---
الفصل السادس
تحت ظل العنكبوت
كانت شمس الصباح تُلقي بخيوطها الذهبية على نوافذ القصر الهادئ.
في الأعلى، كانت "آيسون"، البومة السوداء، تقف ساكنة على أحد الحوامل الحديدية المتدلية من السقف، تراقب كل شيء بصمتٍ مخيف.
أما أنا، فقد كنت أرتدي معطفي الطويل، وأُعدّ نفسي للخروج.
نهضتُ من على مقعد النافذة، رتّبتُ أوراق التحقيق المتناثرة، ثم تناولت مفاتيحي، وخرجتُ إلى المدينة.
اليوم، كنت بحاجة إلى مكتبة، إلى هواء مختلف، إلى لحظة انفصال مؤقت عن كل ما يلاحقني.
---
دخلتُ المكتبة القديمة الواقعة في زقاق ضيق يُشبه صدر رجل عجوز يتنفس بالكاد.
كان "لورينت"، صاحب المكتبة، يرفع رأسه من خلف رفوف الكتب عند دخولي.
ـ "ستيلا! تأخرتِ هذه المرة."
ابتسمتُ له وأنا أخلع قفازي الجلدي.
ـ "أحتاج إلى عزلة… وأنت الوحيد الذي يحتفظ بها على الرف السابع."
ضحك، وسار نحوي بخطى متثاقلة.
ـ "الرف السابع ينتظركِ، ولكن احذري، بعض الكتب فيها حقائق قد لا تودين قراءتها."
أخذت كتابًا أسود الغلاف، بلا عنوان، ثم جلست على الطاولة الخشبية الصغيرة في الزاوية.
كان الجو ساكنًا، وعبير الورق القديم يعبث بأفكاري.
---
بعد نحو ساعة، دخل "ستيف".
كان يرتدي سترته الداكنة، وعيناه لا تزالان تحملان آثار ليلٍ طويل من التفكير.
لكنه ما إن رآني حتى قال:
ـ "ظننتكِ اختفيتِ في إحدى الصفحات القديمة."
ابتسمتُ له، ومددتُ له فنجان القهوة الذي طلبته سلفًا.
جلس أمامي، ألقى نظرة خاطفة على الكتاب، ثم قال:
ـ "أنتِ دائمًا تختارين الكتب التي تخفي أشياءً عنك، تمامًا كحياتك."
رفعت حاجبيّ، وتظاهرتُ بالجدية:
ـ "وأنت، تختار الصمت كأنه وطن."
ـ "لأن الكلام مؤلم، والذكريات أكثر إيلامًا."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم ضحكنا.
كان "ستيف" الوحيد الذي يستطيع انتزاع ابتسامة مني في أكثر اللحظات اختناقًا.
ـ "تذكر حين سرقنا الخبز من مطبخ الميتم؟"
ـ "وألقيتَ به على القطة بدلًا من إخفائه؟!"
ـ "كنت أظنها تتضور جوعًا!"
ـ "كانت سمينة أكثر من مدير الميتم!"
انفجرنا ضحكًا. تلك اللحظات القليلة، رغم بساطتها، كانت تسرق الحزن من القلب للحظات.
---
في طريق العودة، كان الغروب يرسم ظلالًا طويلة على أرصفة المدينة.
مشيتُ وحدي، و"آيسون" تطير خلفي في صمت.
لكن ما إن انعطفتُ في الزقاق المظلم المؤدي إلى القصر، حتى شعرت بشيءٍ خاطئ.
لم أملك وقتًا للهرب.
يدٌ قوية جذبتني إلى سيارة سوداء متوقفة، وصوت خشن أمرني بالصمت.
صرختُ، لكن لا أحد في هذا الزقاق يسمع أحدًا.
---
حين فتحتُ عيني، كنت مقيدة اليدين، جالسة على كرسي داخل غرفة مضاءة بمصباح وحيد يتدلّى من السقف.
ثلاثة رجال يقفون في الظل، وأمامهم رجل واحد...
اقترب ببطء، خطواته ثقيلة، عيناه غريبتان... مألوفتان.
ألقى شيئًا صغيرًا على الطاولة أمامي.
كانت قلادة.
دائرية، صغيرة، يتوسطها رمز عنكبوت محفور بدقة.
تجمدتُ.
همس بصوت خافت، لكنه اخترق داخلي كالخنجر:
ـ "تحدثي، ستيلا ."
