"لا ينجو من القذارة إلا من امتلكها. أحيانًا، أقوى دروعنا تُصنع من بقايا جراحنا."
.........................................................................................
"منذُ متىَ تعلمتِ القرصنةَ؟ لاَ تحاوليَ أنْ تُخبرينيَ أنكِ
لستِ كذلكِ، فقدْ غطَّيتُ عليكِ قبلَ عامينِ. رغمَ براعتكِ فيَ ذلكَ،" قلتُ هذاَ وأناَ ألفُّ بالسيارةِ إلىَ الشارعِ الآخرِ بحركةٍ محترفةٍ تليقُ بسائقةِ سباقاتٍ.
أكملتُ، وعينايَ ترصدانِ ردةَ فعلهاَ فيَ المرآةِ الخلفيةِ: "اختيارُكِ لشركةِ والدكِ تحديداًَ، منْ بينِ كلِّ الشركاتِ التيَ نمتلكُهاَ، كانَ نقطةَ قوتكِ. خدعةٌ ذكيةٌ."
نظرتُ فيَ عينيهاَ المرتعشتينِ ورأيتُ أنهاَ لاَ تزالُ منصدمةًَ لدرجةٍ لمْ تمكنهاَ منَ النطقِ. أكملتُ بلهجةٍ حاسمةٍ: "لقدْ كنتِ متيقنةًَ أنهُ سيحميكِ. تيقّنتِ أنهُ سيواجهُ الجميعَ فيَ الأسرةِ منْ أجلكِ... لأنكِ ابنتهُ. وأنَّ حبَّه لكِ درعٌ حصينٌ."
فأجابتنيَ أرياناَ بصوتٍ خافتٍ، بالكادِ مسموعٍ، لكنهَ يحملُ إقراراً لاَ جدالَ فيهِ: "أجلْ، كنتُ متيقنةًَ أنهُ سيواجهُ الجميعَ منْ أجلي... لأنهُ أبي."
نظرتُ فيَ عينهاَ مباشرةًَ، وسألتُهاَ بجديةٍ أثقلتْ الأجواءَ: "لماذاَ تعلمتِ القرصنةَ إذنْ؟ ماَ هيَ غايتكِ منْ تعلمهاَ؟"
تنهدتْ أرياناَ بضيقٍ، وكأنهاَ تُجاهدُ لطردِ هواءٍ ثقيلٍ منْ صدرهاَ، وأجابتْ بضعفٍ لاَ يُقنعنيَ: "لاَ شيءَ."
ابتسمتُ بسخريةٍ خفيفةٍ، لاَ تصلُ إلىَ عينيَّ، وقلتُ لهاَ بنبرةٍ حادةٍ تخترقُ دفاعاتهاَ الواهيةَ: "هلْ تستغبيننيَ ياَ أرياناَ؟ ماَ هيَ غايتكِ الحقيقيةُ؟ أقسمُ أننيَ سأعرفُهاَ مهماَ طالَ الوقتُ."
نظرتْ فيَ عينيَّ بضعفٍ شديدٍ، وقالتْ بصوتٍ ممتلئٍ بالبكاءِ الذيَ حبستهُ طويلاًَ، وكأنهُ سيلٌ انفجرَ فجأةًَ: "غايتيَ هيَ حمايةُ والديَّ منْ عائلتناَ! منْ شرورهمْ التيَ لاَ تتوقفُ."
