المقبرة التي لا اسم لها
لم أكن أعرف أنني سأعود إلى هذا المكان.
"الحي الصناعي القديم" — بقعة منسية في خريطة المدينة، مهجورة منذ سنوات، محظورة رسميًّا، لكنها تنبض بشيء مظلم، كأنه قلب سريّ لهذه المدينة الهادئة المزيّفة.
وقفت أمام أحد المستودعات المهجورة، حسب ما حددت الخريطة.
الجدار الأمامي متهالك، وعليه بقايا شعارات قديمة.
لكن في الزاوية السفلية، لاحظت رسمة صغيرة — عنكبوت محفور بدقة، تحته ثلاث نقاط.
نفس الرمز.
الخريطة لا تكذب.
سحبت القفل الحديدي بصعوبة، فصدر صرير طويل كأنّ الجدار يئن.
---
دخلت.
الغبار يملأ المكان، والضوء الخافت من السقف المكسور ينعكس على الأرضية الملطخة.
في الداخل، وجدت سلّماً معدنيًا صدئًا يقود إلى قبو عميق.
نزلت ببطء، أنفاسي تتسارع، يداي تلامسان الجدران، كأنّ الظلال تراقبني.
وحين وصلت القاع... رأيت الباب.
بابًا خشبيًا ضخمًا محفورًا عليه نقش معقّد:
"الأولى ماتت صامتة، الثانية غابت مبتسمة… والثالثة تعرف السبب."
ضغطت على المقبض... وفتح الباب بأزيز ثقيل.
---
ما كان خلف الباب لم يكن قبوًا… بل ممرًا حجريًا ضيقًا، يقود إلى غرفة دائرية عميقة، أشبه بسرداب طقوسي قديم.
في منتصف الغرفة، طاولة حجرية عليها أشياء مغلّفة بأقمشة سوداء.
كشفتها واحدةً تلو الأخرى...
قفاز صغير لطفل، محروق من الأطراف.
قلادة بعين واحدة محفورة وسط العنكبوت.
صورة قديمة بالأبيض والأسود لثلاثة أطفال يقفون أمام بوابة الميتم.
شهقت.
آيدن... أنا... وستيف.
كنا في الصورة.
---
أحدهم كتب خلف الصورة:
"العين الأولى ترى فقط ما يُقال.
العين الثانية تصدّق ما لا يُرى.
أما الثالثة... فتختار من تمحوه."
ركضت أنفاسي، شعرت ببرودة مفاجئة في العمود الفقري.
هذه لم تكن جريمة… بل نبوءة.
---
عند طرف الغرفة، كان هناك رف رخامي، وُضع عليه دفتر صغير جلدي.
فتحته، وكان مكتوبًا بخط أنيق، لكنه مريض.
مذكرات… باسم "د. رينارد" — المشرف النفسي السابق للميتم.
قرأتها بجنون:
> "الطفل الثالث يراقب الجميع. لا يبكي، لا يضحك، لكنه يعرف متى تنكسر الأشياء.
أعطيته قلادة العنكبوت، ليس ليرتديها… بل ليختار من يراها في أحلامه.
سألني: لماذا أنا؟
قلت له: لأنك لست كالبقية.
لم يجب. فقط نظر إليّ وقال: هل يمكنني أن أُبقيهم معي؟
قلت له: مَن؟
قال: العيون."
---
ارتجفت يدي وأنا أغلق الدفتر.
آيدن…
لم يكن مجرد طفل اختُطف.
كان يتم إعداده.
---
وبينما كنت أستدير للخروج…
سمعت صوتًا.
خطوات.
قادم من الممر الحجري خلفي.
تجمّدت في مكاني، قلبي يضرب كطبول حرب،
ثم رأيت الظل… يتقدّم ببطء.
لكن ما جعلني أصرخ…
هو أنه لم يكن ظل آيدن.
بل ظل رجلٍ آخر… يرتدي معطفًا طويلاً، وقناعًا أبيض، ويمسك بيده اليمنى شيئًا يشبه المفتاح المزدوج.
قال بصوت خافت:
— "أحسنتِ… العين الثالثة بدأت ترى."
ثم أطفأ المصباح الوحيد في الغرفة.
الصوت الذي صدر حين أُطفئ المصباح…
لم يكن فقط صوت انطفاء النور، بل صوت بداية كابوس.
كأنّ الجدران نفسها انكمشت.
المكان صار أضيق، أثقل.
الهواء امتلأ بغبار قديم، ورائحة كأنّ أحدًا عاش هنا منذ قرون… ولم يخرج.
لم أرَ سوى الظلال.
لكنّ الرجل… صاحب القناع الأبيض، كان يتحرّك بثقة.
كأنّه يعرف الغرفة حجرًا حجرًا.
---
سمعت صوته:
— "العين الثالثة… ليست ما ترينه، بل من يرى بك."
ركضت.
تحسّست الجدار بيدي، أبحث عن أي مخرج، أي باب، أي ضوء.
لكنّه تبعني.
خطواته ثقيلة، لكنّها قريبة جدًا.
أحسست بأنفاسه خلفي.
صحت:
— "مَن أنت؟! ماذا تريد؟"
لكنه لم يجب.
مددت يدي بسرعة نحو رف حجري… أمسكت تمثالًا صغيرًا، ورميته نحو مصدر الصوت.
ضربه — لحظة واحدة — ثم سمعت صوته يتراجع.
ركضت نحو المخرج الحجري… وفتحت الباب الخشبي الضخم بصعوبة، خرجت للممر، فصعدت الدرج الصدئ بسرعة، وقدمي تنزلق على الحوافّ المعدنية.
