"أحيانًا، يكونُ أقوى انتقامٍ لكَ، هوَ أنْ تشفىَ وتتجاوزَ، لا أنْ تُدمّرَ"
..............................................................................
الحاضر
"أعرفكِ على لسانهِ. لقدْ جاءَ إلى هناَ قبلَ خمسِ سنواتٍ، وانذاكَ سمعَ أنَّ مطعميَ الذي ورثتهُ منْ أبيَ كانَ يمكنُ أنْ يُصادَرَ منْ طرفِ الدولةِ لأنهمْ قالواَ إنهُ يُفسدُ جماليةَ المدينةِ. حاولتُ أنْ أُقنعهمْ بطرقٍ عدةٍ، منهاَ الرشوةُ، ولكنهمْ امتنعواَ. فأتىَ أخوكِ وقدمَ ليَ يدَ العونِ. منْ ثمَّ شكرتهُ ودعوتُ أنْ يحفظَ لهُ عائلتهُ، فأخبرنيَ أنهُ يمتلكُ أجملَ أختٍ في الدنياَ ويتمنىَ لهاَ السعادةَ، فدعوتُ الربَّ أنْ يحفظهاَ لهُ."
شعرتُ بإحساسٍ غريبٍ ولكنهُ جميلٌ في نفسِ الوقتِ. أحسستُ أننيَ أيضاً يوجدُ منْ يُفكرُ في سعادتيَ، وهذاَ فقطْ يشعرنيَ بالسعادةِ. فنظرتُ إليهاَ: "وهلْ انحلّتْ مشكلتُكِ الآنَ؟" ابتسمتِ المرأةُ المسنةُ وقالتْ ليَ: "أشكركِ يا ابنتيَ، فقدْ انحلّتْ." فأخبرتهاَ "لا تتردديَ في طلبِ أيِّ مساعدةٍ منيَ إنْ احتجتِ إليهاَ." فقالتْ ليَ: "شكراً لكِ يا ابنتيَ. والآنَ آسفةٌ فقدْ انشغلتُ في الكلامِ ونسيتُ أنْ أسألكمَ عنْ طلبكمَ."
رأيتُ أنَّ ألكسَ تنهّد و وأردفَ: "وأخيراً! ظننتُ أننيَ سأموتُ جوعاً ولنْ ترواَ هذاَ." فقمتُ بقرصهِ لأنَّ السيدةَ كانتْ بجانبناَ ولمْ تذهبْ بعدُ، فصرخَ حتى جعلَ كلَّ منْ في هذاَ المطعمِ تقعُ أعينهُ عليناَ وقالَ: "لماذاَ تَقْرصيننيَ يا هذهِ؟ أأنتِ بعوضةٌ وأنا لا أعرفُ؟" فقلبتُ عينيَّ على حماقةِ هذاَ العشرينِي بجانبيَ. منْ يرىَ تصرفاتهِ يظنُّ أنهُ مراهقٌ، وما أكدَ كلاميَ هوَ أنهُ طلبَ ثلاثةَ أطباقٍ مختلفةٍ لنفسهِ، وأردفَ بسخريةٍ: "ما بكماَ يا أصحابَ، ألنْ تطلباَ أطباقكماَ أمْ ستكتفيانِ بمشاهدةِ الأيقونةِ تأكلُ؟" فأخبرتُهُ: "اللعنةُ عليكَ يا ألكس!" ثمَّ طلبتُ حساءً مشهوراً في هذاَ المكانِ، وأخذَ غونترُ نفسَ الشيءِ لنفسهِ لأنهُ منْ رشحهاَ ليَ.