رفعت رأسي، أنظر في عينيه… الصوت مألوف…لدرجه لم أستمع لما كان يقول حتى ... العينان مألوفتان… القلادة… القلادة...
همست:
ـ "من… أنت؟"
اقترب أكثر، ظله يُغطي وجهي:
ـ "إن لم تتحدثي، فستكونين الضحية التالية… ستيلا روبيرتو."
قلبي انقبض، أنفاسي تسارعت، لكنني تماسكت، نظرت إليه نظرة متحدية، ثم قلت:
ـ "إن استطعت… آيدن فوليمورد."
سكنَ المكان.
لم يتحرك أحد من الحراس، لكنه ظل واقفًا هناك، يحدق فيّ، وشيء في عينيه ينهار.
:
---
كانت لحظة صمت، لكنها أثقل من ألف صوت.
حين نطقتُ باسمه:
— "آيدن فوليمورد."
لم يتحرك.
لم ينطق.
لكنه ارتجف.
رأيت في عينيه تلك اللمعة الغريبة، لا هي ندم ولا هي غضب… شيء ثالث لا يُقال.
كأن شيئًا في داخله تهشّم.
كأن هذا الاسم كان المفتاح، وكان الباب ينتظر منذ سنوات أن يُفتح.
اقترب أكثر، حتى أصبح ظل وجهه قريبًا من وجهي.
كان صوته هادئًا، لكنّه مملوء بالغليان:
— "أنتِ… لم تنسي؟"
همستُ بصوت متماسك رغم القيد حول يديّ:
— "كيف أنسى من كان أوّل من أعطاني قطعة خبز في الليل، ثم سرقها مني ليعطيها لقطّته؟"
ضحكة قصيرة خرجت من أنفه، ساخرة، مجروحة.
— "لم تكن قطة، كانت مجرّد سبب للهروب من الجوع."
— "وهل هذا ما تفعله الآن؟ تخطف لتنجو من جوعٍ آخر؟"
---
أدار ظهره للحراس وقال بهدوء:
— "اتركونا وحدنا."
ترددوا للحظة، ثم انسحبوا كظلال بلا صوت.
بقينا أنا وهو.
صوت مصباح السقف المتدلّي يتأرجح في الغرفة، يحدث صريرًا خفيفًا.
كانت تلك اللحظة… مزيجًا من الذاكرة والخطر.
اقترب منّي، ورفع يده ببطء ليضع القلادة في كفّي المقيدة.
حين لمستُ المعدن البارد، عادت بي الذاكرة لطفولتي.
---
{ فلاش باك }
المطر كان ينهمر على سطح الميتم، ونحن جالسون تحت الدرج الحجري.
أنا و"هو".
آيدن.
قال لي بصوته الصغير حينها:
— "إذا افترقنا يومًا، هذه القلادة ستذكّرك بي."
لم أجب، فقط نظرت إلى عينيه… نفس العيون التي أمامي الآن، لكن الفرق أن تلك كانت عيون طفل… وهذه؟ عيون رجل صنع من الغياب قناعًا.
---
عدت للحاضر.
نظرت إليه مطولًا وقلت:
— "ما الذي تريده مني، آيدن؟"
أخفض عينيه، ثم رفعهما وقال:
— "ربما… لا أعرف بعد."
---
في تلك اللحظة، بعيدًا عنّا، في أحد أروقة المدينة، كان ستيف يخرج من المكتبة، وقلبه يشتعل قلقًا.
أخذ هاتفه واتصل بي.
مرة. مرتين. ثلاث. لا جواب.
همس في نفسه:
— "هذا ليس طبيعيًا."
بدأ يمشي في الشوارع المجاورة، ينادي بصوت خافت:
— "ستيلا؟"
مرّ بزقاق ضيق، وتوقف أمام آثار إطار سيارة حديثة.
انحنى، لمس الأرض، ورأى ورقة صغيرة، كانت تحمل نقطة حبر سوداء، مألوفة.
خطّي.
---
في غرفة الخطف، كنت لا أزال أقلب القلادة بين أصابعي.
ثم نظرت إلى آيدن وسألته:
— "لماذا أنا؟"
صمت.
ثم أجاب بصوت متهدّج:
— "لأنك كنت الوحيدة التي رأتني إنسانًا."
---
نظرت إليه طويلًا، وقلت:
— "هذا لا يبرر شيئًا، آيدن. أنا لست الضحية التي تنتظر أن تُذبح، ولا الذكرى التي تحتفظ بها في جيبك."
