِ الشَّخصياتِ وتعكِسهَا،لقدْ سمعتِ صوتًا في داخِلكِ ظننتِ أنَّهُ أنتِ يمْلِي عليْكِ بمَا يجِبُ فعلهْ،أليسَ كذلك؟"
_"صحيح.هذَا الكروغِي يصبِحُ أخطَرَ وأخطَر،ولا أعلمُ إنْ كانَ الشَّيء هذا يصبُّ في مصلحَتنَا أوْ لا." غيَّرت خططِي لن أشكر أيَّ فيدمي بعد الآن،لا زلتُ لا أستوعِبُ ما هوَ كروغِي بالضَّبطِ لكِن يجِبُ عليَّ التَّعايشَ معْ فكرةِ أنَّهُ أصبحَ أساسًا يجِبُ أن أدْركَهُ.
_"هلْ لكَ علمٌ علَى الوقتِ الذِي تتوقفُ فيهِ تلكَ الأصواتِ عنِ اللَّهوِ فيْ فكْرِي،لا أريدُ أنْ أصابَ بفصامِ الشَّخصيَّةِ "
يمكِنُ حقًا للإنسانِ أنْ يخشَى نفسَهُ ومكنونَهَا،إلَا أنِّي لستُ أخشاهَا حقًا،أنَا فقطْ مرتابة.
_"لمستِ دائرةَ السِّحر لأقلَّ من ثانيَّة لا أظنُّ أنَّ تلكَ الأفكارُ ستعوْدُ علَى قالبٍ ليستْ بِهِ" قالبٍ ليسَتْ بهِ،يا لهُ من كلامٍ حكيمْ.
_"نحنُ لمْ نعلَمْ إلَى الآن السَّببَ الذِّي جعَلَ دامْيَان يرشِدُنَا إلَى هُنَا"قلتُ متذكِّرةً سَببَ وجودِنَا هنَا في الأصلِ.
_"ألا تريدينَ معرفَةَ ما يقبعُ وراءَ الأبوابُ الأربعة الأخرى أولًا؟" قالَ وهوَ يشيْرُ إلَى الأبوابِ الأربعَة علَى الجانِبِ اليسارِيِّ لسيرِتْ نفرا.
_"لما لا" قلتُ وأخذتُ أمشِي اتجاهَهَا معْ موركِي.
عندَمَا يراهَا المرءُ سيظنُّ أنَّهَا لا تختَلِفُ بشيءٍ عنْ أبوابِ الأبعادِ،لكنَّهُم مخطئونْ،سيلاحِظُ أيَّ شخصٍ ذو نظَرٍ حاد الفرقَ بتدَرُّجات الألوانِ بينهمْ،وبالنَّحتِ الموجودِ عليهِمْ،وبالطَّاقةِ المختلفَةِ فيهِم كأنَّهَا مسرى الدَّم في العروْق،عندَمَا أصبحْنَا أمامَهمْ توقفتُ وتابَعَ موركِي المشيَ حتَّى لمَسَ الباْبَ الأوَّل في الجهَة الشَّماليَّة.
لحسْنِ حظِّي أنَا أعرِفُ هذِهِ الأبوَابَ عَلى الأقلّْ،كانَت أبوابُ بريمْشِين،وهِيَ أبوابُ نقلٍ عاليَّةَ القُدرةِ.
أستطِيعُ تخيُّلُ المكانِ الذِّي سأذهَبُ إليهِ وهِيَ ستوصلُنِي إليهِ بكلِّ سهولَة،إنَّهَا تشبِهُ درَجَ روفكَا لكنَّها مربوطَةٌ بصلاحيَّاتَ ومزايَا أكثَر ،حيثُ أنَّ سلطتِها تصِلُ إلَى النَّقلِ إلَى كامِلِ المملكَةِ.عكْسَ درجِ روفكَا المحصورِ داخِل عرِينِ الأباطِرةِ فقَطْ،(وأعنِي بذلك السِّجن أيضًا).