بعدَ دقائقَ، بدأتِ الأطباقُ تصلُ إلى طاولتناَ، بخارُهاَ يتصاعدُ. فبمجردِ أنْ وضعتُ الملعقةَ الأولىَ في فميَ حتى وجدتُ أنني قد شربتُ الحساءَ بأكملهِ في مجردِ دقائقَ. لمْ يكنِ الطعامُ لذيذاً فقطْ، بلْ أيضاً المكانُ يفتحُ الشهيةَ. لمْ يكنْ مطعماً فخماً، ولكننيَ أحسستُ فيهِ بالدفءِ الذي لمْ أشعرْ بهِ في القصورِ. وجدتُ ألكسَ يأكلُ مثلَ الكلبِ الجائعِ، منْ يراهُ يُقسمُ أنهُ يخضعُ للتجويعِ منْ طرفناَ. أما بالنسبةِ لغونترَ، فقدْ رأيتُ أنَّ عقلهُ ليسَ معه. لذا، ارتأيتُ أنْ أسألهُ غداً. عندما أتممتُ أكليَ، أخبرنيَ أنْ أذهبَ أنا وألكسَ إلى السيارةِ، وهوَ سيلحقُ بناَ منْ أجلِ أنْ يدفعَ مبلغَ العشاءِ ويخبرَ السيدةَ أنْ تجمعَ ما تبقىَ منْ طعامِ ألكسندرَ، لأنهُ لمْ يستطعْ إكمالَ أكلهِ بأكملهِ.
بعدَ بضعِ دقائقَ، جاءَ إلى سيارتيَ، وضعَ أكياسَ الطعامِ بجانبِ ألكسَ، ثمَّ ركبَ في سيارتهِ لينطلقَ. كنتُ أسوقُ في هدوءٍ، حتى قالَ ليَ ألكسَ: "شكراً لكِ. هذهِ أولُ مرةٍ أشعرُ أننيَ لديَّ عائلةٌ تهتمُّ بأمريَ وتُحاولُ أنْ تُنسينيَ حزنيَ."
ابتسمتُ وأجبتهُ: "أنتَ تعرفُ أنَّ لديكَ عائلةً تهتمُّ بأمركَ لكنْ بطريقتهمْ."
ابتسمَ ، ثم وضعَ رأسهُ على زجاجِ السيارةِ وقالَ: "أنا عندماَ أكونُ معهمْ، أتقمصُ شخصيةً ليستْ ليَ، بلْ الابنُ المثاليُّ الذي يُريدونهُ. أُغيرُ منْ نفسيَ منْ أجلهمْ. يتوقعونَ دائماً تصرفاتٍ مثالية منيَ، كأننيَ لستُ إنساناً بل آلة. يظنونَ أننيَ سأتحملُ ما لا طاقةَ ليَ بهِ. أنا مُنهَكٌ. يظنونَ أنَّ المشاعرَ ضعفٌ، لذلكَ يحرموننيَ منهاَ."
قمتُ بالتوقفِ عندَ إشارةِ المرورِ الحمراءِ، ونظرتُ في عينيهِ، وخاطبتهُ: "لا تُجبرْ نفسكَ على ارتداءِ أقنعةٍ ليستْ لكَ، حتى لوْ كانَ الثمنُ رضاَ منْ تُحبُّ. في نهايةِ المطافِ، الألمُ سيكونُ ألمكَ وحدكَ. وعندماَ يُرهقكَ التمثيلُ وتعودُ لذاتكَ الحقيقيةِ، سيلومونَكَ على تغيرٍ همْ منْ دفعوكَ إليهِ. بالإضافة إلى أن المشاعرُ ليستْ ضعفاً، بلْ هيَ وقودُكَ للبقاءِ. إنهاَ الشعلةُ التي تُنيرُ عتمةَ هذاَ العالمِ المُرهقِ، وتمنحُكَ الأملَ لمواصلةِ العيشِ. لا تنسَ، أناَ دائماً بجانبكَ، فأنتَ منْ دميَ."