وقف، ابتعد قليلًا، ثم قال بصوت خافت:
— "لهذا السبب بالذات... أنتِ مفتاح البداية."
---
كان الباب خلفه يُفتح مجددًا.
عاد الحراس، وجوههم متجهمة.
قال أحدهم:
— "ماذا نفعل بها؟"
أجاب آيدن:
— "دعوني أفكّر… ليس بعد."
---
وفي الخارج، ستيف كان قد وصل إلى شارع الزقاق القديم.
أخرج من جيبه أداة صغيرة، وركّبها في ساعته.
جهاز تتبّع بسيط، كان قد زرعه مسبقًا في معطف ستيلا، "للحالات الخاصة فقط"، كما قال لها مازحًا قبل أسابيع.
أضاءت نقطة حمراء على الخريطة الصغيرة.
همس:
— "ها أنتِ… سأجدكِ، حتى لو تحت الأرض."
...
---
الفصل السابع
رصاصة في الظلال
كان الليل قد تمدد فوق المدينة كوشاح أسود، لا نجمة تلمع، ولا نسمة تهدّئ من توتر الأرواح.
"ستيف" كان يقود سيارته بسرعة، عيناه على الشاشة الصغيرة المعلقة في الزاوية اليمنى من التابلوه، حيث تومض النقطة الحمراء الثابتة، تشير إلى مكانها.
ـ "أنتِ لستِ بعيدة، ستيلا... تماسكي."
انحرف فجأة إلى طريق ترابي ضيق، تتراكم حوله الأبنية المهجورة، والأشجار اليابسة تقف كحرّاس صامتين على أطراف الزقاق.
في آخر الطريق، ظهرت بناية مهجورة، نوافذها مكسورة، وبابها الأمامي شبه مخلوع.
أوقف السيارة على بُعد أمتار، وأطفأ المحرك.
تنفّس بعمق، ثم فتح الدرج الجانبي، وسحب مسدسًا صغيرًا أخفاه في منديل أسود.
قبّله بهدوء، كما لو كان يتذكّر شيئًا، ثم خرج من السيارة بخفّة، وبدأ يقترب.
---
كان هناك حارسان عند الباب، يتبادلان الحديث بصوت خافت.
لكن لحظة رؤيتهم له، صرخ أحدهما:
— "مَن هناك؟!"
لم يتردد ستيف.
رفع سلاحه، وأطلق أول رصاصة —
ثم الثانية —
الأولى أصابت كتف الحارس الأيسر،
والثانية اخترقت صدر الآخر وأسقطته أرضًا بلا صوت.
ركض نحو الباب، لكن رصاصة خاطفة انطلقت نحوه من الأعلى، استقرت في كتفه الأيسر.
صرخ بألم، تراجع للحظة، أنفاسه تتسارع، الدم بدأ ينزف بغزارة.
لكن عينيه ظلّتا ثابتتين، عنيدتين، كأنه لا يعرف الألم.
ـ "لا وقت للرحمة..."
همسها، ثم رمى المسدس الفارغ.
---
اندفع نحو الحارس الأخير، قبض على ذراعه، ثم وجّه لكمة مباشرة إلى الفك.
ارتطم جسد الرجل بالجدار، لكن الثاني باغته من الخلف بعصا معدنية.
تراجع ستيف نصف خطوة، ثم دار بسرعة، ووجه ضربة بقدمه إلى ساق الحارس، ثم قبض على عنقه وألقاه أرضًا.
ركل السلاح بعيدًا، وتنهّد بصعوبة.
فتح الباب الداخلي بخفة، يده ما تزال تنزف، لكنه لا يتوقف.
---
في الداخل، كانت "ستيلا" قد سُمِح لها بالخروج من الغرفة، يسحبها أحد الحراس بأمر من آيدن.
لم تكن تدري ما الذي ينتظرها، حتى انفتح الباب بعنف...
ودخل "ستيف"، مضرجًا بالدم، يلهث، لكنه واقف.
صرخت ستيلا فور رؤيته:
— "ستيف؟! ماذا تفعل؟!"
حاول الحارس الذي يمسك بها أن يسحبها للخلف، لكن ستيف هجم عليه بلا تردد، طرحه أرضًا، وحرّر ستيلا.
أمسك يدها، وهمس:
— "يجب أن نخرج... الآن!"