صوت خطواته كان يصعد خلفي.
---
وصلتُ باب المستودع، لكنه كان موصدًا.
أحدهم أغلقه من الخارج.
صرخت، دفعت الجدار… لا فائدة.
لكن فجأة، سمعت صوت رصاصة.
الضوء تسلّل عبر ثقب، ثم انفتح الباب.
رأيت ستيف.
وفي يده مسدّس.
وجهه كان كالغاضب والمرعوب في آن.
— "أين كنتِ؟!"
لم أجب.
خرجت، ركضت، وكأنني أهرب من شيء ما زال يلاحقني في عقلي.
---
ركبنا السيارة.
كنت أرتجف.
آيرس كانت في المقعد الخلفي، حين رأتني قفزت نحوّي.
— "هل أنتِ بخير؟! وجدتِ شيئًا؟ من كان هناك؟!"
نظرت إليها وقلت:
— "هناك شخص… ليس من الشبكة فقط… بل فوقها.
رجل بقناع. يملك مفاتيح لا أستطيع تفسيرها… ورأى كل شيء."
---
عدنا إلى القصر.
لكنني لم أنم.
جلست في الغرفة، أحدّق في المرآة.
تذكّرت كلماته…
العين الثالثة ليست ما ترينه… بل من يرى بك.
همست:
— "هل... أنا؟"
---
في الصباح، جاء ستيف حاملاً صحيفة الصباح، وقد بدت نظراته مضطربة.
— "ستيلا… هناك شيء يجب أن تريه."
فتح الصفحة.
عنوانها:
"جريمة جديدة: جثة مجهولة على سطح برج قديم، وعين واحدة مرسومة على الحائط بالدم."
بين ظلين
كان برج "مارتيكا" مهجورًا منذ عشرين عامًا.
يقال إنه كان مأوى للفنانين في بدايات المدينة، قبل أن يتحوّل إلى مأوى للكوابيس.
وصلتُ إلى هناك قبل رجال الشرطة، مستغلّة صلاحيتي السابقة كمحققة.
الشارع المؤدي للبرج كان مغطّى بالضباب، والهواء مشبع برائحة الطين.
صعدتُ الأدراج المكسّرة، حتى وصلت إلى السطح.
وهناك... كانت الجثة.
رجل مجهول، عارٍ من الأوراق، عارٍ من الاسم، لكن مرسوم على الحائط خلفه رمزٌ جديد:
عين مفتوحة بالكامل… وخلفها عنكبوت يبتلع دائرة من الضوء.
ركعتُ أمام الجثة.
يده مشدودة نحو اليسار، كما لو حاول أن يكتب شيئًا… نظرتُ إلى الأرض.
ثلاثة حروف محفورة في الغبار:
S. R. A.
ابتلعتُ ريقي.
هل كان يقصدني؟
أم شخصًا آخر؟
فجأة... شعرتُ بظل خلفي.
استدرتُ بسرعة.
كان رجلًا يرتدي قناعًا أسود… من رجال الشبكة.
صوّب سلاحًا نحوي.
ركضتُ، انزلقت عبر فتحة الدرج، نزلت الطوابق بسرعة، والرصاص يلحقني.
قفزت إلى الطابق الثالث، واختبأت خلف عامود.
ثم… سمعت صوتًا مألوفًا.
خطى ثقيلة…
ثم صوته:
"أوقف السلاح. لا تلمسها."
جمُدت.
التفتّ ببطء، ثم رأيته.
آيدن.
واقف على درجات السلالم، يرتدي الأسود، شعره مبعثر، نظراته كالسكين.
قال الرجل المقنّع:
"سيدي، هي—"
قاطعه آيدن:
"قلتُ أوقف السلاح. دعنا وحدنا."
انسحب الحارس بتردد.
وبقيتُ أنا وهو.
الهواء ثقيل.
قلبي يدقّ.
يداي ترتجفان.
قلت:
"أخيرًا… قرّرت أن تظهر."
اقترب، خطوته صدى.
"لم أختفِ يومًا، ستيلا… كنتُ أراقبك."
نظرت إليه بمرارة:
"هل قتلت جاك؟ ومارغريت؟ وذلك الرجل على السطح؟"
اقترب أكثر، وأجاب:
"أنا لا أقتل. أنا أفتح العيون."
صحت فيه:
"تتحدث كأنك نبيّ! وأنت… مجرد ظلّ كبير لعنكبوت أكبر!"
صمت.
ثم قال:
"هل تريدين الحقيقة؟ أنتِ من اختارت أن تعود."
اقترب، كاد يلمس وجهي:
"وإن كنتِ تبحثين عن صدمة... فاسمعي هذه:
مارغريت لم تُقتل."
تراجعت خطوة:
"ماذا؟"
أومأ:
"مارغريت… حيّة. وهي الآن… إحدى العيون."
---
سقطتُ أرضًا.
مارغريت… التي حقّقنا في قتلها منذ شهور؟
التي وُجدت على الجدار ميتة؟
حيّة؟ وتعمل معهم؟
همست:
"كاذب…"
اقترب، وجثا أمامي:
"أنا لا أكذب عليكِ… أنا فقط لا أريدكِ أن تُقتلي… قبل أن تري الحقيقة."
ثم نظر في عيني، وهمس:
"وإن لم ترغبي… فسوف تكونين أنتِ الضحيّة التالية، ستيلا روبيرتو."
ثم انسحب في الظل.
وبقيتُ وحدي… في الطابق الثالث من برج منسي… ومعي كلمة واحدة:
مارغريت… حيّة.
يتبع...
Sadan Sarahneh