حين يراك الظل...
لم يكن الصباح كما قبله. الضوء الذي تسرّب من النافذة لم يكن دافئًا، بل خافتًا كذكرى قديمة فقدت معناها. حتى وجهي في المرآة... لم يكن وجهي تمامًا.
تجاهلت كل ذلك، وارتديت معطفي. مررت قرب الدرج حيث أخفيت الكتاب. لم ألمسه. لكني شعرت كأن الورق في الداخل... يُنصت.
في الطريق إلى الجامعة، كانت الشوارع أكثر هدوءًا من المعتاد. عيون المارّة عابرة، والمدينة – رغم ضجيجها الخفيف – بدت كأنها تمثّل حياة لم تَعُد تخصّني.
عند البوابة، لاحظت إعلانًا جديدًا، مُعلّقًا بعناية:
> ندوة اليوم: "ما لا يُكتب في الأدب: ظلال الشخصيات المنسيّة" الساعة 10 صباحًا – القاعة الحمراء – الأستاذ لورنس
لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
لكنني... ذهبت.
في القاعة الحمراء، كان كل شيء مغطّى بلون نبيذي عميق. المقاعد، الستائر، حتى الضوء بدا كأنه يخرج من قلب كتاب قديم. جلست في الصف الأخير، وراقبت الحضور القليل.
ثم دخل هو.
رجل طويل، شاحب، عيناه رماديتان كأنهما تُقلّبان الماضي لا الحاضر. لا أوراق في يده، لا حقيبة. فقط وقف أمامنا، وقال بصوت رخيم:
– "هل فكّر أحدكم يومًا في الشخصيات التي نُسيت من القصص؟ التي لم يكتبها أحد؟"
ساد صمت.
تابع:
– "حين يكتب الكاتب… هناك دائمًا شخصية تتوارى خلف الأحداث. لا اسم لها، لا دور، لا وصف. فقط ظل. لكن أحيانًا، تلك الظلال... تنتقم."
توقّف عند كلمته الأخيرة، ثم التفت نحوي مباشرة. نظرت خلفي. لا أحد.
ابتسم بخفوت، كأنه يعرف شيئًا عني.
هل يعرف؟ أم أنني بدأت أتوهم أن هذا العالم كلّه يهمس لي؟
بعد انتهاء الندوة، قررت اللحاق به. خرجت بسرعة، لكنه لم يكن في الممر. لا أثر له. كأن القاعة نفسها ابتلعته.
عدت إلى قاعة الأدب القوطي، وجلست بجوار فتاة لم أرها من قبل. كان شعرها بنيًا باهتًا، وملامحها ضائعة كصفحة مبللة بالحبر.
– "هل هذه أول مرة تحضرين المحاضرة؟" سألتها.
نظرت إليّ بعينين غريبتين وقالت:
– "أنا هنا منذ البداية. أنتِ فقط من لا تلاحظ."
شعرت بوخزة في صدري، كأن الكلمات مرّت من خلالي لا إليّ.
ثم أخرجت من حقيبتها كتابًا أسود، يشبه كتابي تمامًا. رفعته، وابتسمت:
– "كلّ من يحمل هذا… سينسى من يكون، لكنّه سيتذكّر من كان عليه أن يكون."
سألتها، بشبه همس:
– "من أعطاك هذا؟"
قالت دون أن تنظر إليّ:
– "هو لا يُعطى... بل يُختارك."
قبل أن أرد، سقط قلم من طاولتي، وحين انحنيت لالتقاطه… كانت قد اختفت.
لا صوت، لا حركة، لا أيّ أثر.
**
في المساء، عدت إلى غرفتي وفتحت الدرج. الكتاب ما زال هناك، لكن شيئًا ما تغير فيه.
الغلاف… صار أغمق.
فتحت أول صفحة.
كانت قد امتلأت.
لكن لا بكلمات.
بل برموز.
رموز غريبة، كأنها بقايا لغة ضاعت عبر القرون. خطوط مائلة، عيون مفتوحة، وسطر واحد مفكّك يشبه نداءً:
> "حين تُفتح الصفحة الأخيرة… لن تعودي سيران."
ارتجفت. أغلقت الكتاب، ووضعته في حقيبتي.
في اليوم التالي، ذهبت إلى المكتبة. لكنني لم أبحث عن كتاب. بل عن سجلّ استعارة الكتب.
طلبته من الموظفة، فناولته لي بتردد. فتّحت السجلات، بحثت عن يوم أمس.
وجدته.
الكتاب الأسود، بلا عنوان.
اسم المستعير؟
سيران.
ثم قبله؟
لا شيء.
أنا… أول من استعاره؟
لا.
بل الأولى التي كُتب اسمها.
لكن بجانب اسمي، ظهر شيء لاحقًا… سطر بخط مائل لم يكن مطبوعًا. وكأنه انكتب الآن فقط.
> "تم اختيارك."
**
في تلك الليلة، وجدت ورقة صغيرة داخل حقيبتي، ليست بخطي. على طرفها السفلي، كانت هناك بقعة دم صغيرة جافة.
الجملة الوحيدة فيها كانت:
> "في الصفحة السابعة… سيبدأ العدّ."
نهضت مذعورة.
أخرجت الكتاب. قلبت الصفحات. واحدة… اثنتان… ثلاثة…
حتى وصلت السابعة.
لكنها كانت مختلفة.
لم تكن مكتوبة… بل محفورة.
حفرتُها يد مجهولة، داخل الورق، بكلمات مشوّهة. كان من الصعب قراءتها، لكنني استطعت أن أميّز:
> "إيدن ينتظر..."
...