---
[…]
خرج آيدن من الممر المقابل، خطواته هادئة، عيونه باردة كجليد قديم…
لكن ما إن وقعت عينا "ستيف" عليه، حتى جحظت ملامحه.
شحب وجهه، وكأنّ شبحًا خرج من قبر ذاكرته.
همس دون أن يعي أنه نطق:
— "…أنت."
آيدن، بدوره، لم يُخفِ دهشته.
توقف، ناظرًا إليه بنظرة مزدوجة بين الاستفهام والتأكد.
ـ "ستيف…؟"
قالها آيدن، وكأن الاسم خرج من حلقه بصعوبة، كما يخرج الغبار من كتابٍ مغلق منذ عشر سنوات.
التفتت "ستيلا" بين الاثنين، ثم نظرت إلى ستيف، وقد بدأ أنفاسه تثقل.
ـ "أنتما… تعرفان بعضكما؟"
لكن لم يجب أحد.
خطا ستيف خطوة للأمام، يده لا تزال تنزف، نظر إلى آيدن نظرة لا تحمل سوى الألم والخيانة، وقال ببطء:
— "كنتَ آخر من ظننته سيتحول إلى هذا الوحش."
ابتسم آيدن ابتسامة صغيرة، مليئة بالمرارة:
— "وأنت... كنتَ آخر من توقعت أن يحمل سلاحًا من أجلها."
صمت لثوانٍ، ثم أضاف وهو ينظر نحو ستيلا:
— "لكنّها ما زالت قادرة على جمع ماضينا... كأن شيئًا لم يتغير."
ارتجف وجه ستيف، قبضته انشدّت، كأن كل ذكريات الميتم عادت دفعة واحدة:
الصوت، الطين، البرد، الخوف، والأصوات التي تبكي في الليل…
كانوا ثلاثتهم هناك.
كانوا أطفالًا...
لكن واحدًا منهم اختفى ذات ليلة، ولم يعد.
همس ستيف وهو يتقدم ببطء:
— "كنا نظنّك ميتًا يا آيدن... ظننا أنك احترقت مع الدار."
أخفض آيدن نظره لثوانٍ، ثم رفعها:
— "ربما أنا كذلك... كل ما تبقى هو ما ترونه أمامكم."
---
رفعت ستيلا عينيها بتردد، نظرت نحو آيدن… ثم إلى ستيف، وقالت:
— "أنت لم تخبرني قط… أنكما كنتما معًا."
لم يجب ستيف، فقط قال بصوت منخفض:
— "لأنه كان جزءًا من الألم الذي اخترت أن أدفنه."
---
في تلك اللحظة، نادى أحد الحراس:
— "سيدي، ما أوامرك؟"
أدار آيدن رأسه إليهم، ورفع يده بحزم:
— "دعوهما يذهبان."
اعترض الحارس الآخر:
— "لكنهم... رأوا المكان."
تقدّم آيدن خطوة إلى الأمام، صوته هادئ لكنه يحمل تهديدًا لا يُناقش:
— "قلت: دعوهما."
خفض الرجال أسلحتهم، فتحت ستيلا فمها لتقول شيئًا، لكنها لم تجد الكلمات.
أما ستيف، فكان لا يزال يحدق في عيني آيدن، كأنه يبحث عن ذلك الطفل الذي احترق واختفى.
وقبل أن يغادر، قال ستيف بصوت متهدج:
— "إن كنتَ ما زلتَ فيه شيء من آيدن… فاتركها خارج هذه الحرب."
رد آيدن بصوت خافت، لا يسمعه إلا هو:
— "ربما الحرب بدأت لأجلها."
---
---
الفصل الثامن
جذور في الرماد
كانت الريح باردة حين أغلق ستيف باب السيارة، وساعد ستيلا على الجلوس في المقعد الأمامي.
يده كانت ترتجف قليلًا، لا ندري أهو من الألم، أم من تلك المواجهة القديمة التي فُتحت جراحها فجأة؟
أدار المحرك بسرعة، وانطلقت السيارة في ظلال الشوارع المعتمة.
بقيت صامتة، تحدّق من النافذة، وكل شيء في رأسها يدور.
صوت "آيدن"... وجهه... القلادة... نظرات ستيف حين رآه... كلها تعيد ترتيب ذكريات لم تكن تعلم أنها تملكها.
قطع الصمت صوت ستيف، كان صوته منخفضًا، أقرب إلى أنين داخلي:
— "لم أتوقّع أن يكون هو… بعد كل هذه السنين."