انطلقناَ مرةً أخرىَ بعدَ أنْ أضاءتْ الإشارةُ الخضراءُ. فقالَ ليَ: "لهذاَ قلتُ لكِ إنكِ أنتِ منْ أشعرتنيَ بهذهِ الأحاسيسِ. يعنيَ، عميَ فروست كانَ يُشعرنيَ بهاَ، ولكننيَ كنتُ أتحدثُ معهُ فقطْ في مكتبهِ. الذي لا نخرجْ منهُ. ولكنْني اليومَ، أحسستُ بالحريةِ، بالحياةِ. رغمَ أنَّ المطعمَ كانَ صغيراً، لكنهُ كانَ كافياً بالنسبةِ ليَ لأشعرَ بدفءِ العائلةِ، بحنانهاَ. لذلكَ، فإنيَ مُمتنٌ لكِ، ابنةَ عميَ." فأردفتُ: "لا يوجدُ امتنانٌ بينَ أفرادِ العائلةِ يا غبي!""بعدَ بضعةِ لحظاتٍ وصلناَ إلى القصرِ. ركنتُ السيارةَ بهدوءٍ، وشعرتُ بكتفِ ألكسندرَ بجانبيَ يرتخيَ؛ لقد نامَ في بضعِ دقائقَ فقطْ. اضطررتُ أنْ أوقظهُ منْ نومهِ، أخبرتهُ أنْ يترجلَ منْ السيارةِ ليذهبَ إلى غرفته ويكملَ نومهُ. ترجلناَ منَ السيارةِ، ولفّناَ هواءٌ باردٌ مختلفٌ عنْ هواءِ الخارجِ، كأنَّ القصرَ يتنفسُ برداً خاصاً بهِ. كانتْ خطواتُناَ على الممرِّ الرخاميِّ تُحدثُ صدىً خافتاً، وكأنَّ الجدرانَ تُصغيَ لكلِّ حركةٍ. التفتُّ إلى ألكسندرَ ووجدتُ عينيهِ شبهَ مغلقتينِ. خاطبتُ غونترَ ليذهبَ معهُ إلى الغرفةِ.
بمجردِ أنْ فتحتْ لناَ الخادمةُ البابَ، ذهبَ كلُّ مناَ في طريقهِ. توجهتُ نحو غرفتيَ، لأنامَ وأرتاحَ بعدَ يومٍ مرهقٍ. في الصباحِ الباكرِ، استيقظتُ على رسالةٍ منْ كريسارَ يخبرنيَ فيهاَ أنْ أذهبَ إلى شركتهِ التي توجدُ في منطقةِ فرانكفورتَ، بقلبِ المدينةِ النابضِ بالأعمالِ والأبراجِ الشاهقةِ، منْ أجلِ إبرامِ عقدِ الزواجِ.
نهضتُ منْ فراشيَ، والكلماتُ ترنُّ في أذنيَّ كوقعِ صخرةٍ. لمْ يكنْ هذاَ مجردَ موعدٍ، بلْ كانَ مواجهةً. توجهتُ إلى خزانةِ ملابسيَ، وانتقيتُ فستاناً أسودَ قصيراً، يحتضنُ قواميَ برشاقةٍ، ويُلامسُ ركبتيَّ بلُطفٍ، ليُظهرَ جانباً منْ الجرأةِ دونَ ابتذالٍ. كانَ تصميمهُ بسيطاً لكنهُ صارخٌ في أناقتهِ، يبرزُ كتفيَّ العاريتينِ ويُضفيَ عليَّ هالةً منْ الثقةِ الباردةِ. أكملتُ إطلالتيَ بحذاءٍ أسودَ عالٍ، نَعلهُ القرمزيُّ يلمعُ ببريقٍ مُلفتٍ معَ كلِّ خطوةٍ، كأنهُ بصمةُ تحدٍ تُتركُ خلفيَ. تركتُ شعريَ الأصهبَ ينسدلُ على كتفيَّ كشلالٍ ناريٍّ، يُحيطُ وجهيَ الذي خففتُ منْ لمساتِ الماكياجِ عليهِ، لأُبرزَ ملامحيَ الطبيعيةَ التي تعكسُ القوة . كانت نظراتي تخبئ الف كلمة لم تقل بعد.توجهتُ مباشرةً نحو شركتهِ. بعدَ نصفِ ساعةٍ منَ القيادةِ، وجدتُ نفسيَ أمامَ المبنىَ الزجاجيِّ الشاهقِ، الذي بداَ وكأنهُ قلعةٌ عصريةٌ تحرسُ أسرارَ القوةِ والمالِ. أمامَ مدخلهِ، وقفَ حارسانِ ضخمانِ كتمثالينِ بشريينِ.
بخطواتٍ واثقةٍ، دخلتُ المبنىَ. لمْ تكنْ هذهِ المرةَ الأولىَ ليَ هناَ، فطريقيَ إلى مكتبهِ كانَ محفوراً في ذاكرتيَ. توجهتُ مباشرةً نحو المصعدِ، استعداداً للقاءِ حبيبيَ السابقِ، كريسارَ.
بمجردِ دخوليَ، شعرتُ بكلِّ الأنظارِ تتوجهُ إليَّ، وكأنَّ صمتاً مفاجئاً قدْ لفَّ المكانَ. لمْ أفهمِ السببَ بالضبطِ؛ هلْ هوَ جماليَ الذي لا يُقاومُ؟ أمْ لأنَّ عدوةَ عائلةِ لوكيزيَ قدْ اقتحمتْ مقرهمْ؟
صعدتُ في المصعدِ غيرَ عابئةٍ بالأنظارِ التي لاحقتنيَ. بمجردِ أنْ وصلتُ إلى الطابقِ الذي يضمُّ مكتبَهُ، لمحتُ مساعدتَهُ. كانتْ ترتديَ ملابسَ لا تمتُّ بصلةٍ لمكانِ عملٍ رسميٍّ. فكرتُ للحظةٍ: هلْ تُحاولُ إغراءَهُ؟ أمْ ماذاَ؟
توجهتُ إليهاَ وسألتُهاَ بحدةٍ: "أينَ كريسار؟"
أخبرتنيَ أنهُ في اجتماعٍ مهمٍّ، وعليَّ الانتظارُ حتى ينتهيَ. نظرتُ إليهاَ باشمئزازٍ، وخاطبتُهاَ بصوتٍ حازمٍ لا يقبلُ النقاشَ: "ألا تعرفينَ منْ أكونُ؟ أنا لا أنتظرُ! اتصليَ بهِ الآنَ."
قالتْ بطريقةٍ لفظتْ فيهاَ عدمَ احترامهاَ ليَ: "أستسمحُ، لا أستطيعُ."
ابتسمتُ ببرودٍ، ثمَّ توجهتُ نحو قاعةِ الاجتماعاتِ. حاولتْ منعيَ، لكننيَ سبقتُهاَ إلى فتحِ البابِ بعنفوانٍ. بمجردِ أنْ رآنيَ ، أمرَ جميعَ منْ في القاعةِ بالخروجِ فوراً.بعد ذلك، قالت له مساعدته بصوت لمحت فيه الدلع: "اعذرني يا سيدي، لم أستطع أن أمنعها."
نظر كريسار إليها بحدة وقال لها: "ومن أنت حتى تمنعيها؟ اخرجي الآن!"
فنظرت في عينيها وقلت لها بتهكم: "ألا تسمعين كلام سيدك؟ هيا، إلى الباب!"
بمجرد خروج جميع الأشخاص، ظللت أنا وهو وحدنا. قال لي بابتسامة باردة: "مرحبًا بك في شركة زوجك، اجلسي."
قلت له بحزم: "حسنًا، ولكن انهض من مكانك. دعني أجلس في كرسيك."
لم يتردد. ابتسمَ وقد لمعت عيناه ببريق غريب، ثم قال لي بهدوءٍ وثقةٍ وهو ينهض من كرسيه التنفيذي الضخم: "المكان كله ملكك." دفع الكرسي نحوي. ببطء مماثل، استقريتُ فيه بيقينٍ تامٍّ. ثم نظرت في عينيه بحدة وسألته: "أين العقد؟"
فأجابني بابتسامة ماكرة: "رأيتك متلهفة للزواج بي!" آنذاك رأيتهُ يُخرجُ العقدَ منْ ملفٍّ كانَ أماميَ، وقدَّمَ ليَ قلماً. نظرَ في عينيَّ، لكننيَ لمْ أكنْ غبيةً لأُمضيَ دونَ قراءةٍ. بعدَ قراءةٍ متأنيةٍ، وجدتُ أنَّ العقدَ ليسَ فيهِ شائبةٌ. لذا، قلتُ لهُ بوضوحٍ: "لديَّ شرطٌ."
أجابنيَ بابتسامةٍ هادئةٍ: "حسناً، ليسَ لديَّ مانعٌ. ما هوَ؟"
قلتُ لهُ، وعينايَ تُحدقانِ في عينيهِ: "ألا تخبرَ أحداً أنناَ متزوجانِ إلا بعدَ مرورِ شهرٍ، لأنَّ وفاةَ أبيَ لا تزالُ حديثةً."
فقالَ ليَ، وقدْ بداَ في صوتهِ احترامٌ لطلبيَ: "هذاَ منْ حقكِ، وما عليَّ إلا أنْ أحترمهُ."
وقعتُ على العقدِ، ثمَّ نظرتُ في عينيهِ بحدةٍ وقلتُ: "والآنَ، أخبرنيَ ما هيَ غايتكَ الحقيقيةُ بزواجكَ منيَ؟"
انحنىَ حتى أصبحَ وجهيَ مقابلاً لوجههِ، وهمسَ بصوتٍ خافتٍ كأنهُ سرٌّ: "لأننيَ أريدكِ. لأننيَ لا أزالُ أحبكِ."
ابتسمتُ ابتسامةً ساخرةً أضفتُ عليهاَ مرارةَ السنينَ وقلتُ: "لهذاَ قبلَ خمسِ سنواتٍ قلتَ ليَ إنكَ لا تجدُ نفسكَ معيَ، وإنَّ قلبكَ قدْ نبضَ لشخصٍ آخرَ... التي تكونُ ابنةَ عمكَ؟!"رأيتُ في عينيهِ بريقاً مُلئَ بالألمِ، وقالَ بصوتٍ خافتٍ بالكادِ سمعتُهُ: "قلبيَ لمْ ينبضْ لشخصٍ منْ غيركِ طوالَ حياتيَ."
ثمَّ أخذَ يديَ ووضعهاَ على قلبهِ، فوجدتُ أنَّ نبضهُ يتسارعُ بجنونٍ تحتَ لمستيَ، وكأنهُ يُعلنُ عنْ حقيقةِ مشاعرهِ الصامتةِ. تابعَ بصوتٍ أثقلتهُ المرارةُ: "كلُّ شيءٍ قمتُ بهِ كانَ منْ أجلِ حمايتكِ. فرؤيتكِ بعيدةً عنيَ ولكنكِ حيةٌ، خيرٌ ليَ منْ أنْ تكونيَ ميتةً. على الأقلِّ، نتشاركُ نفسَ الهواءِ، وهذاَ كانَ يكفينيَ."
قمتُ بابعادهِ عنيَ وقلتُ بصرامةٍ: "لا تظنَّ أنَّ بمجردِ زواجناَ سيكونُ لكَ الحقُّ في لمسيَ، أو حتىَ أنْ تحلمَ بيومٍ أسامحكَ فيهِ. فحتىَ لوْ رأيتكَ تلفظُ أنفاسكَ الأخيرةَ، لنْ أشفقَ عليكَ. لا تنسَ أنكَ مجردُ خائنٍ!"
رأيتُ عينيهِ تمتلئانِ بالغضبِ، حتى إنهُ ضربَ الجدارَ الذي بجانبهِ بقوةٍ، وقالَ بصوتٍ جهوريٍّ: "أنا لمْ أخُنكِ يوماً! أقسمُ لكِ! لأننيَ أتنفسكِ، أناَ مُدمنٌ عليكِ." رأيتُ دموعاً تملأُ عينيهِ، ثمَّ أردفَ بحسرةٍ: "أنتِ روحيَ. فهلْ يستطيعُ الإنسانُ خيانةَ روحهِ؟"
قلتُ لهُ ببرودٍ لا يخلوَ منْ ألمٍ خفيٍّ: "لا أهتمُّ بكلِّ ما تقولهُ الآنَ، لأنكَ لمْ تعدْ تسكنُ قلبيَ."
نظرَ في عينيَّ، وقبلَ أنْ يقولَ شيئاً، انفتحَ البابُ فجأةً منْ طرفِ غونترَ. تبعتهُ المساعدةُ، وهيَ تلهثُ، وقالتْ: "لمْ أستطعْ منعَهُ يا سيديَ!"
نظرَ كريسارُ إليهاَ وصاحَ بهاَ بغضبٍ: "اخرجيَ الآنَ!"
رأيتُ غونترَ يبتسمُ بخفةٍ على مظهرهاَ المضحكِ وهيَ تندفعُ خارجاً. ثمَّ نظرَ في عينَيْ كريسارَ بنظرةٍ لمْ أستطعْ أنْ أصفهاَ، ربماَ لأنهاَ كانتْ تحملُ أحاسيسيَ أناَ أيضاً. آنذاك قالَ ليَ غونترُ بجديةٍ: "هنالكَ شيءٌ طارئٌ، تعاليَ معيَ."
..............................................................................
Taki