لم تختَلِف الأبوابُ قطّْ،كانَت تتوهَّجُ بلونٍ أصفَر خفيفٍ مائلٌ للشَّفافِ،لكِن عكْس بوابات الأبعادْ التِّي تمتلِكُ أسماءُ خاصَّة بِهَا،كاْنتْ أبوابُ بريمْشينِ الأربعَةِ لاْ تمتَلِكُ أسماءً،لأنَّهَا ترتبِطُ بكميَّة قوَّة كلِّ شيطانٍ في المملكَةِ،ومن خلالِ معرفَتها بذلك،ستقرِّر البوابةُ إنْ كنتَ تستحِقُ الإنتقالَ عبرَها أو لا.
وكلُّ بوابةٍ منهَا مختصةٌ بإيصالِكَ إلىْ أماكِن متناثرةٌ،لكن ذاتَ مظهرٍ واحِد.
تخيَّل معِي أمامَكَ أربعَةُ أبوابٍ ولديْكَ القوة التِّي تتجانَس مع متطلباْتِهِنَّ.
صحيحٌ أنَّ الأبوابَ توصلكَ إلَى كلِّ مكانٍ في المملكَةِ،لكنَّ لكلِّ بابٍ منهَا حقُ آختيارِ المكاْنِ الذِّي ستذهَب إليه.
آستطَعنَا المجيء إلَى هنَا،لأنَّ موركِي فكَّر بسيرِتْ نيفرا،ولأنّني أنَا كنتُ أتبعهُ سيأخذ الدَّرج بمَا فكَّر به،فينقلنَا إلى ما نصبوا إليهِ.
أمَا بوابات بريمشينْ،فهيَ معقَدَةٌ نوعًا مَا حيثُ أنَّهَا لا تعودُ إلَى ما تفكِّر بهِ،بل تعودُ إلَى ما أنْتَ عليهِ،إن كنتَ ذو قوَّة نادرَة ستستطيعُ أنْ تمْلِيَ بأوامِركَ عليهَا وستأخذُك مجبرةً إلى حيثُ تريد،أمَّا إن كانَت قوَّتك عاديَّة فستضعُ قائمةً من الأماكِنِ التِّي آختارتهاْ هِيَ لتذهَبَ إليهَا.
لهذَا هِي غيرُ مفيدةٍ لمنْ همْ دونَ النِّصف من ناحيَّة القوَّة.
وهِيَ من الأشياءِ النَّادرةِ التِّي لا يستطِيعُ الأباطِرةِ إملاءَ أوامرهمْ عليهَا،بلْ همْ أيضًا مقيدينَ بأوامرهَا الموجودة منذُ الأزلْ.
وأنَا أراهَا كائنًا لطيفًا لكنَّهَا أيضًا مزاجيَّة مثلَ بروفكِسْ حامِلٌ.
سترْكِلُ مؤخرةَ منْ يحاولُ التَّحايلَ عليهَا.
أنَا أحبُّها في الواقعْ،وأحبُّ فكرةَ أنَّها لا تزالُ دونَ أيَّةِ تغييراْتٍ أو رتوْشَ تفسدُهَا،لا تزالُ شامخَةً لا تأبىْ الإنحناْء.
إنَّهَا قدوةٌ جبارةٌ وإرثٌ عظيْمٌ لمملكَةِ آلادْ آغونْ،إرثٌ لم ولنْ يندثِرَ ما حيينَا.
_"أنتِ تعتزيْنَ بهَا للغاية" آلتَفتْتُ إلَى موركِي وأنَا أتساءل كيفَ يمكِنهُ قراءتِي دائمًا.
_"لقد أصبحتَ مريبًا يا موركي،أو ربَّمَا شدِيدُ الملاحظةِ؟لمَا تتصيَّدُ لكلِّ ردةِ فعلٍ تصدُرُ منِّي؟" ربَّمَا تمكَّنتِ الهواجِس من السَّيطرةِ علَى معظمِ تفكيرِي،لكنَّنِي لا أزَالُ مرتابة،ويحقُّ لِي التَّساؤل أليس كذلك؟
_"كفاكِ آرتيابًا،أنَا فقطْ أستمتعُ برؤيةِ ملامحكِ المتفاجئة كطفلٍ يرَى العالمَ لأوَّل مرةٍ" هذَا الوقح!