لم ترد.
أدارت وجهها نحوه، وهمست أخيرًا:
— "لماذا لم تخبرني أنّه كان معنا في الميتم؟"
شدّ على المقود، وابتلع غضبه، ثم قال:
— "لأننا دفنّاه سويًّا، ستيلا… أو على الأقل، ظننا أننا فعلنا."
---
توقفت السيارة عند أحد الأزقة الضيقة المؤدية إلى قصرها.
ترجّلت بخطى بطيئة، والدم ما زال يلطخ كمّ معطفه.
التفت نحوها وقال وهو يفتح باب القصر:
— "لن نسمح له أن يُعيدنا إلى تلك الأيام.
لن أسمح له… أن يلمسكِ."
نظرت إليه طويلًا، ثم دخلت القصر بصمت.
---
في الداخل، كانت "آيرس" تسير جيئة وذهابًا في الصالة الكبرى، صوت كعب حذائها يتردد في أرجاء القصر الصامت.
وعلى الحامل الحديدي المتدلّي من السقف، كانت "آيسون" تحرّك رأسها جيئة وذهابًا بطريقة غريبة، كما لو أنها تشعر بخطرٍ اقترب ثم اختفى فجأة.
فور دخول ستيلا، ركضت إليها آيرس:
— "أين كنتِ بحق السماء؟! اختفيتِ لساعات! هاتفك مغلق! كنتُ على وشك الاتصال بالشرطة!"
تقدّمت ستيلا بخطوات واثقة، رغم أن عقلها يغلي من الداخل.
— "لا تقلقي... لقد وجدتُ شيئًا... أو لنقل، أحدًا."
رفعت آيرس حاجبيها.
— "مَن؟"
تردّدت ستيلا، ثم نظرت إلى ستيف الذي دخل خلفها، يضغط على جرحه بقطعة قماش:
— "آيدن."
عمّ الصمت.
---
في تلك الليلة، جلسوا ثلاثتهم حول طاولة القاعة.
ستيف يلفّ كتفه بالضمادات، وآيرس تراقبه بقلق، بينما ستيلا تحدّق في المدفأة، والنار تعكس وهجًا على وجهها المتوتر.
قالت آيرس بنبرة مترددة:
— "آيدن؟ كنتِ تذكرين طفلًا بذلك الاسم في الميتم، أليس كذلك؟"
هزّت ستيلا رأسها، ببطء.
— "نعم… لكنه اختفى. الجميع ظنّ أنه مات في الحريق… حتى أنا."
ردّ ستيف:
— "الحقيقة أن الحريق لم يكن صدفة… لم يكن حريقًا عاديًا."
نظرت إليه، فتابع:
— "في تلك الليلة… كان هناك رجلٌ غريب، دخل الدار، حمل آيدن… وهرب به. رأيتهم من النافذة الخلفية. كنتُ سأقول، لكن المديرة منعتني، قالت إنّه تمّ التخلّص منه."
شهقت آيرس، ثم همست:
— "هل كان… تجربة؟"
لم يجب أحد.
---
تسلّلت ستيلا إلى غرفتها بعد منتصف الليل، خلعَت معطفها الملطخ، ووقفت أمام المرآة.
— "آيدن… كيف تحوّلت؟ كيف وصلتَ إلى هذا الظلام؟"
كانت البومة "آيسون" تطلق صوتًا غريبًا، لم تسمعه ستيلا من قبل.
قفزت من عمودها، ووقفت على حافة النافذة، تحدّق في ظلام الخارج.
كأنها تقول:
الخطر لم ينتهِ بعد.
---
استلقت ستيلا على السرير، لكن عيناها ظلّتا مفتوحتين.
عادت إليها صورة القلادة... والمصباح المتدلّي... وآيدن راكع أمامها.
ثم… صورة أخرى.
طفلة ترتجف في زاوية الميتم، وطفلٌ يمدّ يده، يحمل القلادة نفسها.
سمعت صوته في ذهنها:
— "وعديني… إن اختفيت، لا تبحثي عني."
— "لماذا؟"
— "لأنني لا أريدك أن تري ما سأصبح."
فتحت عيناها فجأة، تنهّدت، وقلبها يهمس:
— "لقد بحثتُ، ووجدتُك… يا آيدن."
---
---
الفصل التاسع
خيوط لا تُرى
---
أقف وحدي في الزاوية المعتمة من الطابق العلوي.
