لا أحد يتحدث عن الأصوات التي تأتيك ليلًا، حين يصمت كل شيء ويبدأ الجنون بالهمس. لا أحد يصدقك حين تقول إن الجدران تتنفس، وإن العتمة تراقبك.
المدينة كانت نائمة، لكنها لم تكن ميتة. كانت تتنفس مثل وحش عتيق اختبأ طويلاً. والمباني العتيقة المتشققة، تُخفي خلف نوافذها المغلقة أكثر من مجرد العزلة. هناك أشياء لا تُرى، لكنها موجودة. تتربص. تنتظر أن تُخطئ فقط.
كنت وحدي، كما في كل ليلة. طاولة الدراسة أمامي، أكواب قهوة باردة، وكتب لم أفتحها. الرياح تتسلل من النافذة، تلامس عنقي كأنها أصابع مبللة. أشعر بها... لكنها لا تترك أثرًا.
كنت أسمع شيئًا، نعم... لكنني أقنعت نفسي بأنه مجرد خيال. فقط لأنني لم أكن مستعدة للاعتراف بأنني أصدق. لأن الاعتراف يجعل الشيء حقيقيًّا.
الصوت الأول كان أشبه بهمسة في الجدار، تردد خافت لا يحمل كلمات واضحة. مجرد صوت، لكنه اخترقني. التصقت بالجدار، وضعت أذني على البارد الخرساني... وسمعت. شيء ما كان يتحرك هناك. شيء ليس فأرًا، ولا أنابيب. شيء يتنفس. شيء يهمس.
تراجعت ببطء، وقلبي يرتجف.
لا أحد يصدق أن الخوف لا يبدأ عندما ترى الشيء... بل حين تعلم يقينًا أنه هناك، لكنك لا تستطيع تحديده.
في الليلة ذاتها، انطفأ المصباح ثلاث مرات. النوافذ تُفتح وحدها. والمرآة في الحمام... ظهرت عليها كلمة.
مرحبًا.
كيف ترد على تحية من شيء لا ترى وجهه؟
سألت جدتي في الصباح التالي، ضحكت. قالت إن البيت قديم، وإن بعض الأشياء تصدأ وتئن. لكنني لم أسألها عن الخشب. كنت أسأل عن الروح التي تسكن الجدار.
في الجامعة، كنت بالكاد أركز. كأن رأسي ليس رأسي. المحاضرات تمرّ ببطء، والطلاب يبدون مثل أصوات مكتومة في خلفية كابوس. عقلي كان هناك... عند الحائط، عند الكلمة، عند الخطوات.
رجعت مساءً إلى المنزل، والشارع خالٍ من كل شيء عدا الريح. حتى الريح بدت وكأنها تهمس باسمي. خطواتي كانت تسرع، لكنني لم أكن أهرب. فقط... أردت أن أصل قبل أن يلحقني شيء لا أعرف اسمه.
عند الباب، وجدتها.
ورقة صغيرة، مثبتة بمشبك صدئ، مكتوب عليها بخط غريب مائل:
"لا تفتحي الباب هذه الليلة."
هل كان تحذيرًا؟ أم تهديدًا؟
دخلت، أغلقت كل شيء، وتركت النور مشتعلاً في الغرفة. جلست في الزاوية، أنظر إلى الجدار. هل أنا من بدأ يسمع؟ أم أنني تأخرت فقط؟
عند منتصف الليل، تكرر الصوت. لكن هذه المرة، لم يكن همسًا. كان صوت حفر. أظافر تحكّ الجدار من الداخل. تجرح الإسمنت. تقترب.
ثم توقف كل شيء.
لحظة واحدة فقط. هدوء غريب، كأن حتى أنفاسي لم تعد تُسمع.
ثم...
"هل تسمعينني؟"
لا أعرف من أين جاء الصوت. لكنه لم يكن في أذني، كان في رأسي. داخلي. واضح. رجولي. ثقيل.
ركضت نحو المرآة، وظهرت كلمة جديدة.
"اقتربت."
وفي زاوية المرآة، شيء يشبه الظل... يبتسم.