ابتسمت ابتسامةًَ باردةًَ، ثمَّ أكملتْ، وعيناها تُركزانِ علىَ الطريقِ ، : "هلْ تظنينَ أنكِ وحدكِ منْ تأذىَ منْ هذهِ العائلةِ؟ وأنكِ وحدكِ منْ تريدينَ حمايةَ منْ تحبينَ؟" ثمَّ نظرتُ إليهاَ وسألتُهاَ بحدةٍ تُجبرُهاَ علىَ الإجابةِ: "منْ قامَ بأذيتهمْ تحديداًَ؟"
رمقتنيَ نظرةًَ حادةًَ مليئةًَ بالغضبِ المكتومِ، ثمَّ عادتْ تركزُ عينيهاَ علىَ الطريقِ، وقالتْ بمرارةٍ لمْ أعهدهاَ فيهاَ، كأنهاَ تُخرجُ ألماًَ دفيناًَ: "ميرا حاولتْ إلقاءَ الباطلِ علىَ أميَ. أرادتْ التخلصَ منهاَ لأنهاَ تظنُّ أنَّ الحبَّ يجعلُ أبيَ جباناًَ ويضعفهُ. لمْ أكنْ أمتلكُ أيَّ قوةٍ لأحميهاَ منْ شرهمْ إلىَ أنْ أصبحتُ مخترقةًَ. بهذهِ الطريقةِ سأحميها هي وابي مِنْ مَن يريدُ أذيتهمْ، سأجعلُ العالمَ بأكملهِ يرىَ فضائحهمْ ويرقصُ علىَ أحزانهمْ!"
سألتُهاَ، وقدْ اهتزَّ شيءٌ بداخليَ، شعورٌ غامضٌ يشبهُ الصدىَ لألمٍ قديمٍ: "متىَ حدثَ هذاَ؟"
أجابتنيَ بتنهيدةٍ عميقةٍ، كأنهاَ تُزيحُ حملاًَ ثقيلاًَ: "قبلَ خمسِ سنواتٍ، أيْ عندماَ كنتُ فيَ الخامسةِ عشرةَ منْ عمريَ. أنتِ لاَ تعرفينَ أيَّ شيءٍ، لأنكِ لمْ تكونيَ تقطنينَ معناَ آنذاكَ. كنتِ قدْ ابتعدت عنْ هذهِ العائلةِ... وهذاَ كانَ حلميَ أيضاًَ أنْ أبتعدَ عنهمْ، لكننيَ لمْ أستطعْ."
أجبتُهاَ ببساطةٍ، وكلماتيَ تحملُ قسوةَ الواقعِ المريرِ: "لأنكِ لنْ تستطيعيَ الابتعادَ عنهمْ. ولكنهمْ سيبتعدونَ عنكِ حالماَ يرونَ أنكِ أصبحتِ أكثرَ قوةًَ. وهذاَ لاَ يحدثُ إلاَّ أنْ تلطختِ أكثرَ منهمْ فيَ القذارةِ."
ثمَّ أكملتُ، وعينايَ تُثبّتانِ علىَ الطريقِ أمامناَ، وكأننيَ أتحدثُ عنْ درسٍ تعلمتهُ منذُ زمنٍ بعيدٍ ودفعتهُ ثمناًَ باهظاًَ: "أتعرفينَ لِمَ الجميعُ يهابنيَ؟ لأنهمْ يعرفونَ أننيَ لستُ سوىَ حقيرةٍ تقتلُ فقطْ منْ يقومُ بإزعاجهاَ. همْ لاَ يخافونَ منيَ، بلْ يخافونَ منْ حقارتيَ، منْ سلطتيَ المتوحشةِ."
نظرتُ إلىَ أرياناَ بطرفِ عينيَ، وأردفتُ بحدةٍ لاَ تقبلُ الجدالَ: "هلْ فهمتِ؟ لذلكَ سأقولُ لكِ، إنْ احتجتِ إلىَ شيءٍ، فأناَ هناَ. لاَ تتلطخيَ أنتِ أيضاًَ، لأنكِ إنْ تلطختِ فلنْ تستطيعيَ الخروجَ منَ الأوحالِ. علىَ غراريَ أناَ، فلمْ يعدْ يُلطخنيَ شيءٌ، لأنهُ لمْ يبقَ ليَ مكانٌ لأتلطخَ فيهِ. أناَ الوحلُ بنفسهِ."
وصلنا إلى أبواب القصر بعد لحظاتٍ ثقيلةٍ، هدوءٌ مريبٌ يخيم على الأجواء داخل السيارة. لم يكسر هذا الصمتَ المقلقَ سوى رنينُ هاتفيَ المفاجئُ. أجبتُ فورًا، وكأننيَ أتوقعُه.
"مرحباً،" قلتُ محاولةً أن أبدو طبيعيةً قدر الإمكان.
جاءني صوتٌ مألوفٌ، صوت الدكتور كارل، وهو المدير الطبي لـمستشفى إيجيس التابع لي. نبرتهُ كانت تحملُ قلقًا واضحًا، يكادُ يتصدعُ: "مرحباً آنسة فالنكهام، أنا آسف جداً لازعاجكِ، وأعلم أنكِ طلبتِ عدم الاتصال بكِ بسبب ظروفكِ الحالية."
تنهدتُ بضيقٍ محسوسٍ وأغمضتُ عينيّ لحظةً، محاولةً استجماعَ ما تبقّىَ منَ طاقتيَ. "ما الأمر يا دكتور؟ يجب أن يكون مهمًا جدًا لتتجاوز تعليماتي الصارمة."
فردَ عليّ، وصوته يزداد يأسًا ويختنقُ: "إنه أمرٌ عاجلٌ للغاية، آنسة فالنكهام. شابٌ في أوائل العشرينيات من عمره تعرض لحادثٍ مروعٍ قبل قليل. رأسهُ... رأسهُ تعرض لضررٍ كبيرٍ. هناك شظايا زجاجٍ دخلتْ بعمقٍ في الدماغ. حالتهُ حرجةٌ جدًا، والوقتُ ليسَ في صالحنا."
قلتُ بحدةٍ، محاولةً استيعاب الموقف بعقليَ لا بقلبيَ: "وما شأني أنا بهذا الأمر يا دكتور؟
أجابَ بصوتٍ يائسٍ يكادُ ينهارُ: "هذا هو مربط الفرس، آنسة فالنكهام. جميعُ الأطباءَ المتخصصين في هذا النوع من الجراحات الدقيقة خارجَ المدينةِ أو في إجازاتٍ طارئةٍ. لا يوجد أحدٌ بقدراتكِ، وأنتِ أملهُ الوحيدُ. العملية لا تحتملُ التأجيلَ، إنها مسألةُ حياةٍ أو موتٍ حرفياًَ."
صمتُتُ لحظاتٍ، بينما عقليَ الباردُ بدأَ يُحللُ الموقفَ سريعاً، يُفاضلُ بينَ الواجبِ والرغبةِ فيَ العزلةِ. ثمَّ أجبتُ بصوتٍ خالٍ منْ أيِّ عاطفةٍ، وكأننيَ آلةٌ تُصدرُ الأوامرَ: "أرسلْ ليَ كلَّ المعلوماتِ التفصيليةِ عنْ حالةِ الشابِّ علىَ هاتفيَ الآنَ. سأكونُ هناكَ فيَ غضونِ عشرينَ دقيقةًَ، لاَ تتجاوزوهاَ. حضِّرْ غرفةَ العملياتِ وفريقَ التمريضِ. لاَ أريدُ أيَّ أخطاءٍ، ولوْ كانتْ بسيطةًَ."
أغلقتُ الخطَّ دونَ انتظارِ ردِّه، تاركةًَ الدكتورَ كارلَ يستوعبُ سرعةَ قراريَ. ثمَّ نظرتُ إلىَ أرياناَ التيَ كانتْ تحدّقُ بيَ بصمتٍ مطبقٍ. عيناهاَ كانتْ تعكسانِ مزيجاًَ واضحاًَ منَ الصدمةِ والفضولِ لماَ سمعتهُ منْ مكالمتيَ الغريبةِ. لمْ أعطهاَ فرصةًَ للسؤالِ، بلْ قلتُ ببرودٍ لاَ يحتملُ النقاشَ: "لديَّ عملٌ طارئٌ. انتظريَ فيَ القصرِ. فيَ الليلِ، سآخذكِ إلىَ مكانٍ معينٍ وهناك سنكملُ حديثناَ عنْ كلِّ شيءٍ."
قالتْ ليَ: "حسنًا." ثمَّ فتحتْ بابَ السيارةِ ودخلتِ القصرَ بخطواتٍ سريعةٍ، بينماَ أناَ انطلقتُ بسرعةِ الرياحِ، لاَ أرىَ شيئاًَ سوىَ الطريقِ أماميَ، فالواجبُ المهنيُّ يدعونيَ حتىَ وإنْ كنتُ لاَ أمتلكُ ذرةَ رحمةٍ فيَ قلبيَ الميتِ".