المكان هادئ… أكثر مما أحتمل.
أنظر من النافذة نحو المدينة الغارقة في صمتٍ مريب، يشبهني.
ستيف… ستيلا…
وجهان من ماضٍ ظننت أنني قطعته، مزقته، دفنته في الرماد.
لكن ستيلا؟
كانت دائمًا الاستثناء الوحيد.
حين رأيتها أمامي، مقيدة، نظرتها تتحدّاني، كأنّ كل سنوات الغياب لم تمر، كل ما فعلته لأبقى بعيدًا… تحطّم بتلك النظرة.
---
جلست على الكرسي، ووضعت القلادة فوق المنضدة.
تدور بين أصابعي، تمامًا كما كانت تفعل حين أعطيتها لها أول مرة.
لم تكن هدية، كانت وصية.
"إذا اختفيت، لا تبحثي عني."
لكنها بحثت.
---
دخل الحارس الأول، وهو يحمل ملفًا أسود.
قال دون أن يرفع عينيه:
— "الوحدة الجنوبية أنهت ما طلبته، والجهاز الذي زُرع في معطفها… تم تعطيله."
أومأتُ برأسي.
أخذت الملف، وفتحته. صور. تقارير. تحركات.
كل شيء عن ستيلا.
مكان دراستها.
عدد أكواب القهوة التي تشربها صباحًا.
متى تزور المكتبة.
متى تضحك، ومتى تصمت.
راقبناها لأسابيع، ننتظر اللحظة المناسبة.
لكن ما لم أكن مستعدًا له… هو وجهي في عينيها.
---
خرجت من المكتب إلى الشرفة العلوية.
الرياح تعبث بشعري، والمدينة تحت قدمي تشبه لوحة مقلوبة.
لا أحد يرى الحقيقة هنا، الكل غارق في وهمٍ من صنعنا.
ورائي، ظهرت "كيرا"، إحدى قادة الشبكة.
امرأة في الأربعين، صارمة النظرات، ترتدي معطفًا رماديًا ونظارات عتيقة.
قالت بصوت حاد:
— "هل فقدت تركيزك، آيدن؟"
لم ألتفت.
— "بل وجدت ما كنت أهرب منه."
— "الفتاة؟"
أجبتها:
— "اسمها ستيلا. ليست فتاةً فقط. هي مفتاح."
ضحكت بسخرية:
— "مفتاح لقفلٍ عاطفي؟ أو لقبوٍ من الأسرار؟"
استدارت نحوي وقالت:
— "نحن لا نلعب بالذكريات هنا. أنت تعلم أن من ينكسر، يُستبدَل."
نظرت إليها ببرود:
— "أنا من صمّم هذا النظام، كيرا. لا أحد يستبدلني."
ابتسمت، ثم اقتربت وهمست:
— "إذن أثبت ذلك… الدم وحده يُثبت الولاء."
---
في تلك الليلة، دخلت الغرفة السرية في مقر الشبكة،
على الجدران صور كثيرة — وجوهٌ مألوفة، منهم من اختفى، ومنهم من سيُمحى.
وفي المنتصف… صورة ستيلا.
بجانبها، ملاحظة صغيرة بخط يدي منذ سنوات:
"احذفها فقط إن خانتك."
وقفتُ أمامها، نظرت في عينيها من خلال الورق، ثم أطفأت الضوء.
---
لكن الحقيقة؟
أنا لا أستطيع أن أحذفها.
أنا الذي صنعتُ هذا الجحيم… لكنّها كانت نوري الوحيد حين كان الليل يغمرني.
لا أستطيع أن أقتل تلك التي علّمتني النطق… حين كنتُ مجرد صدى.
---
في زاوية الغرفة، كان هناك طفل صغير يجلس في ذاكرتي.
عيناه تشبهان عيني الآن، لكن بدون قسوة، بدون ماضٍ.
قال لي:
— "لماذا فعلتَ كل هذا؟"
همست:
— "لأني كنتُ وحيدًا."
فردّ الطفل، وعيناه تدمعان:
— "لكنك لم تكن وحدك… كانا معك."
ثم اختفى.
---
الفصل العاشر
وجه الموت خلف الزجاج
---
كانت الشمس بالكاد قد ارتفعت فوق الأشجار العالية التي تحيط بحيّ "فيلا أوريون" الراقي.
الهدوء الذي يسبق اليوم كان ثقيلًا... لا عصافير، لا صوت خطوات…
كأنّ المدينة حبست أنفاسها.
