انعكاس بلا ملامح

انعكاس بلا ملامح

16 0

هناك لحظات لاتشبه غيرها ....وهو احدها

لم يكن الليل هادئًا كعادته… بل كان يختبئ خلف ستائر كثيفة من الصمت، كأن شيئًا ما انزلق من بين الشقوق القديمة للجدران، وتسلل إلى الداخل.

دار جدّتي، التي اعتدت أن أشعر فيها بشيء يشبه الطمأنينة، بدت لي تلك الليلة غريبة. السكون فيها لم يكن سلامًا… بل كمينًا.

كنت مستلقية فوق سريري، أرمق السقف بعينين نصف نائمتين، حين سمعته.

طرقة. واحدة فقط.

كأن أحدهم نقر على باب منسيّ داخل المنزل. لم تكن قوية… لكنها لم تكن خيالًا. شعرت بها في عظامي، لا في أذني.

جلست ببطء. حدقت في الظلام، وكأن الظلال قد تحركت. لا شيء. لا صوت بعد الطرقة. لكن شيئًا في داخلي… بدأ يناديني.

لم أكن أنوي الذهاب. أقسم أني لم أكن أنوي.

لكني وجدت نفسي أقف، حافية القدمين، أسير على أطراف الأصابع في الممر البارد، كأن أحدهم يسحبني من خيوط غير مرئية.

الطرقة لم تأتِ من الباب الرئيسي، ولا من المطبخ. بل من مكان لم أقترب منه منذ أن فقدت والديّ…

غرفة أمي.

كانت جدتي تغلقها دائمًا، وتقول: "لا تفتحي هذا الباب، دعينا لا نُوقظ الذاكرة."

وكنت أطيع. حتى تلك الليلة.

حين اقتربت منها، لم تكن مغلقة.

الباب كان مواربًا، قليلًا فقط، لكن يكفي لتمتد منه رائحة قديمة… كأنها ذكرى نائمة.

مددت يدي ببطء، ودفعت الباب.

صوت الخشب وهو يئن تحت المفاصل الصدئة جعل قلبي يقفز.

الغرفة مظلمة، والأثاث مغطى بشراشف رمادية متربة، لكن ضوء القمر تسلل من نافذة صغيرة وكشف لي عن شيء واحد… مرآة ضخمة، واقفة قرب الجدار، لم أرَ مثلها من قبل.

ما زلت لا أتذكر أنها كانت هناك.

اقتربت.

لم أستطع التوقف. شيء ما في انعكاسي كان غريبًا. لم تكن تلك أنا فقط.

كان خلفي ظل.

ليس واضحًا… لا وجه، لا ملامح، لا أطراف. فقط ظل واقف، ساكن.

استدرت بسرعة… لا أحد.

ثم سمعت الصوت.

ليس همسًا، بل صدى، يأتيني من كل مكان:

— "سيران."

اسمي. لا أكثر. لكن الطريقة التي نُطق بها… جعلت جسدي يتجمد. كأن الحروف خرجت من قاع البئر، مبتلة بالبرد والدهشة.

نظرت مجددًا إلى المرآة.

الظل كان أقرب.

لم أعد أرى الغرفة خلفي، بل شيء آخر… جدران حجريّة، ممرّات، وأعين لا ترمش.

تراجعت خطوتين.

لكن الظل تحرّك. لم يكن انعكاسًا، بل كائنًا… يقترب.

ثم فجأة، من قلب المرآة… خرج الصوت من جديد، أقرب هذه المرة، دافئًا وباردًا في آن:

— "أخيرًا... استجبتِ."

كأنني خُلقت لأسمعه. كأن كل الطرق التي عبرتها قادتني إلى هذه اللحظة.

ظهرت يد سوداء كالدخان، من المرآة، ببطء… لم تلامس الأرض، بل انبثقت في الهواء.

ثم اتخذ الشكل هيئة رجل.

وجهه غير واضح. كلما ركزت على ملامحه، تغيّرت.

مرة عيناه زرقاوان كالموت، ومرة سوداوان بلا قاع.

شعره كخيوط الليل، يتحرك بلا ريح، وثيابه… كأنها نُسجت من ضوء منطفئ.

تراجعت، لكن قدماي رفضتا الحركة.

تكلّمت أخيرًا:

— "من أنت؟"

لم يجب فورًا.

أدار وجهه نحو الغرفة، كأنها مألوفة لديه، ثم نظر إليّ… ونطق اسمي من جديد، لكن بطريقة أخرى، كأن روحي هي التي نُوديت:

— "سيران…"

ابتلعت ريقي. أردت أن أصرخ، أن أركض، لكن جزءًا مني… أراد أن يعرف.

— "أنت حلم؟ كابوس؟ هل أنا... نائمة؟"

اقترب خطوة، لم تلامس قدماه الأرض.

— "بل أنتِ مستيقظة أخيرًا."

— "هذا مستحيل... أنتَ لست حقيقيًا."

ابتسم. لا، لم تكن ابتسامة، بل انحناءة طفيفة في طرف فمه، كأن العالم كله أصبح نكتة لا يفهمها سواهما.

قال بهدوء:

— "الحقيقة... مسألة وقت. وأنا كنت… في انتظارك."

ثم توقف. نظر إلى السقف، كأن شيئًا ما اقترب.

— "الوقت لا يسمح لي بالبقاء. ليس هنا."

بدأ جسده يتلاشى، كأن الضباب يبتلعه. ركضت نحوه دون وعي.

— "انتظر! من أنت؟!"

صوته جاءني هذه المرة من داخل رأسي:

— "إيدن."

ثم اختفى.

تركت وحدي… في غرفة أمي، والمرآة ما تزال واقفة، لكن لا شيء خلفها سوى انعكاسي… المربك… كأن عينيّ تغيرتا.

خرجت من الغرفة بخطى غير ثابتة، وعقلي كصندوق فُتح دون إذن، وامتلأ بما لا أفهمه.

لم أخبر جدتي. لم أملك الكلمات. لم أنم تلك الليلة، بل ظللت أحدّق في يدي.

كنت أشعر بشيء غريب... وخز خفيف في معصمي الأيسر. حين رفعت كمي، كدت أختنق من الصدمة.

كانت هناك علامة. دائرية، دقيقة، ليست وشمًا ولا جرحًا. بل شيء ما بين الحرق والظل... كأن أحدهم رسم شيئًا بداخلي وترك أثره على الجلد.

مررت إصبعي فوقها، لم أشعر بشيء... لكنها لم تختفِ. حاولت غسلها، خدشها، فركها… لا شيء. بقيت.

في اليوم التالي، بدا كل شيء عاديًا. على الأقل ظاهريًا. لكن داخل رأسي، كل شيء كان مختلفًا.

كنت أسمع أصواتًا خفيفة تأتي من الجدران. لا كلمات... فقط همسات، كأن الحائط يتنفّس.

وحين دخلت الحمام، وأغلقت الباب، رأيت انعكاسي يبتسم... وأنا لم أكن أبتسم.

تراجعت مرعوبة. أقسم أنني لم أتخيلها.

رفعت يدي ببطء... وانعكاسي تأخر نصف ثانية.

شيء ما تغيّر.

كتبت في دفتر مذكراتي كلمة واحدة فقط:

"إيدن."

وما إن أغلقت الغلاف... حتى سمعت صوتًا خلفي، خافتًا جدًا…

— "ما زلت هنا."

---

..انظر خلفك ....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في اعماق الليل

المؤلف Maddy
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة