في عيادة صغيرة داخل مبنى الجامعة، كانت الجدران بلون رمادي هادئ، والضوء الخافت يتسلل من نافذة ضيقة.
لا شيء مميز في المكان… سوى حضوره.
دخلت ليانثي ببطء، كأنها تخطو إلى عالم لا تنتمي إليه.
كان جالسًا على الكرسي المقابل للمكتب، يدقق في بعض الأوراق.
رفع عينيه نحوها حين دخلت… وبقيت لحظة طويلة دون أن يتحدث.
ابتسم بلطف وهو يشير إلى المقعد
"أهلاً ليانثي… تفضلي."
جلست بتردد، عيناها تراقبه، ليس كطبيب… بل كغريب مألوف.
قال بهدوء وهو يفتح ملفها
"أخبروني أنكِ تعانين من نوبات قلق وكوابيس متكررة. هل ترغبين في الحديث عنها؟"
نظرت إليه، ثم إلى يديه، ثم همست:
"هل نبدأ حقًا بالسؤال عن الكوابيس؟"
ابتسم قليلاً
"بل نبدأ من حيث تؤلمين."
صمتت.
ثم قالت فجأة
"هل تظن أن الإنسان يمكن أن يكتب شيئًا ولا يتذكر؟"
رفع رأسه نحوها، وعيناه تلمعان بشيء يشبه الدهشة
"تسألين سؤالًا يبدو… شخصيًا."
تنهدت ليانثي
"ربما هو كذلك… لكنني أشعر وكأنني أعيش حياتين. واحدة أراها، وأخرى تحدث خلف ظهري."
دوّن ملاحظة صغيرة، ثم سألها بهدوء
"وهل هذه الحياة الأخرى تكتب لكِ الرسائل؟"
رفعت عينيها بسرعة نحوه.
حدّقت فيه.
كيف عٓرف؟
هل أخبرته روبي؟
أم… أنه يعرف شيئًا لا يجب أن يعرفه؟
همست
"أنا لم أخبر أحدًا بذلك."
أغلق الدفتر ببطء، ونظر إليها نظرة مباشرة… لا طبية، بل إنسانية.
"وأنا لم أقصد أن أزعجك. فقط… أظن أن هناك جزءًا منكِ يحاول الوصول إليكِ. هل تسمحين لي أن أساعدك على الاستماع له؟"
شعرت بارتباك غريب.
كان صوته دافئًا، وكأن كل كلمة يقولها تعرف طريقها إلى قلبها.
قالت أخيرًا
"أشعر أني أعرفك من قبل… لكني لا أتذكرك."
رد بهدوء
"ربما قلبك يتذكر قبل عقلك."
نهاية الجلسة
خرجت ليانثي من العيادة وهي لا تفهم ما تشعر به.
لكنها كانت واثقة من شيء واحد:
هذا الرجل… ليس غريبًا تمامًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تلك الليلة، وعند منتصف الليل، استيقظت ليانثي فجأة على صوت طرقات خفيفة.
لكن الغرفة كانت ساكنة.
قامت من فراشها، ووقفت أمام المرآة.
كان البخار يغطي زجاجها… رغم أن الغرفة لم تكن دافئة.
وببطء… ظهرت كلمات على السطح المبلل:
"تذكّري الحريق… وذاك الذي أنقذك ثم اختفى."
ارتعشت. قلبها تسارع.
خطت للوراء، وهي تهمس:
"أي حريق…؟"
وفجأة، تداخلت المشاهد في رأسها…
صوت صراخ، لهب، يد تمتد نحوها، ثم ظلام.
انهارت على الأرض، تغطي أذنيها، وصوت داخلي يصرخ:
"لا تتذكّري… لا الآن".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الرماد لا يُنسى النار التي أحرقته"
استيقظت ليانثي فجرًا، أو ربما لم تنم أصلًا.
عيناها متورمتان، وشفتاها جافتان. كانت ملابسها لا تزال عليها منذ الليلة الماضية. على الأرض، الورقة التي سقطت من يدها عند الحلم… كانت فارغة.
لكنها تتذكر بوضوح ما كُتب عليها.
"تذكّري الحريق… وذاك الذي أنقذك ثم اختفى."
وضعت يدها على قلبها كأنها تحاول تهدئته.
شعرت بشيء ينهار ببطء… شيء داخلي لا تراه لكنها تشعر به.
نهضت بتثاقل، وذهبت إلى الحمام، غسلت وجهها مرارًا، لكنها لم تستطع غسل الشعور العالق في داخلها.
شيء ما يحاول الخروج.
صورة.
مشهد.
صوت.
خرجت من الحمام، نظرت إلى المرآة مجددًا…
وهمست:
"من أنا…؟"
لم تكن تسأل من باب الشك، بل من باب الحقيقة.
كأنها فقدت ملامحها خلف ظلال منسية.
جلست على طرف السرير، فتحت هاتفها، ووجدت رسالة جديدة…
لكنها هذه المرة لم تكن مكتوبة.
كانت صوتية.
ترددت، ثم ضغطت زر التشغيل.
جاء الصوت…
صوتها.
نفس نبرة صوتها.
لكنها لم تتذكر أنها سجلتها.
"إذا كنتِ تسمعين هذا، فهذا يعني أنكِ بدأتِ تتذكرين... لا تخافي من النار، لأنها كانت البداية."
انتهت الرسالة.
وساد الصمت.
لكن قلبها لم يهدأ.
في الجامعة، كانت تمشي في ممرات المبنى كأنها تسير في حلم ممتد.
كل شيء يبدو ضبابيًا، حتى الأصوات.
حتى وجوه الناس.
لكن حين التفتت في زاوية الممر…
رأته.
إليو.
واقفًا يتحدث مع أحد الطلاب، لكن عينيه كانت تبحث عنها.
وعندما التقت نظراتهما، كأن الزمن توقّف.
اقترب منها، ولأول مرة، قال بدون مقدمات:
"هل تتذكرين شيئًا من الحريق؟"
توقفت خطواتها.
كلماتها علقت في حلقها.
سألته بصوت خافت
"أيّ حريق تقصد؟"
ابتسم بحزن، وقال
"الذي غيّر كل شيء."
ثم أكمل طريقه، وتركها في زلزال من الأسئلة.
"الذي غيّر كل شيء"
تركها إليو بهذه الكلمات، ومضى.
لكنها لم تمضِ.
تجمّدت مكانها وكأن قدميها زُرعتا في أرض الغموض.
كيف عرف؟
عن أي حريق يتحدث؟
ولماذا شعرت حين نطق الكلمة… وكأن جسدها بأكمله احترق للحظة؟
انكمشت على نفسها من البرد، أو من الخوف، لا تدري.
كل شيء بدأ يخرج عن سيطرتها.
الأحلام… الرسائل… الأصوات التي تشبهها لكنها ليست منها…
وإليو.
هذا الغريب الذي يصرّ قلبها على أنه… ليس غريبًا أبدًا.
رجعت إلى قاعتها كمن يمشي فوق جمر.
جلست دون أن تلاحظ المحاضرة، لم تسمع حرفًا مما قاله الدكتور، فقط عيناها كانت تطاردان كل حركة قد يقوم بها إليو إن ظهر من جديد.
لكنه لم يظهر.
على الأقل، ليس علنًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين عادت إلى سكنها، أغلقَت الباب خلفها بحذر كما لو أن العالم كله بالخارج يطاردها.
وضعت حقيبتها، ولم تذهب مباشرة إلى غرفتها.
هناك شيء بداخلها يدفعها لتفقد كل زوايا البيت…
كأن أحدهم كان هنا أثناء غيابها.
فتحت الخزائن.
تحسّست المفارش.
نظرت خلف الستائر.
لا شيء.
لكن الشعور بالوجود لم يختفِ.
دخلت غرفتها أخيرًا…
وتوجهت فورًا إلى المرآة.
لم تكن هناك ورقة هذه المرة.
لكن كان هناك شيء آخر.
ظل.
ليس ظلها.
بل ظلّ ظهر لثوانٍ خلفها ثم اختفى، كأن أحدهم مرّ خلفها، وذاب في الحائط.
تراجعت بفزع.
كادت تصرخ، لكنها كبحت الصوت في حلقها.
نظرت مرة أخرى… لا أحد.
مدّت يدها ببطء نحو المرآة، وكأنها تتحدى نفسها.
"إن كنتِ أنا… من تكتب تلك الرسائل، فأريد أن أعرف لماذا."
قالتها لنفسها، بصدق تام لأول مرة.
وفجأة، كأن المرآة لم تعد مرآة.
انعكاسها تغيّر.
صارت ترى نفسها، لكن بعيون دامعة، وشفتين تنطقان… دون صوت.
حاولت أن تتراجع، لكن جسدها لا يستجيب.
ثم ظهرت جملة جديدة… محفورة على الزجاج من الداخل:
"لا تبحثي عن الذكرى… بل اسألي النار عمّن أبقاكِ حيّة."
شهقت.
وعادت للخلف حتى اصطدمت بالجدار.
---
فلاش — لمحة من الماضي
عيناها تشتعلان.
كانت هناك ألسنة لهب.
أجساد تركض.
صوت فتاة تصرخ… اسمها.
"ليانثي!!"
لكنها لا ترى من يناديها.
كل شيء يحترق.
الضوء.
السماء.
المكان.
ثم…
يدان امتدّتا نحوها.
قويتان.
مألوفتان.
ضمّتاها بقوة.
"لن أدعكِ تموتين…"
---
استفاقت ليانثي من الفلاش القصير وهي تلهث كمن خرج من تحت الماء.
جلست على الأرض، ضامّة ركبتيها لصدرها، وعيناها لا تفارقان المرآة.
هذه المرة، لم تكن بحاجة إلى أيّ تفسير.
كانت تلك ذكرى.
ذكرى من شيء حاول عقلها طويلاً إبعاده عنها.
---
مساء نفس اليوم
كانت جالسة على مكتبها، تحاول كتابة شيء… أي شيء.
لكن كل ما كتبته هو:
"صوتي ليس غريبًا عليّ، لكنه صار لا يشبهني…"
"أنا أكتب… لكنني لا أتذكر…"
"وهناك رجل، كان في الحريق…"
"وكانت عيونه تشبه إليو."
توقّفت.
ثم همست لنفسها:
"هل إليو… هو من أنقذني؟"
"هل هو السبب في أنني لا أتذكر؟ أم هو من حاول أن يجعلني أتذكّر؟"
ثم رفعت عينيها إلى المرآة، وقالت بصوت واضح:
"غدًا… سأواجهه."
-----------------------------------------
كاااااااات🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬
نهاية الفصل
تستعد ليانثي أخيرًا لمواجهة إليو، محاولة كسر الحاجز بين ماضيها وحاضرها.
لكن ما لا تعرفه بعد،
أن بعض الذكريات… لا تعود إلا بثمن.
ماذا ستكون النهايه وما الذي ينتظرهاا؟.