استيقظتُ على صوت طرقات متسارعة على باب القصر.
وضعتُ معطفي الطويل على كتفي، ونزلت الدرج بخطى حذرة.
آيرس كانت قد فتحت الباب بالفعل، وعيناها الواسعتان تحملان توترًا غير مألوف.
وراءها، وقف الشرطي "لوراكس"، أحد رجال الشرطة المعروفين، وجهه شاحب، وقبعته في يده.
قال بصوته العميق:
— "آنسة روبيرتو… أنا آسف، لكننا نحتاج وجودك فورًا."
رفعت حاجبيّ:
— "ماذا حدث؟"
تردّد قليلًا، ثم همس:
— "جريمة قتل… أمام منزلكم مباشرة."
---
خرجتُ مع آيرس، وما إن خطونا خارج البوابة الحديدية، حتى تجمّد الدم في عروقي.
الشارع الصغير الذي يفصل قصرنا عن بيت "جاك" كان يعجّ بالشرطة، والأشرطة الصفراء تلفّ المكان.
سيارة إسعاف متوقفة، والإضاءة الزرقاء تومض فوق رأسها، تصرخ ولا أحد يسمعها.
اقتربتُ ببطء، ووقفتُ خلف الحاجز.
ثم رأيت الجثة.
"جاك"…
ذلك الشاب الغريب، الذي لطالما راقبني من نافذته، يبتسم بطريقة مريبة، يلوّح لي كل صباح وكأنه عاشق سري.
كان الآن ممددًا في منتصف الممر الحجري المؤدي إلى منزله.
وجهه شاحب، مفتوح العينين.
لكن عينيه كانتا... مقلوبتين إلى الخلف.
على جبهته، رُسم رمزٌ غريب بالحبر الأحمر.
عنكبوت يتدلّى من خيط، وأسفله ثلاث نقاط مرتبة بشكل مثلث.
تمامًا كالجريمة التي لم تُحلّ بعد… تلك التي وجدتُ فيها نفس الرمز مرسومًا على جدار تحت الجسر.
همستُ بصوت خافت، كأنني أخاطب نفسي:
— "هذا مستحيل..."
---
لم أضِع وقتًا.
دخلتُ مسرح الجريمة بإذنٍ من لوراكس، وبدأت أفحص المشهد.
كان هناك شيء غريب على وجه جاك… كأن الجلد مشدود، وكأن الابتسامة رُسمت بقوة خارقة.
فحصت يده.
تحت ظفر إصبعه الأوسط… قطعة ورق صغيرة مطوية.
فتحتها بحذر.
كانت مكتوبًا فيها:
"الظلّ يتغذّى على العينين… والثالثة تُفتح قريبًا."
---
عدت إلى القصر بسرعة، ووجدت ستيف ينتظرني في الصالة، وهو يربط الجرح القديم على كتفه.
نظرت إليه، وقلت بنبرة حادّة:
— "هو لم يتوقف... نفس الرموز، نفس الطريقة. الجريمة القديمة تعود."
سألني وهو يجلس:
— "وهل تعتقدين أن آيدن خلف ذلك؟"
صمتّ.
قلبي يريد أن ينفي، لكن كل شيء يُشير إليه.
دخلت آيرس الغرفة، تحمل كوب قهوة لها وآخر لي.
نظرت إليّ بقلق:
— "جاك؟ هل… مات؟"
هززت رأسي، ببطء.
وضعت الفنجان على الطاولة، ونظرت إليهما معًا:
— "القاتل استخدم نفس الرمز الذي وجدناه في جريمة الحائط… قبل ستة أشهر."
— "أذكرها…" قال ستيف. "لكن الشرطة لم تجد دافعًا، ولم تكن هناك صلة بين الضحية وأي مشتبه به."
أضفت:
— "والآن… جاك. الجار الفضولي الذي لم يضرّ أحدًا… يُقتل بنفس الطريقة. هذا ليس قتلًا عاديًا، بل رسالة."
قالت آيرس وهي تحدق فيّي:
— "هل تعتقدين أن هذا يرتبط بآيدن؟"
هززت رأسي:
— "أظن أن هناك ما هو أكبر من آيدن… ربما هو حلقة من سلسلة… أو جزء من شبكة… شبكة عنكبوت."
---
في تلك الليلة، جلستُ وحدي في غرفة القراءة.