وصلتُ إلى مستشفى إيجيس خلال خمس عشرة دقيقة فقط، سيارتي الرياضية تقتحم باحة المستشفى الرئيسية وتتوقف أمام المدخل بخطوات معدودة، تاركةً خلفها صمتًا مدويًا بعد سرعتها الجنونية. لم أضيع ثانية واحدة. تركتُ المفاتيح للحارس الذي هرع نحو السيارة في ذهول، ودخلتُ المبنى بخطوات واثقة وحاسمة. لم أنتظر المصعد البطيء، بل صعدتُ السلالم ثلاث درجات في كل مرة، دقاتُ قلبيَ تدقّ بإيقاعٍ ثابتٍ كإيقاعِ جنديٍّ في معركةٍ، وعقليَ البارعُ يُعيد ترتيب المعلومات الجراحية الدقيقة التي أرسلها الدكتور كارل.
عندما وصلتُ إلى الطابق الخاص بغرف العمليات في الطابق العلوي، كان الدكتور كارل ينتظرني عند الباب، وجههُ شاحبٌ وعيناهُ تحملان قلقًا لا تخطئه العين، كأنهُ لمْ ينمْ منذُ أيامٍ. "آنسة فالنكهام،" قال بصوتٍ خفيضٍ يكاد لا يُسمع، وكأنهُ يخافُ منْ سماعِ صوتهِ هوَ نفسهُ، "لحسن الحظ أنكِ وصلتِ بهذه السرعة. الوضعُ كانَ سيزدادُ سوءاًَ."
"الحالة؟" سألتُ ببرودٍ قاتلٍ، متجاهلةً تعابير وجهه المرتعشةَ.
"تدهورتْ قليلاً، الضغطُ يتقلبُ بشكلٍ خطيرٍ، وهناك نزيفٌ داخليٌّ بسيطٌ في الدماغ بدأَ يتسعُ بسرعةٍ،" أجابَ وهو يُشير إلى شاشة عرضٍ ضخمةٍ كانت تُظهر رسومًا معقدة ثلاثية الأبعاد للدماغ، وخطوطًا حمراء تُبرز مناطق الإصابة بوضوحٍ مؤلمٍ.
لم أُعلّق بكلمةٍ واحدةٍ، بل أومأتُ برأسيَ إيماءةًَ خفيفةًَ تُشيرُ إلىَ أننيَ استوعبتُ كلَّ شيءٍ. توجهتُ إلى غرفة تبديل الملابس بسرعة خاطفة، ارتدَيتُ الزيَّ الأخضرَ المعقَّمَ الذي يغطي جسديَ بالكامل، وغطاءَ الرأسِ الذي يضمُّ كلَّ خصلةٍ، والقفازاتِ التي أصبحتْ امتداداًَ ليديَّ. لم يكن هناك وقتٌ للمشاعر الرقيقةِ أو التأملِ. في غرفة العمليات، لا يوجد سوى العلمُ والدقةُ المطلقةُ، والبرودُ اللازمُ لإنقاذِ حياةٍ.
عندما دخلتُ غرفة العمليات، كانتِ الأضواءُ الساطعةُ تملأُ المكانَ، والشابُّ ممدداًَ علىَ طاولةِ الجراحةِ، يبدوَ شاحباًَ. بدتْ أنفاسهُ تتصارعُ معَ أنبوبِ التنفسِ الذيَ يُصدرُ صفيراًَ خافتاًَ، وجهازُ مراقبةِ القلبِ يُصدرُ إيقاعاًَ متسارعاًَ ومتذبذباًَ يُنذرُ بالخطرِ. كانَ رأسهُ محلوقاًَ بعنايةٍ فائقةٍ فيَ المنطقةِ التيَ ستُجرىَ عليهاَ الجراحةُ، والشاشُ الأبيضُ الذيَ يُغطيهِ تلطخَ بقعُ دمٍ حمراءَ داكنةٍ، وشظاياَ الزجاجِ الدقيقةِ كانتْ تتلألأُ ببريقٍ خفيفٍ، كأنهاَ نجومٌ قاتلةٌ، بينَ الجلدِ والشعرِ المتبقيَ حولَ الجرحِ.