_"طفل؟حقًا يا موركِي؟ الأطْفالُ كائناتٌ مزعجَة!"
_"الأطفالُ ظريفونَ يا كاترينَا" قالهَا بصوتٍ واثقٍ كأنَّها حقيقة،هل يشيرُ إلىْ أنَّنِي ظريفة؟ما هذَا القرف!
_"وأنَا التِّي كنتُ أتساءل عنْ أقرانِكَ يا موركِي،آتَّضحَ أنَّهمُ الأطفالْ،إفرحْ بهذِهِ النِّعمة" قلتُ ما لدَيَّ بصوتٍ ساخطٍ وعندَمَا أرادَ التَّحدُثَ خدشتهُ بنظراتِي فابتلعَ ما كانَ يريدُ قولهُ ونظرَ إليَّ بآستياءٍ.
يتجرَّأ بالنَّظر بآستياءٍ وهوَ من بدأ!
_"هَل تريدِينَ تجريبَ أحدِ الأبوابْ؟" عقدتُ حاجبايَ بآستغرابٍ وقد تراجعَ آستيائي وسكَنَ جانبًا.
لمعتْ عينَايَ بإدراكٍ وقلتُ لهُ باندهاْشٍ "هلْ هذَا ممكِنْ؟ هلْ سأستطِيعُ الدُّخول؟"
_"بالطَّبع كاتِي،أنتِ تنسينَ دائمًا أنَّ لديكِ القوَى الكافيّة لفعلِ ذلك" قالَ بتشجيعٍ وهوَ يشيرُ إلَى أحدِ الأبوابِ التِّي تقبعُ أمامَنا.
_"هل أنتَ متأكِّد؟" قلتُ بنبرةٍ يملؤها الشَّك.
_"لا يمكِنْ لأحدْ معرفةُ أنَّنا انتقلنَا من خلالِهَا،ولا حتَّى الأباطرة" لقدْ أصبحَ أمامَ البابُ الأوَّل ينتظرُنِي لأرتجِل.
ما باليَدِ حيلة،آقتربتُ منهُ فنظَرَ لِي يرَى إنْ كانَ هنالِك أيُّ شكٍ أو تردَّد فيَّ.
_"الآن" دخلنَا من خلالِ البابِ الأوَّل،ظهرتْ أمامُنَا مسافاتٌ من الفراغِ المعتِمِ،الضَّغطُ القويُّ صعَّب عليَّ أخذَ أنفاسِي،لكنِّي حاولتُ التَّأقلم.
ولم أفلِح،رأيتُ موركِي ينظُرُ إليَّ ببرودٍ بلا ملامِحَ تزيِّنُ وجههُ،قبلَ أنْ أشعُرَ بالضَّغطِ يحطِّمنِي وبتغيُّرِ الفراغُ الذِّي كنتُ فيهِ.
نظرتُ حولِي ولم أرَ موركِي في أيِّ مكان،لقد خدعنِي!
الوغد!كنتُ أشعُرُ بشيءٍ ما كامِنٌ تحتَ رداءِ الطِّيبةِ ذاك،لكنَّنِي آخترتُ أنْ أثقَ به!
وجدتُ نفْسِي مجدَدًا في زنزانتِي المغلقة، فشلتْ كلُّ خططِي للهروبِ،كلُّ شيءٍ تدمَّر....
رأيتُ المدعُوَّ داميَانْ يمشيْ برفقةِ موركِ يتَّجهانِ نحوَ زنزانتِي...كانَ موركِي بهيئتهِ الحقيقيَّة شعرٌ أبيضُ يتخلَّلهُ بعضُ الرَّمادِيِّ،ومقلتينِ قرمزيَّة تتوهَّجُ بلونٍ خاطِفٍ للأنفاس.
كشَرتُ عن أنيابِي أزمجِرُ بغضبٍ تجاههُمَا ،سأدعهمَا يروْنَ كيفَ يكونُ الشَّيطانُ عندَما يفقد صوابهُ.