وضعت الرمز المرسوم على الورقة بجانب صورة الجريمة السابقة.
أشبّههما...
أقلب الرموز…
أربط التواريخ…
شيءٌ واحدٌ يتكرّر في كل مرة:
"العين الثالثة".
همستُ:
— "الضحية التالية… قد تكون قريبة."
ثم سمعت صوت الباب يُفتح.
ستيف دخل بهدوء، وقال:
— "هل ما زلتِ تظنين أن آيدن قد يحمل قلبًا؟"
نظرت إليه…
ثم إلى الورقة…
ثم همست:
— "سأكتشف… سواء كان هو القاتل، أو مجرد ظلّ يسير في ماضيّ."
---
---
الفصل الحادي عشر
العيون الثلاثة
---
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.
القصر غارق في سكون ثقيل، إلا من صوت عقارب الساعة على الجدار الطويل.
جلستُ في مكتبة القصر، والرموز منشورة أمامي كقطع لغز منسي.
رمز العنكبوت.
ثلاث نقاط مرتبة على شكل مثلث.
الجملة: "الظلّ يتغذّى على العينين… والثالثة تُفتح قريبًا."
مرّرت إصبعي على إحدى الصور، صورة الجدار تحت الجسر القديم، حيث رُسم نفس العنكبوت بالحبر الأسود، وكُتبت تحتها بخط باهت:
"العين الأولى لا ترى، والثانية تراقب… أما الثالثة، فهي من تحكم."
همست:
— "العيون الثلاثة... من هم؟ أو... ما هم؟"
---
دخلت آيرس، تحمل بيدها دفترًا جلدياً عتيقاً.
— "وجدت هذا في أحد الصناديق القديمة التي كانت تخصك حين عُدنا من الميتم… لا أعرف لماذا تذكّرتُه الآن."
تناولت الدفتر منها وجلست أقلب صفحاته.
خط طفولي، وعبارات مبعثرة… لكن في الصفحة الأخيرة، توقّف قلبي.
رسمة عنكبوت، مطابقة لتلك الموجودة على جبهة جاك.
وتحتها عبارة كتبتُها منذ أكثر من عشرة أعوام:
"آيدن قال: إن نظرت إلى العنكبوت أكثر من اللازم… سيبدأ بالنظر إليك."
شهقت آيرس:
— "هل هذا… من كلامه؟"
هززت رأسي:
— "آيدن كان يتحدث كثيرًا عن الرموز... حتى قبل الحريق."
---
قرّرت أن أذهب في الصباح إلى الجسر القديم.
نفس المكان الذي وُجدت فيه جثة "مارغريت"، ضحية الجريمة الأولى التي لم تُحلّ.
---
مع شروق الشمس، ارتديت معطفي الطويل، وخرجت بسيارتي نحو الجسر.
الهواء كان مشبعًا برطوبة خانقة، والضباب يلامس الأرض.
وقفت عند الحافة، نفس الجدار، وقد بُليت رسوماته… لكن شيء لم يختفِ:
الرمز لا يزال هناك، مشقوقًا ومنزوع اللون، لكنه يقاوم الزمن.
اقتربت منه، ولمست الحجر تحته.
لم يكن حجرًا عاديًا.
كان هشًا… كأن أحدهم أعاد تركيبه.
أزلته بأصابعي… ووجدت تحته ورقة قديمة، ملفوفة برباط جلدي.
فتحتها.
كانت تحتوي على خريطة، محفور عليها:
"ثلاثة مفاتيح، ثلاث جرائم، والمقبرة الأخيرة تحت المدينة."
---
عدتُ إلى القصر، وأخبرت ستيف وآيرس بما وجدت.
فتحنا الخريطة على الطاولة، وعيناي تحدّقان فيها بذهول.
ستيف قال:
— "هذه ليست خريطة عادية… إنها تقود إلى مكان معين، ربما مخبأ، أو مقبرة جماعية…"
آيرس أضافت:
— "والرموز الثلاثة؟ العيون؟ ربما الضحايا هم المفاتيح."
قلتُ بصوت هادئ:
— "مارغريت… جاك… ومَن التالي؟"
عمّ الصمت.
---
ثم نظرتُ إليهما وقلت:
— "إن كانت هذه شبكة… فآيدن ليس العنكبوت… بل إحدى العيون."
ستيف تمتم:
— "والعين الثالثة… لم تُفتح بعد."
---
يتبع...
---
Sadan Sarahneh