نظرتُ إلىَ فريقِ التمريضِ والأطباءِ المساعدينَ، الذينَ كانواَ يقفونُ بترقبٍ وتوترٍ، وقلتُ بصوتٍ حادٍّ وواضحٍ يملأُ الغرفةَ: "أريدُ هدوءاًَ تاماًَ وتركيزاًَ مطلقاًَ منَ الجميعِ. كلُّ حركةٍ محسوبةٌ بالألفِ، لاَ أريدُ أدنىَ خطأٍ، ولوْ كانَ لمساًَ بسيطاًَ. هذاَ المريضُ بينَ يديناَ الآنَ، ومصيرهُ يعتمدُ علىَ دقةِ عملناَ."
بدأناَ العملَ. كانتْ يدايَ تتحركانِ بخفةٍ وثباتٍ مدهشينِ، وكأنهماَ لاَ تنتميانِ لجسديَ المرهقِ أو روحيَ التيَ مزقتهاَ الأحزانُ، بلْ لآلةٍ دقيقةٍ. تحتَ أضواءِ الجراحةِ الساطعةِ التيَ تُبينُ كلَّ تفصيلةٍ، بدأتُ أُزيلُ شظاياَ الزجاجِ بدقةٍ فائقةٍ، الواحدةَ تلوَ الأخرىَ، كلُّ شظيةٍ صغيرةٍ كانتْ تُهددُ بتدميرِ جزءٍ حيويٍّ منَ الدماغِ. كنتُ أرىَ الخطرَ بوضوحٍ لاَ يقارنُ، وأتعاملُ معهُ ببرودٍ مطلقٍ يُثيرُ دهشةَ كلِّ منْ حوليَ، بمنْ فيهمْ الدكتورُ كارلَ.
كنتُ منغمسةًَ كلياًَ فيَ عالميَ الخاصِ داخلَ تلكَ المنطقةِ الحساسةِ والهشةِ منَ الدماغِ، حيثُ تتشابكُ الأعصابُ كخيوطِ عنكبوتٍ دقيقةٍ لاَ تُرىَ بالعينِ المجردةِ. أصلحتُ النزيفَ الذيَ كانَ يُهددُ حياتَهُ، أعدتُ الأنسجةَ المتضررةَ إلىَ مكانهاَ بعنايةٍ فائقةٍ، ثمَّ بدأتُ بإغلاقِ الشقِّ، خيطاًَ خيطاًَ. الساعةُ تدقُّ، وكلُّ دقيقةٍ كانتْ تُحدثُ فرقاًَ بينَ الحياةِ والموتِ. بعدَ ساعاتٍ طويلةٍ بدتْ وكأنهاَ دقائقَ معدودةٍ، رفعتُ رأسيَ.
"انتهيناَ،" قلتُ، صوتيَ أجشُّ منَ التركيزِ المفرطِ والتعبِ الذيَ بدأَ يتسللُ إلىَ عظاميَ.
نظرَ الدكتورُ كارلَ وفريقُه إليَّ بذهولٍ ممزوجٍ بالارتياحِ العميقِ، وكأننيَ أنقذتُ حياتهمْ همْ أيضاًَ منْ هذاَ الكابوسِ. كانتْ العمليةُ ناجحةًَ تماماًَ، بلاَ أيِّ مضاعفاتٍ غيرِ متوقعةٍ.
نزعتُ القفازاتِ المعقمةَ والزيَّ الجراحيَّ الملطخَ، ورميتُهماَ فيَ سلةِ المهملاتِ الطبيةِ. غسلتُ يديَّ جيداًَ، خطوةًَ بخطوةٍ، ثمَّ خرجتُ منَ غرفةِ العملياتِ، تاركةًَ خلفيَ الأملَ فيَ شفاءِ شابٍّ كادَ أنْ يلفظَ أنفاسهُ الأخيرةَ، وحياةًَ أخرىَ أُعيدتْ إلىَ مسارهاَ.
