ليست الكتب مجرد أوراق وحبر، بل أزقة خفية تؤدي إلى حيث لا يمكن للعقل أن يتخيل... ولا أعلم على وجه الدقة، ما الذي جعلني أفتح ذلك الكتاب تحديدًا!
هل كانت لمسة غلافه البارد؟ أم تقلّب عناوينه الغامض؟ أم أنَّ القدر – بسخريته المعتادة – قد قرر أن يقتحم حياتي من ثغرة في إحدى صفحاته؟ كل ما أعلمه الآن، أن ثمة ما يزال هناك، بين السطور كأنه ينتظرني منذ قرون.
أنا لست بطلة من أولئك اللواتي يخترن السيوف أو يملكن قوى خارقة. أنا مجرد فتاة ادعى سيران تُحدق بسكونٍ بعينين لا تعرفان النوم وفضولٍ لا يموت. أكمل دراستي في الأدب بجامعة عريقة لم تكن يومًا حلمًا، بل مهربًا من حقيقةٍ أقل من الاحتمال.
حين رحل والدي – في حادث لم يترك خلفه سوى الظلال – وجدتُ نفسي في بيت جدّتي، امرأة هادئة تملك عيونًا تعرف أكثر مما تقول وتُخفي بين التجاعيد حكايات لا تريد أن ترويها. هي لا تطرح الأسئلة، ولا أجد إجابةً جمعتها دون صوت.
أعيش في منزل يشبه المتاحف المهجورة، بأرضيات تصدر أنينًا تحت الخطوات، وجدران تندثر أكثر مما تُنسي. وفي هذا المكان، لا شيء يبدو في مكانه... ولا أحد يتكلم عن تلك الغرفة في الطابق العلوي.
في هذا الصباح الذي حمل في طياته برودة غريبة رغم دفء الشمس، قررتُ أن أتوّجه إلى قاعة المحاضرات برفقة كايلي، زميلتي في مادة "الرومنسية في الأدب القوطي". فتاة ذات شعر ناري وطباع متقلبة، تتكلم كثيرًا وتضحك كثيرًا، لكنها لا تعرف كيف تصمت عندما يكون الصمت أنسب من أي حديث.
قالت لي كايلي فجأة، ونحن نعبر الممر: "أنا أراقب الأستاذ، إنه معجب بك." نظرتُ إليها بدهشة لم أخفِها، لكنها واصلت: "إنه يطيل النظر إليك حين تكتبين، كأنما يريد أن يقول شيئًا." ضحكتُ بخفوت، لا أملك ما أعلّق به، واكتفيت بأن أسرّع خطاي نحو المكتبة برفقة كايلي
كنت بحاجة لهدوء في ذلك الركن الهادئ من المكتبة، لم أكن أبحث عن كتاب بعينه. كنت أبحث عن صمت. لكن يدي امتدت لذلك الرف العالي، وسحبت كتابًا لا يحمل عنوانًا.
ترددتُ، ثم فتحته. وفي الصفحة الأولى، كان هناك اسم واحد بخط داكن:
"إلى من تنبض روحها بفضول لا ينام… سيران."
"شعرت وكأنّ الأرض انسحبت من تحتي ... كيف لاسمي ان يكون هنا ؟
كأن الهواء تغيّر من حولي... كأن الصفحات تنفست بعد سبات طويل. ولأول مرة منذ زمن، شعرت أن بين السطور هناك من يراقبني أنا. أنا... فقط.
تابعت القراءة، دون وعي، دون إدراك لما يحدث حولي، وكأنني أُغمس في نفق لا نهاية له... لكن لا شيء مما قرأته كان مألوفًا. الكتاب لا يشبه كتب الجامعة. ولا يشبه كتب الأدب. ولا يشبه شيئًا.
كأنه مكتوب لي. لي وحدي.
وما لم أكن أعلمه حينها أنني حين فتحت ذلك الكتاب... كنت في الحقيقة أفتح شيئًا آخر تمامًا.
أفتح بابًا لم أدرك أنه باب. ليس مصنوعًا من خشب أو حديد، بل من الحبر والنّبض. شيءٌ كان يراقبني من خلف الصفحات، ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر… لحظة انحناء رأسي وامتداد أصابعي نحو الكلمات.
قلبت الصفحة التالية ببطء، كانت بيضاء. ثم الصفحة الثالثة... فارغة كذلك. لكن عند الصفحة الرابعة
"لكل ظلٍّ مرآة…"
قرأت الجملة مجددًا، ببطء، وهمس داخلي يسأل: أي ظلّ؟ وأين مرآته؟
ثم قلبت الصفحة التالية…
كانت مظلمة. نعم، ليست سوداء، بل مظلمة، كأن الحبر امتص النور، وكأن الضوء لا يجرؤ على لمسها.
لكن في أعماق تلك العتمة، كانت هناك كلمة… واحدة…
"ايدن"
شهقت.
أردت أن أغلق الكتاب… لكن أطرافي لم تطاوعني. كانت هناك جملة أخرى تتكوّن ببطء، كأن كيانًا ما يكتبها الآن، ونحن نراقب:
"المرايا لا تعكس الوجه، بل ما تحاولين إخفاءه."
تراجعت خطوة للخلف، وشعرت أن المكتبة كلها… تغيّرت. نفس الرفوف، نفس الكتب، نفس الصمت، لكن الهواء صار أثقل، والنور أكثر هشاشة. وكأن المكان يعرف… ويشهد.
– "سيران…" قالت كايلي هيا يجب ان نذهب .
– قلت "هل تسمعين ذلك؟"
صوت.
خافت، دافئ، لا يُشبه بشريًا.
كان يأتي من الكتاب.
لا، من خلف الكتاب
لكن شيئًا ما – شيء لا يُرى – بقي معنا.
نظرت إلى الغلاف مجددًا. كان لا يزال كما هو… جلد أسود، دون عنوان. لكنّي أقسم… أن نبضًا خافتًا كان يتردّد تحته، كأن قلبًا صغيرًا ينبض داخل الورق.
– "لا أظن أن هذا كتاب عادي." تمتمت.
كايلي نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت:
– "أنتِ لستِ فتاة عادية، سيران. وهذا الكتاب… لم يخترني، بل اختاركِ."
شعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافي. أغلقت الكتاب وأنا أرتجف، كأنني لم أفتح ورقًا بل نافذة على شيء أعمق… شيء يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
وفي أعماقي، لم أكن خائفة.
بل كنت...
مفتونة.
---
في تلك الليلة، لم أستطع النوم.
وضعت الكتاب في درجي، ثم نهضتُ مراتٍ كثيرة أتحقق أنه لا يزال هناك. كأنني أخشى أن يرحل، أو أسوأ… أن يتحرّك.
وكلّما أغلقت عيني، كنت أرى جملة تتكرّر في ذهني:
"لكل ظلٍّ مرآة."
لكن أي مرآة تعكس ظلي؟
وأي ظل… هو ظلّي حقًا؟
ربما بدأت الأمور تتغيّر.
وربما… كان عليّ ألّا أفتح ذلك الكتاب أبدًا.
لكنني فعلت.
والآن، لا شيء سيعود كما كان.
---
"يتبع..."