_"أنظُر إليَّ أيُّهَا الوغدْ،ستخرجنِي وإن لم تخرجنِي فأقسمُ أنَّنِي سأزلزلُ ما تبقىْ من ثباتكم سأقتلكمْ،ولن أكتفِي إلَّا إذَا آستباحت دماءَ من تحبُّونَ الجنَان!" آنهيت جملتِي بصرخةٍ عاليَّة وبغضبٍ يشتعِلُ في داخِلِي يجعلُ العروقَ تنفجرُ في جسدِي.
_"سأخرجكِ لكن بشرط" كززتُ على أسنانِي، الوغد يتحدَّث عن شرط!شرط!
مددْتُ يدِي من خلال فراغات الباب وأمسكتُ بعنقه أسحبهُ ليقابلَ وجهِي،ونبستُ بحماويَّة "لا أزالُ أكبحُ نفسيْ عن أذيَّتك يا دامْيان غوبران،لا زلتُ أحترمُ شيخوختكَ لذَا لا تدعني أطمُر ما تبقىْ لِي من آحترامِي للعجائز لأنَّ أمرَك سينتهِي برقبَةٍ مقطوعة وجسَدٍ مأكول!"
_"إهدئِي" عندَمَا سمعتُ نبرته الهادئة أجبرتُ نفسيْ على تركِ رقبته والعودةِ للوراء وأنَا أشعر بطفرة ذنبٍ تنمو في داخلي.
_"ما هو الشَّرط؟" حاولتُ أنْ أكونَ هادئة لكيْ يخفَّ الوهجُ الحارق عنِّي.
_"ستقبلِينَ بكونِكِ قربَانًا لحكَّامِ اللِّيودْ"لا لقد جنَّ أخيرًا.
_"هل تدرِكُ ما تنبُسُ بهِ شفتيْكَ يا دامْيَان؟" حاولتُ جعْلَ نبرتِي خافتةٌ لكيّْ لا أظهِرَ الغضبَ الذِّي طمرتهُ منذ برهة.
_"أنَا واعٍ علَى ما أقول"نظَرْتُ إليْهِ وغضبِي عادَ ليتفاعل محدثًا آنفجاراتٍ ظهرَت في نبرتِي حينَمَا قلتْ"لنْ أقبلَ بأن أكون قربانًا ولنْ أقبلَ بأنْ تمرَّ هذِهِ المساومةَ علَى حسَابِي أنَا،علَى حيَاتِي!"
رمقنِي بطرَفِ مقلتيهِ الغائرَةِ بتملُّل"لستُ أنَا منْ يجبُ أنْ تلقِي بعتابِكِ عليهِ"
_"ومن إذًا؟تبدوْ لِي صاحبُ اليَّد العليا التِّي تطالُ كلَّ شيء!"
_"إن كنتُ صاحبَ اليَّد العليا التِّي تطالُ كلَّ شيءٍ،فهوَ الكلُّ شيء الذِّي أريدُ أن أطاله!"
آزدرقْتُ ريقِي ببطءٍ بعدَ أن لجمَنِي صراخهُ هذا،من ذاْ الذِّي يقصدُهُ؟
تحمحمَ بخفوتٍ وقالَ "كلُّ ما سيْجرِي سيعودُ بالنَّفعِ عليكِ كاترينَا،أنَا لن أجبِركِ علَى شيءٍ كهَذَا وأنَا لستُ مدركٌ بالخطَرِ الذِّي يكمنُ منه"
_"تجبِرُنِي؟وما هوَ الشَّيء الذِّي سيجعلنِي أوافق؟"
_"كنتُ آمَلُ أنْ توافِقِي دونَ الحاجَة لآستخدام الألاعِيبَ سخيفة" كززتُ علَى أسنانِي وحاولتُ،أقسِمُ أنِّي حاولتُ المحافظة علَى هدوئي من جديدْ لكنَّه يستفزنِي فسحبتُهُ من جديد من ياقَتِه بعنفٍ حتَّى آرتطمَ ببابِ الزِّنزانَةِ الذِّي يفصلُنَا.