فيَ غرفةِ الانتظارِ المقابلةِ لغرفةِ العملياتِ، كانتْ عائلةُ الشابِّ تنتظرُ بوجوهٍ شاحبةٍ وعيونٍ منتفخةٍ منَ البكاءِ المتواصلِ، وكأنهمْ يحملونَ ثقلَ العالمِ علىَ أكتافهمْ. اقتربتُ منهمْ بخطواتٍ ثابتةٍ لاَ تترددُ، ووجدتُ الأبَ والأمَّ، اللذينِ كاناَ يتمسكانِ ببعضهماَ البعضِ، بالإضافةِ إلىَ شابةٍ تبدوَ شقيقتهُ، جميعهمْ يرتجفونُ منَ القلقِ والترقبِ، لاَ يجرؤونَ علىَ رفعِ رؤوسهمْ.
نظرتُ إليهمْ نظرةًَ باردةًَ، وكلماتيَ خرجتْ بوضوحٍ خالٍ منَ العاطفةِ المبالغةِ، لكنهاَ حملتْ بعضَ الطمأنينةِ التيَ كانواَ يتوقونَ إليهاَ: "لقدْ انتهتْ العمليةُ. كانتْ معقدةًَ للغايةِ، واستغرقتْ وقتاًَ طويلاًَ، ولكنهاَ نجحتْ تماماًَ."
انتشرَ همسُ ارتياحٍ خافتٍ فيَ الغرفةِ، أشبهُ بزفيرٍ جماعيٍّ، بينماَ أشرقَ وجهُ الأمِّ قليلاًَ، لمعتْ عيناهاَ بدموعِ الأملِ التيَ كادتْ تجفُّ.
تابعتُ بجديةٍ لاَ تقبلُ الشكَّ: "لقدْ أخرجناَ جميعَ شظاياَ الزجاجِ منْ دماغهِ، وأصلحناَ الضررَ قدرَ الإمكانِ بأقصىَ دقةٍ. ابنكمْ خرجَ الآنَ منَ منطقةِ الخطرِ المباشرِ، لكنهُ لاَ يزالُ بحاجةٍ إلىَ رعايةٍ مكثفةٍ."
تنفسَ الأبُ الصعداءَ بعمقٍ، ووضعتِ الشقيقةُ يدهاَ علىَ فمهاَ فيَ ذهولٍ لاَ يصدقُ.
"ولكنْ،" أكملتُ، ونبرتيَ عادتْ لتصبحَ حاسمةًَ وواقعيةًَ، تضعُ الحقائقَ أمامهمْ دونَ تجميلٍ، "الـأربعٌ وعشرونَ ساعةًَ المقبلةَ ستكونُ حاسمةًَ جداًَ بالنسبةِ لتعافيهِ. هيَ مفتاحُ شفائِه الكاملِ. خلالَ هذهِ الفترةِ، سنراقبُهُ عنْ كثبٍ فيَ وحدةِ العنايةِ المركزةِ. إذاَ مرتْ بسلامٍ، فهناكُ أملٌ كبيرٌ بأنْ يفتحَ عينيهِ ويستعيدَ وعيهُ بشكلٍ كاملٍ دونَ مضاعفاتٍ. لكنْ، لاَ يمكننيَ أنْ أُعطيكمْ وعوداًَ قاطعةًَ حتىَ تمرَّ هذهِ الفترةُ الحاسمةُ. الصبرُ والدعاءُ هماَ ماَ تحتاجونَهُ الآنَ."
أومأتُ برأسيَ إيماءةًَ خفيفةًَ تُنهيَ الحديثَ، ثمَّ استدرتُ مبتعدةًَ عنهمْ، تاركةًَ إياهمْ معَ الأملِ الخائفِ. مهمتيَ كجراحةٍ قدْ انتهتْ هناَ، ولكنْ، مهمتيَ الأخرىَ معَ أرياناَ لمْ تبدأْ بعد.
..........................................................................................................
Taki