هذه مجرد البداية.
لم أنم تلك الليلة، جلست متكوّرة على نفسي، أتابع عقارب الساعة التي كانت تتحرك ببطء خانق. الثانية بعد منتصف الليل. ثم الثالثة. ثم لا وقت... مجرد ثقل في الهواء ورجفة لا تفسير لها. شعرت وكأن الجدران تقترب مني، كأن البيت كله يريد أن يبتلعني.
أضأت كل مصابيح الغرفة. أمسكت دفتري، وحاولت أن أكتب شيئًا. أي شيء. لكن يدي كانت ترتجف. كتبت عبارة واحدة:
"هل هناك من يراقبني؟"
وحين عدت إليها بعد لحظة، لم تكن كما كتبتها. الحروف نفسها، لكن الترتيب تغيّر. صارت الكلمات غريبة، مقلوبة، وكأن شيئًا عبث بها حين غفلت.
قرّبت الورقة من عيني. لم تكن مجرد كلمات... بل أشكال، رموز، خيوط سوداء ممتدة على السطور، كأنها شقوق على وجه ورق مسموم. قلبي دق بعنف. مزّقت الصفحة فورًا، وألقيت بها في سلة المهملات، لكن رائحتها بقيت... كأنها دخان حطب رطب.
في الصباح، وجدت جدتي في المطبخ، ترتّب فطورًا تقليديًا كما كل يوم. حاولت أن أبدو طبيعية، لكني لم أستطع مقاومة سؤالي:
"جدتي هل كل البيوت القديمة تتنفس ليلا ؟"
رفعت عينيها إليّ، وفي لحظة خاطفة، انطفأت ابتسامتها.
"لماذا تسألين؟"
"لا شيء، فقط شعرت ببعض الأصوات أمس... جدران تصدر صوتًا غريبًا."
سكتت. حدّقت فيي لثوانٍ، ثم قالت ببطء:
"الأماكن التي تحمل الذكريات كثيرًا ما تتنفس... لكن لا تخافي، الجدران لا تؤذي من يسكنها بنيّة طيّبة."
كلماتها كانت لطيفة، لكن نبرتها لم تكن مطمئنة. شعرت أنها تعرف أكثر مما تقول. عيناها كانت تقولان شيئًا آخر.
في الطريق إلى الجامعة، كنت أُطيل النظر في وجوه الناس. أتأمل العيون، الحركات، تفاصيل صغيرة. الجميع بدا عاديًا، لكني كنت أنتظر أن يلمحني أحدهم... أن يقول: "أنتِ لستِ وحدكِ."
في المدرج، جلست في آخر صف. أستاذ مادة الأدب تحدث عن الرعب القوطي والظلام الداخلي، عن الفراغ، واللاوجود، عن أن الخوف لا يحتاج إلى مشهد دموي ليصير قاتلًا... بل يكفي أن يكون صامتًا.
أحسست بالدم يتراجع من وجهي. كل كلمة يقولها كانت تصف ما أعيشه حرفيًا.
ثم بدأ يتحدث عن شخصية في رواية قديمة... امرأة كانت تسمع همسات من الجدران.
نظرت نحوه فورًا.
"انتهت القصة بأن المرأة لم تكن مجنونة... بل أن الجدار نفسه كان بوابة. لكنها اكتشفت ذلك متأخرة."
تصلّب جسدي.
هل هذه صدفة؟ أم أن شيئًا بدأ يتلاعب بي حتى هنا؟
بعد المحاضرة، ذهبت إلى الحمام. غسلت وجهي، ثم رفعت بصري نحو المرآة... ورأيت شيئًا لا يمكنني تفسيره.
لم يكن وجهي وحده في الانعكاس.
كان هناك ظل خلفي.
لكن حين التفتُّ، لم يكن أحد.
عدت ببصري للمرآة... واختفى.
لكن شيءً جديدًا ظهر مكانه. بخار خفيف على الزجاج، كأن أحدهم نفث عليه، ورسم بكفّه المبلّلة دائرة.