آقتربتُ منهُ أهددهُ هذهِ المرَّة،أهمِسُ بأذنِهِ بحدَّة "أنتَ لا ترِيدُ أنْ تلعَبُ معِي صدقنِي،خصوصًا هذِهِ اللُّعبة،الإبتزاز،أنَا أجيدُهَا أكثرْ من أيِّ شخصٍ في هذَا الطَّابق" ابتعدْتُ عنهُ وحوَّلتُ بنظرِي إلىْ موركِي،الوغد موركِي
"منَ الجيِّد أنَّنِي لم أعدْ مدينَةٌ لك"
آزدرَقَ ريقهُ وأشاح بوجهِهِ عنِّي بشيءٍ من النَّدم؟لا أظنّ.
_"إن كنتُ سأذهبُ معكُمَا فهذَا سيكُونُ برضايَ وبخيارٍ منِّي أنَا،والآنْ قلْ لِي،لما تريدُ منِّي أن أقبلَ بأنْ أكونَ قربَانًا لحمايَّة أباطرَة مملكَة آلاد أغون؟الأباطرة الذِّينَ زجوْا بثلاثتنَا بالسِّجنِ،خصوصًا أنتَ يا داميَان"
ذكرتُهُ بمَا عانَاه،فسجنُهُ كانَ مختلفًا كثيرًا عن سجننَا علَى ما أذكُرُ لمْ أكُن متأكدة من ماْ ذكرتُهُ لأنَّنِي كنتُ لا أزالُ طفلة عندَمَا سمعتُ ما حصَل،لكنَّني متأكدة الآن هذَا هو السَّجينُ داميَان غوبران، أو التُُّفَارْيِيتس كُرَافِي الذِّي يبدُو بأواخِر العشرينِيَّات لكنَّه فيْ الحقيقة عاشَ ما يقارِبُ المئَة عام، لأنَّ سجنهُ لا يخضعُ لقوانين الزَّمَنْ.
لذَا أنَا واثقةٌ أنَّه لا ينويْ مساعدَةَ الأباطرة،بأيِّ شكلٍّ من الأشكال.
شعرتُ بالبَللِ يلمِسُ وجنتَيَّ فأدركْتُ أنَّنِي كنتُ أبكِي دون شعورٍ منِّي.
أنَا أشعُرُ بالخيانة،أنَا حقًا أشعُر بهَا تقتُلنِي،لم يكُنْ علَى موركِي آستخدَام هذِهِ الطَّريقة لإجبارِي،ظننْتُه يريْد حقًا تحريرِي...ظنَنت...
عهدتُهُ متلاعِبًا فطنًا فلمَا لمْ أدرِكْ أنَّه بآستطاعتهِ خداعِي بكلِّ سهولة؟
حاولتُ إظهار غضبِي فقطْ عندَمَا أراه الآن، لكنَّي لا أستطيعْ،لا يجِب أن أشعُر بكلِّ هذِه المشاعِر،كانَ يجِبُ أن أدرِك هذا،جلَّ ما حصل ويحصُل هوَ بسَببِ عدمِ إدراكِي المبكِّر.
بالتَّأكيد لقدْ تراجعتْ قدراتِي،سأحاوِل آستعادتهَا بكلِّ ما لديّْ،لن أدعَ نفسِي أنهَار الآن،لا يزالُ لديَّ الوقتُ الكَافِي لأكتمُ ما فِي وجدانِي.
مررتُ يديَّ على عينايَ أمسحهُمَا بخشونةٍ وأنا أستنشق ماءَ أنفِي.
_"لهذَا السَّبب أنَا ذاهِبْ يا كاتْرِينَا" كانَ كلامُهُ مبهَمًا لكنَّنِي آستطعْتُ إدراكَ ما يقصدُه.
_"لحظة! كيفَ تعرِفُ أنَّ أسمِي كاترينَا؟ولا تسألنِي عن كيفَ عرفتُ إسمِكَ لأنَّه ليسَ شيئًا مفاجئًا، أراهِنُ أنَّ كلُّ من فِي هذِهِ المملَكة يدرِكه.كنتُ مشوشةٌ عندَمَا رأيتُك تقتلِعُ فؤادَ القائِد،شعرتُ بأنَّك مألوف لكنَّنِي متأكدّة الآن"
_"ولمَا لا تجزمِينَ بأنَّنِي عرفتَك بنفْسِ الطَّريقة؟"
_"لأنَّ أسمِي لدَى العامَّة هوَ ليلِيثْ،ولستُ أشكُّ بأنَّنِي لمْ أخبرْ أحدًا بأسمِي الأوسطْ" نقلتُ بنظِر نحوَ مورْكِي وأكملتُ حديثيْ "هذَا هو ما جعَلنِي أكشفُكَ من أول محادثَة بينَنَا"
توسَدت الصَّدمة وجهيهِمَا قبل أنْ ينطُق داميان على عجلٍ "لسنَا بعلمٍ بإسمكِ، لقد تمَّ إخبارنَا بهِ"
_"من قبلِ الأباطرة؟" بالتَّأكيد يعرفُ الأباطرة ليس فقطْ أسمِي الأوسط بل كلُّ مراحِل حياتِي، منذُ كنتُ نطَفةً إلَى أنْ أصبحْتُ ما أنَا عليهِ الآن، لكن هذا لا يمنعْ أنَّهم مغرورينَ جدًا ومغترُّين بثقتِهم العمياْء بأنَّهم علَى علمٍ بكلِّ شيء يحيطُ بي.
أومأ برأسِهِ لكنَّنِي أعلمُ أنَّه يكذبْ،هنالِك من أخبرهَ،أخبرهمَا،ولم يكُن أحد من الأباطرة لأنَّ الأباطرة لا يمكن التَّجسسَ عليهمْ ولا يمكِن أنْ يخبروا هذيْنِ السَّجينين بشيءٍ،هنالِكَ من يعرف!هذَا يحرقُ عقلِي!
_"حسنًا إذًا،أخرجانِي الآن" كنتُ أرغبُ لو أنَّنِي أستطِيعُ فتحَ الزِّنزانة وحدِي بعد رجوعِ قوَّتِي،لكن منذُ وطئتُ أرضَها وقوايَ لا تظهرُ حتَّى.
نظرَ إليَّ موركِي بشكٍّ "كيفَ يمكنُنا أن نثِق أنَّك لن تحاوِلِي قتلَنا؟"
_"أوه هل أنتَ خائف موركِي؟هل تظنُّ أنَّ غضبِي مخيفٌ لهذا الحد؟هذا لطيف" نبستُ بنبرةٍ لطيفةٍ مصطنعةٍ قبلَ أنْ تتبدَّل إلى جمودٍ وحقد.
_"لكنَّنِي أعدُ بأنَّنِي لن أحاوِل إيذائكما أبدًا،وأنَا حِملَ هذَا الوعدِ الذِّي نطقتُ بهْ، لأنَّنِي لسْتُ كأحَدهم" صرَّ على أسنانِهِ بقوَّة من ما قلتهُ،قلبتُ عينايَ،سأظَّل أذكِره بهذا حتَّى الممَات.
رأيتُ دامْيَان يمسِكُ بوابَة الزِّنزانة فلانَ حديدُها حتَّى أصبحَت سائِلًا،تحرَّك السَّائل وصعدَ علَى قدمِه ببطءٍ قبل أنْ يلتحمَ بجلدِ قدمِه وتتكَوَّنُ ندبَةٌ سوداءُ مكانُهَا.
آنقبضتْ معدَتِي وأنَا أنظُرُ لهُ بدهشة "كيفَ!أنتَ لديك ديتيونِش الخاص بكْ؟وتستطيْع التَّحكم بهْ أيضًا؟"
لقد تطوَّر الجميعُ وظللْتُ أنَا في قاعِ الهرَم،لا زال يفوتنِي الكثيرُ والجميع،قدرةً وتفوُّقًا.
كنتُ سأسأل وأستفسر.متَى ستجدنِي هذِه القوَّة لأستحوِذَ عليهَا.
لكنَّني أظنُّ أنَّها لن تجدَنِي،لن تكلِّف نفسهَا عناءَ النُّزول إلَى القاعِ، إلى بؤرة الجهْلِ التِّي تغرقنِي لتنتشلُنِي منهَمَا.