وفي وسطها، كلمة:
"عودي"
لا أعرف كيف وصلت إلى سريري في تلك الليلة، كل ما أذكره هو أنني كنت أركض... لكنني لم أكن أعلم من ماذا.
في الحلم، كنت أفتح بابًا صدئًا. خلفه، لم يكن هناك شيء، فقط ظلام كثيف. كان الصمت داخله خانقًا كالماء. شعرت أني أغرق وأنا واقفة.
ثم رأيته... لم تكن ملامحه واضحة، لكن جسده كان ممدودًا، كأنه مُعلق في الهواء. بلا وزن، بلا وجه. عيونه فقط، كانت تنظر إليّ بثبات، وبؤبؤاه ينبضان كجمرتين تحت الرماد.
قال لي شيئًا... بصوت لا أظنه خرج من فمه، بل تسلل إلى داخل رأسي:
"أنا هنا منذ البداية."
استيقظت أصرخ.
كانت الساعة الثالثة وسبع دقائق. دائمًا الثالثة. هذا الوقت صار يطاردني كطيفٍ ساخر. كنت أتصبب عرقًا، رغم أن الهواء كان باردًا حد الرجفة.
تقدمت نحو النافذة، وسحبت الستائر ببطء. لم يكن هناك شيء... حتى رأيت طيفًا يمر بسرعة، ظلٌّ انحنى ومرّ تحت عمود الإضاءة ثم اختفى. قلبي تجمّد. لم أجرؤ على فتح النافذة، فقط بقيت أراقب، أتنفس بصمت، وأحاول إقناع نفسي أن ما رأيته مجرد وهم. لكنه لم يكن.
في اليوم التالي، كانت الجامعة تزداد غرابة. بعض الوجوه التي اعتدت رؤيتها لم تكن موجودة. واحدة من زميلاتي اختفت، ولم يتحدث عنها أحد. وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. فتشت في قوائم الطلبة... لم أجد اسمها.
أصبحت أنسى التفاصيل. الأوقات. الوجوه. بعض المحاضرات أحس أنني حضرتها من قبل. شعور غريب بأن الأشياء تكرر نفسها، لكن بشكل مشوّه، كأنني أعيش اليوم نفسه مرارًا... مع تغيّرات طفيفة لا يلاحظها أحد سواي.
وفي إحدى الحصص، بينما كنت أفتح كتابًا قديمًا استعرتُه من مكتبة الجامعة، سقطت ورقة بين الصفحات. صفراء، بحواف ممزقة.
عليها خُطّت جملة بقلم أحمر:
"إن اقتربتِ أكثر... لن تستطيعي العودة يا سيران "
رمشت بعيني. نظرت حولي. لم يرَ أحد ما سقط. أسرعت وأخفيتها في حقيبتي.
في تلك الليلة، قررت أن أفتح تلك الصفحة من حياتي التي كنت أهرب منها.
ذهبت إلى العُلّية.
منذ وفاة والدي، لم أفتح تلك الغرفة. الجدة منعتني دومًا، بحجّة أن "المكان مليء بالغبار والذكريات المؤذية". لكن الليلة... شعرت أن شيئًا ما ينتظرني هناك.
صعدت السلالم الخشبية ببطء. كل درجة كانت تصدر أنينًا، كأنها تحتضر. فتحت الباب المتهالك. رائحة العفن والماضي امتزجت بالهواء البارد.
كان هناك صندوق كبير، مغطى بقطعة قماش سوداء. حين سحبتها، تطاير الغبار كدخان ضبابي. فتحت الصندوق... ووجدت صورًا.
صورًا لي... وأنا نائمة.
في سريري. بملابس مختلفة. وفي تواريخ قديمة وجديدة.
من التقطها؟
كيف وصلت إلى هنا؟
وفي أسفل الصندوق، وُجد دفتر أسود، عليه وسم غريب، يشبه ثلاث عيون متداخلة.
فتحته...
وكانت الصفحة الأولى تحمل اسمًا واحدًا:
"إيدن
> "أُهدي هذا الظلام... إلى من يملك نورًا لا يُشعل."
- كوثر