يا إلهِي،هل سأستطِيعُ تحمُّل هذَا كلُّه؟
_"نعم" آخترقنِي من شتاتِي صوت داميانْ المرهق "لكن صدقينِي أنتِ لن ترغَبِي بهذِه الهبّة" كانَتْ الدِّمَاء الدَّعجاءُ تصبَّب من كلِّ مكانٍ فِي جسدِهِ وتخرجُ من فمهِ وأنفِهِ،وقد ثقلتْ أنفاسهُ للغايَّة.
_"هل هذِه القدراتْ متبوعةٌ بهذَا الشَّيء؟" آستفسرتُ وأنا أبتلعُ ريقِي عندَمَا شعرتُ بالجفاف فجأة،لم أعدْ أريدُ أيَّة قدرَة ليحمِنِي الرَّب!
_"فقطْ لأنَّنا لسنَا معتادِينَ عليهَا بعد"
_"لكنَّنا سنعتادْ،كما ستعتادينَ أنتِ أيضًا عندمَا تختارُكِ" لمَا عليهِ أنْ يتكلَّم،ألا يعلَمُ أنَّ كلامهُ يطبِقُ النَّفس عن قلبي؟ليصمُت فقط بحق خالقِ الأرض!
_"أنتَ واثقٌ جدًا من هذِهِ الحقيقةِ يا من لا أستطيعُ ذكرَ إسمِهِ.لكنْ تذكَّر،كلامُكَ بالنِّسبة لِي هوَ كالنَّفخِ في كيسٍ ممزقْ،لا يحدِثُ أثرًا ولا يعمِّر نفسًا،لذَا دعهْا داخِلَ فكَّيكَ أضمنُ لكَ سلامتكْ" إن كانَ يظنُّ أنَّ الفعلَ الخسيسْ الذِّي قامَ بهِ سيُنسى،فهوَ واهم.
زفيرُ داميَان أصبحَ أكثرَ آستقرارًا،وقد توقفَت الدِّماءُ عن جريانِهَا،نظرَ إليَّ،فخرجتُ من الزِّنزانة وظلَّ موركِي ينظرُ إليَّ بشكٍّ وأعصابهُ مشدودةٌ كما فكَّيهِ.
آبتسَمتُ فيْ سرِّي،علَى الرُّغمِ من جهْلِي لا يزالُ لديَّ القوَّة التِّي يأخذُ الجنُّ حذرهمْ منهَا.
_"كيفَ يمكِننِي الثِّقة بِك؟" قلتُ أنظُرُ إلَى داميَان الذِّي صدرتْ من فاهِهِ ضحكةٌ مستهزءةً قبلَ أن يقوْلُ "السُّؤال هناْ يا كاترينَا، كيف يمكنُنا أنْ نثقُ بكِ؟"
_"أنتَ من تقترِحُ عليَّ الأمرَ يا دامْيَان،لذَا أنتَ من عليهِ أن يصلَ إلًى سقفِ توقعاتِي" كيفَ يظنُّ أنَّ عليَّ أن أجعلهُ يثقُ بِي؟ هو من عليه فعلُ ذلك، وهذا شرطٌ لنْ أستغنِي عنه.
_"أولًا عليْ_" توقَفَ حديثُهُ فجأة، وآحتلَّ الوهجُ الأسوَّد الأدعجُ عينيهِ وقد آختفىْ بياضهمَا.
فتحَ فمهُ بآبتسامةٍ وقدْ لمعَ نابهُ بوحشيَّة.
_"وأخيرًا ها نحنُ ذا من جديدٍ كاتْرينَا"
.
.
.
.
.
.
.
.
.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.٣ مرَّات.
هذَا الفصلُ أكبر من ذويهِ لكنَّنِي لا زلتُ أراه غير كافٍ.
أضيئوُا سمائِي بنجومكم💞.
رأيكمْ في الرِّوآية بشكلٍ عام.أعلمونِي إن رأيتم أيَّ زللٍ إملائِيٍ.
غروسكَا:كائِنٌ أليفٌ غير عاقل يترواح شكله بين القطّة والماعز.
Raya_writer